المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب الإحسان ، للشيخ عبد السلام ياسين


عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:30 PM
الإحسان
مقدمة
الرجال
عقبة واقتحام
الصحبة والجماعة
الذكر
الصدق
البذل
العلم
العمل
السمت الحسن
التؤدة
الاقتصاد
الجهاد

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:30 PM
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) .(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) .( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً(.
اللهم اجعلنا من الفائزين الفوز العظيم فضلا منك ومنة يا ملك يا وهاب.
أما بعد فقد كتبت كتاب "الإحسان" منذ سبع سنوات، ونشرت، خلسة من الرقابة الصارمة على المطابع أن تتعامل معنا، الفصل الأول منه تحت عنوان "الرجال".
كان بعض الفضلاء ممن يتأسفون على "سوابقي" الصوفية اقترح علي أن أكتب متبرئا من ماضيّ الصوفي. ولعلهم بحسن نية أرادوا أن يمحوا عني وصمة. ولعلهم ظنوها زلة. ولعلهم.
فهأنا أكتب بعد تسع وعشرين سنة مضت منذ وضعت قدمي في الحوزة المباركة يوم احتضنني وليدا تائبا حائرا وأنا في الأربعين من عمري شيخي وقدوتي إلى الله العارف بالله الشريف النسيب سيدي الحاج العباس بن المختار القادري نسبا البوتشيشي شهرة الشاذلي طريقة.
رحمه الله وأجزل له المثوبة بما غذى الوليد بذلك الغذاء الروحي الذي لا يخطر وجوده ببال من يسألني عن مؤلفات شيخي سؤال تبكيت، لأن الرجل العظيم رحمه الله ما كان معه من مؤهلات القُرّاء المهرة الحاذقين إلا زاد متواضع من حفظ القرآن والتفقه في الدين. عالم الروح وعجائب القلب واختصاص الله عز وجل من شاء من عباده بما شاء من مادة ترياق القلوب أمور ما عندَ المبكتين بها خبر. كان الله لنا ولهم.
وُلدت الميلاد المعتمد في طريق الله على يد محسن من المحسنين، في ظل قلب تزكى لما زكاه الله. شيخ صوفي قال الاصطلاح. ما هو التصوف وما بينه من علاقة وبين الالفاظ القرآنية النبوية مثل: إحسان، تزكية، أولياء، تقرب إلى الله، سابقون، مقربون، محِبون، محبوبون ؟ وهل بعد العلم يَرويه العلماء عن العلماء بما قال الله وقال رسول الله من مطلب؟
حاولت في الفصل المنشور منذ سنوات بعنوان "الرجال" أن أضع بين يدي العقلاء نماذج من علماء المسلمين وأفذاذهم الذين بحثوا عن عارف بالله يربيهم. وانهالت علي من بعض الناس حملات تؤكد جَهد أيمانها أن مؤلف كتاب "الإسلام بين الدعوة والدولة" لا يزال سادرا في غيه، مصرا على ضلاله، ناشرا لبدعته. وكفِّرْ الناس يا من لا يتورع ولا يحب أن ينزل لحظة عن رئاسته ليتعلم. سبحان الله! واحد أمضى بحول الله وتوفيقه تسعا وعشرين سنة في رحاب عمل الليل والنهار، وجُهد العقل والجسد والقلب ضال مضل. وواحد قرأ ورقات شتم ولعن وسب وتكفير في الصوفية كلامه حجة! سبحان الله!
أما بعد فهل ينفع أن نُثير المعارك حول التصوف، أم يجمُل أن نسكت؟ بل السؤال هو: أفينا من يصبر حتى يتعلم أم إن الأمر "أشار فأشار" ونمضي لشأننا على سطوح التسلف المجند يداً واحدة علينا مع "من غلبهم بالسيف حتى سمي أمير المؤمنين"، لا يحل عقيدة متوارثة أنْ نبيت ولا نراه لنا إماما مطاعا. أو نمضي لشأننا ببراح إسلام فكري ثقافي سياسي وما شئت، لكن دعنا، نرجوك، من الصوفية.
منذ عشرين سنة حمل أحد الإخوان كتابَيّ "الإسلام بين الدعوة والدولة" و"الإسلام غدا" إلى الموسم بمكة المكرمة. في مكة أهدى أخي سيدي أحمد الملاخ نسختين للسيد الجليل أبي الحسن الندوي. فلما انصرف الناس إلى المدينة المنورة إذا بالشيخ الندوي يبحث عن المغربي ليُحمله إلي رسالة شفوية مؤداها: "جزاك الله خيرا. صرحت بما لا نستطيع التصريح به".
كان أستاذ الأجيال ولا يزال وفقه الله يحمل عبئا ثقيلا في جمع شمل المسلمين بالهند. وكانت له صلات بجهات تخندق فيها العقيدة الحنبلية التيمية الوهابية شديدة المراس. لم تمنعه صلاته تلك أن يكتب ببيانه العذب وعلومه الواسعة دفاعا متنوع المظاهر عما سماه القرآن تزكية، وسماه الاصطلاح التاريخي تصوفا، وسماه شيخ الإسلام ابن تيمية فقه سلوك تعقّبه بالنقد بعد اطلاع واسع على دخائل من تسموا صوفية. فيهم أمثال الجنيد والشيخ عبد القادر وأضرابهم من أئمة الدين، وفيهم أكلة الأفاعي والراقصون والزنادقة والمجانين والسكارى الشطاحون. كل أولئك اجتهد شيخ الإسلام ليميز من بينهم الصالح من الطالح. الصالح والطالح في نظره.
كتب الشيخ أبو الحسن الندوي في "رجال الفكر والدعوة" و"ربانية لا رهبانية". ولكن العقلانية التيمية الصائلة في الميدان المدججة بالمال وسيل المطبوعات الفاخرة والجامعات تفرخ الدكاترة المجندين المتكلمين حراس العقيدة تترصد البدعة والضلالة والكفر والجهل وفساد العقيدة وراء كل ما ينطق بالتصوف. التصوف جملة واحدة ضلال قبل أي كلام.
وتحسَّرْ أنت وحدك يا من يحمل هم الأمة على ما تسرب إلى جوهر الدين من خلال التصوف الفلسفي الشاطح، وعلى ما تعانيه الدعوة من خواء روحي. هذه النفوس الصاحية إلى الإسلام، وهذا الشباب المتطلع إلى صلاح كيف نهدي إليه والمعمعة حامية بشرى التزكي وترياق الشفاء تحت شعار مقبول مثل "التربية الروحية" دون أن نذكر الكلمة/الحرب ودون أن نصارح هذه الأجيال الصادقة بأمانة وصدق أن التصوف عمل، وأن العلم بما هو التصوف فرض على كل ناصح لنفسه لا يقعقع له بالشنان زجرا له عما تصفه العقلانية المقتضبة بالبدعة والضلالة والكفر والزندقة كلمةً واحدة.
وليس من شأننا، ولا مما يشغلنا، ولا مما ينبغي أن يشغلنا الدفاع عن خطإ من أخطأ، وتثبيت أقدام من زل، وتذكير الناسي بما نسي.
يا من رخص عليه دينه فأوْرَى زند الحرب على المسلمين وشنها شعواء على المؤمنين! ويحك! أرثي والله لزهدك في الاطلاع على دينك! شعارك "الكتاب والسنة" وهو شعار المؤمنين. لكنك تفهم وحدَك متلففا في مذهبيتك الكتاب والسنة. وغيرك ضال ومضل. ما أنصفت نفسك إذ استخففت بأجيال العلماء من الأمة الذين دانوا الله قبلك وحققوا ودققوا ونصحوا. ولا أنصفت غيرك إذ اختصرت المسألة في تقابل ضدي بين تصوف كفر وعقيدة سليمة. العقيدة السليمة أنت، وغيرك جهمي معطل فاسق بدعي كافر. ويحك!
هل من سبيل يا أهل السماحة إلى الحديث في هذا الموضوع دون نفثات حسرة وغضب؟
أكثرت في هذا الكتاب من اقتطاف نصوص من أطايب الكلام لأمثال الشيخ عبد القادر والشيخ الرفاعي وشيخ الإسلام ابن القيم، خرقا للمنهجية الأكاديمية التي تأبى أن تسرد النصوص الطويلة. "لست من قيس ولا قيس مِنِي!". فلذلك أهدي القارئ من عيون البلاغة وأزاهر البيان.
قال المعترض: هذا عبد القادر وأحمد الرفاعي صوفيان مشهوران. فما بال ابن القيم وهو العالم السلفي المجيد؟
قلت: من قرأ تذييل ابن رجب على طبقات الحنابلة اطلع على ما عند سادة المذهب وأئمته رضي الله عنهم من تقوى وربانية وخشية لله تعالى. لا يحبون كلمة "تصوف" لكن سلوك أكابرهم يذكر بسلوك الصالحين في القرون الفاضلة.
ومن قرأ كتب ابن القيم مثل "مدارج السالكين" و"دار الهجرتين" وما فيها من الرقائق وبدائع الوعظ والتذكير والهمسات والزفرات المكتومة ربما أدرك أن في الأمر شيئا مميِّزاً بين العقلانية الصارمة للشيخ ابن تيمية والتلميذ ابن القيم.
وإن في الأمر لأشياء أعرضها في هذا الكتاب حين كتب شيخ الإسلام من سجنه الذي مات فيه رحمه الله ورفع درجته يعيِّر أصحابه بأنه ينقصهم الوجد، ويبشرهم بأن الله تعالى فتح له ما لم يكن بالحسبان.
سبحان الله! عُمْرٌ كامل في مزاولة العقل والنقل ومحاربة الوجد والواجدين، ثم انقلاب آخر رمق!
حارب قبل شيخ الإسلام الصوفية الإمام ابن الجوزي رحمه الله. ووصفهم في "تلبيس إبليس" -وصف ما شاهد وما سمع- بأنهم من "جملة الزهاد وقد ذكرنا تلبيس إبليس على الزهاد إلا أن الصوفية انفردوا عن الزهاد بصفات وأحوال وتوسموا بسمات فاحتجنا إلى إفرادهم بالذكر، والتصوف طريق كان ابتداؤها الزهد الكلي ثم ترخص المنتسبون إليها بالسماع والرقص فمال إليهم طلاب الآخرة من العوام لما يظهرونه من الزهد. ومال إليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب فلا بد من كشف تلبيس إبليس عليهم في طريقة القوم"[1]. ثم نجد ابن الجوزي في كتابه "صيد الخاطر" يقول: "مجرد العلم بالحلال والحرام ليس له كبير عمل في رقة القلب. وإنما ترق القلوب بذكر رقائق الأحاديث وأخبار السلف الصالحين وأذواق أهل التصوف".
ونجد الحافظ ابن الجوزي ينصح ابنه قائلا: "وعليك بكتاب "منهاج المريدين"، فإنه يعلمك السلوك، فاجعله جليسك ومعلمك، وتَلَمَّحْ كتاب "صيد الخاطر"، فإنك تقع بواقعات تصلح أمر دينك ودنياك"[2].
حنابلة أئمة يرجعون. هذا عير إخوانه في آخر حياته بأنه ينقصهم الوجد بعد أن حارب الوَجد وأهل الوجد عمرا حافلا. والآخر كشف عن تلبيسات إبليس لدى المتزهدة الذين يكثرون من الأكل والرقص والغناء، ثم ينصح أعز الناس عليه وأقربهم إليه، وينصح الأمة بالبحث عما يرقق القلوب ويوقظ القلوب لتذوق حلاوة الإيمان.
ولئن تركها ابن الجوزي رحمه الله إشارة إلى "أذواق أهل التصوف"، وتركها بعده شيخ الإسلام رحمه الله توجيها إلى طلب الوجد، فإننا بعون الله نُطَوِّف في رياض المربين المتزكين الذائقين الواجدين المحبين الوالهين في جلال الله وجماله، عسى يشيم صادق صابر معنا وصادقة صابرة من عبير النفح الروحي وعطر التزكية الإحسانية.
واذهب أنت يا من تمر على فتاوي ابن تيمية مر الكرام لا تقف عند فصوص الكلام ومفاصل العبرة، تكفر المسلمين وترفع لواء حمله قبلك فطاحلة ثم تخلوا عنه.
أكتب يا أهل السماح هذه المقدمة ليلة السابع والعشرين من رجب سنة 1414 تيمنا بالذكرى المباركة للإسراء والمعراج. على سيدنا وحبيبنا محمد رسول الله أزكى الصلاة وأطيب السلام. اللهم اهد قلوبنا لما فيه خيرنا وخير المسلمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
سلا، ليلة الإثنين 27 رجب 1414.



[1] تلبيس إبليس ص 145.
[2] لفتة الكبد في نصيحة الولد ص 66.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:31 PM
الرجال
معاني الإحسان
ألا وإن في الجسد مضغة
علم التصوف فقه واجتهاد
علوم القوم ومكانتها من بين العلوم
المحدثون والصوفية
الفقهاء تلامذة الصوفية
بين التشدد والاعتدال
مراجعة وتوبة

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:31 PM
معاني الإحسان
لفظ "الإحسان" يدل على معاني ثلاثة ورد بها القرآن ووردت بها السنة:
1- الإحسان بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
2- الإحسان إلى الناس، كالوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والمسلمين وسائر الخلق أجمعين.
3- إحسان العمل وإتقانه وإصلاحه، سواء العمل العبادي أو العادي أو المعاملاتي.
مجموع هذه الدلالات يعطينا مواصفات المؤمن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، يعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس وبالأشياء. علاقته بربه تكون إحسانية إن حافظ على ذكره لايفتر عن مراقبته وخشيته ورجائه ودعائه ومناجاته. بهذا الإحسان في عبادة ربه يطيب قلبه وتجمل أخلاقه وتصلح نواياه وأفعاله فيكون للخلق رحمة يعم نفعه العالم الأقرب فالأقرب. ونفعه للمجتمع وللناس كافة لا يتوقف على حسن النية وجمال القصد والإسراع إلى الفعل فقط، بل يتوقف أيضا، وبالمكانة المؤكدة، على خبرته ومهارته وقدرته على إتقان ما هو موكول إليه من أعمال.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البيهقي رحمه الله عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه". ومن حديث مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء". في هذين الحديثين نجد المعنى الثالث للإحسان عائدا إلى المعنى الأول، حصول الأول متوقف إلى حد على حصول الثالث. ويعم حب الله تعالى المحسنين، أكملهم نصيبا من حبه تعالى من عبده ذاكرا نافعا للعباد متقنا مجيدا، يعطيه إتقانه الوسائل الضرورية لإرضاء الحاجات الدنيوية لنفسه وعائلته وأمته، وتؤهله خدمته وإنجازاته الدنيوية للتقرب من الله رب العباد من خلال هذه الإنجازات نفسها.
وردت عبارة )إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ( أو ) وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ( في سورة البقرة، وفي سورة آل عمران مرتين، وفي المائدة مرتين. وفي القرآن آيات عديدة تعد أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن الله لا يضيع أجر المحسنين، وأن البشرى للمحسنين. حض على الإحسان متكرر، فما هي حقيقة الإحسان تفصيلا؟
بعد أن وضعنا على رأس هذه الفقرة المعاني الثلاثة مرتبة، نستمع إلى بيان ترجمان القرآن رسول رب العالمين لنضع الإحسان في مكانته من الإسلام والإيمان. فإن الإحسان ما هو معنى عائم هكذا، عام الدلالة بعموم المدلول اللغوي، بل الإحسان رتبة في الدين ودرجة في التقوى، لها الأهمية القصوى. الإحسان غاية الغايات ومحط نظر ذوي الهمم العالية من الرجال. لأهمية الإحسان هذه البالغة شاء الله جل شأنه أن يرتب للصحابة رضي الله عنهم ولنا من بعدهم حادثة تلفت النظر وتعلق بالخيال، وتخاطب العقل والوجدان، لكيلا يفهم المسلمون دينهم فهما مسطحا. هذه الحادثة هي نزول جبريل عليه السلام لاستجواب الرسول الكريم وهو بين أصحابه في مجلس تعليمه. رأوا الملك المقرب جميعا وشهدوا الحوار. هذه لوحة خالدة للتعليم الرباني يرويها الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة وأبي ذر رضي الله عنهما بصيغة مقتضبة نمسك منها عبارة أن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". في هذه الرواية يقول الحبيب آخر الحديث: "هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم".
نأخذ الرواية الأتم، ننقلها بتمامها لأهميتها البالغة، أخرجها مسلم وأبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تومن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتومن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق. فلبثت مليا (أي قليلا) ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم".
نعم يا حبيب الله أنت المعلم نعم المعلم جزاك الله عن هذه الأمة ما هو أهله. لكن رحمته سبحانه بنا، وحرصه على أن نتعلم ديننا كاملا وافيا، لما يعلم من قصور فهمنا وغلبة النسيان علينا واختلاط معالم الأمور في ذاكرتنا، بعثت معلما مساعدا سماويا هو رفيقك ومحاذيك في إسرائك ومعراجك. عليك صلاة الله وسلامه وعلى الملك الكريم.
الإحسان أن نعبد الله كأننا نراه. درجة ثالثة بعد الإسلام والإيمان، فوقهما، بناء عليهما لا تحليقا، لا إيمان بلا إسلام، ولا إحسان بلا إيمان.
الله سبحانه أحسن صبغة وأحسن قيلا. وهو أحسن الخالقين. ومن إحسانه يفيض الخير على من أقرض الله قرضا حسنا، وعلى من أبلى بلاء حسنا. منه إلينا الرزق الحسن والمتاع الحسن في الدنيا والحسنى وزيادة في الآخرة إن نحن أحسنا في هذه الدنيا حسنة، وهاجرنا فيه سبحانه ليبوئنا في الدنيا حسنة. يزيدنا حسنا إن اقترفنا حسنة ويعطينا إن أحسنّا الدعاء في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.
له الأسماء الحسنى سبحانه. دعانا رسوله المصطفى بالموعظة الحسنة، فإن نحن استجبنا لربنا وصدقنا بالحسنى أعطانا الحسنى في هذه الدار، وجعلنا من المبعدين عن النار مع الذين سبقت لهم منه الحسنى.
أمرنا أن نتبع أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، وهو كتابه العظيم وسنة رسوله الكريم، وفي كتابه وسنة رسوله الإحسان إلى الوالدين، والدفع بالتي هي أحسن رفقا بالخلق وملاطفة، وأن نقول للناس حسنا، وأن نجازي بالإحسان إحسانا.
خلقنا سبحانه في أحسن تقويم، ثم ردنا أسفل سافلين في دار الامتحان ليبلونا أينا أحسن عملا، فمن آمنوا وعملوا صالحا كان لهم أجر غير ممنون، وكلما كان إيمانهم أكمل وعملهم أحسن كانوا أقرب إلى نيل كمالهم الأخروي حيث يحشرون إلى دار النعيم في أحسن تقويم. خرجوا من الامتحان صالحين. هنالك في مقعد الصدق يقال لهم ما قيل للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين: سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين. سلام على آل ياسين إنا كذلك نجزي المحسنين. ) لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ( (سورة الزمر، الآية:33). هنالك يستبشرون )آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ( (سورة الذاريات، الآيات:16-19).
وللمحسنات مثل ذلك، لنساء نبي الله وحبيبه القانتات التائبات العابدات قيل في الكتاب العزيز: )وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً( (سورة الأحزاب، الآية:29). ولكل مؤمنة قيل ذلك يا من يسمع كلام الله، ويفهم عن الله، يرجو الله، ويخاف الله، ويحب الله. لا إله إلا الله. والحمد لله.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:31 PM
ألا وإن في الجسد مضغة
نريد في هذا الفصل أن نقف عند فقهاء التربية أطباء القلوب، وأن ننظر في هذا الطب العظيم كيف عالج به أهل الإحسان أنفسهم وتلامذتهم. نريد أن نلمس طريقا لمعرفة كلمة الحق في موضوع خطير، موضوع السلوك إلى الله جل وعلا. كثر حوله النزاع وتضاربت الآراء، واحتدم الخلاف، وحميت المعركة.
كنت كتبت منذ خمسة عشر عاما وأنا يومئذ لا أزال في بداياتي عن صحبتي لشيخ عارف بالله رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عنا خيرا، وأدليت بما كان معي يومئذ من شهادة، واستشهدت بنقول أستأنس بها ببراءة من اكتشف عالما فأخذ يصيح بكل قواه ليجلب انتباه الناس، لا يبالي بمن صدق أو كذب أو شك. تلك النقول ألزمني بها بعض الناس ما لا يلزم، كفرني بعضهم لأني ذكرت فلانا وفلانا فلم أكفر أحدا، واستخرفني آخرون لحديثي عن الغيب والكرامات.
الآن أعود إلى الموضوع لا لأتبرأ من الصوفية كما ألح علي بعضهم، ولا لأتحمل تبعات غيري، لكن لأقول كلمة الحق التي لا تترك لك صديقا، لكن لأتجاوز مرحلة كانت النقول عن الرجال ما دون كتاب الله وسنة رسوله سندا لطفولتي في طريق القوم. الآن وقد شب عمرو عن الطوق بفضل الملك الوهاب أعود لأشهد شهادة الحق أرجو بها وجه الله، أعود لأحدث من يقرأني حديث القلب عن القلب وعن الإحسان وعن محبة الله ورسوله وعن المعرفة وعن الكمال. كل ذلك من خلال عرض هادئ لقضايا التصوف، ومن خلال نصوص لا خلاف حول مؤلفيها، فأنا لا أحب أن أدخل في جدل ولا وقت لدي أضيعه في الدفاع أمام محاكمات لا تنتهي.
لست أدعو إلى التصوف، ولا أحب الاِسم والشكل لأني لا أجدهما في كتاب الله وسنة رسوله بعد أن اخترت جوار القرآن والجلوس عند منبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. لا، ولا حاجة لي بالمصطلحات المحدثة، فلي غنى عنها بلغة القرآن وبيان إمام أهل الإحسان. لكن الحق الذي مع الصوفية، حق حب الله تعالى وابتغاء وجهه وإرادة الوصول إليه والتماس الطريق لمعرفته وما يكرم به الحنان المنان المصطفين من عباده، حق ثابت في القرآن والسنة، ثابت في حياة من تعرض لنفحات الله وصدق في الله وذكر الله وسار إلى الله. ذاك حق شهد به الرجال تحدثا بنعمة الله عليهم، وأنا أسعد الناس إن كان لشهادتي سامعون واعون هبوا من سبات الغفلة لصرختي هذه الهادئة، وتيقظوا يقظة القلب، وتجافوا عن الحياة الدنيا، وفزعوا إلى من يدلهم على الله حتى يعرفوا الله. أنا أسعد الناس إذاً إن حصل في ميزان حسناتي أفواج من المحسنين كنت لهم صوتا يقول: من هنا الطريق، من هنا البداية.
إن عُرا الإسلام أول ما انتقض منها الحكم، ثم توالى نقض عُراً أخرى حتى اختل المجتمع الإسلامي، والعقل الإسلامي، والوحدة الإسلامية، والشورى والعدل الإسلاميان. ولئن بقي للأمة وجود البتة، ولئن بقي لها تماسك استعصى على عوامل النقض والتفتيت أن تبلغ مداها، فالفضل لله عز وجل ولكتابه وسنة رسوله ثم لرجال كانوا غياث الخلق مصابيح الهدى. في كل إقليم كان دعاة مربون. كان الواعظ مربيا له نفوذه الروحي على قدر ما معه من خشية الله. كان المدرس مربيا على مقدار ما وصل العلم بالعمل الصالح. كان الجار للجار وإمام المسجد وعائل الأسرة مربين على قدر ما ورثوا بالصحبة والملازمة لمن قبلهم من تقوى الله.
كان النسب القلبي الفطري حياة سارية بالإيمان في أوصال الأمة، وكان أهل النسبة الوثقى أولياء الله تعالى أهل كرامته محطات يشع منها الإيمان الأقرب فالأقرب.
هذا التماسك الموروث بالانتساب القلبي، بالتحاب في الله، والخلة في الله والتواصي بالحق والصبر، هو كان ولا يزال روح الأمة ومناط وجودها وبقائها ومنعتها على الفتن.
في عصرنا توشك هذه العروة القلبية أن تتلاشى. لذلك يكون المطلب الإحساني أسبق المطالب في سلم الأولويات، ويكون طب القلوب أهم علم، وتطبيقه أهم عمل. جسد الأمة متداع نهب للناهبين. يستطيع المحلل السياسي والخبير الاقتصادي والباحث الاجتماعي أن يشخصوا أعراض الانحلال في جسد الأمة. وينبري أصحاب "الحل الإسلامي" و"البديل الإسلامي" ليقترحوا علاجا "إسلاميا" وفقا لذلك التشخيص، وفي مستواه من المادية والعقلانية، واستجابة له، وتبنيا لما تعرفه المجتمعات البشرية من بواعث ومنازع.
التشخيص النبوي وصف داء الأمة حين تنحل وتصبح غثاء كغثاء السيل، وسماه "وهنا" وهو حب الدنيا وكراهية الموت. العلاج النبوي لهذا الفساد نستنبطه من حديث المصطفى الكريم عن الأجساد تفسد أو تصلح بفساد أو صلاح مضغة فيها تسمى القلب. من حديث رواه الشيخان وغيرهما عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "... ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
صلاح التيار القلبي الإيماني الساري في أوصال الأمة يكون بصلاح قلوب المؤمنين. وصلاح القلوب يكون بالتربية. وللتربية أصول وقواعد من كتاب الله وسنة رسوله. حفظها وحافظ عليها القوم رضي الله عنهم، واجتهدوا واجتهادهم فرع. ونحن، وإن استدللنا في طفولتنا بالفرع على وجود الأصل واقتبسنا والتمسنا نورا من الفروع، لا نبتغي بالأصل بدلا.
في الأصل نجد أن "أول علم يرفع من الناس الخشوع" هذا جزء من حديث شريف عند الترمذي. ونجد أن "أكثر منافقي أمتي القراء". وهذا حديث عند الإمام أحمد. فالإسلام الثقافي، إسلام العقل والقراءة، والقلوب فارغة من خشية الله، مرض آخر زائد على أمراض الأمة الكثيرة. ونجد في الأصل أن "أخوف ما أخاف عليكم كل منافق عليم اللسان" وهو حديث عند الإمام أحمد، والنفاق يعشش في القلوب إذا خلت من الإيمان أو سبق إليها النفاق فلم يدخلها الإيمان قط. في كتاب الله عز وجل نجد آية: ) قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ( (سورة الحجرات، الآية: 14).
عن الإيمان والإحسان نبحث، فنجد أنهما عقد بالقلب يتبعه نطق باللسان وعمل بالجوارج. محصور الإيمان بهذا العقـد القلبي. قال تعالى: ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ( (سورة الأنفال، الآيات:2-4). ذكر الله وَوَجَلُ القلب والتوكل على الله أعمال قلبية يتفرع عنها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وسائر أركان الإسلام وشعب الإيمان. قال الله تعالى: )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ( (سورة الحجرات، الآية:15). إنما في اللغة حرف حصر، فلا إيمان دون عقيدة لا ترتاب وجهاد لا ينثنى بالمال والنفس، باعثه ابتغاء مرضاة الله، طريقه سبيل الله.
قال الله تعالى: )إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ( (سورة السجدة، الآية: 15). فكم من ساجد بالجسد مسبح باللسان لم يحصل له الخضوع والخشوع للواحد القهار، فظل مستكبرا في نفسه مستكبرا على بني جنسه. قال الله تعالى: )لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ( (سورة المجادلة، الآية: 22). الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان كما جاء في الحديث. وثاقة هاته العروة من وثاقة الولاء التام لله ولرسوله ولدينه. أفيمكن للأمة والجسد واه غثائي أن تستجمع قواها وتجاهد أعداءها وتعز على المستكبرين إن لم يصلح القلب وتتوثق عرا الإحسان؟
القلب مكمن الداء، فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع، وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها. ما حديثنا عن مقاصد الشريعة، وعن الطلب والمطالب، وعن العدل والشورى، وعن الأهداف الدنيوية، وعن الغاية الأخروية إلا أحلام طائشة إن لم يشتد قلب الأمة باشتداد قلوب المؤمنين على عزمة إيمانية وإرادة إحسانية تنهد أمامها العقبات وتنفتح أبواب الأرض والسماوات.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:32 PM
علم التصوف فقه واجتهاد
قصدي في هذه الصفحات أن أدل على الله وعلى الطريق إليه. قصدي أن أستنهض الراقد وأستحث الفاتر وأنادي ذوي الهمم العالية إلى مأدبة الله. ما قصدي أن أعرض علم التصوف عرضا أكاديميا تاريخيا موثقا. وما يغني العلم إذا كان وراءه فضول فكري فقط. حديثي حديث القلب إلى القلوب الحرة. نحتاج في حوارنا إلى استبصار العقل وإلى الاطلاع على أحوال القوم لنقوم ننافسهم ونسابقهم في الخيرات كما أمرنا الله جل شأنه.
يحتد الخصام حول التصوف في زماننا احتدادا شديدا. كل جدران الاحتياط التي أقامها نقاد التصوف السابقون خرقها بعض كتبة العصر يسايرون في غلوهم هذا تلامذة المستشرقين الذين يسعون جهدهم أن يقدموا التصوف على أنه علم دخيل، والصوفية على أنهم تلامذة البراهمة والغنوصيين. ما مثل هؤلاء إلا كمثل من رأى مائدة حافلة حولها ضيف مكرمون ومن حوالي الضيف ذباب يتطاير ويطن، فزعم أن المائدة ما نصبها إلا الذباب وأن الضيف المحلقين ما هم إلا ذباب كبير.
نعم طرأ بعد القرون الفاضلة الثلاثة هجوم الفكر الفلسفي الهيليني وتأثير التأله الفارسي والهندي والصابئي. وطرأ بعد الإمام الغزالي الذي حاول إصلاح ذات البين بين فقهاء الأحكام وفقهاء التربية تسلل الفلسفة الإشراقية وعقائد الحلول والاتحاد الملعونة. لكن موكب النور من كتائب أهل الله ما سار منذ عهد النبوة إلا على هدي أصيل وإن جدت مصطلحات دعت إليها ضرورة التفاهم بين أهل الاختصاص، وجدت هيآت وتكتلات دعت إليها ضرورة التعاون. تماما كما جدت مصطلحات وتكتلات في مدارس التفسير والحديث وعلم أصول الفقه وعلم فروعه وعلم أصول الدين وعلم اللغة وسواها.
لكي يطمئن حوارنا نثق بعلمائنا، فنستمع إلى حكمهم على علم التصوف، ولا نصدق المغرضين الذين يعملون معاول الهدم في سلفنا الصالح يحاربون الإيمان بالغيب وبسمو الروح وكمال الإحسان ويؤلهون العقل والمادة. ولا نصدق مقلدة قاصرين تبنوا عن انطماس في العقل والبصيرة وعن جهل بموضوع الجدال وأوائله وتواليه معارك قديمة.
نستمع أولا إلى فارس الإسلام وشيخه ابن تيمية رحمه الله. نستمع إليه لأمرين: أحدهما أن كثيرا من معاصرينا يعتبرون شهادته هي الكلمة الفصل، فلا نحب أن نفجعهم وهم في مهد الإعجاب غير المشروط بوضع الفارس الجليل في مكان نسبيته. والاعتبار الثاني هو أن شيخ الإسلام رحمه الله من أجل من حارب الإلحاد والفلسفة ومنطقها. فللمرتاحين في المهد نقدم جواز المرور، وللمتعسفين نقدم جبهة إسلامية واحدة، ابن تيمية ابنها وفارسها، خصامها بينها من داخلها، خصامها ظاهرة صحية تبرهن على قدرتها أن تنتقد أخطاءها وتتحاور وتصلح.
قال شيخ الإسلام: "والصواب أنهم (أي الصوفية) مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم في طاعة الله. ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين. وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ. وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب"[1]. وقال: "وإنهم في ذلك بمنزلة الفقهاء في الرأي"[2].
وقال تلميذ ابن تيمية الإمام ابن القيم: "وأما السابقون المقربون فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو أولا من وصف حالتهم وعدم الاتصاف بها. بل ما شممنا لها رائحة. ولكن محبة القوم (أي الصوفية والكلمة مصطلح) تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها. وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم ففي معرفة حال القوم فوائد عديدة (...) ومنها أن هذا العلم (يعني علم التصوف) هو من أشرف علوم العباد، وليس بعد علم التوحيد أشرف منه، وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة"[3].
حياك الله من رجل! نجد عند الغزالي وهو من أكابر القوم ما يلي: "ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب. ويدلك عليه قوله عز وجل: ) لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ(. وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة"[4].
ونجد عند الفقيه الأصولي الإمام الشاطبي تفصيلا: فالتصوف عنده قسمان: "أحدهما التخلق بكل خلق سني، والتجرد عن كل خلق دني. والثاني أنه الفناء عن نفسه والبقاء بربه. وهما في التحقيق إلى معنى واحد، إلا أن أحدهما يصلح التعبير به عن البداية والآخر يصلح التعبير به عن النهاية (...) فالتصوف بالمعنى الأول لا بدعة في الكلام فيه (...) وهو فقه صحيح. وأصوله في الكتاب والسنة ظاهرة. فلا يقال في مثله بدعة إلا إذا أطلق على فروع الفقه التي لم يلف مثلها في السلف الصالح أنها بدعة، كفروع أبواب السلم ومسائل السهو (...) وأما بالمعنى الثاني فهو على أضرب، أحدهما يرجع إلى العوارض الطارئة على السالكين إذا دخل عليهم نور التوحيد الوجداني. فيتكلم فيها بحسب الوقت والحال وما يحتاج فيه في النازلة الخاصة رجوعا إلى الشيخ المربي وما بين له في تحقيق مناطها بفراسته الصادقة في السالك بحسبه وبحسب العارض. فيداويه بما يليق به من الوظائف الشرعية والأذكار الشرعية. (...) فمثل هذا لا بدعة فيه لرجوعه إلى أصل شرعي"[5]. ويذكر رحمه الله الضرب الثاني وهو ما يتعلق بالكرامات وهو لا بدعة فيه، وعن الضرب الثالث وهو البحث في عالم الغيب وماهية الملائكة والشياطين وعالم الأرواح وهو بدعة، وعن الضرب الرابع وهو النظر في حقيقة الفناء وهو فقه متعلق بأهواء النفس لا بدعة فيه.
وعند الإمام السهروردي أحد أعلام القوم رضي الله عنهم نجد ما يلي: "وعلوم هؤلاء القوم لا تحصل مع محبة الدنيا ولا تنكشف إلا بمجانبة الهوى ولا تدرس إلا في مدرسة التقوى"[6].
يقصد رضي الله عنه العلوم التي تنقدح في القلوب بعد صفائها بالعمل الصالح والذكر والمجاهدة، لا تلك التي تحويها الطروس.
وما كان القوم رضي الله عنهم أهل بطالة يتسلون بمضغ العبارات كما يفعل المتحذلقون، بل كان همهم الله ونيل رضاه. لذلك كانوا أصحاب عمل وجد واجتهاد. ما الفقه الذي أثلوه إلا قواعد مستنبطة، مذكرات وصف السالكون فيها مراحل سفرهم الروحي، تتلقاها الأجيال الصالحة من بعدهم نصيحة وتحديا وضرب موعد هناك في المقامات العالية.
قال الإمام الغزالي في إحيائه: "ومنها (أي علامات علماء الآخرة) أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن ومراقبة القلب ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه وصدق الرجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة. فإن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة، ودقائق علوم القلب تتفجر بها ينابيع الحكمة من القلب. وأما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك"[7]. وقال: "ومنها أن يكون اعتماده في علومه على بصيرته وإدراكه بصفاء قلبه، لا على الصحف والكتب، ولا على تقليد ما يسمعه من غيره"[8].



[1] فتاوي ابن تيمية ج 11 ص 18.
[2] نفس المصدر ج 10 ص 370.
[3] طريق الهجرتين ص 260-261.
[4] الإحياء ج 1 ص 28.
[5] الاعتصام ج 2 ص 208.
[6] عوارف العوارف ج 1 ص 247.
[7] ج 1 ص 63.
[8] ج 1 ص 69.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:32 PM
علوم القوم ومكانتها من بين العلوم
كثيرا ما نسمع في عرض الحديث عن الخواء الروحي الذي يشكو منه الشباب المتطلع لمعرفة دينه نصائح ومتمنيات بتصوف سني أو تصوف سلفي. وكأن نسبة الألفاظ بعضها إلى بعض تعطي القضية وضوحا وسلطة لا يمنحها الاسم المجرد. وسمعت تسجيلا لأحد علمائنا العاملين في حقل الدعوة يحث على "التصوف السني"، فلما سألوه عن السبيل إلى هذا الخير أجاب بأن ذلك يحصل بقراءة الكتب الجيدة مثل إحياء الغزالي. كأن الأمر عملية فكرية ونزهة ثقافية. إن العلم والاطلاع يمكن أن يكونا باعثين على العمل، إذا كان في القلب كوامن واستعداد. أما إذا كان القلب خاليا متضلعا من حب الدنيا لا مكان فيه لحب الله فما تغني القراءة.
إن أول الطريق هبوب القلب من غفلته، فإن كان الاطلاع على علوم القوم يصور لك أحوالهم السنية فينزعج قلبك لما تجده عند المقارنة من تخلفك عن الركب، وتطمئن لما تجده عندهم من اعتصام بالكتاب والسنة، فتشمر للحاق ويتبع العلم العمل، فذاك هـو المطلوب. ويكون لعبارة "التصوف السني" معنى: هو أن تسير في الطريق وأنت على يقين من أنك على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم لا في دروب الغواية والتيه. إن كنت تقيد في شرطك التصوف بالسنة فهذا من باب تحصيل الحاصل. أو كنت تنفي بتقييدك "التصوف الفلسفي"، تصوف الحلول والاتحاد الذي ليس من الإسلام ولا من التصوف في شيء، فكأن الذباب الحائم حول المائدة شغل بالك عن المائدة فأعطيته من الاهتمام تحرزا منك أو خوفا مبالغا فيه أكثر مما يستحق. وكثيرا ما تعقم هذه الحيطة الحركة أو تكون ستارا يختبئ وراءه كسل العقل وركود الروح.
إن لمس جناح التوفيق قلبك فتعال لجلسة لطيفة مع أهل المعنى الحريصين على دينهم أكثر من حرصك (وإلى نفسي الخامدة أوجه اللوم)، وفاتوك بالشوق الدائم إلى بلوغ الذُّرا. قال أبو نصر السراج الطوسي في كتابه "اللمع" وهو من أهم كتب القوم: "وعندي، والله أعلم، أن أولي العلم القائمين بالقسط الذين هم ورثة الأنبياء، هم المعتصمون بكتاب الله تعالى، المجتهدون في متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، المقتدون بالصحابة والتابعين، السالكون سبيل أوليائه المتقين وعباده الصالحين. هم ثلاثة أصناف: أصحاب الحديث، والفقهاء، والصوفية. فهؤلاء هم الأصناف الثلاثة من أولي العلم القائمين بالقسط الذين هم ورثة الأنبياء. وكذلك أنواع العلوم كثيرة، فعلم الدين من ذلك ثلاثة علوم: علم القرآن، وعلم السنن والبيان، وعلم حقائق الإيمان. وهي العلوم المتداولة بين هؤلاء الأصناف الثلاثة. وجملة علوم الدين لا تخرج عن ثلاث: آيات من كتاب الله عز وجل، أو خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حكمة مستنبطة خطرت على قلب ولي من أولياء الله تعالى"[1].
وذكر علوم الشريعة فقسمها أربعة أقسام، علم الرواية والآثار والأخبار، وعلم الدراية وهو علم الفقه والأحكام، وعلم القياس والنظر والاحتجاج، يقصد علم أصول الدين. قال: "والقسم الرابع هو أعلاها وأشرفها. وهو علم الحقائق والمنازلات، وعلم المعاملة[2] والمجاهدات، والإخلاص في الطاعات، والتوجه إلى الله عز وجل من جميع الجهات، والانقطاع إليه في جميع الأوقات، وصحة القصود والإرادات، وتصفية السرائر من الآفات، والاكتفاء بخالق السماوات، وإماتة النفوس بالمخالفات (يعني مخالفة الهوى)، والصدق في منازلة الأحوال والمقامات، وحسن الأدب بين يدي الله في السر والعلانية في الخطوات، والاكتفاء بأخذ البلغة عند غلبة الفاقات، والإعراض عن الدنيا وترك ما فيها طلبا للرفعة في الدرجات، والوصول إلى الكرامات"[3].
يا أخي الحبيب! يا من يوصي إخوانه بتصوف سني يرتكز على قراءة الكتب، كيف الإعراض عن الدنيا وترك ما فيها لرفع الدرجات؟ خبر هذا في كتب القوم. وفي كتاب الله وسنة رسوله أمر بالجهاد ومقارعة أهل العناد. هم رحمهم الله شربوها حلوة في خلواتهم وانقطاعهم في الخانقاهات والزوايا في عصور كان حفظ الدين فيها يقتضي الوحدة بأي ثمن، وكان الثمن السكوت عن الظلمة والهروب من الساحة. فكيف تدعو إلى تقليدهم؟
بالجوهر شرف علمهم لا بالأعراض. الجوهر حب الله وصحبة أهل التربية أهل الله، والصدق في طلب الله، والذكر الدائم لله. والأعراض أذواق يوتيها الله، وإعراض عن الخلق بكيفيتهم في زماننا لا معنى له ولا يأذن به الله. لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شرف علمهم لاعتماده على الشريعة، بدون هذا الاعتماد يصبح الحديث عن القلب ومعانيه هوسا. علوم الحقيقة نتائج لعلوم الشريعة وتطبيقها، وإلا فهو الجهل والخبط. قال الإمام السيوطي في كتابه "تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية": "وقد ظهر لي أن نسبة علم الحقيقة إلى علم الشريعة كنسبة علم المعاني والبيان إلى علم النحو. فهو سره ومبني عليه. فمن أراد الخوض في علم الحقيقة من غير أن يعلم الشريعة فهو من الجاهلين ولا يحصل على شيء. كما أن من أراد الخوض في أسرار علم المعاني والبيان من غير أن يحكم النحو فهو يخبط خبط عشواء"[4].
يا أخي يا من يبحث عن حب الله ومعرفته (هذا هو موضوع التصوف) في كتب الأقدمين، أين أنت من كتاب رب العالمين وسنة سيد المرسلين. لو كنت كالسيوطي إمام عصره البالغ درجة الاجتهاد الجامع لشتات العلوم وكان بك مثل ما به من لوعة لبحثت عن ولي مرشد يدلك على الله ويربيك على ذكر الله. أم تراك من الذين يستخفون بعقول العقلاء وأعمال العلماء فتتساءل ما هو هذا السيوطي الذي يخرف بتشييد الطريقة الشاذلية؟
هاك كلمات نيرة لشيخ جليل من أكابر القوم، كان يدل الناس على الله وعلى كتاب الله وسنة رسوله، حتى إذا توفاه الله قام من المنتسبين إليه قوم احترفوا أكل الحيات والاقتحام في النار. انحراف خطير جاء من تقليد مقلد المقلد. وقد يأتي من تقليد الكتب البائد مناطها انحراف مثله. قال الإمام أحمد الرفاعي رحمه الله: "لا تقولوا كما يقول بعض المتصوفة: نحن أهل الباطن، وهم (أي الفقهاء) أهل الظاهر. هذا الدين الجامع باطنه لب ظاهره، وظاهره ظرف باطنه. لولا الظاهر لما كان الباطن وما صح. القلب لا يقوم بلا جسد. بل لولا الجسد لفسد. والقلب نور الجسد. هذا العلم الذي سماه بعضهم بعلم الباطن هو إصلاح القلب. فالأول (أي علم الظاهر) عمل بالأركان وتصديق بالجنان. إذا انفرد قلبك بحسن نيته، وطهارة طويته، وقتلت وسرقت وزنيت وأكلت الربا وشربت الخمر وتكبرت وأغلظت القول فما الفائدة من نيتك وطهارة قلبك؟ وإن عبدت الله وتعففت وصمت وتواضعت وأبطن قلبك الرياء والفساد، فما الفائدة من عملك؟"[5].
وقال رحمه الله يخاطب العقلاء النجباء: "أي سادة. إن نهاية طريق الصوفية نهاية طريق الفقهاء. ونهاية طريق الفقهاء نهاية طريق الصوفية. وعقبات القطع التي ابتلي بها الفقهاء في الطلب هي العقبات التي ابتلي بها الصوفية في السلوك. والطريقة هي الشريعة، والشريعة هي الطريقة ( … ) وما أرى الصوفي إذا أنكر حال الفقيه إلا ممكورا، ولا الفقيه إذا أنكر حال الصوفي إلا مبعودا. إلا إذا كان الفقيه آمرا بلسانه لا بلسان الشرع، والصوفي سالكا بنفسه لا بسلوك الشرع، فلا جناح عليهما. والشرط هنا الصوفي الكامل والفقيه العارف"[6].
الشرط في تعادل المعنيين وتكافؤ الفقيه مع الصوفي أن يجمع الصوفي إلى صفائه الروحي علما واسعا بالشريعة ويتفرغ لتربية الرجال، وأن يجمع الفقيه إلى علومه النقلية والعقلية معرفة بالله وعاؤها القلب. بدون هذا الشرط تكون حمولة هذا وذاك وبالا.



[1] ص 22.
[2] يعني المعاملة مع الله عز وجل.
[3] ص 456.
[4] ص 21.
[5] البرهان المؤيد ص 68.
[6] نفس المصدر ص 105.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:32 PM
المحدثون والصوفية
والمحدث ما شرطه لكي يكافىء الصوفي؟ ماذا ذهب السيوطي يفعل عند الشاذلية يشيد طريقتهم ويشيد بها؟ أليس هو العلم البارز في عصره الجامع لشتات العلوم، المشارك المحدث الذي حقق المشروع الضخم أو كاد، مشروع جمع الحديث وتخريجه؟
مازال بين أهل الحديث على مر العصور حوار ووصال منذ العهد الأول مع من تسموا بالصوفية. وما نقرأ عنه من خصام عنيف عند أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو المحدث الناطق عن نفسه وعن طائفة من أهل الحديث الحنابلة، ما كان يستهدف الصوفية الصادقين، بل كان موجها لمن اعتبرهم أهل الحديث المتأخرون أدعياء منحرفين.
في العهود الأولى كان احترام متبادل وتعاون على البر والتقوى. كان من الصوفية من تخرجوا في علم الرواية، وكان من المحدثين من تصوفوا على يد مشايخ متصوفين. لم تكن هناك قطيعة ولا سوء ظن. ومن أئمة الحديث، أولياء الله إن كان لله ولي، من جلس في مجالس القوم ومن آخى مشايخ القوم، مع التسليم والمصافاة.
نقل تاج الدين ابن السبكي في "طبقات الشافعية" عن الحافظ الكبير أبي عبد الله الحاكم قصة الإمام أحمد ابن حنبل مع الشيخ الحارث المحاسبي. قال الحاكم بسنده المتصل إلى إسماعيل بن إسحاق السراج، قال إسماعيل: "قال لي أحمد بن حنبل: بلغني أن الحارث هذا يكثر الكون عندك (يكثر من الحضور في بيتك) فلو أحضرته منزلك وأجلستني من حيث لا يراني فأستمع كلامه. فقصدت الحارث وسألته أن يحضر تلك الليلة وأن يحضر أصحابه. فقال: فيهم كثرة، فلا تزدهم على الكسب (الخبز) والتمر، فأتيت أبا عبد الله (ابن حنبل) فأعلمته فحضر إلى غرفة واجتهد في ورده. وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا. ثم صلوا العتمة (العشاء) ولم يصلوا بعدها. وقعدوا بين يدي الحارث لا ينطقون إلى قريب نصف الليل. ثم ابتدأ رجل منهم فسأل مسألة، فأخذ الحارث في الكلام، وأصحابه يستمعون كأن على رؤوسهم الطير. فمنهم من يبكي، ومنهم من يحن، ومنهم من يزعق وهو في كلامه. فصعدت الغرفة لأتعرف حال أبي عبد الله، فوجدته قد بكى حتى غشي عليه. فانصرفت إليهم. ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا وذهبوا. فصعدت إلى أبي عبد الله فقال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل. ومع هذا فلا أرى لك صحبتهم. ثم قام فخرج". وفي رواية أخرى أن أحمد قال: "لا أنكر من هذا شيئا". قال ابن السبكي: "قلت: تأمل هذه الحكاية بعين البصيرة واعلم أن أحمد بن حنبل إنما لم ير لهذا الرجل صحبتهم لقصوره عن مقامهم. فإنهم في مقام ضيق لا يسلكه كل أحد، فيخاف على سالكه. وإلا فأحمد قد بكى وشكر الحارث هذا الشكر. ولكل رأي واجتهاد، حشرنا الله معهم أجمعين في زمرة سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم"[1]. وأضيف بضراعة المقصرين الراجين عفوه تعالى: اللهم آمين.
ماذا ذهب شيخ المحدثين يفعل عند البكائين؟ وهل يغشى عليه من وعظهم لو لم يكن أبكى منهم وأخشع؟ له ورده يجتهد فيه كما لهم أوراد. ويزيد عليهم بخدمة العلم.
إن أهل الحديث رضي الله عنهم هم أهل الإحسان بالمعاني المتعددة للكلمة: إحسان في العبادة، وإتقان لصناعتهم الجليلة، وإحسان للخلق كافة بما حفظوا عليهم من هذا الدين. صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة خدمة واتباع ومحبة. خدموه بأبدانهم يرحلون الرحلات الشاقة البعيدة لسماع حديث أو تحقيق كلمة. وخدموه بعقولهم في تصحيح إسناد ونقد رجال وإثبات تاريخ وتقويم متن. وخدموه بقلوبهم غيرة على حديث خير البرية أن يزور أو يحرف. لا جرم يعم فضلهم الأمة ويوصي ابن حنبل صاحب الدار، ولعله كان تلميذا له، أن يترك حلق الذكر الخاصة الخاص نفعها ليتفرغ للعلم الذي يعم نفعه كل طائفة وكل مكان وكل جيل.
ما كل من حمل الحديث بمنزلة الإمام أحمد ولا كل من تسمى صوفيا بمعزل عن اللوم. أمثال أحمد الذين تشربوا حب المصطفى صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وإكبار أمره وأفنوا أعمارهم في خدمته قليل. هم أئمة الهدى. يقول الإمام الشافعي متحدثا عن الجناب الشريف: "فصلى الله على نبينا كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون. وصلى عليه في الأولين والآخرين، أفضل وأكثر وأزكى ما صلى على أحد من خلقه، وزكانا وإياكم بالصلاة عليه أفضل ما زكى أحدا من أمته بصلاته عليه. والسلام عليه ورحمته وبركاته. وجزاه الله عنا أفضل ما جزى مرسلا عن من أرسل إليه. فإنه أنقذنا من الهلكة، وجعلنا في خير أمة أخرجت للناس، دائنين بدينه الذي ارتضى، واصطفى به ملائكته ومن أنعم عليه من خلقه. فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت، نلنا بها حظا في دين ودنيا، أو دفع بها عنا مكروه فيهما أو في واحد منهما، إلا ومحمد صلى الله عليه وسلم سببها، القائد إلى خيرها، والهادي إلى رشدها"[2].
كان حب الله ورسوله رابطة جامعة بين كل طوائف السلف الصالح. وكانت نسبة الإيمان واصلة، ونسبة الإحسان سارية يشيم ومضها بعضهم من بعض ويشتم عبيرها بعضهم من بعض. لما امتحن الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن وأعلن المامون ومن بعده المعتصم تحيزهما لجانب الفكر الدخيل خنس كثير من الفقهاء والقراء، وتمالأ على الإمام قضاة القصر وبغاته، وبقي هو رضي الله عنه صامدا كالجبل ينافح عن صفاء العقيدة وحرمة القرآن. في تلك الأثناء كتب إليه الشافعي رسالة تشجيع وتضامن. قال الربيع بن سليمان صاحب الإمام الشافعي: "فدخلت بغداد ومعي الكتاب. فصادفت أحمد بن حنبل في صلاة الصبح. فلما انفتل من المحراب سلمت إليه الكتاب وقلت: هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر. فقال لي أحمد: نظرت فيه؟ فقلت: لا، فكسر الختم وقرأ، وتغرغرت عيناه. فقلت له إيش فيه أبا عبد الله؟ فقال: يذكر فيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له: اكتب إلى أبي عبد الله فاقرأ عليه السلام، وقل له: إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم، فيرفع الله لك علما إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلت له: البشارة يا أبا عبد الله. فخلع أحد قميصيه الذي يلي جلده فأعطانيه. فأخذت الجواب وخرجت إلى مصر. وسلمته إلى الشافعي. فقال: إيش الذي أعطاك؟ فقلت: قميصه. فقال الشافعي: ليس نفجعك به. ولكن بله وارفع إلي الماء لأتبرك به"[3]. من لا تتسع حويصلته أن يسمع عن أئمة الدين كيف كانوا يتكاتبون بالرؤى الصادقة وكيف كانوا يعتزون بصلتهم القلبية بالمخدوم الأعظم صلى الله عليه وسلم، وكيف كانوا يتبركون بآثار النبي الطاهر وبآثار بعضهم فليبحث عن تاريخ مفلسف منقح مادي "غير غيبي" في تاريخ غير تاريخ المسلمين الموثق بالأسانيد المتصلة.
كان الشافعي رضي الله عنه صاحب قلب ونورانية وفراسة عرف بها أولياء الله وخصوا. سواء منهم من حمل اسم صوفي أو فقيه أو محدث، لا يغير مظهر اللقب من جوهر الملقب. روى نفس الصاحب الربيع بن سليمان قال: "دخلنا على الشافعي رضي الله عنه عند وفاته أنا والبوطي والمزني ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم. قال: فنظر إلينا الشافعي ساعة فأطال. ثم التفت إلينا فقال: أما أنت يا أبا يعقوب فستموت في حديدك، وأما أنت يا مزني فسيكون لك بمصر هيآت وهنات، ولتدركن زمانا تكون أقيس أهل ذلك الزمان. وأما أنت يا محمد فسترجع إلى مذهب أبيك. وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب. قم يا أبا يعقوب فتسلم الحلقة (أي حلقة التعليم التي كان يجلس فيها الشافعي). قال الربيع: فكان كما قال"[4].
كانت لوائح الولاية لائحة على الإمام البخاري. كانت له كرامات ودعوات مستجابات. وما له لا يكون من أصحاب الاستجابة والتجلي وهو السابق بالخيرات المجلي، والرب كريم، نواله عظيم. كان رضي الله عنه قواما صواما تاليا لكتاب الله معظما لرسول الله صلى الله عليه وسلم محبا له خادما. روى عنه صاحبه الفربري أنه كان لا يكتب في صحيحه حديثا إلا بعد أن يغتسل ويصلي ركعتين. وكذلك كان الإمام مالك رضي الله عنه من قبله، لا يجلس للحديث إلا بعد أن يغتسل ويتطيب. ولا يركب دابة في المدينة على كبر سنه، ويقول: "لا أركب في بلد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مدفون". بذلك نالوا عند الله جل وعلا الدرجات.
قال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا عبد الله (البخاري) يقول: "ما ينبغي للمسلم أن يكون بحالة إذا دعا لم يستجب له". قال: "وسمعته يقول: خرجت إلى آدم بن إياس، فتخلفت عني نفقتي، حتى جعلت أتناول الحشيش ولا أخبر بذلك أحدا. فلما كان اليوم الثالث أتاني آت لم أعرفه، فناولني صرة دنانير وقال: أنفق على نفسك"[5].
كأني بقائل من العقلانيين يستلقي على قفاه ضحكا وسخرية من "الخرافات" التي تمتلئ بها كتب المسلمين. إن من لا يومن بمعجزات الأنبياء وكرامة الله عز وجل لأوليائه عن طريق الأسباب أو بخرق العادة لمدخول العقيدة. ولنا عودة للموضوع إن شاء الله. وطائفة يقرأون مثل خبر الدنانير الآتية من الغيب فينصرفون عن عبادة الله المجردة القصد، ويتركون السعي الذي شرعه الله لكسب الرزق، ويعيشون في وهم سابح. هذه الذهنية هي الخرافية بعينها، وهي الخطر المحدق. وقد عاشت طوائف من المسلمين بهذه الذهنية ولا تزال. والناقدون الساخرون من الديـن و"الغيبية" لا يستطيعون أن يميزوا بين الشعوذة والسحر والأحلام وبين الكرامة التي يظهرها المولى عز وجل على يد أفراد كالبخاري وعلى يد جماعات مجاهدة كالصحابة رضي الله عنهم وكالمجاهدين في أفغانستان في زماننا[6]. كان البخاري رحمه الله يقوم في الليل أكثر من عشر مرات ليدون حديثا أو فائدة، لا يترك له الاهتمام بالعلم نوما. والصحابة رضي الله عنهم ومجاهدو أفغانستان لا يألون جهدا في إعداد القوة كما أمر الله، يبارك الله العلي القدير تلك الوسائل على ضآلتها فتأتي بنتائج لا تخطر على البال.
كان إمام المحدثين البخاري عبقا بعطر الصلاح حيا وميتا. مرض واشتد به المرض فدعا الله ربه قائلا بعد أن فرغ من صلاة الليـل: "اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك". قال الراوي: "فما تم الشهر حتى قبضه الله عز وجل"[7]. فلما حضرته الوفاة دعا بدعوات ثم اضطجع فقضى رحمه الله. قال الراوي: "فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة غالية (الغالية نوع من الطيب الفاخر). فدام على ذلك أياما. ثم علت سوار بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره فجعل الناس يختلفون (أي يأتون الجماعة بعد الأخرى) ويتعجبون"[8].
تسمع أخي المؤمن في زماننا هذا أخبارا مستفيضة عن شهداء أفغانستان وما يفوح من أجسادهم المطهرة من عطر، وما يظهر في سمائهم من علامات، فليزدك هذا الخبر عن رجل صالح من القرون الفاضلة يقينا أن ولاية الله لاتنال بالقعود والتأمل، وإنما تنال بالجهاد والمجاهدة فيما يطهر القلب وينفع الناس في الأرض.
كان من أهل الحديث من يبحث عن دليل يسلك به إلى الله، يتخذه شيخا مربيا يلزمه، بعد أن رقت الكثافة الإيمانية الإحسانية التي كانت شائعة سارية في الجو في مجتمع القرون الفاضلة. في تلك القرون كانت الصحبة والاقتباس الروحي عملية فطرية، يجذب القلب الكبير القلوب الظمأى إليه في يسر وصداقة ورحمة. كانت الوشيجة الرابطة بين المحدثين حبهم المشترك لله ورسوله وبحثهم المشترك عن العلم. كان الشافعي يقول لابن حنبل رضي الله عنهما: "أنت أعلم بالحديث مني، فإذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه، شاميا كان أو كوفيا أو بصريا".
كان بين عبد الله بن المبارك وبين الفضيل بن عياض صداقة وأخوة في الله. فضيل يعده الصوفية منهم، وابن المبارك من مشايخ مشايخ البخاري. قال ابن تيمية شيخ الإسلام: "قال سيد المسلمين في وقته الفضيل بن عياض في قوله تعالى: )ليبلوكم أيكم أحسن عملا(. قال: أخلصه وأصوبه. قيل له: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل. وإن كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة"[9]. شهد ابن المبارك في أخيه الفضيل قال: "ما بقي على ظهر الأرض أفضل من الفضيل بن عياض"[10]. وقال الفضيل: "ورب هذا البيت، ما رأت عيناي مثل ابن المبارك"[11]. كان ابن المبارك محدثا عالما فارسا عابدا كريما كثير النفقة في سبيل الله، يحج عاما ويغزو عاما. وكان شاعرا. كان أمة وحده. وكان الفضيل زاهدا ذاكرا ورعا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. كانا نموذجين متكاملين لأهل الخير. ولم تمنع أخوتهما الصادقة وإكبار كل منهما لصاحبه من المصارحة والمناصحة. كتب ابن المبارك إلى أخيه الفضيل هذه الرسالة الشعرية التي تستحق أن نطرق بها في زماننا باب كل ناسك منزو في خلوته، وأن نسمعها كل عالم يخشى الله ويشركه في الخشية الناس فينكص عن ميادين الجهاد مكتفيا بأوراده يتمتمها. قال الفارس العالم:
"يا عابد الحرمين لو أبصـرتنا لعلمت أنك في العبـادة تلعـب
من كان يخضب خده بدموعـه فنحــورنا بدمـائنـا تتخـضـب
أو كان يتعب خيله في باطــل فخيـولنا يوم الكريهـة تتعـب
ريح العبير لكم ونحن عبيــرنا رهج السنابك والغبـار الأطيـب
ولقد أتـانا عن مقـال نبيـنـا قول صحيـح صـادق لا يكـذب
لا يستوي وغبـار خيـل الله في أنف امرئ دخـان نار تلهـب
هذا كتـاب الله ينطـق بيننـا ليس الشهيد بميت لا يكذب"[12].

اتخذ إمام الأئمة في الحديث ابن خزيمة موقفا معظما من أحد صوفية عصره هو أبو علي الثقفي[13]. ولما حج الخطيب البغدادي شرب من ماء زمزم عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شرب له"، وطلب من الله تعالى ثلاث حاجات: أن يحدث بتاريخ بغداد، وأن يملي بجامع المنصور، وأن يدفن إذا مات عند قبر بشر الحافي، وقد استجاب الله دعاءه في الثلاث الحاجات[14]. وبشر الحافي من أكابر الزهاد الصوفية. فلا تعجب من بغية محدث بارز في الدنيا أن يدفن مع مثل بشر رجاء أن يحشر في صفه. وصحب أبو عبد الله الحاكم المحدث الكبير مؤلف "المستدرك" الشيخ الصوفي أبا عمرو بن محمد بن جعفر الخلدي والشيخ أبا عثمان المغربي وجماعة[15].
أما الإمام النووي شارح صحيح مسلم وأحد أعلام هذه الأمة، فقد أخذ طريق القوم عن شيخه الشيخ ياسين ابن يوسف الزركشي[16]. وصحب شيخا آخر قال عنه: "الفقيه الإمام الحافظ المتقي الضابط الزاهد الورع الذي لم تر عيني في وقتي مثله. كان رحمه الله بارعا في معرفة الحديث وعلومه وتحقيق ألفاظه، لا سيما الصحيحات، ذا عناية باللغة والنحو والفقه ومعارف الصوفية حسن المذاكرة فيها. وكان عندي من كبار المسلكين في طريق الحقائق، حسن التعليم. صحبته نحو عشر سنين لم أر منه شيئا يكره. وكان من السماحة بمحل عال على قدر وجده، وأما الشفقة على المسلمين ونصيحتهم فقل نظيره فيهما"[17].
تعج كتب الطبقات، سواء منها طبقات الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، بذكر العلماء العاملين المبرزين في علوم الحديث المشاركين في الفقه المتميزين أيضا في ميدان التصوف. الحنابلة لا يحبون اسم "الصوفي"، فتجدهم يستعملون ألفاظ "الصلاح" و"التقوى" و"الخيرة". وكل كانوا صادقين، رحمهم الله ورحمنا أجمعين. آمين.



[1] طبقات الشافعية الكبرى ج2 ص 39-40.
[2] الرسالة ص 12.
[3] طبقات الشافعية ج 1 ص 205.
[4] نفس المصدر ج 1 ص 238.
[5] طبقات الشافعية ج2 ص 11.
[6] ذلك يوم كان في أفغانستان مجاهدون رحمهم الله. وقبل المجازر القبلية الجاهلية بين الفصائل الأفغانية. ملاحظة بتاريخ محرم 1418.
[7] شذرات الذهب ج 2 ص 135.
[8] طبقات الشافعية ج2 ص 15.
[9] الفتاوي ج11 ص 600.
[10] شذرات الذهب ج 1 ص 317.
[11] نفس المصدر ص 296.
[12] طبقات الشافعية ج 1 ص 151.
[13] نفس المصدر ج 2 ص 173.
[14] نفس المصدر ج 3 ص 14.
[15] نفس المصدر ج 3 ص 65.
[16] نفس المصدر ج 5 ص 166.
[17] طبقات الشافعية ج 5 ص 48.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:33 PM
الفقهاء تلامذة الصوفية
وكذلك من أعيان الفقهاء من جميع المذاهب تجد الفقيه بعد استكمال طلبه للعلم أو أثناء الطلب يلتمس وليا مرشدا يصقل قلبه بالإحسان. هذا الإمام السيوطي جامع علوم عصره المتبحر المتفنن الذي نازع معاصريه الزعامة وقارعهم بعناده واعتداده بنفسه يلجأ إلى المشايخ الشاذلية يتخذهم قدوة وأدلة. كتب في "حسن المحاضرة" دعواه، وهو جدير بها رحمه الله: "رزقت التبحر في سبعة علوم التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة. والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم الستة، سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها منها، لم يصل إليه ولا وقف عليه شخص من الأشخاص. فضلا عمن هو دونهم.
وأما علم الحساب فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني. وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلا أحمله. وقد كملت عندي آلات الاجتهاد"[1].
ما بال مثل هذا الرجل المعتز بعلمه، المنفرد في عصره بالاطلاع الواسع، المؤلف المرموق، المقرب إلى "خليفة" عصره المتوكل على الله العباسي، المحسود من طرف فقهاء مصر، خاضوا ضده معارك حامية، يذهب إلى المشايخ أهل الطريق يخضع لهم ويتتلمذ ؟ ألم يكفه ما في بطون الكتب من علم غزير؟ عبرة لك يا سيدي يا أخي يا حبيبي يا من ترشد الناس لقراءة كتب الصوفية. "تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية"، هذا عنوان كتاب السيوطي، وهو مطبوع. فابحث عنه عله يكون آخر ورقات تبحث فيها عن التربية الإحسانية، ولن تجد فيه إلا شهادة رجل صادق خشى كما تخشى أن يكتم شهادته، )وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ( (سورة البقرة، الآية:140). تتلمذ خلق لا يكادون يحصون من الفقهاء في كل العصور للمشايخ من رجال الطريق. وتحدثوا عن مشايخهم، وقارنوا بين الفقهاء والصوفية وفاضلوا. استمع معي إلى حكم محدث بارز يقارن ويقوم، محدث تتلمذ للمشايخ الشاذلية كما تتلمذ السيوطي. إنه ابن حجر الهيثمي. قال: "فمستنبطو الفروع هم خيار سلف الأمة وعلماؤهم وعدولهم وأهل الفقه والمعرفة فيهم. فهم قوم غذوا بالتقوى وربوا بالهدى. أفنوا أعمارهم في استنباطها وتحقيقها بعد أن ميزوا صحيح الأحاديث من سقيمها وناسخها من منسوخها. فأصلوا أصولها ومهدوا فروعها. فجزاهم الله عن المسلمين خيرا وأحسن جزاءهم، كما جعلهم ورثة أنبيائه وحفاظ شرعه، ألحقنا الله بهم وجعلنا من تابعيهم بإحسان"[2].
ويكتب عن العارفين الصوفية: "العارفون بالله الذين وفقهم الله لأفضل الأعمال، وحفظهم من سائر المخالفات في كل الأحوال. ثم كشف لهم الغطاء فعبدوه كأنهم يرونه، واشتغلوا بمحبته عما سواه. وأطلعهم على عجائب ملكه، وغرائب حكمه، وقربهم من حضرة قدسه، وأجلسهم على بساط أنسه، وملأ قلوبهم بصفات جماله وجلاله، وجعلها مطالع أنواره، ومعادن أسراره، وخزائن معارفه، وكنوز لطائفه. وأحيى بهم الدين، ونفع بهم المريدين، وأغاث بهم العباد، وأصلح بهم البلاد"[3].
ثم يتحدث عن الفقهاء ليعقد المقارنة فيقول: "علماء الظاهر الذين عرفوا رسوم العلوم الكسبية، وعويصات الوقائع الفعلية والقولية، وغرائب البراهين العقلية والنقلية، حتى حفظوا سياج الشرع من أن يلم به طارق، أو يخرقه مبتدع مارق. فالأولون (أي العارفون) أفضل، وإن كان للآخرين (الفقهاء حماة الشريعة) فضل عظيم، بل ربما كانوا أفضل من حيثية لا مطلقا"[4].
الشهادة القولية الصادرة عن الفحول من علماء الأمة وأئمتها لها وزنها. والعبرة بالشهادة الفعلية أقوى وأبلغ. انقياد الفقهاء للمشايخ المربين، وانصياعهم لأمرهم، وتلقيهم بالتسليم والموافقة لتوجيهاتهم، ثم تعظيمهم لهم ومحبتهم إياهم واعترافهم بفضلهم تقرأ هذا في أثباتهم وفهارسهم، وفي كتب التاريخ والطبقات. فهل هي ظاهرة تدل على صبيانية رجال الإسلام أم هناك مادة نورانية لا توخذ من الكتب بل من قلوب أهل الصفاء والوفاء؟
إن من لا حرقة في نفسه إلى معرفة الله لا يبحث، وإن بحث فلمجرد الاطلاع وإرضاء الفضول.
باحث عن الحق صارم ترك لنا بمجموع تاريخه وثروة فكره وثمين مؤلفاته شهادة بليغة كانت لأجيال المسلمين منذ تسعة قرون معينا لا ينضب من الفهم والاقتداء والانتقاد والأخذ والرد أيضا. إنه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه، الجبل الراسخ الذي لايسع المفكر ولا العالم ولا الفقيه ولا الصوفي ولا السياسي ولا الباحث عن أسرار النفس البشرية ولا المؤرخ للفكر الإسلامي والإنساني أن يمروا به مر الكرام. بعضهم يقرأ نقدا لهذه الفكرة أو تلك النظرة من نظرات الغزالي وفكره فيسد عليه النقد الهدام بأنقاضه منافذ التمييز. إن أخطأ الغزالي في جزئية فالبشر معدن الخطأ. ويكون ماذا إن انتقده فلان أو علان؟ أنت ماذا جنت يداك، ماذا فعلت بحياتك يا من يلهو بقراءة جدل الرجال؟
أبو حامد بحث واستقصى، ثم اضطر آخر الأمر لرجل يعلمه دينه. فماذا قال أبو حامد، وما يفيدني أنا ما شهد به أبو حامد في قضيتي مع ربي؟
كتاب "المنقذ من الضلال" كتاب عظيم الفائدة على صغر حجمه. لخص فيه حجة الإسلام مسيرته وحيرته وأخطاءه وسلوكه. قال: "ثم إني لما فرغت من هذه العلوم (العلوم النقلية والعقلية في عصره قتلها دراسة ونقاشا) أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن طريقتهم لا تتم إلا بعلم وعمل. وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس، والتنزه عن أخلاقها المذمومة، وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل إلى تخلية القلب عن غير الله، وتحليته بذكر الله. ( … ) فلم أزل أفكر فيه مدة، وأنا بعد على مقام الاختيار أصمم العزم على الخروج من بغداد، ومفارقة تلك الأحوال يوما (الأحوال التي كان فيها هي منصبه المرموق مدرسا في "النظامية" أكبر "جامعة" في بغداد وسمعته كفقيه تشد لفتواه الرحال). قال: وأحل العزم يوما، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى. لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة إلا وتحمل عليها جند الشهوة حملة فتفترسها عشية. فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل! فلم يبق من العمر إلا القليل! وبين يديك السفر الطويل! وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل. فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهروب والفرار. ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، إياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال. فإذا أعرضت عنها وتركت هذا الجاه العريض والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمن الصافي عن منازعة الخصوم، ربما التفتت إليه نفسك، ولا يتيسر لك المعاودة".
ومرض الرجل مرضا شديدا، انعكس الصراع النفسي المحتدم في جوفه على جسمه فأرداه، كذلك الهمم العالية تنوء بحملها الأجسام. ويئس الأطباء فلم يبق ملجأ إلا الله الرؤوف الرحيم. وبرأ أبو حامد من أمراض جسمه ومن تردده، فأوصى لعياله، ثم غادر بغداد متخففا يبحث عن رجل من لحم ودم يدله على الله بعد أن أعياه البحث عن الحق في بطون الكتب، وزحمه هم الآخرة وهم الله.
لقي شيخا مربيا فصحبه وشاوره وائتمر بأمره. ويتحدث عن "المتبوع المقدم" (كأنه ينظر إلى قول موسى للخضر عليهما السلام: هل أتبعك) فيقول: "فمن كان لله كان الله له. حتى إنه في الوقت الذي صدقت فيه رغبتي لسلوك هذه الطريق شاورت متبوعا مقدما من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن. فمنعني وقال: السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية، بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل وولد ومال ووطن وعلم وولاية. بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجودها وعدمها، ثم تخلو بنفسك في زاوية، تقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب، وتجلس فارغ القلب، مجموع الهم، مقبلا بذكرك على الله تعالى. وذلك في أول الأمر بأن تواظب باللسان على ذكر الله تعالى، فلا تزال تقول الله الله، مع حضور القلب وإدراكه، إلى أن تنتهي إلى حالة لو تركت تحريك اللسان لرأيت كأن الكلمة جارية على لسانك، لكثرة اعتياده. ثم تصير مواظبا عليه إلى أن ينمحي أثر اللسان، فتصادف نفسك وقلبك مواظبين على الذكر من غير حركة اللسان. ثم تواظب إلى أن لا يبقى في قلبك إلا معنى اللفظ، ولا يخطر ببالك حروف اللفظ وهيآت الكلمة، بل يبقى المعنى المجرد حاضرا في قلبك على اللزوم والدوام"[5].
كيف يقبل العقل أن يمنع مؤمن مؤمنا من قراءة القرآن والمواظبة على التلاوة؟ أم كيف نفهم قَبول حجة الإسلام عالم بغداد توجيها من هذا القبيل؟ أم كيف نعقل بادئ الأمر أن يسأل أمثال أبي حامد هذه المسألة: هل أواظب على التلاوة؟
إن إسلاس القياد لولي مرشد يدلك على الطريق شرط في السلوك. وما كان لولي أن يأمر إلا بحق. وما منعه من المواظبة على التلاوة إلا بغية أن يهيئه بتصفية القلب بالذكر، حين يعم قلبه الإيمان ويعقل قلبه القرآن، لمرحلة تكون فيها المواظبة على التلاوة عبادة كاملة. وهاك الدليل. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله، إني أقرأ القرآن فلا أجد قلبي يعقل عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قلبك حشي الإيمان، وإن الإيمان يعطى العبد قبل القرآن". ثم إن الذكر بالاسم المفرد أنكره ابن تيمية رحمه الله وأجمع الصوفية إجماعا على أن الذكر به من أعظم الذكر. فلا جدال.
ثم إن العبرة عندنا هنا في انصياع عالم فقيه من أعلام الملة لشيخ "متبوع مقدم"، يطيعه فيما يأمر بلا نقاش. السؤال الدائم: لماذا يضطر الفقهاء الصادقون لصحبة المشايخ؟ والجواب الدائم أنها الولاية التي لا تكسب بالدراسة والاطلاع، بل بنور يقذفه الله جل وعلا في قلوب أصفيائه، فيأتي من شاء الله له خيرا يقتبس من ذلك النور. والنفوس الصغيرة لا تقبل أن تعترف بمزية عليها لأحد، إنما يعترف بفضل أولي الفضل من كان أهلا لفضل الله الذي يوتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
ويمضي أبو حامد يطبق الإرشادات إلى أن فتح الله له كما يفتح الفتاح العليم لأحبابه. كتب رحمه الله في "المنقذ من الضلال": "ثم دخلت الشام وأقمت بها قريبا من سنتين، لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة، اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب بذكر الله تعالى كما حصلته من علم الصوفية. فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد طول النهار، وأغلق بابها على نفسي (...)، ودمت على ذلك مقدار عشر سنين. وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها. والقدر الذي أذكره ينتفع به".
ويؤدي الرجل بأمانة وصدق وبساطة شهادته أمام الله تعالى ليقرأها من بعده الصادقون. ما كان يبالي أن يعترض معترض أو يسخر ساخر. ما حاول أن يعلل ويفلسف ويعقلن تنازلا عند من يشققون الكلام. بل أفضى بذات قلبه إلينا في كلمات مباشرة ساذجة سذاجة الحق وبساطته. فمن أزرى بعقل كبير مثل عقل أبي حامد، أو اتهم سكرات القلوب المعروفة عند المجانين والمجاذيب، فما عليه إلا أن يتخطى شهادة الرجل ويطوي هذا الكتاب ويرتبه في الرف. وقد انتهى الأمر وما يغني الحديث. والسلام.
يؤدي الغزالي شهادة مجملة لأن ما انكشف له لا يمكن "استقصاؤه وإحصاؤه" فيستمر قائلا: "إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق. بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إلى ذلك سبيلا. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به".
نعم يا ولي الله، ما وراء نور النبوة نور يستضاء به، ولا فوق النموذج الأول نموذج يعلو. رحم الله زمر الصالحين من الصوفية والمحدثين والعلماء العاملين. أووا إلى الزوايا والمدارس والعزلة والصمت والمجاهدة والسهر والعبادة والذكر. وبقي عليهم أمر عظيم لم يتخلوا عنه استغناء عنه، إذ لا يعوضه في مراتب الإحسان شيء. بقي عليهم الجهاد في الأرض ليحكم دين الله الأرض. عاشوا، الأحباء، في عهود كان قدر الله فيها على الأمة أن يحكم النظام العاض والجبري. وفي حاضر الأمة ومستقبلها لن نلتفت إن شاء الله إلى ما تحت الصحابة رضي الله عنهم الذين جمعوا أطراف الإحسان وأقطار المجد الدنيوي والأخروي من كل جانب. كانت فاعليتهم في ميادين الجهاد ضمان بقاء الدين واستمراره حتى اغترف الصوفية من ينبوع كان للصحابة رضي الله عنهم فضل تلقيه وصيانته والذود عنه والجلاد من دونه بالمال والسيف، وفضل نشره وتبليغ دعوته، وفضل قتال الكفر حتى باد الكفر، وفضل نصرة الحق حتى ظهر الحق. أهل الكمال حقا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذو النورين وعلي الإمام، ثم أهل بدر وبيعة العقبة وبيعة الرضوان وسائر مشاهد الإسلام.
يوتي الله عز وجل فضله من يشاء كما يشاء. وقد آتى سادتنا الصوفية خيرا كثيرا. لكن أساليب العزلة وتربية الصمت والمجاهدة المنفردة في زماننا نكوص وبيت المقدس محتل، والأمة نهب مقسم، وجودها المعنوي مهدد، ورسالتها منكرة في عقر دارها. لسنا ممن يكيل للغزالي اتهامات كما يفعل فلاسفة الجامعات من بني جلدتنا. قضى الله وما شاء فعل، والتكليف علينا وحده هو المعتبر. تكليف الشرع أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونجاهد في الله حق جهاده حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
مطلب شريف ومطمح منيف أن تحدث نفسك بأن تلحق بالصالحين وتكون من أولياء الله. ثم أن تصارع نوازع النفس والهوى ونزغات الشيطان وتتجرد للعمل وتشمر وتهجر كل ما سوى الله عز وجل. تلك طريق سلكها ذوو الهمم الرفيعة من الرجال أمثال أبي حامد، تعطرت بأنفاسهم الأزمان. لم يكن الدين غريبا في أزمنتهم، بل كانوا ساكنين تحت مطارق الأقدار الإلهية التي حكمت بأن يعيش المسلمون في ظل ملك عاض وجبري إلى أن يرفع الله جل جلاله تلك الحوبة التاريخية. الآن عاد الدين غريبا كما بدأ، فطوبى لغرباء أزمنتنا إن شمروا للالتحاق بركب الأخيار على متن الجادة الجهادية التي سلكها الصحابة في غربة الإسلام الأولى، حتى نصروا الدين وأقاموا للإسلام دولة وصرحا شامخا. تلك الجادة أوسع وأبعد منالا وأوفر نورانية لأنها جمعت بين الجهاد لتحقيق مطالب الأمة وبين المجاهدة لتحقيق المطلب الإحساني الفردي.
في ظروف الغزالي وحدوده بالزمان والمكان والمطلب تجرد الغزالي لطلب "علم الآخرة" بعد تحصيل علوم الفقه وبعد جدال الفلاسفة ونيل الأوطار الدنيوية. "وتزيا بزي الصالحين، وقصر الأمل، ووقف الأوقات على هداية الخلق ودعائهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة وتبغيض الدنيا والاشتغال بها على السالكين والاستعداد للرحيل إلى الدار الباقية والانقياد لكل من يتوسم فيه أو يشم منه رائحة المعرفة أو التيقظ بشيء من أنوار المشاهدة"[6].
إعراض عن الدنيا وإقبال على الله عز وجل وانقياد لأهل الخير. "وتفكر في العاقبة وما يجدي وما ينفع في الآخرة. فابتدأ بصحبة الفارمدي، وأخذ منه استفتاح الطريقة، وامتثل ما كان يشير به عليه من القيام بوظائف العبادات والإمعان في النوافل واستدامة الأذكار والجد والاجتهاد طلبا للنجاة، إلى أن جاز تلك العقبات"[7].
من عظماء الإسلام كثير لجأوا مثل الغزالي، قبله وبعده، إلى مربين يساعدونهم على جواز العقبات. لا تكاد تحصي الأمثلة للعلماء الذين ارتموا في أحضان العارفين تعج بذكرهم كتب التاريخ وطبقات المذاهب.
من أجلهم سلطان العلماء شيخ الإسلام والمسلمين إمام عصره بلا مدافعة، الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر الذي كان في عصره ملاذ الأمة وحاميها من الحكام الظلمة. إنه عز الدين بن عبد السلام الصائل بعلمه في المجالس، الصائل بشجاعته في الحق، يهجم بكلمة الزجر والتأنيب على دواوين الحكام. مواقفه تشرف كل منتسب للعلم في كل زمان.
كان رحمه الله أعبد الخلق وأتقاهم. حكى عنه ابن دقيق العيد، أحد الأكابر علما وتقى، أنه: "لبس خرقة التصوف من الشيخ شهاب الدين السهروردي وأخذ عنه". وذكر أيضا أنه: "كان يقرأ بين يديه رسالة القشيري فحضره مرة الشيخ أبو العباس المرسي لما قدم من الإسكندرية إلى القاهرة، فقال له الشيخ عز الدين: تكلم عن هذا الفصل. فأخذ المرسي يتكلم والشيخ عز الدين يزحف في الحلقة ويقول: اسمعوا هذا الكلام الذي هو حديث العهد بربه"[8]. قال السبكي: "وقد كانت للشيخ عز الدين اليد الطولى في التصوف، وتصانيفه قاضية بذلك".
قال عز الدين سلطان العلماء: "أما تفضيل العارفين بالله على العارفين بأحكام الشرع فقول الأستاذ (القشيري) وأبي حامد (الغزالي) فيه متفق. ولا يشك عاقل أن العارفين بما يجب لله من أوصاف الجلال ونعوت الكمال وبما يستحيل عليه من العيب والنقصان أفضل من العارفين بالأحكام. بل العارفون بالله أفضل من أهل الفروع والأصول. لأن العلم يشرف بشرف المعلوم وبثمراته. فالعلم بالله وصفاته أشرف من العلم بكل معلوم من جهة أن متعلقه أشرف المعلومات وأكملها، ولأن ثماره أفضل الثمرات"[9].
هل كان فطاحلة علمائنا بهاليل مجانين حتى يزحفوا في الحلقة إعجابا بكلام العارفين وهم كانت ترتعد خوفا منهم فرائص الجبارين في الأرض؟ أم أنهم لم يجدوا في كتب الرقائق والوعظ ما يروي الغلة حتى ينقادوا للمشايخ ويتتلمذوا بأدب؟
هذه نصيحة من أحد كبار فقهائنا عسى أن يقرأها من يوصون بـ"التصوف السني" الذي تحتويه بطون الكتب التي تكفي قراءتها والتضلع منها. قال القسطلاني صاحب المؤلفات المشهورة: "وإن كان مرادك أن تصير بقراءتها (أي كتب القوم) صوفيا محققا فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو قرأت من هذه الكتب عدد رمل عالج في مدة عمر نوح لم تصر صوفيا حتى يلج الجمل في سم الخياط. إنما التصوف الدؤوب في الطاعات، وترك المخالفات، وفطم النفس عن المألوفات، وعدم التطلع إلى ما في أيدي الناس من الأموال المباحات فضلا عن الشبهات، وترك التوسل بالخلق، والاعتماد على الله في كل الحالات"[10].
يفتي القسطلاني بحرمة قراءة الكتب المشتملة على العبارات الغامضة والشطحات. وينصح بعدم تضييع الوقت في طلب علم القوم، لأن العلم بلا عمل بطالة. وكانت سعادته بلقاء الشيخ شهاب الدين السهروردي، وهو ابن أخ الشيخ أبي النجيب السهروردي الأشهر، لبس منه خرقة التصوف[11].
وكان تقي الدين بن دقيق العيد شيخا إماما زاهدا محدثا حافظا ورعا فقيها بلغ درجة الاجتهاد المطلق. قال السبكي : "ولم ندرك أحدا من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السبعمائة المشار إليه في الحديث المصطفوي النبوي صلى الله عليه وسلم، وأنه أستاذ زمانه علما ودينا"[12]. هذا الإمام الأوحد في قرنه سلك طريق القوم على يد الشيخ الصالح كمال الدين بن عبد الظاهر الهاشمي[13]. وكانت له كرامات كثيرة[14].
نختم حديثنا عن الفقهاء الصوفية، وقد اقتصرنا على الأشهرين من الشافعية، بذكر التقي السبكي أحد أعلام الأمة الذي كان يدعى بالشافعي الثاني، وناهيك بالتشبيه.
تصدى التقي السبكي، والد مؤلف الطبقات، لمسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وعارضه في اجتهاداته الشاذة عن الإجماع في موضوع زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وفي قضية الطلاق المعلق وغيرها. كانت اضطرابات ابن تيمية رحمه الله وسجنه وما لحقه ولحق أصحابه من أذى نتيجة لما يسمى "مسائل" ابن تيمية. وهي بضع وستون مسألة في أصول الدين وقضايا الفقه خالف فيها علماء عصره. لم يكن الفارس الحنبلي في زمانه وتفرده بآرائه وحدته المرجع المطلق كما هو الشأن في هذه الأزمان التي فتحت فيها أبواب الخزائن لتنشر كتبه من دون كتب خصومه.
يقول الحافظ الذهبي الناقد اللاذع عن شيخه التقي السبكي في كتابه "المعجم المختصر" كما نقل عنه عبد الوهاب السبكي في الطبقات: "القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء تقي الدين أبو الحسن (...) وكان صادقا ثبتا خيرا دينا متواضعا حسن السمت من أوعية العلم. يدري الفقه ويقرره، وعلم الحديث ويحرره، والأصول ويقررها والعربية ويحققها (...) وقد بقي في زمانه الملحوظ إليه بالتحقيق"[15]. شهادة إنصاف.
كان "ملحوظ زمانه" هذا ومحققه كلفا بالصالحين ومعاشرتهم، كثير العبادة والذكر، مستجاب الدعوة، ظاهر الكرامات. "وكان كثير التعظيم للصوفية والمحبة لهم. ويقول: طريق الصوفي إذا صحت هي طريق الرشاد التي كان السلف عليها"[16].
يعظمه الذهبي ويقول: "ما صعد هذا المنبر بعد ابن عبد السلام أعظم منه"[17]. قال عبد الوهاب السبكي: "وصح من طرق شتى عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه كان لا يعظم أحدا من أهل العصر كتعظيمه له، وأنه كان كثير الثناء على تصنيفه في الرد عليه"[18]. رحمهم الله جميعا وإيانا وعفا، إنه العفو الغفور.



[1] حسن المحاضرة ج 1 ص 153 - 159.
[2] الفتاوي الحديثية ص 207.
[3] نفس المصدر ص 226.
[4] نفس المصدر ص 226.
[5] ميزان العمل ص 222.
[6] طبقات الشافعية ج 4 ص 108.
[7] نفس المصدر ج 4 ص 109.
[8] طبقات الشافعية ج 5 ص 83.
[9] تأييد الحقيقة العلية ص 23.
[10] نفس المصدر ص 75.
[11] طبقات الشافعية ج 5 ص 18.
[12] طبقات الشافعية ج 6 ص 3.
[13] نفس المصدر ج 6 ص 143.
[14] نفس المصدر ج 6 ص 4.
[15] ج 6 ص 150.
[16] نفس المصدر ج 6 ص 168.
[17] نفس المصدر ج 6 ص 157.
[18] نفس المصدر ج 6 ص 168.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:33 PM
بين التشدد والاعتدال
وللتقي السبكي إمام عصره شيخ آخر شاذلي. فمن هم هؤلاء العارفون الذين تخضع لهم هامات رفعها العلم وزانتها التقوى وأحاطتها هالة الاحترام؟ هل كان مشايخ التربية أهلا لذلك التقدير العظيم الذي نالوه من خاصة العلماء وأفذاذهم كما نالوه من العامة؟ هل كانوا من الأخيار الصالحين بدرجة يجمع على الشهادة بها كل ملاحظ، أم هي كتب "المناقب" والمذاهب تحابي وتداهن؟
ينقل الإمام الشوكاني "خاتمة المحققين" عن المؤرخ الناقد الشديد الذهبي ترجمة واحد من مشايخ المدرسة الشاذلية، أحد أساطينها، ما يلي: "كانت له خلال عجيبة ووقع في النفوس ومشاركة في الفضائل. ورأيت الشيخ تاج الدين الفارقي لما رجع من مصر معظما لوعظه وإشارته. وكان يتكلم بالجامع الأزهر يمزج كلام القوم بآثار عن السلف وفنون من العلم. فكثر أتباعه. وكان عليه سيماء الخير. ويقال إن ثلاثة قصدوا مجلسه فقال أحدهم: لو سلمت من العائلة لتجردت. وقال الآخر: أنا أصلي وأصوم ولا أجد من الصلاح ذرة. فقال الثالث: إن صلاتي ما ترضيني فكيف ترضي ربي. فلما حضروا مجلسه قال في أثناء كلامه: ومن الناس من يقول، فأعاد كلامهم بعينه. ومن جملة من أخذ عنه الشيخ تقي الدين السبكي. وهو صاحب الحكم المشهورة الآن بحكم ابن عطاء الله التي يلهج كثير من متصوفة زماننا بحفظ كلمات منها"[1].
هذا الشيخ الذي أشاد به المحدث الناقد الذهبي ونقل شهادته الشوكاني الفقيه الجامع المجتهد هو السيد أحمد المعروف بابن عطاء الله السكندري تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي تلميذ الشيخ أبي الحسن الشاذلي مؤسس الطريقة الشاذلية. "وكان المتكلم على لسان الصوفية في زمانه وهو ممن قام على الشيخ تقي الدين ابن تيمية".
كان هذا المربي الكبير مالكي المذهب، تلميذه تقي الدين السبكي شافعي بارز حاز لقب "الشافعي الثاني" من معاصريه، أمامهما الحنبلي الثائر تقي الدين ابن تيمية، خاصماه وجادلاه. فما منع ذلك الخصام شيخ الإسلام الحنبلي من إنصاف خصمه السبكي كما رأينا في الفقرة السابقة. وما منع الذهبي تحزبه الشديد الذي عرف به من إنصاف السبكي وشيخه الشاذلي كما رأينا.
يأتي في زماننا مقلدون امتلأت أردانهم رعونة ونزقا فيتبنون تلك الخصومات ويتشددون ويلعنون فيعيدون إشعال نيران الفتنة بعد أن خمدت، يبعثونها من طي الكتب الراقدة التي كان من حقها أن تخلد إلى الراحة بعد أن أتعب الأمة وأوهاها ما سجلته من صدام تاريخي مؤلم.
إن من أحوج ما نحتاج إليه بسط صفحة من التسامح والرحمة والاعتدال وضبط النفس. كان الصوفية ولا يزالون، أعني الصادقين لا المنتحلين للاسم والسمعة، أصحاب قلوب حشوها المحبة والرفق والرحمة بالخلق كافة. ولئن اصطدم بهم بعض الفقهاء والمحدثين الذين من شأنهم التعامل مع النصوص بدقة العقل القانوني والتعامل مع الناس بميزان الجرح والتعديل الباني الهادم فإن صدق الفريقين يرجع آخر الأمر إلى الإنصاف، والاعتدال، والاعتراف، والرجوع إلى الحق. مثال هذا الاعتدال والمراجعة نفتقده في زماننا، فلا نجد إلا التعنت والتصلب والرفض لكل حوار. لذا نستعرض تاريخ الرجال من سلفنا الصالحين لنستلهم الرفق كفاء لجهود غيرنا ممن ينفخ في رماد الفتنة ليوري الشرار.
كان الحافظ المفسر الشافعي المذهب ابن كثير رحمه الله ممن ينكرون على الصوفية ويشتدون. في أخريات عمره رجع واعترف وتتلمذ ودخل في صف الشاذلية. قال الصلاح الصفدي في كتابه "نكت الهميان" : "ورأيت شيخنا عماد الدين (ابن كثير) قد فتر عنه (أي عن أبي الحسن الشاذلي) وبقي واقفا في هذه العبارات حائرا في الرجل لأنه كان قد تصوف على طريقته. وأخذ عن نجم الدين الأصفهاني نزيل الحرم، ونجم الدين صحب الشيخ أبا العباس المرسي صاحب الشيخ أبي الحسن"[2].
كثيرا ما قرأنا عبارات "أخذ عنه" أو "تلقى عنه"، فيا عجبا أي شيء يتلقاه أئمة الدين حماة الشريعة من أساتذتهم الصوفية؟ أفي الأمر أسرار كهنوتية أم أن الأمة أجمعت على ضلال حين اتبعت فقهاء في أغلبهم يتصوفون، واقتدت بصوفية تتلقى عنهم وتأخذ شيئا زائدا عن العلم والفتوى والإرشاد؟ إن في هذا ما يحير من كان خالي الفؤاد من هم الآخرة وهم الله، ويشل حركته، ويرتد به إلى السلبية والعدمية والشك. ألا يكفي يا فقهاء ما جمعتموه من علوم حتى تلتمسوا من قوم ليس لهم أحيانا سماع ولا رواية ولا أصول مضبوطة محفوظة؟ ماذا تتلقون مما لا تجدونه في كتاب الله وسنة رسوله؟ أثم شيء زاده الصوفية في الدين، أم هو وحي بعد الوحي أم أن الدين الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بحاجة إلى من يكمله؟
أسئلة إنكار وجدال تبقى صماء لا تصيخ لجواب في فم الغاضب لنفسه، وقد يوهمه جهله أنه يغضب لله. أما من كان في قلبه حرقة، وكان من ذوي الأفق الواسع، استكشف رحاب العلم وجوانب الاطلاع، فانتهى مثل الغزالي إلى أن علمه المكتسب ما زاده إلا تخبطا في الدنيا وهوسها بعيدا عن علم الآخرة بعيدا عن معرفة ربه، فذاك يطلب العلم لا يمل، ويتعرض كما تعرض موسى عليه السلام لمن يعلمه علما، يتبعه على ذلك ويطيعه ويصبر معه.
أو كمثل مجتهد القرنين الثاني عشر والثالث عشر الشوكاني الذي يحظى عند السادة السلفية والحنابلة بالقبول التام وتحظى كتبه بالتقدير الكامل. هذا الرجل مثال للاعتدال والإنصاف، نعرض نصوصا له لمن يعرف الحق بالرجال ولا يعرف الرجال بالحق لبعده عن الحق.
الشوكاني أيضا أخذ وتلقى عن شيخ صوفي، هو أيضا تتلمذ وقعد بين يدي مرب ماهر في طب القلوب. أتدري يا أخي ماذا تلقى ؟ إنه تلقى دواء كما تلقى غيره ممن قرأت وممن لم تقرأ. فإن كنت مطمئنا إلى إيمانك وسلامة قلبك أكثر من اطمئنان من سردت عليك من الفحول فلا عليك أن ترضى بحالك وأن تقعد فأنت الطاعم الكاسي.
تحدث الشوكاني في كتابه "البدر الطالع" عن شيخه في طريق القوم السيد عبد الوهاب الحسني الموصلي. قال: "وقدم علينا إلى صنعاء في سنة 1234. وكثر اتصاله بي. وهو جامع بين علم الأديان والأبدان، جيد الفهم فصيح اللسان، حسن العبارة، حسن الإشارة"[3].
قال: "وقد تلقيت منه الذكر على الطريقة النقشبندية"[4].
يعتبر السادة السلفيون من أهل الحديث وغيرهم ممن يقلدون الاتجاه المتشدد عفا الله عنا وعنهم أن الشوكاني واحد منهم، ويحتفلون بكتبه أيما احتفال. والرجل سليم من الغلو الذي وقع فيه الوهابية الذين فسروا ابن تيمية تفسيرهم الخاص. نجد عند الشوكاني فتوى توصي بالاعتدال والكف عن تكفير المسلمين، أبى إلا أن ينظمها أبياتا ليسهل حفظها وتناقلها وسيرها في الآفاق كما كان أسلافنا رضي الله عنهم يفعلون بالمتون المهمة. قال رحمه الله:
نرد إلى الكتــاب إذا اختلفنـا مقـالتنا وليس لذا جحــود
مضى خـير القـرون ومن تلته ولا قيــل ولا قـال ولــود
لهم من حلة الإنصـاف حلي ولبـس للهـدى لهـم بــرود
وما قالـوا بتكفـيـر لـقـوم لهم بدع على الإسـلام سـود
وما قالـوا بأن الرفـض كفـر وبدعتـه تشـق له الجلــود
فكيف يقال قد كفـرت أنـاس يرى لقبـورهم حجـر وعـود
فإن قالـوا أتى أمـر صحيـح بتسـوية القبـور فلا جحـود
ولكـن ذاك ذنب ليس كفــرا ولا فسقـا فهـل في ذا ردود؟
وإلا كــان من يعصـي بذنـب كفـورا، إن ذا قـول شــرود
ولي في ذا كتـاب قمـت فيـه مقـاما ليس ينكـره الحسـود
وقد سارت به الركبان شـرقـا وغربا لم تـرد فـيــه ردود

كان الشوكاني إماما مستقلا باجتهاده، يؤلف، كما قرأنا، كتابا في الدعوة للاعتدال، ويشجب المذاهب المتشددة ويقول: "فإن صاحب نجد (سعود) وجميع أتباعه يعملون بما تعلموه من محمد بن عبد الوهاب، وكان حنبليا، ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة. فعاد إلى نجد وصار يعمل باجتهادات جماعة من متأخري الحنابلة كابن تيمية وابن القيم وأضرابهما، وهما من أشد الناس على معتقدات الأموات"[6].
إن كان عند ابن تيمية وابن القيم تشدد فقد كان لتشددهما حدود، لم يبلغ بهما التمسك بالأحوط أن يتجاوزا الصحابة رضي الله عنهم، وهم أكثر الناس ورعا وحيطة في الدين ولم يكن الصحابة رضي الله عنهم يقذفون الناس بما يقذف به المكفرون المقلدون، وحاشاهم. ها هو الإمام علي كرم الله وجهه يخرج عليه الخوارج ويكفرونه في قضية التحكيم، ويهددون وحدة الأمة في زمن الفتنة والانشقاق تهديدا خطيرا. ما أهون بدعة تشييد الأضرحة أمام بدعتهم التي تنشق لها الجلود كما تنشق لبدعة الرفض. ومع ذلك فلم يكفرهم رضي الله عنه بل قال عنهم: "من الكفر فروا". وبعث إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه ليحاورهم بلطف. وعندما رفعوا شعار المروق وقالوا: "لا حكم إلا لله"، أصدر الخليفة الرابع رضي الله عنه أمره الحكيم ووصيته العادلة قائلا: "كلمة حق أريد بها باطل، لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه". هكذا التمس لهم رضي الله عنه العذر.
وشيخ الإسلام ابن تيمية مهما كانت حدته رجل صادق في اقتفائه أثر السلف الصالح. أحيانا يلج في الخصام ويبين أثناء حمية الجدل فيتلقف المقلدة تلك اللحظة العابرة في تفكير الرجل ليتخذوها سندا لتزمتهم وعنفهم. أما في سائر كتاباته فرجوعه إلى السنة الصحيحة وإلى عمل الصحابة يدله على الاعتدال والتريث والتثبيت. قال رحمه الله: "ومازال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل (مسائل الخلاف في العقيدة، فكلامه هذا جاء في نقاشه لخلاف الأشاعرة والحنابلة) ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية"[7]. وقال: "مع أني دائما ومن جالسني يعلم ذلك مني: إني من أعظم الناس نهيا أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية. إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى. وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية"[8].
وكما تحدث الشوكاني في منظومته عن الرافضة، وهم الذين يسبون الصحابة قاتلهم الله، فلم ينسبهم للكفر مع أن بدعتهم من أشد البدع سوادا ولؤما، فإن ابن تيمية سبقه إلى موقف الاعتدال منهم، مع أنه في عامة كتبه صب عليهم وابلا من غضبه فعدوه ناصبيا. والنواصب خذلهم الله هم من يكرهون آل البيت عليهم السلام. قال: "فالرافضة لما كانت تسب الصحابة صار العلماء يأمرون بعقوبة من يسب الصحابة"[9].
أكتب هذا والحملة على الشيعة وثورتهم في إيران شعواء ماحقة. تصدر فتاوي مأجورة مأزورة بتكفير الشيعة كافة، لا يتقي الله في الأمة من يلفقون الأحكام. إن كان في إيران روافض، والرفض منتشر هناك بالتأكيد، فهم عقول ونفوس مريضة بداء الكراهية الوبيل. غاية القاضي أن يعاقبهم كما كان يفعل العلماء. وذلك لا يتأتى إلا لو كانت الأمة موحدة والقضاء إسلاميا والعزة في الأرض لله ولرسوله وللمؤمنين. وإن كان الثوار الإيرانيون سجنوا علماء السنة واضطهدوا السنيين وهمشوهم فالهيجان الثوري كان ولا يزال في كل زمان ومكان يخيل للثوار أنهم قادرون على تبديل الأرض غير الأرض والسماء غير السماء. والواقع المستعصي على الإرادات الثورية يعطي الاتجاه الثوري العنيف إما حكمة ورجوعا إلى الحلول المعقولة إن وجدت في الواقع المقابل تفهما، وإما انحرافا خطيرا إن خيبت التجربة الثورية الآمال ودفع بها اليأس من تطرف إلى تطرف.
حمل إخواننا الشيعة ألمين ممضين منذ قرون، ألم الحزن على فوات الخلافة من يعتبرونهم أئمة وارثين شرعيين، قمة الحزن مأساة قتل الحسين رضي الله عنه. ثم ألم الخضوع للحكم الجبري الذي كان الشاه المقبور من أعتى نماذجه. فلما أذن الله بتحرر القطر الإسلامي إيران من داء الحكم الفاسد اشتعل حماس المسلمين في أرجاء الأرض استبشارا. ثم أخذت الأخطاء الجسام تتراكم فانفعل من انفعل، وغضب من غضب، وأفتى من أفتى.
إننا ونحن نتحدث عن سرطان الرفض في معرض البحث عن مواقف التثبت والاعتدال نعالج مرضا واحدا، هو مرض الهيجان العاطفي الذي فتك بوحدة الأمة ولا يزال يفتك. كفروا الشيعة جميعا لأن من بينهم روافض، وكفروا الصوفية جميعا لأن بعض الزنادقة لبسوا الزي وتحلوا باللقب. في الماضي كانت التكفيرات تتناول الأفراد أو الطوائف والكل داخل الوحدة الإسلامية قبل أن تكرس القطرية الفرقة وتحجرها. أما اليوم فوقع التكفير والطرد من حظيرة الإسلام أبلغ أثرا وأعمق وأبشع لأن تكفير قطعة من جسم الأمة الممزقة بغير حق يزيد التمزيق استفحالا. فإذا كانت هذه القطعة من الأمة ثورة هائجة، وكان تصديها، الرائع بكل ميزان، لقوى الاستكبار العالمي يجد صدى سلبيا من علماء السنة، بل وقوفا ضد الثورة الإسلامية، وتكفيرا لقيادتها، فرعونة الفقيه أو الكاتب الذي يملي ويخط آراءه في كرسيه الآمن، يكفر ويلعن ويستبيح الحرم، جريمة نكراء. إن مستقبل الأمة في خطر داه بما تجنيه أيد غير مسؤولة. وإن المرض العضال الذي لا تزال الأقطار السنية تعاني منه، وهو مرض الحكم الجبري الجائر، لا تزيده الفتاوي الطائشة ضد إيران والشيعة إلا ترسيخا. داء إخواننا الشيعة سرطان الرفض في بعض الأفراد وفي بطون الكتب والأخطاء الفادحة التي لا تخلو منها أية ثورة. فهل يجوز يا قوم أن نحكم بجرة قلم إرضاء للنزوات أو للحكام بفتاوي بئيسة يلتحم بها الرفض الموروث بالأخطاء الثورية التحاما أبديا ليولد مخلوق بشع وليخلد في ديار السنة حكم الظلمة المارقين؟



[1] البدر الطالع ج 1 ص 107 - 108.
[2] كذا نقله الشيخ أحمد بن الصديق في كتابه البرهان الجلي ص 50.
[3] ج 1 ص 406 - 407.
[4] ج 1 ص 408.
[5] ولاية الله والطريق إليها ص 26.
[6] نفس المصدر ص 27.
[7] الفتاوي ج 3 ص 229.
[8] نفس المصدر والصفحة.
[9] نفس المصدر ج 3 ص 409.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:34 PM
مراجعة وتوبة
صاحبنا الإمام الشوكاني نشأ زيديا شيعيا، ثم توسعت مداركه حتى بلغ درجة الاجتهاد. ونجده في كتاب "نيل الأوطار"، وهو شرح لكتاب "منتقى الأخبار" لابن تيمية الجد، يمشي مع التشدد في مسألة التمسح بالأضرحة والحلف بغير الله، ويندد "بالكفر الفظيع والمنكر الشنيع" و"الشرك المبين". ويستعدي العلماء والحكام قائلا: "فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين، أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك المبين؟"[1].
هذا الرجل المعتدل الذي قرأنا فتواه المنظومة في الفقرة السابقة الداعية إلى الرفق خاض معارك من جملتها معركته مع الروافض. لنستمع إليه يقص قصتها فهي مليئة بالعبر. قال رحمه الله: "ولما ألفت الرسالة التي سميتها "إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي" ونقلت إجماعهم من ثلاث عشرة طريقة على عدم ذكر الصحابة بسب أو ما يقاربه، وقعت هذه الرسالة بأيدي جماعة من الرافضة الذين بصنعاء المخالفين لمذاهب أهل البيت، فجالوا وصالوا وتعصبوا وتحزبوا وأجابوا بأجوبة ليس فيها إلا محض السباب والمشاتمة (...). وكل من عنده أدنى معرفة يعلم أني لم أذكر فيها إلا مجرد الذب عن أعراض الصحابة الذين هم خير القرون، مقتصرا على نصوص الأئمة من أهل البيت، ليكون ذلك أوقع في نفوس من يكذب عليهم وينسب إلى مذاهبهم ما هم منه برآء. ولكن كان أهل العلم يخافون على أنفسهم ويحمون أعراضهم، فيسكتون عن العامة. وكثير منهم كان يصوبهم مداراة لهم. وهذه الدسيسة هي الموجبة لاضطهاد علماء اليمن وتسلط العامة عليهم وخمول ذكرهم وسقوط مراتبهم، لأنهم يكتمون الحق. فإذا تكلم واحد منهم وثارت عليه العامة صانعوهم وداهنوهم وأوهموهم أنهم على الصواب. فيتجرأون بهذه الذريعة على وضع مقادير العلماء وهضم شأنهم. ولو تكلموا بالصواب أو نصروا من يتكلم به أو عرفوا العامة إذا سألوهم الحق وزجروهم عن الاشتغال بما ليس من شأنهم لكانوا يدا واحدة على الحق، ولم يستطع العامة ومن يلتحق بهم من جهلة المتفقهة إثارة شيء من الفتن. فإنا لله وإنا إليه راجعون"[2].
حكمة جليلة يضع الشوكاني أصبعنا عليها. حكمة عملية سياسية اجتماعية. وهي سقوط القيادات في قبضة الجماهير بتعبير عصري. في المجتمع الشيعي يعيش الناس إسلامهم على نمط خاص: عاطفة فوارة وذاكرة تتأجج بمآسي الفتنة الكبرى ومقتل الحسين رضي الله عنه. الجماهير تنوح وتحزن وتسب وتلعن، والعلماء يخشون ثورة العامة فيصانعون ويداهنون ويسكتون. تماما كما يصانع علماء السنة الحكام ويداهنون ويسكتون مخافة بطش السلطان.
فإذا نقلنا تحليل الشوكاني، وهو الخبير بالمجتمع الشيعي، إلى عصر الثورة الإيرانية، وحسبنا الفرق بين الزيدية المعتدلين وبين الإمامية الأكثر صلابة ظهرت لنا أبعاد القضية كلها. المسلمون الشيعة في قبضة حركية تولدت من الانكسار التاريخي، وقويت واشتدت وتأزمت حتى انفجرت اليوم في وجه العالم. العامة ثائرة، والقادة لا يملكون الزمام. والمسلمون السنة في قبضة حركية تاريخية السلطان فيها هو المحرك والعامة لا تملك من أمرها شيئا، من ضمن العامة العلماء.
عاش الشوكاني معركة من موقع مريح. كان القاضي العام في اليمن تحوطه رعاية الإمام الحاكم. هدوء حياته كان لا شك عاملا مهما في صياغة شخصية كانت صاخبة متطرفة في شبابها، ثم ترزنت وتثبتت لتعطينا المفتي الرفيق. يتهمه بعضهم بأنه كان تيميا وهابيا، أي مقلدا جامدا. والحقيقة أن الرجل حر في رأيه، حر في بحثه، حر في اجتهاده. ففي مسألة من "مسائل ابن تيمية" وهي مسألة التوسل نراه يسلك مسلكا واسعا لينا. في كتابه "قطر الولي على حديث الولي" يذكر مناقب الإمام البخاري رحمه الله ويثني ويقول: "وجعل الله سبحانه كتابه (كتاب البخاري) هذا أرفع مجاميع كتب السنة المطهرة وأعلاها وأكرمها عند جميع الطوائف الإسلامية، وأجلها عند كل أهل هذه الملة. وصاروا في جميع الديار إذا دهمهم عدو أو أصيبوا بجدب يفزعون إلى قراءته في المساجد والتوسل إلى الله بالعكوف على قراءته لما جربوه قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر من حصول النصر والظفر على الأعداء بالتوسل به، واستجلاب غيث السماء، واستدفاع كل الشرور بذلك وصار هذا لديهم من أعظم الوسائل إلى الله سبحانه. وهذه مزية عظيمة ومنقبة كبيرة"[3].
توسع ورجوع وتجربة. وكذلك رجع الشوكاني عن تكفير المسلمين وأعلن توبته في صفحة مشرقة نقدمها هدية لكل عاقل لبيب من أهل الإيمان. كان أحدهم استفتاه في جماعة من الصوفية نظما، فأجابه نظما بتكفير الجميع. وأورد القصيدة بتمامها في كتابه البدر الطالع ليشطب عليها ويلغيها ويتوب مما احتوته. قال: "وقد أوضحت في تلك الرسالة (رسالة منه أصحبها فتواه المنظومة) حال كل واحد من هؤلاء، وأوردت نصوص كتبهم، وبينت أقوال العلماء في شأنهم". قال: "وكان تحرير هذا الجواب في عنفوان الشباب. وأنا الآن أتوقف في حال هؤلاء، وأتبرأ من كل ما كان من أقوالهم وأفعالهم مخالفا لهذه الشريعة البيضاء الواضحة التي ليلها كنهارها". هكذا رجع من التورط في التعيين إلى التعميم الأسلم. قال: "ولم يتعبدني الله بتكفير من كان في ظاهر أمره من أهل الإسلام. وهب أن المراد بما في كتبهم وما نقل عنهم من الكلمات المستنكرة المعنى الظاهر والمدلول العربي، وأنه قاض على قائله بالكفر البواح والضلال الصراح، فمن أين لنا أن قائله لم يتب عنه؟ ونحن لو كنا في عصره بل في مصره، بل في منزله الذي يعالج فيه سكرات الموت لم يكن لنا إلى القطع بعدم التوبة سبيل، لأنها تقع من العبد بمجرد عقد القلب ما لم يغرغر بالموت. فكيف وبيننا وبينهم من السنين عدة مئين، (...) وفي ذنوبنا التي أثقلت ظهورنا لقلوبنا أعظم شغلة. وطوبى لمن شغلته عيوبه. ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. فالراحلة التي قد حملت ما لا تكاد تنوء به إذا وضع عليها زيادة عليه انقطع ظهرها وقعدت على الطريق قبل وصول المنزل. وبلا شك إن التوثب على ثلب أعراض المشكوك في إسلامهم، فضلا عن المقطوع بإسلامهم، جراءة غير محمودة. فربما كذب الظن، وبطل الحديث، وتقشعت سحائب الشكوك، وتجلت ظلمات الظنون، وطاحت الدقائق، وحقت الحقائق. وإن يوما يفر المرء من أبيه، ويشح بما معه من الحسنات على أحبابه وذويه، لحقيق بأن يحافظ فيه على الحسنات، ولا يدعها يوم القيامة نهبا بين قوم قد صاروا تحت أطباق الثرى قبل أن يخرج إلى هذا العالم بدهور. وهو غير محمود على ذلك ولا مأجور. فهذا ما لا يفعله بنفسه العاقل. وأشد من ذلك أن ينثر جراب طاعاته، وينثل كنانة حسناته على أعدائه غير مشكور بل مقهور. وهكذا يفعل عند الحضور للحسنات بين يدي الجبار بالمغتابين والنمامين والهمازين اللمازين، فإنه قد علم بالضرورة الدينية أن مظلمة العرض كمظلمة المال والدم، ومجرد التفاوت في مقدار المظلمة لا يوجب عدم إنصاف ذلك الشيء المتفاوت أو بعضه بكونه مظلمة. فكل واحدة من هذه الثلاث مظلمة لآدمي، وكل مظلمة لآدمي لا تسقط إلا بعفوه. وما لم يعف عنه باق على فاعله حتى يوافي عرصات القيامة".
ثم يقول رحمه الله مخاطبا العقلاء الأشحاء على دينهم، المشفقين من لقاء ربهم، مناشدا عندهم خشية الموقف الرهيب الذي لا ريب فيه: "فقل لي كيف يرجو من ظلم ميتا بثلب عرضه أن يعفو عنه؟ ومن ذاك الذي يعفو في هذا الموقف وهو أحوج ما كان إلى ما يقيه عن النار؟ وإذا التبس عليك هذا فانظر ما تجده من الطباع البشرية في هذه الدار، فإنه لو ألقي الواحد من هذا النوع الإنساني إلى نار من نيران هذه الدنيا وأمكنه أن يتقيها بأبيه أو أمه أو بابنه أو بحبيبه لفعل. فكيف بنار الآخرة التي ليست نار هذه الدنيا بالنسبة إليها شيئا. ومن هذه الحيثية قال بعض من نظر بعين الحقيقة: لو كنت مغتابا أحدا لاغتبت أبي وأمي، لأنهما أحق بحسناتي التي توخذ مني قسرا. وما أحسن هذا الكلام!".
قال رحمه الله: "ولا ريب أن أشد أنواع الغيبة وأضرها وأشرها وأكثرها بلاء وعقابا ما بلغ منها إلى حد التكفير واللعن. فإنه قد صح أن تكفير المؤمن كفر، ولعنه راجع على فاعله، وسبابه فسق. وهذه عقوبة من جهة الله سبحانه. وأما من وقع له التكفير واللعن والسب فمظلمته باقية على ظهر المكفر واللاعن والساب. فانظر كيف صار المكفر كافرا واللاعن ملعونا والساب فاسقا، ولم يكن ذلك حد عقوبته، بل غريمه ينتظر بعرصات المحشر ليأخذ من حسناته، أو يضع عليه من سيئاته بمقدار تلك المظلمة. ومع ذلك فلابد من شيء غير ذلك، وهو العقوبة على مخالفة النهي، لأن الله قد نهى في كتابه وعلى لسان رسوله عن الغيبة بجميع أقسامها. ومخالفة النهي فعل محرم، وفاعل المحرم معاقب عليه"[4].
انتهى كلام عالمنا الورع. كتبه بعد أن استجمع عقله وإيمانه، وترك وصيته معلمة على طريق كل باحث عن سبيل النجاة بدينه.
من كان لا يستحضر بيقين أهوال العرض على الله يوم توزن الأعمال بمثقال الذرة فهذا الكلام النير موجه لغيره. ومن كان لا يستطيع أن يعرف الحق فيعرف بالحق الرجال ومقاديرهم ومرتبة قراراتهم ومنعطفات فكرهم وحياتهم فقد بسطنا له طرفا وجيزا من مواقف الرجال ليعتبر، وعساه يهتدي إلى الحق باقتفاء آثار من سبقوه بالإيمان، يفحص تلك الآثار ويقارن ويحكم. ذلك لمن كان فيه استعداد للبحث، وطلب للحق، ووحشة من الجهل، واستنكاف عن الهينة اللينة حياة التقليد والسطحية والرضى بالدنية.
لماذا يخرج أمثال الغزالي عن الجاه العريض، والرياسة العلمية، ويترك الأهل والوطن ليلقى "متبوعا مقدما"؟ لِمَ يزحف سلطان العلماء العز بن عبد السلام أمام المشايخ وهو الذي ترتعد منه فرائص الملوك ويجثو بين يديه الأمراء والكبراء؟ من هو السيوطي الذي يشيد الطريقة الشاذلية ويتتلمذ للصوفية؟
تمر بين عيني القارئ السالي الفارغ الفؤاد راحة من طلب المعالي أمثولات الرجال فلا يتحرك فيه حس المنافسة ولا خشية أن يفوته الأمر الجلل الذي تزاحمت عليه الفحول، وتخاصمت، وتناظرت، وتسابقت.
فهل من همم عالية تسمع، وتهب، وتلتاع؟



[1] نيل الأوطار ج 3 ص 134.
[2] البدر الطالع ج 1 ص 233 - 234.
[3] ولاية الله ص 519.
[4] البدر الطالع ج 2 ص 37 - 39.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:34 PM
عقبة واقتحام
إسماع الفطرة
ابك على نفسك!
أخذ العلم عن أهله
فلا اقتحم العقبة!
الآل والصحابة رضي الله عنهم
الإسلام والإيمان والإحسان
التوبة واليقظة
الإرادة والهمة والعزم
جناية المصطلحات
عقبة الخلاف والاختلاف
كن حلس بيتك

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:35 PM
إسماع الفطرة
بسم الله الرحمن الرحيم. )الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ( . لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه من قبله منهم ومن بعده.
أستمطر الصلاة والسلام والبركة على خير الخلق وآله وصحبه وإخوانه من قبله ومن بعده. الذين من قبله هم الأنبياء. فما بال الذين من بعده؟
روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة فقال: "السلام عليكم دَارَ قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقُون ودِدْت أن قد رأينا إِخواننا" قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد". الحديث.
وروى مسلم عن أبي هريرة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "مِن أشَدِّ أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي، يَوَد أحدهم لو رآني بأهله وماله".
وأخرج الدارمي أن أبا مُحَيْريز قال: قلت لأبي جمعة رجل من الصحابة: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال نعم أحدثك حديثا جيدا. تغدّينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة ابن الجراح، فقال: يا رسول الله؟ أحَدٌ خيرٌ منا؟ أسلمنا وجاهدنا معك! قال: "نعم! قوم يكونون من بعدكم، يومنون بي ولم يروني". وروى الحديث أيضا رزين.
هذه الأحاديث تثبت أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إخوانا من بعده، ليسوا أنبياء لأن النبوة به ختمت، لكن لهم فضلا بما أحبوه بحب الله، ولهم فضل بما آمنوا به ولم يروه، ولهم فضل بما صبروا على غربة الإسلام، وعلى شدة أعداء الإسلام على أهل الإيمان. روى أبوداود والترمذي وقال حديث حسن غريب عن أبي أمامة الشعباني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر. للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم". زاد أبو داود: "قيل: يا رسول الله؟ أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين رجلا منكم". الحديث. وللحديث طرق أخرى بعض أسانيدها صحيح.
لمثل هذه المزية التي ترفعُك إلى مصاف الرجال فليعمل العاملون. لهذا استمطرت الصلوات والسلام والبركة على الصحب والإخوان بعد الآل.
وفي كتابي هذا أبدأ كل فقرة بالبسملة فكل كلمة أمر ذو بال، وأرَصِّع كل فقرة في البداية بدعاء قرآني أو نبوي أو بهما معا، وأوشيها في آخرها بشعر يرقق الشعور. والشعر بعضه حكمة. روى البخاري في كتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر والحُداء وما يكره منه، أن أبي بن كعب أخْبَر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من الشعر لحكمة". والحكمة كما قال البخاري في مكان آخر هي: "الصواب في غير النبوة".
أريد في هذا الكتاب أخي وأختي، والله المستعان، أن أحدثك حديث القلب، حديث الفطرة، في موضوع هو أجل الموضُوعات على الإطلاق، وهو موضوع صلة العبد بربه، وتقرب العبد من ربه، ووصول العبد إلى ربه، وفوز العبد بربه. ويا خسارة من خرج من الدنيا وليس له حظ من الله ولا نصيب ولا علم ولا هدى ولا كتاب منير؟
ليس يجسر عاقل أن يخوض فيما ليس له به علم مخافة أن يفتضح عند الناس. فكيف يجسر مسلم يومن بالله واليوم الآخر أن يخوض في غمار الحديث عن جوهر الدين ولبه، وهو حب الله ومعرفة الله، وهـو غريب عن مصادر المعرفة ومواردها. إنها إذن الفضيحة الكبرى يوم القيامة.
وقد تجرأ كثير من المطالعين في الأوراق على "التأليف" في علم التصوف، وأقحموا في ورقاتهم الكئيبة ما التقطوه من فتات موائد أهل العلم ليلفقوا أحكاما نهائية بأن التصوف تلبيس إبليس، وعمموا الأحكام وأضرموا نار اللجاج وأثاروا دخان العجاج.
فتعال أحدثك بلسان أهل مكة وهم أدرى بشعابها. قدمت لك في الفصل الأول من هذا الكتاب وقائع موثقة عن لقاء الفقهاء والعلماء والمحدثين بالمشايخ المربين. ووصفت لك من أحوالهم، وسردت لك من أقوالهم وشهاداتهم. وأفضل أن أنزهك في حدائق كتب القوم طيبي الأنفاس تسمع كلامهم مباشرة، بعد أن كنت منذ قريب من عشرين سنة كتَبْتُ، وكنت يومئذ في أول الطريق، شهادة عن " تجربتي الشخصية". فثارت علي الشبهات، وأشرعت في وجهي الأسنة. وقيل: طرقي مخرف لا يكفر زيدا وعمرا من الناس! وينقل عن "الكتب الصفراء" حديث خرافة! فاسِد العقيدة الخ. ولست أبالي حين أقتل مسلما...
أفضل أن أكون مُسَمِّعا لصدى تلك الأصوات التي قلما تجد في عصرنا صدى يرددها، على أنني لست ببغائي المحتد بل أحيى معاني ما أكتب بلحمي ودمي وروحي وعقلي. وفضل الله على آخر هذه الأمة ما قيد بِعصر. ولله الحمد من قبل ومن بعد.
أخي وأختي، إنك تأتي الله يوم القيامة فردا، فتعال اجلس إلي، واصبر عليّ، حتى أخبرك بما لقي به الرجال من أهل الله والنساء ربهم، وماذا غنموا من الدنيا ليوم اللقاء. واسمع، اسمع.
النفس الجديدة التي أبرزها الله عز وجل إلى الوجود عند الميلاد يُشرع أن يُؤذن لها في الأذن اليمنى وأن يقام في اليسرى. ذلك ليكون أول ما تسمعه الفطرة الكامنة عند خروجها للدنيا، التذكير بعهد الله وميثاقه أنه عز وجل ربنا. اللطيفة الدفينة في جسم الوليد تسمع جلال الله عز وجل ووحدانيته، وخبر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ودعوة الصلاة والفلاح، وكبرياء من له الكبرياء سبحانه.
كما شرع تلقين الميت من المؤمنين والمسلمين الكلمة الطيبة وشهادة الحق لتتردد الشهادة في كيان النفس الغاربة عن الدنيا وقت سفرها، عسى أن يُختم لها بالفطرة.
والفطرة إقامة الوجه لله، وَتَستوي الفطرة أو تَعْوَجُّ وتحيد عن الجادة بالتربية. روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ما من مولود إلا يولد على الفطرة ". ثم يقول: "اقرأوا إن شئتم: "فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم". زاد البخاري: "فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".
والتربية سماع وتشبه وتمثل وتشرب. روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلقن صبية بني هاشم إذا أفصحوا قول الله عز وجل: "وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك. ولم يكن له ولي من الذل. وكبره تكبيرا " سبع مرات. وعند البخاري: "باب الدعاء للصبيان بالبركة".
وكان صلى الله عليه وسلم يستقبل بالصبيان عند قدومه من السفر. وملاطفته صلى الله عليه وسلم لسبطيه الكريمين ولأمامة ابنة بنته، وحبه لهم، خبر مستفاض. وقد أمرَنا صلى الله عليه وسلم أن نأمر الصبيان بالصلاة لسبع سنوات، بل أنه صلى الله عليه وسلم بايَع عبد الله بن الزبير وهو ابن سبع، مبايعة تبريك وتشريف لا مبايعة تكليف كما قال ابن حجر رحمه الله.
هذه النفوس الطرية لا يتركها الإسلام لهَوَس السؤال "من أنا، ومن أين جئت، وإلى أين، وما معنى وجودي؟". بل تحتضنها الفطرة، وهي إقامة الوجه لله، إذا كان المجتمع مؤمنا بالله، وتصونها من عوامل الشيطنة والفساد. تُلقن النفوس الطرية، تخبر لتسمع، تؤمر لتنفذ، تعرض عليها النماذج الصالحة لتتعلق وتتخلق قبل أن يتشكل العقل المنطقي المتعلق بحواسه السابح في ظلمائه الكونية.
أن تسمع خبر الوحي وتقبله وتتخذه شعارا مباشرا لكيانك النفسي لا يحول بين ذلك الكيان وخبر الوحي حائل من تموجات الأحداث، ولا من عوارض التعليلات العاجزة عن تجاوز الشكل، تلك هي الطريق الوحيدة للإيمان والإحسان. والإحسان سماع وقَبُول وتربية.
وقد وصف الله عز وجل الكافرين الجاحدين للوحي بأنهم: )صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ( (سورة البقرة، الآية: 171). وعقل الحق في لغة القرآن يطلب الانقياد لما سمعته أذن القلب، وشهد به نطق اللسان، واعتبرت صحته العين الباصرة للأكوان. وليس لوجود السمع الحسي، ولا الإبصار ولا النطق المشتركة بين البشر أي اعتبار في مجال الإيمان إذا كانت أذن القلب صماء عن سماع نداء الوحي، وكان اللسان معتقلا عن شهادة الانقياد، والبصر حائرا لا يرى وراء الأكوان صانعا. قال الله تعالى: )وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ( (سورة الأعراف، الآية: 179).
العقل البشري عاجز عن معرفة الله وعن معرفة الغيب والآخرة. وإن كان هذا العقل عقلا متفلسفا حكيما فغاية مداركه أن يحكم بوجوب وجود ذات خالقة للعالم بحكم حاجة كل صنعة لصانع. أما أن يعرف صفات هذه الذات وأفعالها وأمرها وخلقها المغيب دنيا وأخرى فذلك لا يأتي إلا من قناة السمع والقبول لصوت النبوءة المترجم عن الوحي. ويعبر علماؤنا عن إخبار الوحي بالمعتقدات بعبارة "السمعيات".
بساطة الإيمان الفطري تتمثل في أولي الألباب الذين يذكرون الله ويتفكرون، الذين حكى الله عز وجل قولهم: ) رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا( (سورة آل عمران، الآية: 193).
ها أنت أيها الأخ الجالس إلي في هذه الصفحات والأخت وصلك فيما وصل صوت خافت عن الآخرة وعن الإيمان، أو تضلعت من الإيمان والحمد لله رب العالمين. فماذا سمعت وقرأت عن التصوف وعن معرفة الله وعن سلوك الطريق إلى الله، وعن شروط هذا السلوك، وعن مشروعيته، ممن اختصموا في هذه القضية العظمى، والخلاف له قعقعة تُصم الآذان، وتُشَوِّشُ على النداء الفطري الأول؟ ما الذي شوش، وما أصل الخلاف وفرعُه ومعْقِده؟ أحدِّثُك عن هذا أيضا إن شاء الله، كما أسْمِعُك شهادات أهلِ مكة الذين هم أدرى بشعابها.
نكتفي هنا بإجمال الأسباب المُصِمَّة المشوشة في ضياع الناس، والتفاتهم عن النبوة وشمولها، وتشتتهم في جزئيات الدين، صرفهم الاشتغال بالجزئيات وبالغير عن السماع الكلي. قال الإمام الغزالي في كتابه الفريد "المنقذ من الضلال": "الأنبياء أطباء أمراض القلوب، وإنما فائدة العقل وتصرفه أن عرَّفَنا ذلك، وشهِدَ للنبوءة بالتصديق، ولنفسه بالعجز عن درك ما يُدرك بعين النبوَّة. وأخذ بأيدينا وسَلَّمنا إليها تسليم العميان إلى القائدين، وتسليم المرضى المتحيرين إلى الأطباء المشفقين".
العقل المخترع الجبار في زماننا لا يُسْلم الناس للنبوة، والخلاف المكفر للصوفية يعتمد عقلانية جافية عن النبوة. والنبوة طب للْقلوب، يا من له قلب يشتاق للحق، ويحِن للحق. يا عميان ويا متحيرون!
قال المحب الصوفي:
نسيمَ الصَّبَا إن زرتَ أرض أحبـتي فخُـصَّـهُــمُ عنـي بكـل ســلام
وبلِّغْهـمُ أنـي رهيـنُ صَـبَــابَـةٍ وأن غـرامـي فـوق كــل غــرام
وأني لَيكفيـني طــروق خيــالهم لَو أنَّ جـفــوني مُتّـعـت بمنــام
وقد صمت عن لذات نفسـي كلِّهـا ويـومُ لقـاكم ذَاكَ فِطْــرُ صيــامي

وقلتُ:
ويـومُ لِقَاكُــم يا مُنـى القلــب موعــدي لطرح حجــابي وانجــلاءِ ظـلامي
ركضت جوادي قاصدا ذروة العــلا ودون العلا بحــر المهــالك طـامي
تهافت جهــدي لاقتحــام لِجــاجـها فيا ربِّ أسعفـنـي وخــذ بِزِمـامي

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:35 PM
ابك على نفسك!
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب ارحمهما كما ربياني صغيرا(. اللهم عافني في جسدي، وعافني في بصري، واجعله الوارث مني. لا إله إلا أنت الحليم الكريم. سبحان الله رب العرش العظيم. والحمد لله رب العالمين.
لم يكن ابن القيم بدْعاً من العلماء في صحبته لشيخ أخذ بيده حتى أراه مطالع الإيمان، وحتى رآى على يده آثاراً عظيمة "محجوبة عن زمرة العميان". وقد رأينا نماذج من سعي العلماء إلى المشايخ الربانيين يجثون أمامهم على الركب.
وما منهم إلا من أخبر عما آتاه الله من الفضل حين "ورد" الكأس الصافية. وقد تركوا لك شهادات مشفقة على شكل نداء لفطرتك يَسْتَنْهِضُونَكَ لتطلب كما طلبوا وترِد كما وردوا. فاجلس معي لأسمِّعك عسى أن تتيقَّظ همتك، وتَنْبعث، وتسير، وتصحب، وتذكر الله، وتحب الله ورسوله، وتبلغ مبالغ الرجال، فأكونَ السعيد بأن أجدك في صحيفتي ونلتقي هناك في رحمته، بمحض فضله وكرمه، إنه سبحانه الكريم.
قالَ لَكَ الشيخ الإمام القدوة مولانا عبد القادر الجيلاني قدس الله سره: "يا غلام!(...) دَأبُ الله عز وجل مع عباده المصطَفَيْنَ المُجْتَبَيْنَ أن يقطعهم عن الكل، ويبْتليهم بأنواع البلايا والآفات والمحن، ويُضيق عليهم الدنيا والآخرة وما تحت العرش إلى الثرى. يُفْني بذلك وجودهم، حتى إذا أفْنى وجودهم أوْجدهم له لا لغيره، أقامهم معه لا مع غيره. يُنشئهم خلقا آخر كما قال عز وجل: ) ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ( (سورة المؤمنون، الآية: 14). الخلق الأول مشترك (مع سائر بني آدم)، وهذا الخلق مفرد. يفرده عن إخوانه وأبناء جنسه من بني آدم. يغير معناه الأول ويُبَدِّله. يُصَيِّرُ عاليَه سافلَه. يَصِيرُ ربانيا روحانيا"[1].
وخاف عليك شيخ الإسلام ابن القيم أن لا تصدق التحويل الذي يحول الله أولياءه، فقال لك: "وما أظنك تصدق بهذا! وأنه يصير له وجود آخر. وتقول: خيال ووهم! فلا تعجل بإنكار ما لم تُحط بعلمه، فضلا عن ذوق حاله، وأعط القَوْسَ بارِيَها وخلِّ المطايا وحادِيَها"[2].
وقال لك الشيخ عبد القادر قدس الله سره: "ويحك! تدعي أنك منهم! ما علامتهم عندك؟ ما علامة قرب الحق عز وجل ولطفه؟ في أي منزلة أنت عند الحق عز وجل وفي أي مقام؟ ما اسمك وما لقبك في الملكوت الأعلى؟"[3].
وقال: "يا منافق! طهر الله عز وجل الأرض منكَ! ما يكفيك نفاقك حتى تغتاب العلماء والأولياء والصالحين بِأكْل لحومهم! أنت وإخوانك المنافقون مثلُك عن قريب تأكل الديدان ألسنتكم ولحومكم، وتقطعكم وتمزقكم.( … ) لا فلاح لمن لا يُحسن الظن بعباد الله عز وجل وبعباده الصالحين ويتواضع لهم. لِمَ لا تتواضع لهم وهم الرؤساء والأمراء؟ من أنت بالإضافة إليهم؟ الحق عز وجل قد سلم الحل والربط إليهم. بهم تمطر السماء وتُنبت الأرض"[4].
وقال: "يا غلام! تفكر في أمرك!(...) ما أنت صادق ولا صِدّيق ولا مُحب ولا موافق ولا راض ولا عارف! قد ادعيت المعرفة بالله عز وجل: قل لي ما علامة معرفته؟ إيشْ ترى في قلبك من الحُكْم والأنوار؟ ما علامة أولياء الله عز وجل وأبدال أنبيائه؟"[5].
وقال: "هذا العبد الذي وصل إليه( … ) يصير مِطْرَقاً للخلق جَهْبَذاً (أي خبيرا كاشفا للعيوب المبطنة) سفيراً دالاًّ إلى باب الحق عز وجل. فحينئذ يدعى في الملكوت عظيما. ( … ) لا تَهْذِ! أنت تدعي ما ليس لك، وما ليس عندك! أنت نفسُك مُستولِيَةٌ عليك والخلق والدنيا كلها في قلبك! هما في قلبك أكبر من الله عز وجل. أنت خارج عن حدِّ القوم وعدِّهِم. إن أردت الوصول إلى ما أشرتُ إليه فاشتغل بطهارة قلبك( … )، واصبر مع القَدَر، وأخْرج الدنيا من قلبك. وبعد هذا تعال إليَّ حتى أتكلم معك( … ). وقبل هذا فالكلام هَذَيانٌ!"[6].
واقرأ أخي وأختي ولو مرة كتاب "الفتح الرباني" فكله رسالة واحدة، وصية واحدة، من هذا الرجل المبارك الذي أجمعت الأمة على توقيره. وإن كان في الكتاب أحاديث ضعيفة وواهية فإن شيخ المحدثين الإمام أحمد رحمه الله لا يرى بأسا في الاستشهاد بالضعيف في فضائل الأعمال.
وأوصاك الإمام الجليل القدوة الشيخ أحمد الرفاعي قدس الله سره فقال: "أي أخي! أين أنت؟ في أي واد؟ تهيم في وادي وهمك! تَسرح في ميادين قطيعتك! اللهَ اللهَ بك! أحْرِصُ عليك والله أن تنقطع! أخاف عليك أن تخذل!(...) يا أخي لا تَحْرِدْ (لا تهرب) مني إذا انقطعتَ وأنت تظن الوصل، ورأيت أنك عالم وأنت على طائفة من الجهل. فقد فاتك السَّوْمُ، وسبقك القوم، وعمك اللوم"[7].
وترك لك عندي نصيحة أخرى تقول: "أيْ محجوب! تزعم أنك اكتفيت عنا بعلمك! ما الفائدة من علم بلا عمل؟ ما الفائدة بعمل بلا إخلاص؟ الإخلاص على حافة طريق الخطر من ينهض بك إلى العمل؟ من يداويك من سم الرياء؟ من يدلك على الطريق القويم بعد الإخلاص؟"[8].
ووصية أخرى تقول: "أي سادة! أحذركم الدنيا! أحذركم رؤية الأغيار! الأمر صعب، والناقد بصير. إياكم وهذه البطالات! إياكم وهذه الغفلات! إياكم والعوالم! إياكم والمحدثات! اطلبوا الكل بترك الكل. من ترك الكل نال الكل. ومن أراد الكل فاته الكل. كل ما أنتم عليه من الطلب لا يُصلحه إلا تركه والوقوف وراءه. وحِّدوا المطلوب تندَرِجْ تحت توحيدكم كل المطالب. من حصل له الله حصل له كل شيء، ومن فاته الله فاته كل شيء"[9].
إن كان ما قرأته من وصايا الرجال هيج شوقك، فاسمع قوارع الكلام يحاول به أهل الله وخاصته أن يَخِزُوا به همتك وأنَفَتك وخزاتٍ مؤلمة عساك تنهض ولا ترضى بما دون اللحاق بهم ومنافستهم وسبقهم. ولم لا تطلب والله لا يزال وهَّاباً كريما!
رجل من بني آدم طلب فوجد، وسلك فوصل يخاطبك: "يا من باع كل شيء بلا شيء، واشترى لا شيء بكل شيء! قد اشتريت الدنيا بالآخرة، وبعت الآخرة بالدنيا! أنْتَ هَوَسٌ في هَوَس! عَدَم في عدم! جهل في جهل!"[10].
ويخاطبنا وقد هاج عليه إخلاصه قائلا: "إن أردت الفلاح فاصبرْ على مطارق كلامي. إني إذا أخذني جنوني لا أراك! إذا ثار طبع سري، طبع إخلاصي، لا أرى وجهك! وأريد الصلاح وإزالة الخبث عن قلبك، وأطفىء الحريق عن بيتك، وأصون حريمك.(...) أنت كسلان! أنت جويهل! ألَيْكِع! عندك أنك أعْطِيتَ شيئا! كم سَمَّنَتْ الدنيا مثلك وأكلته؟ سمنته بالجاه والكثرة ثم أكلته. لو رأينا فيها خيرا ما سبقتنا! )أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ( (سورة الشورى، الآية: 53)"[11].
ويخاطبنا معاشر الخربين من الباطن بحدَب الحريص المُشفق فيقول: "إذا صفا السر تَعدّى الصفاء إلى القلب والنفْس والجوارح والمأكول والملبوس، وتعدى إلى جميع أحوالك. أولُ ما يَعْمُر داخلُ الدار، فإذا كملت عمارتها خرج إلى عمارة الباب. لا كان ظاهر بلا باطن! لا كان الخلق بلا خالق! لا كان باب بلا دار! لا كان قُفل على خَرِبَة! يا دنيا بلا آخرة! يا خلقا بلا خالق! جميع ما أنت فيه لا ينفعك يوم القيامة"[12].
ويحثنا جَزاه الله خيرا على الإخلاص فيقول: "أنت صنم بلا روح! جِلْدٌ يابس بلا معنى ولا قوة! لا تصلح إلا للنار! عبادتك لا إخلاص فيها؟ فإذاً لا روح فيها! لا تصلح أنت وعبادتك إلا للنار! ما تحتاج تتعب إن لم تُخلص في الأعمال!"[13].
ويقول: "يا أحمق! أنت في قيام وقعود بلا إخلاص. تصلي للناس وتصوم وعيناك إلى أطباق الناس وإلى ما في بيوتهم. أيَا خارجاً عن الأنام! يا منفردا عن وصف الصديقين والربانيين!"[14].
ويقول: "يا غلام! أراك قليل المعرفة بالله عز وجل وبرسوله، قليل المعرفة بأوْلياء الله عز وجل وأبدال أنبيائه وخلفائه في خلقه! أنت خالٍ من معنى! أنت قفص بلا طائر! بيت فارغ خراب! شجرة قد يبست وتناثر ورقها"[15]. أيقصد الشيخ الجليل تحقير أحد من المسلمين؟ حاشا معاذَ الله! إنما هو أسلوب لإيقاظ النائمين.
ما بال القوم يختارون لك من العبارات أنفذَها إلى القلوب؟ ما بالهم لا يملون إخبارك عن العبودية وصفاتها، والألوهية ومُصافاتها، وطريق الولاية وشروطها؟ إنهم لآخرتهم يحرثون. يا هذا! لا تظن أن بهم هما غير الله، والدلالة على الله، وتحبيب العباد إلى الله الذي يفرح بتوبة عبده ذلك الفرح. فهم الحريصون على أن يلتقي قضاء الله لك أيها السعيد، وسابقته الأزلية لك بالحسنى، مع كلمة تسمعها منهم تكون سبب يقظتك وتشميرك فينالوا عن طريقك مثوبة من الله ورضوانا.
هذا واحد ممن أبلى البلاء الحسن في إيصال رسالة الربانية إليك، أسمعك عَذْبَ حديثه بعد أن سمعتك قوارع الجيلاني الكبير. هو ابن القيم الطيب الكريم. يبلّغك على يدي هذه المختارات من هداياه إليك، وارجع إلى كتبه لتقطف مزيدا من الأطايب.
قال رحمه الله، لا يعنيه أن تصدق أو لا تصدق بعد أن بلغ الجهد معك وبلغك: "فلو فُرضت لذات أهل الدنيا بأجمعها حاصلة لرجل، لم يكن لها نسبة إلى لذة جمعية قلبه على الله، وفرحه به، وأنسه بقربه، وشوقه إلى لقائه. وهذا أمر لا يصدق به إلا من ذاقه. فإنما يصدقك من أشرق فيه ما أشرق فيك"[16].
وقال لك رحمه الله عزاءً في ضَيْعتك: "ومن لم يعلم معنى وجوده لله عز وجل والفوز به، فليَحْثُ على رأسه الرماد، وليبك على نفسه!"[17].
وقال يهيب بالقاعدين مثلنا السالكين في ديار الشهوات والغفلات إلى السفر إلى المولى الكريم: "من لم يسافر ولم يخرج عن وطن طبعه ومرباه، وما ألِف عليه أصحابَه وأهلَ زمانه، فَهو بمعزل عن هذا. فإن عرف قدرَه، وكفى الناسَ شره، فهذا يُرجى له السلامة. وإن عدا طَوْرَه، وأنكر ما لم يعرفه، وكذب بما لم يحط به علما، ثم تجاوز إلى تكفير من خالفه، ولم يقلد شيوخه، ويرضى بما رضي هو به لنفسه، فذلك الظالم الجاهل، الذي ما ضر إلا نفسه، ولا أضاع إلا حظه"[18].
إن كنت أخي وأختي ممن يستبعد أن يصرف العقلاء وقتهم وجهدهم في العبث والفراغ، فاصبر معي في الفصول المقبلة حتى أصف لك أحوال الأولياء، وأصف لك طريق الولاية. وإن كنت من الصنف الآخر الذي قرأت عنه في هذه الصفحة، وكان رِضَى رُفقتك وأهلِ زمانك أحبَّ إليك من رضى الله تطلبه مع الطالبين، وكان الإنكار والتنكر أوفق لطبعك من التصديق، وكانت النفرة من كلمة النصيحة ألصق بنفسك وأشهى إليها من الانقياد، فاطو هذا الكتاب وانفض يدك وقل: كلام فارغ! كما قال غيرك، وهذا فراق بيني وبينك.
واعلم من هنا أن ألف كتاب تحفظه لا يتقدم بك شعرة في الطريق إلى الله إن لم تنبثق فيك إرادة ويقظة وهمة وطلب ولم تجد من يسدد خطاك من رجال عصرك. وتكفي كلمة صادق في لحظة صفاء في لقاء شفوي أو مقروء يباركه الله تعالى ليُورَى زَنْدُكَ، وتظلم الدنيا في عينك، لا يقِرُّ لك قرار حتى تضع قدم قلبك في مدارج العقبة لتقتحمها، ولتكون من أهل المناجاة والنجوى، والقرب مع ذوي القربى. كان الله معك!
قال لك وامق محب على لسان حضرة القرب:
لا يُبعِدَنَّــك عَتْبُنا عن بابنـا فالعهــد بـاقٍ والوِدادُ مُصــانُ
فبجاهنا وبِحُسْنِنَا وبلطْفـنــا شاع الحديث وسارت الركبـان
وإذا ذَلَلْــتَ لِعــزِّنـا ذلـت لعــ ــزتك الملــوك وهابك السلطــان
يأيهــا العشــاق دونكـم السبــ ــاق فهذه الشقــراء والميــدان

وقال محب لك في الله يبشرك بالعقبى إن قدرت على الثمن:
يا طـالبـاً للـمعــالي مـهر المعــالي غَـالـي
قـدِّمْ فـأول نـقــد مُعَـجّـلُ الآجــال
ما استعذبَ الموت إلا من ذاق ذَوْقَ الـرجـال
حـَمَـاه دون وصــال حَمَاه حَـدُّ النـصــال
كذا القـصور العـوالي حُفَّتْ بسُمْـرِ العـوالـي
والشـهْـدُ دون جـَـناه لَذْعٌ كـحَــرِّ الـنَبـال

وقلت وأنا الحريص عليك الشفيق:
يَا طالبــا للمـعــالــي تبـغـي لَحَاق الرِّجــال
شـمِّـر بعــزمٍ لِتــرقى لِشـاهقـات العــوالـي
وغالبِ الجُبنَ واهجُـم بمَـاضِيــات النِّصــال




[1] الفتح الرباني ص 51.
[2] مدارج السالكين ج 3 ص 327.
[3] الفتح الرباني ص 58.
[4] نفس المصدر ص 68.
[5] نفس المصدر ص 113.
[6] نفس المصدر ص 261.
[7] البرهان المؤيد ص 75.
[8] نفس المصدر ص 44.
[9] نفس المصدر ص 39.
[10] الشيخ عبد القادر في "الفتح الرباني" ص 105.
[11] الفتح الرباني ص 333.
[12] نفس المصدر ص 111.
[13] نفس المصدر ص 128.
[14] نفس المصدر ص 275.
[15] نفس المصدر ص 79.
[16] مدارج السالكين ج 3 ص 163.
[17] نفس المصدر ج 2 ص 452.
[18] نفس المصدر ج 1 ص 159.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:36 PM
أخذ العلم عن أهله
بسم الله الرحمن الرحيم. )قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقبَ ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد ( . اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ورث أهل العلم من علوم النبوة، وورث أهل التقوى من فيض النبوة، لكلٍّ مشْرب وَوِرْدٌ وصَدَرٌ. فمن حسن السمع أن نُلقِيَ الانتباه إلى ما يقوله العلماء. فإن كانت الأمثلة العديدة التي سقتها في الفصل الأول من هذا الكتاب لفقيه وعالم يَنقاد لشيخ مرب، ويسمع ويطيع، ويتتلمذ، لم تكف لإيقافك للعبرة، فاسمع الأصوات الفاصلة.
قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، يوصيك باستثبات الأحوال: "لا يزال الناس صالحين ما أخذوا العلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم. فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا". رواه الطبراني بإسناد صحيح.
الأكابر هم أكابر العِلم والتقوى، عظيمو الحظ من الله، والأصاغر أصاغر العلم والتقوى والحظ من الله وإن علا بهم السن وتقدم بهم الزمان. وسيدنا عبد الله بن مسعود من أكابر علماء الصحابة رضي الله عنهم.
ويقول الإمام أبو حامد الغزالي في إحيائه: "وأما الآخرة فلا تنفعُ فيها الأموال بل أنوار القلوب وأسرارها وإخلاصها. وليس ذلك من فنّ الفقيه. وإن خاض الفقيه فيه كان كما لو خاض في الكلام والطب، وكان خارجا عن فنه"[1]. وذكر أن حكم الفقيه على صلاة الغافل الذي يحسب معاملاته في السوق أثناء الصلاة بالصحة حكم على ظواهر الأمور. قال: "فأما الخشوع وإحضار القلب الذي هو عمل الآخرة وبه ينفع العمل الظاهر لا يتعرض له الفقيه. ولو تعرض له لكان خارجا عن فنه". وقال: "فإن تكلم في شيءٍ من صفات القلب وأحكام الآخرة فذلك يدخل في كلامه على سبيل التطفل". وأخيرا وَضع الإمام الغزالي فقه الفقيه وربانية المربي في مكانهما فقال: "علم الفقه مُجَاوِرٌ لعلم طريق الآخرة لأنه نظر في أعمال الجوارح، ومصدر أعمال الجوارح ومَنشَؤُها صفات القلوب".
ضعفوا حديث "العلماء ورثة الأنبياء"، لكن هناك حديث: "العلماء أمناء الرسل" وإسناده حسن. قال المناوي: "هناك أربعون حديثا تقوي هذا المعنى".
تفرد المحدثون رضي الله عنهم بالنصيب الوافر من أمانة الرسالة وتفرد الفقهاء بالأحكام، وتخصص مشايخ التربية في القلوب وعلاجها وتوجيه سيرها إلى الله. لم يكن في عهد النبوة انصداع في الأمر، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو المرجع والطبيب والأمير، والوحي ينزل، وتَسليم الصحابة أنفسهم لله ورسوله كان تسليما كاملا. من بعد عهد الصحابة عامت سحابات الفلسفة ودخن الفتنة فغطت على الجلاء الأول، وترجم كل فريق من أمناء الرسالة وورثتها عما عنده من علم، وخاض كل فريق في طائفة العلم التي تخصص فيها إلى درجة الاستغراق.
فمن أدركته العناية الإلهية سمع الكبراء التراجمة بانفِتاحٍ، وشمَّ طيب النبوة وشَامَ نورها. وأقوى ما وجد الواجدون النسمات النبوية المنعشة عند أطباء القلوب. فيذهب أمثال الغزالي عند "متبوع مقدم" للسماع والتلمذة. وتمنع الآخرين الأنانية عن السماع من أهل "الفن"، أو يمنعهم تحجر على العادة، أو تخشب على ذهنية تجزيئية سطحية حرفية.
كان الغزالي فقيها أصوليا متَكلما ذا حظوة في بلاط نظام الملك وزير السلطنة السلجوقية القوية. ما صده جاهه العريض وعلمه عن الخرُوج لسؤال الأكابر والأخذ عنهم.
كبير آخر من الفقهاء الأصوليين يدلي بنصيحته إلينا في اتباع العلماء والأخذ عنهم. هو الإمام الشاطبي ذو العلم الواسع والفهم الجامع والاستنباط الرائع. لم يكن من أهل "فن" التربية، لكنه كان يسلم للقوم ويعتبر الصادقين كل الاعتبار. أورد الحديث الشريف: "إن الله لا يقبضُ العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء". الحديث. ثم قال: "فإذا كان كذلك فالرجال هم مفاتيحه بلا شك. فإذا تقرر هذا فلا يوخذ (العلم) إلا ممن تحقق به. وهذا أيضا واضح في نفسه متفق عليه بين العقلاء. إذ من شروطهم في العالم، بأي علم اتفق، أن يكون عارفا بأصوله وما ينبني عليه ذلك العلم"[2]. وذكر من شروط العالم المتحقق: "أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم، لأخذه عنهم وملازمته لهم"[3]. هذا يقال لمن يقرأون في الصحف والمجلات والكتب الجليلة بلا فهم، لم يربهم الشيوخ ولم يأخذوا إلا عن قال وقيل، ولم يلزموا الأكابر، ففاتتهم الفوائد. بل فاتتهم الدنيا والآخرة لما فاتهم العلم يأخذونه من أهله.
وذكر الإمام الشاطبي فوائد صحبة العلماء وملازمتهم وقال: "فهذا من فوائد الملازمة والانقياد للعلماء والصبر عليهم في مواطن الإشكال حتى لاح البرهان للعيان. وفيه قال سهل بن حنيف يوم صفين: أيها الناس اتهموا رأيكم، فوالله لقد رأيتني يوم أبي جَندل (قصته معروفة في صلح الحديبية لما ظن بعض الصحابة أن شروط الصلح مجحفة بالمسلمين)، ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته. وإنما قال ذلك لما عرض لهم فيه (أي في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برد أبي جندل إلى المشركين) من الإشكال. وإنما نزلت سورة الفتح بعدما خالطهم الحزن والكآبة لشدة الإشكال عليهم، والتباس الأمر. ولكنهم سلموا وتركوا رأيهم حتى نزل القرآن فزال الإشكال والالتباس، وصار مثل ذلك أصلا لمن بعدهم (أي الصحابة). فالتزم التابعون في (صحبة) الصحابة سيرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى فقهوا ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية. وحسبك من صحة هذه القاعدة (أي تلقي جيل عن جيل بالملازمة والصحبة والأخذ والصبر) أنك لا تجد عالما اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك"[4].
ومما ينكره بعض المتلَفّعين في رداء أنانيتهم ويرفضونه أن يكون تسلسل مشيخة في علم القلوب وفن الفطرة وأدب التربية والتزكية المسمى في الاصطلاح تصوفا. ينقصهم صبر أمثال الغزالي وانقياده للأمناء. من الشروط التي وضعها الشاطبي في اعتبار أهلية العالم: "الاقتداء بمن أخذ عنه، والتأدب بآدابه، كما علمت من اقتداء الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم. واقتداء التابعين بالصحابة، وهكذا في كل قرنٍ"[5]. ويذكر كيف يحصل العلم والبركة بحضرة الشيخ: "وقد يحصل بأمر غير معتاد. ولكن بأمر يهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدي المعلم ظاهر الفقر، بادي الحاجة إلى ما يلقى إليه". وهذا ليس ينكر، فقد نبه عليه الحديث الذي جاء أن الصحابة أنكروا أنفسهم عندما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وذكر رحمه الله أن العلوم تحصل بمشافهة العلماء، "ومفاتيحه بأيدي الرجال، والكتب لا تفيد الطالب منها شيئا دون فتح العلماء".
وذكر رحمه الله أن الإعراض عن الكبراء، والاعتراض عليهم، والأنفة من الانقياد لهم سبب للحرمان والعياذ بالله. قال: "عُهِد بالتجربة أن الاعتراض على الكبراء قاض بامتناع الفائدة، مبعد بين الشيخ والتلميذ، ولاسيما عند الصوفية، فإنه عندهم الداء الأكبر"[6].
ننتقل الآن إلى أحد عظماء الإسلام وكبراء الأمة في عصرنا يدلي بشهادته في الموضوع. قال الإمام حسن البنا رحمه الله: "وظللت معلق القلب بالشيخ (الحصافي) رحمه الله(...) وواظبت على الحضرة في مسجد التوبة في كل ليلة. وسألت عن مقدم الإخوان فعرفت أنه الرجل الصالح التقي الشيخ بسيوني العبد التاجر، فرجوته أن يأذن لي بأخذ العهد عليه ففعل"[7]. ثم التقى بشيخ الطريقة الحصافية الشيخ عبد الوهاب، فيقول عنه:" وجزى الله عنا الشيخ عبد الوهاب خير الجزاء، قد أفادتني صحبته أعظم الفائدة".
وللإمام البنا رحمه الله "رأي في التصوف" نرجع إليه إن شاء الله، فشهادة أمثاله من الكبراء لها الأهمية القصوى.
التقى بالبنا في بداياته صوفي اشتهر في سوريا وكان علَما فيما بعد. هو الشيخ محمد الحامد رحمه الله. وشهد الحامد في البنا شهادة تكشف وجها لدعوة الإمام طالما غطى عليه صيت الإخوان المسلمين الواسع في كل ميدان. هذا الوجه هو الوجه الرباني الصوفي، ويا للمصطلحات! قال الشيخ الحامد: "إني أقولها كلمة حرة، ولا بأس بروايتها عني. أقول: إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين في مجموع الصفات التي تحلى بها وخفقت أعلامها على رأسه الشريف. لا أنكر إرشاد المرشدين، وعلم العالمين، ومعرفة العارفين، وبلاغة الخطباء والكاتبين، وتدبير المدبرين، وحُنكة السائسين. لا أنكر هذا كله عليهم، من سابقين ولاحقين، لكن هذا التجمع لهذه المتفرقات من الكمالات قلما ظفر به أحد كالإمام الشهيد رحمه الله"[8].
في زماننا قل من يجسر على ذكر الصوفية والصحبة والذكر والمعرفة والكرامات والانقياد للمشايخ. إلا أن يكون الدكتور عبد الله عزام الذي يكتب عن كرامات أولياء الله المجاهدين في أفغانستان، أو يكون الفارس المعلم الشيخ عبد الحميد كشك كثر الله من أمثاله، أو الشيخ عبد الله علوان في كتبه رحمه الله.
من القلة، بل أبرزهم، الشيخ الأستاذ أبو الحسن النّدْوي، هذا الحكيم من بين الحكماء يعالج موضوع التربية والتزكية وهو في وضع حَرِج من جراء نشاطاته الواسعة ومخالطته لطوائف منهم الحرْفيون الذين لا يسمعون إلا من جهة واحدة، و" فن « واحد، وتعصب واحد. فهو لا يستعمل لفظ تصوف لكن يقول: "تزكية".
كتب الشيخ الندوي عن فن التصوف في تاريخ المسلمين يقول: "قيض الله للمسلمين في كل عصر وجيل من ينفون عن هذا الدين " تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"، ويدعون إلى التزكية الخالصة من شوائب العجمية والفلسفة، وإلى "الإحسان" و"فقه الباطن" من غير تحريف وانتحال وتأويل. ويُجدّدون هذا الطب النبوي لكل عصر. وينفخون في الأمة روحا جديدة من الإيمان والإحسان، ويجددون صلة القلوب بالله، والأجسام بالأرواح، والمجتمع بالأخلاق، والعلماء بالربانية. ويوجِدون في الجمهور قُوة مقاومة الشهوات، وفتنة المال والولد، وزينة الحياة الدنيا، وفي الخواص قوة مقاومة صلات الملوك وسياطهم، ووعدهم ووعيدهم، والجرأة على الجهر بكلمة حق عند سلطان جائر، والاحتساب على الملوك والأمراء، والاستهانة بالمظاهر والزخارف، والقناعة باليسير. فيستطيع أحدهم أن يقول -وقد طلب إليه أن يقبل يد ملك بلاده ليرضى عنه-: يا مسكين! والله ما أرضاه أن يقبل يدي فضلا عن أن أقبل يده! يا قوم أنتم في واد وأنا في واد!"[9][10].
ومن الراسخين في العلم من أكابر الدعاة الشيخ الدكتور سعيد رمضان البوطي نفع الله به ينصح لهذه الأجيال الإسلامية الصاحية المباركة[11]. يقول في مقال عنوانه: "موقف ابن تيمية من ابن عربي": "صفوة القول: غياب التصوف هو المسؤول عن جل مشكلاتنا اليوم. بل هو المسؤول أيضا عن البدع والانحرافات التي تسللت إلى جوهر التصوف وحقيقته. فلو أن النفوس زُكيت وتطهرت من أهوائها ورعونتها وعصبيتها -وهذا هو لب التصوف ومعناه- لما تحول التصوف عند أرباب هذه النفوس إلى مطية لشهرة، أو حرفة لمال، أو إطار لأبهة، أو خندق لمحاربة العلم والانضباط بقيوده وأحكامه. لو زكيت النفوس، كما أمر الله في محكم تبيانه، لما مزق المسلمون أنفسهم فئات وجماعات، ثم انهالت كل جماعة على الأخرى توسعها انتقاصا وشتما وتكفيرا في كثير من الأحيان(...). والشباب المسلم الذي يتكاثر بفضل الله في كل بقعة من أرضه الواسعة يظل يسأل، تحت إلحاح فطرته الإسلامية الظامئة: كيف السبيل إلى أن أسْمُوَ على نَفْسي وأهوائها في هذه الأزْمنة العصيبة وسط هذه المغريات المتأججة؟( … ). نعم إنكم لتعلمون أيّها السادة أن الشباب المسلم الظامىء يظل يَسْأل هذه الأسئلة، ولا من مجيب، لأن الذين عليهم أن يجيبوا منهمكون في ملاحقة البدع والسعي للقضاء عليها.( … ). إننا لا نعدو الحقيقة عندما نقول: إن جل مشكلات مجتمعاتنا الإسلامية اليوم إنما يكمن في غياب هذه التربية الوجدانية التي هي العمود الفقري في جوهر الإسلام"[12].
شباب يسأل ولا من مجيب، وصمت مطبق -كان-، و"إرهاب فكري". وقد خرق هذا الصمت واحد من أبرز الدعاة، هو الشيخ سعيد حوى غفر الله لنا وله، فقد شن حملة تكفيرية شعواء على المسلمين الشيعة. وتوفي بعدُ رحمه الله وتجاوز عنا وعنه.
يمثل الشيخ سعيد أسعده الله معلمة بارزة في فكر الإخوان المسلمين، ويمثل رجوعه إلى علم التصوف في كتاباته الأخيرة تحولا نوعيا في هذا التفكير. أخبره شيخه محمد الحامد رحمه الله أن الإمام البنا كان يدرس حكم ابن عطاء الله، وهي من نفائس الكلام، لقلة من أخِصّائه. وعكف الشيخ سعيد على التأليف، فأنشأَ في علم التصوف كُتبا يدرك أهل الفن والذوق أنها فقه تبركي بمعزل عن معاني السلوك والوصول والمعرفة. والرجل صادق في دعوته لالتزام وظيفة البنا، والمحافظة على الذكر رجاء "إحياء الربانية". ويقترح ترتيبا "لجمعية الربانيين" حتى تخرج الربانية من "عفويتها" ويستفيد منها الجيل الإسلامي الحاضِر الذي يصفه، وهو أعرف الناس به، بالخواء الروحي.
ليست الربانية اجتهادا وتحصيلا وشهادات وإجازات، بل هي وهب إلهي وعطاء ومنة. وكيْف تعرف العارفين بالله إن لم تكن واحدا منهم؟
قال الصوفي المشتاق:
أحن بأطراف النهـار صـبـابة وفي الليل يدعوني الهوى فأجيب
وأيامنـا تفـنى وشـوقـيَ زائـد كأن زمان الشـوق ليـس يغـيـب

وقال الصوفي المفتت الكبد:
بزمزم بالأركان بالحِجْـرِ بالصفــا بمَشْعَــره بالركــن بالبــركـات
بحجاج بيت الله من كل جـانـب بحَصْـب حَجيـج الله بالجمــرات
أجِرْني من الإعراض والصَّد والجفا فلي كـبـد تنْـفَـتُّ بالحســرات

وقلت غفر الله لي وأجارني:
ولي كَبِــدٌ تَنْفـَـتُّ بالحســرات تَحِــنُّ لذاك الـربــع بالجَـمــراتِ
ويُلهبني شوقي لأَعْتَسِـفَ الفلا وأركب مَتْنَ البحر في الغَمَـراتِ
تَصَرَّم عمري والطــريق طويلــةٌ فيا ربِّ أدرِكْـني أقـل عَـثـراتـي




[1] ج 1 ص 17.
[2] الموافقات ج 1 ص 53.
[3] نفس المصدر ص 54.
[4] الموافقات ج 1 ص 54 - 55.
[5] الموافقات ج 1 ص 55.
[6] الموافقات ج 4 ص 221.
[7] مذكرات الدعوة والداعية ص 13 - 14.
[8] العلامة المجاهد الشيخ محمد الحامد ص 33.
[9] قالها سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام ص (660هـ).
[10] ربانية لا رهبانية ص 16 - 17.
[11] أما موقفه الـمُصانِع للطاغوت النصيري فينبغي أن يُفْهم في الإطار التاريخي لمواقف علمائنا إزاء الطواغيت المتسلطين، يدرؤون فتنة أعظم بفتنة أقل ضررا.
[12] مجلة "منار الإسلام" رمضان 1408 ص 103 وما بعدها.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:36 PM
فلا اقتحم العقبة!
بسم الله الرحمن الرحيم. )قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ( . اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، ومن العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال.
لا يملك الوليد أن يُصم سمعه الغامض الفطري عن سماع كلمة التوحيد والبشارة بالنبوة والرسالة وذكر جلال الله. لكن الكبير المستغْنيَ بقُوّته وعلمه لا يتواضع ولا يستسلم ولا يجلس أمام من يسمعه كلام الله وحديث الآخرة بذلك الاستعداد للتلقي وتلك الفاقة التي تحدث عنها الشاطبي.
عقبات تحول دون الإنسان ودون الكيْنونة مع المؤمنين كينونة الصحبة والتلمذة والتعاون والالتحام والجهاد.
قال الله عز وجل يهيب بالإنسان لاقتحام العقبة، وهو نداء للفطرة: ) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ . أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ . يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَدا . أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ . أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ . وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ . وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ . فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ . فَكُّ رَقَبَةٍ . أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ . يَتِيماً ذَا مَقْرَبَة . أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ . ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَة . أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ . عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ( .(سورة البلد) اللهم أجرنا من النار.
عقبات تثبط الإنسان عن اقتحام العقبة الإيمانية، وعقبات أوْعر تعوقه عن الارتقاء في الإحسان. عقبات من تعلق نفسه بالدنيا، بالمال، بالجاه الذي يصرفه عن المرحمة، بالأنانية التي تجعله يستكبر عن الدخول في حصن الجماعة يسمع النصيحة، غافلا عن ربه، عن مخلوقيته، يحسب أن أحدا لا يراه، ناسيا أن الذي برأه وجعل له لسانا وشفتين ديَّان.
شيطنة النفس، وشيطنة الوسواس الخناس من الجنة والناس، وفتنة الدنيا، تشكل مجتمِعةً عقبة في أنفس البشر وفي آفاق الكون. وطب القلوب يعالج الأنفس لِينزع منها بالتربية، أي بالصحبة والذكر والملازمة والعبادة، تلك الحظوظ الدنيئة، ويرفعها ويرقيها في سلم الإحسان.
راغَ السادة الصوفية الطيبو الأنفاس عن الفتنة الآفاقية بالخروج عن المجتمع والزهد في الدنيا ليتجنبوا عويصات الطريق. وهم بذلك نزلوا عن مستوى الصحابة الذين خاضوا الجهاد على كل الجبهات، فاستحقوا بذلك أعلى الدرجات.
في هذا الكتاب لست أدعو الأجيال المقبلة للتصوف! وإن كانت التربية الصوفية هي التي احتفظت بجوهر الأمر كله، بل أدعو إلى اقتحام العقبة التي انحدر منها الصوفيَّة الكرام عن ذلك الأفق العالي الجِهادي الذي تحرك في ذُراهُ الصحابة المجاهدون، نالوا بالجهاد المزدوج، الجهاد الآفاقي والأنفسي درجة الكمال. وجمعوا إلى نورانية القلوب المتطهرة حمل الأمانة الرسالية إلى العالم. وبذلك لحقوا بمقعد الصدق.
ليكن هذا واضحا. وليكن واضحا أن الحديث عن تجاوز الصوفية دون الاقتباس من نورهم والإسْرَاج من مشكاتهم المطهرة إنما هو ضرب من الخيَال. فهم كانوا ولايزالون، الصادقين منهم والكُمّل، المتحلين بزينة القلوب، المرتفقين من الزاد النبوي.
تحدث الأكابر الصوفية رضي الله عنهم عن العقبات التي تقتحم في طريق السالك، وذكروا شروط الاقتحام. لم يتعرضوا لشيء من سلوك الصحابة الجهادي لغياب أسباب الجهاد وشروطه ووقته في حيواتهم المكرمة.
قال الإمام أبو حامد: "إنما سلوكه (أي المريد) بقطع العقبات ولا عقبة على طريق الله تعالى إلا صفات القلب التي سببها الالتفات إلى الدنيا. وبعض تلك العقبات أعظم من بعض. والترتيب في قطعها أن يشْتغل بالأسهل فالأسهل"[1]. وذكر المجاهدة النفسية اللازمة وهي: "مضادة الشهوات ومخالفة الهوى في كل صفة غالبة على نفس المريد"، حتى لا يبقى في قلبه علاقة تشغله. وعندئد ينصرف إلى الذكر وملازمة الأوراد والعبادة حتى يتجرد قلبه من كل العلائق، ويستولي عليه حب الله تعالى "حتى يكون في صورة العاشق المستهتر". كل ذلك تحت نظر الشيخ وتوجيهه.
ونقرأ عند كبير آخر من أكابر الإسلام، وهو عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء ومفخرتهم، وصفا للعقبات وتخطيها، ينظر إلى العقبات وما وراءها نظرة لا تكاد تختلف عن نظرة أبي حامد وإن كان يفصل بينهما قرن ونصف. قال رحمه الله: "إنك لا تصل إلى منازل القربات حتى تقطع ست عقبات: فطم الجوارح عن المخالفات الشرعية، فطم النفس عن المألوفات العادية، فطم القلب عن الرعونات البشرية، فطم السر عن الكدورات الطبيعية، فطم الروح عن التجارب الحسية، فطم العقل عن الخيالات الوهمية. فتشرف من العقبة الأولى على علم ينابيع الحكم القلبية، وتطلع من العقبة الثانية على أسرار العلوم الدينية، ويلوح لك في العقبة الثالثة أعلام المناجاة الملكوتية، ويلمع لك في العقبة الرابعة أنوار أعلام المنازلات القربية، ويطلع لك في العقبة الخامسة أقمار المشاهدات الحبية، وتهبط من العقبة السادسة على رياض الحضرة القدسية".
قال: "فهُناك تغيب بما تشاهد من اللطائف الأنسية، عن الكثائف الحِسية. فإذا أرادك الله لخصوصية الاصطفائية سقاك بكأس محبته شربة تزداد بذلك ظمأ، وبالذوق شوقا، وبالقرب طلبا، وبالسكوت قلقا"[2].
لا إله إلا الله، كم لوحوا لك بلطيف العبارات وجميل الإشارات كي لا يكون لك لَبث مع غير الله لكن رقدة الغفلات واللذات الفانيات تُبرم أمر العاجز وتنقض، لا إرادة له، نفسه حرباء تتلون بظواهر الكون وبواطنه، وعقله عقال، ووهمه زمام، فأنى له الفطام!
نتخطى قرنا آخر من الزمان فنجلس إلى كبير آخر من أكابرنا هو شيخ الإسلام ابن القيم. قال في العقبات يحذر السالك من عدوه اللدود الشيطان المكلف به: "فإنه يريد أن يظفر به في عقبة من سبع عقبات، بعضها أصعب من بعض، لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها. العقبة الأولى عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه وبصفات كماله، وبما أخبرت به رسله عنه.(...)، العقبة الثانية وهي عقبة البدعة(...)، العقبة الثالثة وهي عقبة الكبائر(...)، العقبة الرابعة وهي عقبة الصغائر(...)، العقبة الخامسة وهي عقبة المباحات(...)، العقبة السادسة وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطَّاعات".
ولم يذكر رحمه الله العقبة السابعة. قال بعد الحديث عن العقبة السادسة: "وأيْن أصحاب هذه العقبة فهم الأفراد في العالم، والأكثرون قد ظفر بهم (الشيطان) في العقبات الأُوَل،(...) ولا يقطع هذه إلا أهل البصائر والصدق من أولي العلم، السائرين على جادة التوفيق، قد أنزلوا الأعمال منازلها، وأعطوا كل ذي حق حقه"[3].
هذا سلوك جوارحي يركز على الأعمال، ومحاربة البدع والشيطان، ويحذر من دنس العقيدة. والعقبات في سير الغزالي تتلخص في حب الدنيا و"الالتفات إليها"، الاقتحام قلبي أولا ثم جوارحي بعد ذلك. ونلاحظ غياب الشيخ وتوجيهه في السير الجوارحي عند ابن القيم رحمه الله. ولنا معه ومع شيخه شَيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله وقفات طويلة في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
إن الفطَامات الستة التي وصفها الإمام عز الدين كفٌّ وتكميم وضبط، ما في عبارة "فطم" ما يوحي بفاعلية آفاقية. والعجيب أن هذا الرجل الفذ الذي كان في عصره النجم الثاقب، تلقي صلابته في الحق وفاعليته في المجتمع الرعب في قلوب الملوك، يصف السلوك الصوفي وصفا سالبا فرديا نفسيا، كأن الفصل الذي حدث بين الساحة العامة والخلوة التعبدية أصبح ضربة لازِبٍ، وكأن الكف والفطم عملية لا تتأتى بدون عزلة واعتزال.
في مستقبل الإسلام نحتاج لِقران "الفطم" الفردي الأنفسي السلوكي بالفاعلية الجهادية، ليكون السلوك الإحساني عملا مصيريا رائده الفردي عبادة الله كأننا نراه، ورائده الجماعي إتقان الأعمال الجماعية لتحقيق إسلام العدل في الأرض وعمارتها والخلافة فيها. ومن أهم العقبات في طريق الإحسانَين ترويض العقل ليكون مستسلما لله عز وجل وللنبوة، ويكون في نفس الحركة فاعلا في الكون السببي.
إن الغزو الفكري الجاهلي فكك العقل المسلم تفكيكا، وركبه تركيبة وثنية، وفصله عن الوحي. وإن إعادة تركيبه في أحضان الوحي والنبوة والربانية شرط أساسي في قدرة الأمة على الجهاد. وحدات العلوم الكونية التي يتفوق علينا فيها الجاهليون وحدات مبعثرة، مجردة عن المعنى، متناقضة أحيانا، إلحادية، منكرة للنبوة، تفسر الحياة والتاريخ والنظام الكوني تفسيرا عبثيا، لا خَبَرَ عندها بسنة الله في الإنسان والتاريخ.
بداية التركيب العقلي للمسلمين البداية الصحيحة ينطلق من صلة العقل بالقلب لنكون من أولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا ويتفكرون تفكُّر الإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره. هذا الذكر وهذا الإيمان مركز ومحور لكل أنشطة العقل وجزئيات العلوم، يلتزم العقل توجيه الوحي، ويبقى العقل خادما لأوامر القلب المفعم بحب الله، القائم بحق الله، الفاعل بإرادة قوية لا تتنكر لقدر الله، ولا تحيد عن مقتضى سنة الله.
يجب أن نصل شرايين العقل بواردات القلب ليتمكن العقل المسلم من كل أنواع القدرة العلمية والتكنولوجية والخبرة التنظيمية في كل المجالات دون أن يتنازل عن استقامته الفطرية.
إنَّ الذي يحدث عند كثيرين من الكتبة عن الإسلام هو استعمال اللغة العقلانية الثقافية، من خلال عباراتهم البعيدة عن القرآن وبيان القرآن. لا ترشُح من أقلامهم إلا أفكار سطحية مادية اصطبغت على أصلها "الحضاري الثقافي العقلاني" بصبغة إسلامية شفافة. إنه تلوث وتحد أمام الربانية لتعيد العقل المسلم إلى نصابه، ليتأصل هذا العقل في القرآن والنبوة والربانية، ثم ينصرف إلى مهماته بمنهاج قُرْآني يستقطب العلوم ويستكمل القوة، لا تستقطبه العقلانية فيصبح خادما في حانوت "الحضارة" يقترح البدائل، وهم عن الآخرة هم غافلون. عقبات!
قال الصوفي المفعم الفؤاد بحب الله ورسوله، المقرح القلب شوقا:
أُقَلـِّلُ ما بي فيـك وهْـوَ كثـيــر وأزجُـر دمعـي فيك وهو غزيـر
وعندي دموع لو بكَـيْـت ببعضهـا لفـاضَت بحــور بعدهن بـحـور
قبور الورى تحت التراب وللهوى رجال لهم تحت الثيـاب قبـور
سـأبكي بأجـفـان عليك قـريحـةٍ وأرنـو بألحـاظ إليـك تـشـيــر

وقلت غفر الله لي وَلوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب:
وَأرنو بألحــاظٍ إليك مشــوقـَة أُحـدِّقُ في الآفــاق أيـن أسـيرُ؟
فَيَرْتَدُّ طرفي حاسرا متحـسـراً وَيَنْقَضُّ صَــرْح العزم وهْوَ كَسيرُ
تراءى لنا هول الطريق مهــدِّدا فيــا رب أيـِّـدنا فأنــت مُجــيرُ




[1] الإحياء ج 3 ص 66.
[2] كتاب "بين الشريعة والحقيقة" ص 8.
[3] مدارج السالكين ج 1 ص 222.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:37 PM
الآل والصحابة رضي الله عنهم
بسم الله الرحمن الرحيم. )وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ( . أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما أخاف وأحذر.
عقبات النفس والشيطان والدنيا والعقل، وفطم النفس عن الشهوات، واقتحام العقبات، هل كان للصحابة رضي الله عنهم علم بكل هذا؟ أم هل كانت مهماتهم الجهادية وبساطتهم وقربهم من الفطرة تسمح بالتفريع العلمي والتفصيل؟ أم كل هذا بدعة وحرام وكفر؟
قال أحد أكابر الأمة وفرسانها المبرزين شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن التقليد وفيما يجوز: "لا ريب أن كثيرا من الناس يحتاج إلى تقليد العلماء في الأمور العارضة التي لا يستقل هو بمعرفتها. ومن سالكي طريق الإرادة والعبادة والتصوف من يجعل شيخهُ كذلك. بل قد يجعله كالمعصوم، ولا يتلقى سلوكه إلا عنه. ولا يتلقى عن الرسول سلوكه، مع أن تلقي السلوك عن الرسول أسهل من تلقي الفروع المتنازع عليها. فإن السلوك هو بالطريق التي أمر الله بها ورسوله من الاعتقادات والعبادات والأخلاق. وهذا كله مبين في الكتاب والسنة. فإن هذا بمنزلة الغذاء الذي لابد للمؤمن منه".
قال: "ولهذا كان جميع الصحابة يعلمون السلوك بدلالة الكتاب والسنة والتبليغ عن الرسول. لا يحتاجون في ذلك إلى فقهاء الصحابة. ولم يحصل بين الصحابة نزاع في ذلك كما تنازعوا في بعض مسائل الفقه.(...) كثير من أهل العبادة أعرض عن طلب العلم النبوي الذي يعرف به طريق الله ورسوله، فاحتاج لذلك إلى تقليد شيخ. وفي السلوك مسائل تنازع فيها الشيوخ، لكن يوجد في الكتاب والسنة من النصوص الدالة على الصواب في ذلك ما يفهمه غالب السالكين، فمسائل السلوك من جنس مسائل العقائد، كلها منصوصة في الكتاب والسنة. وإنما اختلف أهل الكلام لما أعرضوا عن الكتاب والسنة. فلما دخلوا في البدع وقع الاختلاف. وهكذا طريق العبادة، عامة ما يقع فيه من الاختلاف إنما هو بسبب الإعراض عن الطريق المشروع.(...) والصحابة(...) لم يتنازعوا في العقائد ولا في الطريق إلى الله التي يعبر بها الرجل من أولياء الله الأبرار المقربين"[1].
حصل من كلام شيخ الإسلام أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعرفون السلوك إلى الله في الطريق التي يصير بها الرجل وليا من أولياء الله الأبرار المقربين، وأنهم ما تنازعوا في ذلك، وأنهم تلقوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلاغا قرآنيا وبيانا سنيا. ولم يتعرض شيخ الإسلام رحمه الله إلى عقدة الأمر كله في السلوك، ألا وهو الرابطة القلبية، رابطة المحبة والتفاني في الولاء لشخص الرسول الكريم على الله. لنا إن شاء الله رجوع لموضوع المحبة، وما سموا صحابة إلا لصحبتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما فضلوا الأمة إلا بها، ولا نالوا الدرجات العلى. وليست الصحبة تطبيقا مجردا للنصوص وامتثالا جافا عسكريا للأوامر، إنما هي محبة تثبت وترسخ وتنمو وتتجذر في القلوب بالملازمة والمخالطة والمعايشة والتلمذة حتى يملك حب المصحوب على الصاحب كيانه كله.
وحصل من كلام شيخ الإسلام أن تقليد المشايخ في الإرادة والسلوك ذلك التقليدَ الغاليَ يحجب عن السالك بيان الكتاب والسنة، ويحول بينه وبين النبوة. هنا تكمن قوة ابن تيمية رحمه الله. تكمن في دفاعه عن النبوة وإبراز خصائص عصره المتأخر الذي ساد فيه التقليد كل فروع العلم، حيث تجمد الفقهاء، وتخبط المتكلمون، وابتدع المتصوفة. فكر ابن تيمية في عصره لم يلق ولا معشارَ ما يلقاه في عصرنا من إقبَال. في عصره الغارق في التقليد كان صوتاً غريبا، أما في عصرنا، ومنذ قرنين ونيف، فمذهبه في التعلق المباشر بالنصوص، لا يقبل أن يحجب الناس عنها حاجب، يجد صدًى متزايدا.
شهد معاصرو ابن تيمية أنه لم يكن له شيخ في السلوك، ونسبوا صلابته وخشونته في الخصام إلى أنه لم يتأدب بشيخ عارف. وفي النص الذي أمامنا ما يؤيد هذه الشهادة، فالسلوك عنده تلق للبلاغ والبيان، ولا شيء غير هذا. ومن صحبوا المشايخ العارفين بالله أئمة التربية يعلمون بالممارسة أن الشيخ المربي حقا هو قبل كل شيء "من ينهض بك حاله"، أي الذي ترفعك محبته وصحبته رفعا قلبيا، تَسْتَفُّ روحانيته روحانيتك ولو لم يتكلم، وتحتضنها، وترقيها، وتهذبها، وتبث فيها حب الله وحب رسوله، ذلك الحب الذي يسود القلوب المنورة، قلوب العلماء بالله الغارقين في حضرة الله.
صحبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفعتهم، حاله استَفَّهُم ونورهم قبل مقاله.
فإذا نزلت القضية إلى رُسوم وطقوس وتَعاليم قولية أصبح التصوف تَقليدا باردا، والتقليد حاجزا سميكا، والحجز بدعة وضلالة. وكل ذلك انتقده ابن تيمية انتقادا شديدا.
امتاز الصحابة رضي الله عنهم بتعلقهم الشديد بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم. لم يكن عندهم ولا عند كل تقي أوّاهٍ من هذه الأمة مجرد مبلغ أدى رسالته ومضى، بل كان رسول الله. كان الشخص الذي اصطفاه الله. القرآن رسالته والبيان بيانه. تسمو بهم المحبة العميقة للشخص المكرم عند الله، ويسمو بهم القرآن، ويرفعهم البيان إلى ذُرى الإحسان. السلوك القلبي منجذب بمغناطيسية الروح الشريفة، والعقل يتغذى بالآيات البينات، والجوارح تنضبط بأوامر الشارع الحاضر بين ظهراني البشر. عزفوا عن الدنيا ومغرياتها الدنيئة لما اتصلت هممهم الطالبة الراغبة بتلك الهمة السماوية، وأحبوا ذلك الجناب العالي فارتقوا عن السفساف، وحنّوا إلى الله، واشتاقوا للقاه، واتّقدت في قلوبهم محبة الله. حرصهم على مرضاة من أرسل الرسول هو الذي حل عَقد نفوسهم حتى ترَوضوا علـى الطاعة، وزكت منهم الأخلاق، واسترخصوا نفوسهم وأموالهم في جنب الله. حبهم للرسول الكريم الذي أسمع فطرتهم وأيقظ إرادتهم هو المحرك لا مجرد الاتباع لزعيم آمِرٍ ناه. في أحضان النبوة تربوا، ومنها رشفوا واسْتَقَوا حتى تفجرت في قلوبهم ينابيع الإيمان وكانوا أبر الناس قلوبا وأعمقهم علما. بالحب تربى الصحابة لا بالخضوع لسلطة حاكمة.
رَفَعوا خُبَيْباً رضي الله عنه على الخَشبة في مكة ليقتلوه، فسألوه: أتحب أن محمدا مكانك؟ قال: "لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه".
وتَرَّس عليه صلى الله عليه وسلم أبو طلحة يوم أحد بظهره، يعرض ظهره للنبال كي لا تنال الشخص الكريم. وامتص مالك الخدري رضي الله عنه جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد لينقيه. ورفض أن يَمُجَّهُ، بل ابتلعه محبة وتفَانيا. كانوا يتقاتلون على بصاقه من منهم يتبرك به. كانت مهابته في قلوبهم قاضية، مهابة الحب والإجلال لا مهابة الخوف، يجلسون إليه كأنما على رؤوسهم الطير.
قال عروة بن مسعود لقومه ثقيف لما رجع من الحديبية ورأى الصحابة حول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك، على كسرى وقيصر والنجاشي. والله ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا. والله إنْ تنخم نُخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فَدلك بها وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النظر تعظيما له".
جاء الأمر القرآني بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوقيره، وتعزيره، والأدب البالغ في حضرته. وأُمر الصحابة أن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي، وأن لا يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، وأن لا ينادوه نداء بعضهم لبعض. وأعلمهم القرآن أن الذين يبايعون رسول الله إنما يبايعون الله، وأن يد الله فوق أيدي المبايعين. فاجتمعت للصحابة عوامل التبجيل والإجلال والمحبة أمراً مُوحى به من السماء، وانبعاثا متوثبا من القلوب. لولا هذا الانبعاث لما تُلُقّيَ الأمر السماوي ولا البيان النبوي بالتقديس.
التقليد البارد للمشايخ أصحاب المقال قد يكون له مبرر إن كان المقلد جاهلا عاجزا عن فهم النصوص، وكان الشيخ عالما قادرا على الاجتهاد في مرتبة ما من مراتب الاجتهاد،وكان موضوع التقليد فروع الشريعة. أما تقليد القوالين في السلوك، أولئك الذين تنحصر بضاعتهم في عبارات محفوظة وتقاليد ورسوم فمَتْلَفَة ومَهْلَكة.
وهنالك الاقتداء بالأكابر، والسماع من الأكابر، والأخذ عن الأكابر. الأكابر قنوات موصلة يجذبك مغناطيسهم إلى حب الله ورسوله ولا يحجبك. وإن كنا نلح كثيرا في هذا الكتاب وغيره على الجلوس في تربيتنا وسلوكنا وجهادنا وفقهنا إزاء القرآن، عند أقدام المنبر النبوي، فإننا نقصد تربية واجتهادا وجهادا مقدمته اللازمة أن نَخرِق كل سقف يحول بيننا وبين النبوة. ويكون الخرق للسقوف تطفلا وافتياتا وبهتانا إن لم نستمد من القنوات القلبية والعلمية الموصلة، ونَنفُذْ منها، ونصعَد على طريقها إلى ذلك الجوار القدسي. وليس إلى ذلك سبيل إلا بالاقتداء السليم.
وبالاقتداء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأجيال من أمته. روى الترمذي وابن عدي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر. واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد". وابن أم عبد هو ابن مسعود الذي قرأنا نصيحته في فقرة سابقة يوصينا بالأخذ عن الأكابر لا عن الأصاغر. وكل قوّال لا ينهض بك حاله ولا يدلك على الله مقاله صغير.
قال أحد أكابر الأمة الشيخ الجليل أحمد الرفاعي في تفسير حديث الاقتداء: "أمر عليه الصلاة والسلام بتصحيح القدوة بالشيخين العظيمين، سيدنا أبي بكر الصديق، وسيدنا عمر الفاروق رضي الله عنهما، وبالتحقق بالاهتداء بهدي عمار رضي الله عنه، فإنه مات على حب الصهر العظيم، الصنو الكريم، سيدنا على رضي الله عنه. وأكد لزوم التمسك بالعهد، كما كان محافظا عليه ابن أم عبد رضي الله عنه. وفي هذه حكمة الجمع بَيْن حب الصحب والآل، سر يدركه العارفون الموفقون. وقد جعل صحة المتابعة له باتباع الشيخين رضي الله عنهما. وجمع بين النكتتين بلزوم التمسك بالعهد. ومتى اقتدى العبد اهتدى، ومتى اهتدى تمسك بعهد الله، وهناك وقد عرف. وهل المعرفة بالله إلا هذا؟ فإن من اهتدى بهدي محمد صلى الله عليه وسلم، واقتدى به، وتمسك بعهده، أقبل على الله، وأعرض عن غيره"[2].
وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الرؤوف الرحيم بنا الأمين على رسالة الله أن يدلنا على الاقتداء والاهتداء والعهد لو كان في التمسك بذلك ما يحجبنا عن الله ورسوله. ونرى إن شاء الله في الفصل المقبل كيف تسلسل الاقتداء والاهتداء والعهد من الصحابة جيلا بعد جيل.
نقرأ في كلمة الشيخ الرفاعي رحمه الله نكتة بالغة الأهمية، وهي اقتران الوصية بالصحابة مع الوصية بالآل. وهي نكتة ينتبه إليها الموفقون كما قال. إن الصدام التاريخيّ فرّق بين شقي الأمة: سنة وجماعة في جهة، وهم جسم الأمة وكلها، وشيعة وهم عضو منها، يحاول بعض أهل الغِرّة تكفيرهم ونبذهم وكأنهم دخيل على الأمة.
عند الشيعة ميراث بخسٌ لئيم من الاستهانة بالصحابة رضي الله عنهم. وهذا بؤس وحرمان والعياذ بالله. والقائل بذلك يكذب الله الذي شهد للصحابة في قرآنه الكريم بالأفضلية والسابقية، ويكذب رسوله صلى الله عليه وسلم الذي بلغ وربى وأوصى بالاقتداء والاهتداء والعهد.
غالى الشيعة، بعضهم وفيهم العقلاء، في حب آل البيت وتعظيمهم حتى تجاوزوا القدر الذي يكون به الاهتداء. ويسكت طوائف من أهل السنة سكوتا مريبا عن مكانة آل البيت وعن الوصية النبوية بهم. وبذلك تعظم الفجوة بين شقي الأمة، وتبتعد الشقة، وتنشأ القطيعة. وإلى هذه النكتة نبه الشيخ الجليل رفع الله مقامه.
روى الإمامان أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أما بعد ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثَقَلين. أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضل. فخذوا بكتاب الله تعالى، واستمسكوا به. وأهل بيتِي! أذكركم الله في أهل بيتي! أذكركم الله في أهل بيتي".
إذا كانت نِسْبة أحد من هذه الأمة إلى أحد تشرف، فهي نسبة المسلمين جميعا إلى الله ورسوله. زاد أهل البيت بالنسب الطيني لنزولهم من سلالته الطاهرة صلى الله عليه وسلم التي تأذن الله عز وجل في كتابه العزيز أنه يريد أن يذهب عنهم الرجسَ ويطهرهم تطهيرا. وأمرُ الله لا يرد، وإرادته المعلنة لا تتعطل. وأهل البيت أمان للأمة، تشرف الأمة إن عظمتهم وذكرت الله فيهم كما ذُكِّرَتْ.
اِدّعاءُ العصمة لأحد دون النبوة تجاوز لكل الحدود، وفتح لترعة لا تسد، يدخل منها على الدين كل باطل.
وما دون العصمة مكانة يحتلها رجال جامعون بين النسب الطيني إلى ذلك الجناب المطهر وبين النسب الديني. أولئك هم كمل العارفين، غالبا ما تجد أئمة التربية من آل البيت.
مجموع الآل والصحب هم أولياء الله حقا. قال واحد من أكابر الأمة، من أفذاذ علمائها في هذه القرون المتأخرة، الإمام الشوكاني: "اعلم أن الصحابة، لاسيما أكابرهم الجامعين بين الجهاد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والعلم بما جاء به، وأسعدهم الله سبحانه من مشاهدة النبوة وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السراء والضراء، وبذلهم أنفسهم وأموالهم في الجهاد في سبيل الله سبحانه، حتى صاروا خير القرون بالأحاديث الصحيحة. فهم خيرة الخيرة(...) فتقَرّر من هذا أن الصحابة رضي الله عنهم خير العالم بأسره، من أوله إلى آخره، لا يفضلهم أحد إلا الأنبياء والملائكة(...). فإذا لم يكونوا رَأْسَ الأولياء، وصفوة الأتقياء، فليس لله أولياء، ولا أتقياء، ولا بررة، ولا أصفياء"[3].
وذهب الشوكاني رضي الله عنه يقمع الروافض المستخفين بالصحابة الهدامين للدين، يصف حماقتهم، وطعنهم القميء الخبيث لمقام القدوة والاهتداء والعهد والأسوة، ويصف شيطنتهم. لكنه لا يكفر. منعه من تكفير هؤلاء المرتكبين لأشنع الجرائم في حق صفوة الله من خلقِه بعد الأنبياء، الوالغين في أعراض خير البرايا بعد الأنبياء، ما قرأناه من تَصونه وحذره في الفصل الأول من هذا الكتاب. وهو غفر الله له كان في صباه وشبابه من "المكفراتية" كما شهد على نفسه وتاب.
نضع أصبعنا في نص الشوكاني على ميزة الصحابة عن سائر الأجيال، ميزة الجهاد بالمال والنفس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإسلام في بدايته، والإسلام يواجه الجاهلية. أما من جاء بعد الصحابة ووجد الأمر ممهدا، والإسلام ضاربا أطنابه في الأرض، فقد فاتته فرصة الجهاد، كما فاتته صحبة الرسول، إلا أن يُجدد في غربة الدين الثانية جهادا واجتهادا.
أما في زماننا هذا وما بعده فالاقتداء بالمشايخ العارفين بالله ينبغي أن يتجاوز بنا همؤمنا الفردية لنحمل هموم الأمة، وهموم الإنسانية، حاملين الرسالة، مجاهدين في وجه الفتنة الداخلية والجاهلية المحيطة، كما جاهد الأولون. هم الأصحاب ونحن الإخوان. جسومنا هنا الآن، وقلوبنا وعقولنا يجب أن ترتفع إلى هناك، بإزاء القرآن، وعند قدم المنبر الشريف، وتأسياً مباشرا بأهل الاقتداء والاهتداء والعهد.
قال الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة رضي الله عنه:
أتـانـا رسول الله يتلـو كتـابـه كما لاح مشهودٌ من الفجر طالـع
أتى بالهدى بعد العمى فقـلوبنا به موقنـات أن ما قــال واقــع
يبيت يجافي جنبه عـن فـراشـه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

وقلت رحمني الله كما رحمهم:
سمعنــا نـداء الحـق والحــق ذائــع فأيقظنا قول: استقـيمــوا وسـارعــوا
أتانا رسـول الله بالأمــر صــادعـاً أن اقتحموا حِصن العدو وصارعــوا
فمـا بلــغ الغــايــاتِ إلا مـجــاهـد إلى قمة الإحســان بالعــزم طـالــعُ




[1] الفتاوي ج 19 ص 272 - 274.
[2] حالة أهل الحقيقة مع الله ص 102.
[3] كتاب "ولاية الله" ص 276.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:37 PM
الإسلام والإيمان والإحسان
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ( . اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة.
من المواضيع التي طال الجدال فيها بين المسلمين منذ القديم مدلول الإيمان والإسلام وما بين اللفظين من عموم وخصوص. وأفرد بالتأليف في الموضوع جهابذة العلماء مثل ابن تيمية في كتابه "الإيمان" فلينظر هناك تفاصيل النقاش من كان راغبا.
اهتمامنا هنا بغياب أفق التقدم، وغياب معنى اقتحام العقبة، والترقي في معارجها عند الجيل الصاحي إلى إسلامه. يكون الداعي نفسه والقائد للجماعة خاليا من فهم المسألة، خليا من التحلي بخصال الإيمان، لا شمة لديه من الشوق إلى الإحسان وهو عبادة الله كأنك تراه.
من الأئمة الذين جزموا بأن مدلول "إسلام" و"إيمان" متغايران الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. وأعطى البخاري المدلولين مكانهما حيث اعتبر أن الدين الذي رضيه الله لعباده ولا يقبل ممن ارتضى غيره دينا هو مجموع الإسلام والإيمان والإحسان.
قال البخاري في كتاب "الإيمان": باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة، وبيان النبي صلى الله عليه وسلم له. ثم قال (أي النبي صلى الله عليه وسلم): "جاء جبريل يعلمكم دينكم". فجعل ذلك كله دينا.
نورد هنا رواية البخاري لحديث جبريل، وهو أقصر من رواية مسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن عمر ابن الخطاب، وهي رواية مشهورة. روى البخاري عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوماً للناس، فأتاه رجل فقال: "ما الإيمان؟" قال: "الإيمان أن تومن بالله، وملائكته، وبلقائه، ورسله، وتومن بالبعث". قال: "ما الإسلام؟" قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتيَ الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: "ما الإحسان؟" قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكُن تَراه فإنه يراك". قال: "متى الساعة؟" قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها، وإذا تطاول رعاة الإبل البُهْمِ في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا الله". ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله عنده علم الساعة" الآية. ثم أدْبَرَ، فقال: رُدوه، فلم يروا شيئا. فقال: "هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم". قال أبو عبد الله (وهو البخاري): "جعل ذلك كله من الإيمان".
مذهب البخاري رحمه الله أن الإسلام والإيمان شيء واحد. لكن مجمل القرآن والحديث يرد الإسلام إلى الأعمال الظاهرة التي يمكن أن يؤديها المنافق والأعرابي الذي لما يدخل الإيمان في قلبه، بينما يقتضي التحلي بشعب الإيمان، قولا وعقيدة وعملا، أن يكون القلب محط الأمانة، منه تنبعث النية والصدق والإخلاص والإرادة والعزم التي بدونها تكون الأعمال الظاهرة لغوا وعملا لا يقبله الله. لأن الله تعالى إنما يتقبل من المتقين، و"التقوى" ها هنا كما جاء في الحديث الصحيح، ويشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره الشريف.
أخرج الإمام أحمد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإسلام علانية والإيمان في القلب".
القلب لله عز وجل، هو وحده يحاسب العبد على النية. أما العلانية فهي الشأن العام، والوجه الذي ينظر إليه المسلمون من الإنسان ليحكموا عليه بالإسلام أو عدمه تبعاً لسلوكه الظاهر. علاج القلوب وتربيتها وتلقينها بمخاطبة الفطرة وبالصحبة من شأن الربانيين. والفقهاء الخبيرون بالأحكام الفرعية يحصون الأعمال الظاهرة، لا شأن لهم بالقلوب وطبها، بل لا خبر عندهم إن لم ياتوا الرباني الوارث كما رأينا فطاحلهم يفعلون في الفصل الأول من هذا الكتاب. ومن الفقهاء الأصوليين المتكلمين المدرسين الذين دخلوا من علانية الإسلام إلى بواطن الإيمان، وعرجوا من ثم إلى ذرى الإحسان الإمام الغزالي. قال في إحيائه: "منتهى نظر الفقيه(...) أنه لا يجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة،(...). أما الإسلام فيتكلم الفقيه فيما يصح منه، وفيما يفسد، وفي شروطه. وليس يلتفت فيه إلا إلى اللسان. وأما القلب فخارج عن ولاية الفقيه، لعزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرباب السيوف والسلطنة عنه حيث قال (لأسامة في القصة المشهورة حين قتل رجلا نطق في الحرب بالشهادتين): "هلا شققت على قلبه؟"[1].( … ) بل يحكم الفقيه بصحة الإسلام تحت ظلال السيوف مع العلم أن السيف لم يكشف له عن نيته، ولم يدفع عن قلبه غشاوة الجهل والحيرة. ولكنه مشير على صاحب السيف. فإن السيف ممتد إلى رقبته (أي إلى رقبة الذي ينظر الفقيه في أمره)، واليد ممتدة إلـى ماله، وهذه الكلمة باللسان (الشهادتان) تعصم رقبته وماله مادام له رقبة ومال، وذلك في الدنيا. قال صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم"[2][3].
بلغة العصر: الفقيه شأنه خدمة الدولة (أرباب السيوف والسلطنة) في ترتيب المحاكم وفصل القضايا، لا شأن له بالتّربية. وهذا تقسيم للوظائف تمليه الضرورة في غد الإسلام، غد الخلافة الثانية، فتكون الدعوة منكبة على تربية الإيمان في القلوب لا تبتلعها الدولة.
على أن دولة القرآن إن لم تَنْبَنِ على قاعدة إيمانية عميقة متجسدة في "جند الله" الربانيين، جماعة أو جماعات متعاونة متشاورة، فإن الشريعة المفروضة قانونا من أعلى لن تجد قلوبا تتأصل عليها ولا ذِمَماً ترسو فيها. وقد شهد الصحابة رضي الله عنهم أنهم أوتوا الإيمان قبل القرآن. قال جندب بن عبد الله وابن عمر وغيرهما: " تَعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا". وجاء في مسند الإمام أحمد من حديث لعبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وإن الإيمان يُعطى العبدَ قبل القرآن".
إذا كان الإيمان لا تعطيه تلاوة القرآن فأحرى أن لا تعطيه قراءة الكتب البشرية. الإيمان والدين يسريان من قلب الداعي والمصحوب وسلوكه إلى قلب الصاحب وسلوكه.
عنون البخاري بابه الثاني في "كتاب الإيمان" هكذا: "باب دعاؤكم إيمانكم" وفسر العلماء تبويبه بتفسير ابن عباس الذي قال في قوله تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ)،(سورة الفرقان، الآية: 77) قال: يقول: إيمانكم. قال الحافظ ابن حجر: "وقال غَيره (أي غير ابن عباس): "الدعاء هنا (أي في الآية الكريمة) مصدر مضاف إلى المفعول، والمراد دعاء الرسل الخلق إلى الإيمان. ليس لكم عند الله عذر إلا أن يدعوكم الرسول فيومن من آمن ويكفر من كَفَرَ".
وبناء على هذا التفسير واستنادا إلى الحديث الصحيح: "الرجل على دين خليله" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن أبي هريرة بسند صحيح، نقول: دعاؤكم إيمانكم يمكن أن تفهمنا أن مقدار إيمان المدعو ودرجته وعمقه تقاس بوجود الداعي وبدرجة إيمانه على قدر ما اقتبس منه المدعو سماعا فطريا، وصحبة عملية، وملازمة وأخذا. وقد سبق أن شرحنا أن أخذ الدين عن الأكابر هو المنطلق الصحيح.
الإيمان أمانة، والأمانة الإيمانية كنز ومعين في قلوب الأمناء، والعلماء هم أمناء الرسل كما جاء في الحديث. والقرآن أمانة تكليف عظيمة، ونور وهداية وبيان. نرى القلوب الخَرِبَةَ تقرأ القرآن باللسان العربي المبين لكن القلوب عجماء صماء لا أثر فيها لأمانة الإيمان، فهي أعجز عن تحمل أمانة القرآن. أوتي الأحباب الصحابة الإيمان قبل القرآن فكانوا رجالا. ولا يَنقَطع نسل تلك الرجولة إلى يوم القيامة، ولنتذكر شوق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى رؤية إخوانه من بعده.
من حديث رواه الشيخان والترمذي عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الأمانة قد نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من الكتاب وعلموا من السنة".
ويقول رب العزة والجلال في محكم كتابه: ) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ( (سورة الزمر، الآية: 23).
عقيدتنا أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقُصُ كما جاء بذلك الوحي. أهم ما يزيده سماع القرآن. فإذا لم يوت العبد الإيمان قبل القرآن، ولم يكن في القلوب أصل إيماني سابق فكيف تتصور الزيادة؟
إن وُجد أصل إيماني في القلوب، وهذا الأصل لا إمكان لاكتسابه إلا بالتربية وهي إيقاظ الفطرة وتقويمها، يفعل الأبوان في ذلك والمصحوب والجماعة الفعل الأول بعد هداية الله تعالى وشرحه صدر من شاء للإسلام، فإن بالإمكان تقوية ذلك الأصل وتزكيته وترقيته في معارج العقبة الإحسانية إلى أن يبلغ العبد المرتبة التي سبقت له بها الحسنى عند الله عز وجل.
الكتاب الحادي والثمانون عند البخاري هو: "كتاب الرقاق". وفي دواوين السنة حيز هام متخصص لرواية أحاديث ترقيق القلوب. بوب البخاري المرققات في ثلاث وخمسين بابا، نذكر بعضها: "باب الصحة والفراغ ولا عيش إلا عيش الآخرة، باب مثل الدنيا والآخرة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "كُنْ في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، باب في الأمل وطُوله، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها". والباقي على هذا المنْوال، فرغ المحدث الكبير من سرد أحكام الشرع الدنيوية، فهو في كتاب الرقاق يذكر بالآخرة. وطريق الإحسان هي طريق الآخرة، علم الإحسان هو علم عاقبة المرء وعلم الآخرة.
القلوب المؤمنة تلين إلى ذكر الله عند تلاوة القرآن، وتقشعر الجلود والأبشار المؤمنة خشوعا لله وتعظيما لمقام النبوة. إنها رِقة تكتسب بالتأصيل التربوي لا بالتفريع الفقهي. على أن التفريع الفقهي والرعاية الورعة الخائفة الوجلة لحرمة الشرع وأمره ونهيه اهتمام أساسي للمحسنين. ومن رام الصعود إلى مراتب الإحسان دون أن يُحكم إسلامه الظاهر، وإيمانه الباطن خلقا وطاعة، وأدبا مع الله والناس، وأداء للحقوق، كان كمن يبني على غير أساس، وسقط على أم رَأسه.
المؤمن المحسن قريب من القرآن ومن الحديث، يشعر بذلك قلبه، ويطمئن إليه عقله، ويلين له جِلده، وتُطاوع جوارحه. روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي أسَيد أوحميد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قَريب فأنا أولاكم به. وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه بعيد منكم، فأنا أبعدكم منه". يا له من حس قلبي تستمد منه الأشعار والأبشار!
قال القلب الطيار شوقاً، الحساس ذوقا:
يا بَرْد الـجَــوَى على كبــدي وزَيْنَ هذا السقـامِ في جســدي
وحسنَ هذي الدمــوع يَنْبِطُـهـا أُوَارُ شـوق مِن معـدن الكَبِــدِ
زِدْ كبدِي يا مُذِيـبَهـا حـرقــا إن صحتُ مما أُكِنُّ: واكَبـدي!

وقال آخر:
إذا أنا واصلتُ الصَّبا عاد بردُها ومن حر أنْفاسي علـيَّ لهيـب
وقَد أكثَرَتْ فِيَّ الأطـباء قـولهـم ومـالِيَ إلا أن أراك طبـيــب
يسالم قلـبي الحُبَّ فهو حلـيفه وبين جفوني والرقـاد حـروب

وقلت رحمني الله والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات:
زِدْ كبـدي يا مذيبهــا حــرقــاً وزِدْ ضَنَى مهجَتي وزد كمَـدي
أتيــه في البـيــد لا دليــل إلـى حـي المعـالي تيـهــا بلا رشــد
كم عقبـات تحــولُ دونَ مــدىً يــدركــه الأوليــاء بالجَــلَــدِ




[1] الحديث رواه مسلم عن أسامة بن زيد نفسه.
[2] الحديث متفق عليه.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:37 PM
التوبة واليقظة
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ( . اللهم اجعلني أُعظم شكرك.
نعيش في خضم الحضارة الاستهلاكية تابعين مجرورين، تَسْحبنا من البطن لأنها تنتج الغذاء ولا ننتج، وتسحبنا من الرأس، ومن الأسفل، بأسبابها القوية. نلبس ما يلبسون، ونفكر كما يفكرون، ونريد ما يُريدون، طوعا وكرها. والأبوان اللذان أنيط بهما حفظ الفطرة غثاء مع الغثاء، يجري السيل بالجميع جريا إلى الهاوية، ومنادي الإيمان هناك، امتزج عنده الوعي السياسي واليقظة السِّياسيّة بداعي الإيمان، فدعوته لاقتحام عقبة المواجهة، وللجهاد مباشرة. ويسأل الشباب ولا من مجيب عن أسباب الخواء الروحي وضعف الإيمان لأن الذين ينتظر منهم أن يجيبوا عن الأسئلة الحائرة منهمكون في مطاردة البدع وتكفير المسلمين. يختلقون البدع جَهلا أو ضِيقَ عَطَنٍ، فيُنازلون خيالات صنعوها ليوهموا أنفسهم والناس أنهم حماة الدين.
وصية الله تعالى للإنسان إن لم يجد الأب الحكيم، ولم ينشأ في المحضن الفطري السليم، أن يتبع سبيل من أناب إلى الله. والإنابة درجة من درجات التوبة. قال تعالى عن عبده لُقمان الذي آتاه الحكمة: ) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ( .(سورة لقمان، الآية: 13) ثم جاء القرآن بالوصية الإلهية جملة اعتراضية بين وصايا لقمان لابنه، قال الله تعالى: ) وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ( .(سورة لقمان، الآيتان: 14-15)
إن غابت السلسلة الفطرية، سلسلة الأبوين، فاتبع خُطى "من" أناب. ابحث عن هذا "المن" لعل أنامِلَ روحانيته تمتد إلى قلبك بلمسات المحبة ونسمات الشوق إلى ربك والحنين إليه. ولعل التوبة واليقظة الروحية، وهي أعمال قلبية، تُؤصِّلُ لكَ دينا أوسع أفقا وأعلى مرتقى من مجرد "الالتزام" الذي لا يبدأ بك سلوك الطريق إلى الله، لأن سُلَّم الإسلام فالإيمان فالإحسان مفهوم غريب عن الوقت.
"أصل الدين في الحقيقة هو الأمور الباطِنَة من العلوم والأعمال، وإن الأعمال الظاهرة لا تنفع بدونها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده: "الإسلام علانية والإيمان في القلب"[1].
إفراط في الحديث عن "ثقافة الإسلام" و"حضارة الإسلام" و"البديل الإسلامي". وتفريط مخل في التربية. يا إنسان!
أول خطى التربية التوبة ثم اليقظة. كانت التوبة في عصور الفتنة بعد الخلافة الراشدة الأولى عبارة عن التوبة من الذنب والمعصية، والتائب في مأمن وعافية، لا هم له إلا صراعهُ الداخلي ووخز ضميره ومعاملته مع الله، يُؤَرِّقُه هم الآخرة. في عهد النبوة والخلافة الراشدة كانت التوبة من الشرك والمعاصي هَمّاً مزدوجا، لأن الجهاد وواجبه وضروراته وحضور الموت واحتماله في كل خروج في سبيل الله تُكَوِّن ظروفا يلتحم فيها مصير الفرد بمصير الجماعة، ويتميز فيها المنافقون من الصادقين. في زماننا صحوة إسلامية يغلب فيها الهم الاجتماعي الجماعي السياسي على الهم الفردي الأخروي، ويأتي مصطلح "الالتزام" الغريب عن القرآن ليمحو المعالم. فلا تمييز يرجى.
الذي يبحث عنه علماء الدعوة أمثال الشيخ سعيد رمضان البوطي والشيخ سعيد حوى هو القنطرة الواصلة بين ذلك العهد الأول المتمايز وهذه النهضة العارمة الشديدة الاضطراب الفكري والغبش التربوي. "الأولياء قناطر الخلق، يعبر الموفقون عليهم إلى الله تعالى. هم العاملون المخلصون الخالصون"[2]. "القوم أرشدونا، دلونا على الطريق، كشفوا لنا حجاب الإغلاق عن خزائن الكتاب والسنة، عرفونا حكمة الأدب مع الله ورسوله. هم القوم لا يشقى جليسهم. من آمن بالله وعرف شأن رسوله أحبهم واتبعهم"[3].
باتباع المنيبين فقط يمكن أن تحمل الهم المزدوج حملا متوازنا. باتباع المنيبين فقط يمكن أن نرجع إلى الله، ونبُلَّ غُلة النّفس، ونكف عن زرع الأماني والتواني، ذلك الزرع الذي لا يُحصد منه إلا التلف واللهف.
في قلب العبد ثلاثة أنماط من المعاطب، يكون مجموعها مرض النفـاق. تكون التوبة ذات الدلالة الأعم أدعى إلى السير الحثيث صعودا في عقبة الإيمان والإحسان إن تطهر العبد بماء التوبة يستفيضه من المنيبين، ورشف من ذلك الماء رشفات تذيقه حلاوة الإيمان، فيستزيد ويستزيد حتى تنفر نفسه من المعصية، وحتى يكون الاستغفار واليقظة التامة في كل صغيرة وكبيرة من أعماله رفيقين دائمين.
روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "آية المنافق ثلاث -زاد مسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، ثم اتفقت رواية الشيخين- إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر". وروى الشيخان وغيرهما عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار".
ثلاث بثلاث. أولئك يبدل الله سيآتهم حسنات.
توبة من شرك أو نفاق على خطى حكيم منيب سائر إلى الله محب لله محبوب ليست كتوبة من معصية خوفا من عقوبة الآخرة. أن تحب عبدا لا تحبه إلا لله، وأن تتبعه وتتخذ قلبه المنور قنطرة لقلبك، حركة لا تقف بك عند الدوران في العقد والنكث، ما عاهدت الله عليه بالأمس تنقضه اليوم. حركة مع "من أناب" إلى الله تسير بك، تضع قدمك على أول الطريق. قال سلطان العلماء: "التوبة صفة المؤمنين(...) والإنابة صفة الأولياء، قال الله تعالى: "وجاء بقلب منيب"، وأما الأوبة فهي صفة الأنبياء والمرسلين". حتى قال: "فشتان بين التائب من الزلات، وبين التائب من الغفلات، وبين التائب من رؤية الحسنات"[4].
القلب المنيب وما فيه من حب لله وإخلاص له هو أصل الدين بشرط أن تُقيم الأعمال الظاهرة على قانون الشرع،" فإن حركات الظاهر توجب بركات الباطن "ومن ملأ قلبه حب الله والإخلاص له، وبرأ من النفاق والشقاق، كان وليا لله، لا يتعامل مع الله عز وجل إلا على أساس أنه مذنب مقصر مهما كان عمله. يتوب إلى الله لما يعرف من أن الله جلت عظمته يحب التوابين ويحب المتطهرين (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "توبوا إلى ربكم، فوالله إني لأتوب إلى ربي في كل يوم مائة مرة". رواه مسلم)، ولما يعلم أن الله عزت قدرته ووسعت رحمته يفرح بعبده التائب. تَسبق في حساب العبد المنيب الرابطة الوثقى رابطة حب الله والفرح بالله توقعات الثواب وخوف العقاب. يكون حياؤه من الله وخوفه من الله وولاؤه الخالص لله وذكره الدائم لله الباعث والوازع. وتراه في جزئيات الأمر والنهي ودقيقات الشرع أورع الناس وأحرص الناس على خير.
اقرأ معي هذه الصفحة النيرة كتبها قَلْبٌ نَيِّر: "السر الأعظم الذي لا تقتحمه العبارة، ولا تجسر عليه الإشارة، ولا ينادي عليه منادي الإيمان على رؤوس الأشهاد، بل شهدتهُ قلوب خواص العباد، فازدادت به معرفة بربها ومحبة له، وطمأنينة وشوقا إليه، ولَهَجا بذكره، وشهودا لبره ولطفه وكرمه وإحسانه، ومطالعة لسر العبودية، وإشرافا على حقيقة الإلهية. وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَلّه أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلة بأرض فلاة. فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه. فأيِس منها. فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيِس من راحلته. فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده. فأخذ بِخِطَامِها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح". هذا لفظ مسلم[5].
وقال كبيرنا المستنير القلب. الجميل العبارة: "اعلم أن العبد، قبل وصول الداعي إليه، في نوم الغفلة. قلبه نائم وطرفه يقظان. فصاح به الناصح، وأسمعه داعي النجاح، وأذن به مؤذن الرحمان: حي على الفلاح. فأول مراتب هذا النائم اليقظة والانتباه من النوم.(...) وصاحب "المنازل" (يعني شيخ الإسلام الهِروي) يقول: (اليقظة) هي القومة لله المذكورة في قوله تعالى: ) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى( (سورة سبأ، الآية: 46).
قال: "القومة لله هي اليقظة من سِنة الغفلة، والنهوض عن ورطة الفترة. وهي أول ما يسْتنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه. وهي على ثلاثة أشياء: لَحْظُ القلب إلى النعمة، على اليأس من عدها، والوقوف على حدها، والتفرغ إلى معرفة المِنّة بها، والعلم بالتقصير فيها"[6].
رحم الله شيخ الإسلام الهروّي وغيره من المنيبين مشايخ الصوفية. كانت مسالكهم في الخلوات، وقومتهم القلبية إلى الله، ودعوتهم النفوس النائمة إلى الانتباه واليقظة، انكبابا على النفس وانكفافا عن الدنيا. وابتلينا في هذا العصر، بل شُرِّفْنا ولله المنة والنعمة، بأن نلحظ الشكر الواجب بقومة جهادية لإقامة الخلافة الثانية الموعودة التي تتجلى طلائعها في هذا الشاهد الزكي المسمى "صحوة إسلامية"، وفي النصر المبين للمجاهدين في أفغانستان[7]. لله الفضل والإفضال، وإليه ترجع الأمور.
كان للصحبة شروط أيام سلوك المجاهدة في الخلوة، كان المشايخ يصرفون الوارد المريد ليتطهر قبل أن يجلس إليهم. في زماننا، والحمد لله وله المنة، تُباغت الرحمة الإلهية قلوب هذا الشباب فإذا هي تطير محلقة بأجنحة الصدق. إن وجدت صادقين.
جاء رجل إلى عارف بالله في الزمان القديم يطلب الصحبة. فقال له العارف: "إن مثلي معك كرجل وقع في القاذورات، فذهب إلى العطار وقال: أين الطيب؟ فقال العطار: اذهب اشتر الأشنان (صابون ذلك الزمان)، واغسل نفسك ولباسك، ثم تعال فتطيبْ! قال العارف للمريد: "وكذلك أنت، لطخْت نفسك بأنجاس الذنوب، فخذ أشنان الحسرة، وطين الندامة، وماء التوبة والإنابة، وطهر ظواهرك في إجّانة (قصعة يغسلون فيها) الخوف والرجاء، من أنجاس الجرم والجفاء. ثم اذهب إلى حمام الزهد والتقى، واغسل نفسك بماء الصدق والصفاء. ثم ائتني حتى أطيبك بعطر معرفتي!"[8].
لست أدري ما أجاب المريد. ويكون جواب مريد عصرنا عن مثل هذه الشروط: "يا سيدي! لو كنت أعلم ما هو صابون الحسرة على ما فات، وما هو طين الندامة، وما هو ماء التوبة، وما معنى الندامة، وما ظواهر الإسلام وبواطن الإيمان، وما محاسن الخوف والرجاء، ومساوىء القطيعة مع الله والجفاء، وأين حمام الزهد والتقى يغتسل فيه مثلي لما جئتك!".
قال التائب الراجي الندمان المناجي:
ولما قسَـا قلـبي وضـاقت مـذاهـبي جعلت رجائي نحو عفـوك سلمـا
تعـاظَمـنـي ذنـبي فلَـمّــا قرنـتــه بعفـوك ربي كان عـفـوك أعظمـا
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تـزَل تجـود وتعـفــو منـة وتـكــرمـا

وقلت عفا الله عني وتاب علي ومنّ وأحسن:
وَلما قسا قلـبي وضـاقتْ مذاهـبي وأظلــم أفْقـي والصــديـق تجهَّـمـا
وقـفت إلهــي تـائبـا متنــدمــا ببابك أرجو أن أغـاثَ وأرْحَمــا
وتُفتَحَ في وجهي السدود فأرتقي وأصعد في حضن العنــاية سلَّمـا




[1] قاله ابن تيمية في الفتاوي ج 10 ص 15.
[2] الشيخ أحمد الرفاعي في "البرهان المؤيد" ص 71.
[3] نفس المصدر ص 41.
[4] بين الحقيقة والشريعة ص 59.
[5] ابن القيم في "مدارج السالكين" ج 1 ص 209.
[6] نفس المصدر ص 140 – 141.
[7] يا لَلْحسرةِ على ما فعلته الفتنةُ بأقوام مسهم عذاب من الرحمان فأصبح منهم أولياءُ للشيطان ! نعوذ بالله من الحَوْرِ بعد الكور.
[8] حالة أهل الحقيقة مع الله ص 66.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:38 PM
الإرادة والهمة والعزم
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرُق بيننا وبين القوم الفاسقين(. اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي. وكل ذلك عندي. اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني. أنت المقدم وأنت المؤخّر، وأنت على كل شيء قدير.
النداء العُلْوي يُهيب بك يا إنسان باقتحام العقبة، ويستفهمك سائلا لتتيقظ إلى أن هنالك عقبة تقتحم، وأن لاقتحامها شروطا. )فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ! وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ؟( (سورة البلد، الآيتان: 11–12) استفهام وحض واستنهاض.
ثم ينوع الله الرحمن بخلقه، الفارح بتوبة عباده، الخطاب لتقوم الإرادات الباردة، وتعزم على طلبه سبحانه الهمم الراكدة. فمِنْ أساليب إثارتك يا إنسان وتعليمك وتنبيهك أن تُعرَض عليك مراتب الإرادات. قال الله تعالى: ) مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ( (سورة الشورى، الآية: 20). وقال عز من قائل: )مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ. أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ( (سورة هود، الآيتان: 15–16).
وأنت ترى أصلحك الله أن الله جلت حكمته لا يبخس أهل الدنيا أعمالهم في الدنيا. وما تفوق العالم المصنع المتعلم المنظم من حولنا إلا نتيجة توفية الله عز وجل لكل قوم أعمالهم وَفق ما يريدون.
فما السبيل إلى أن تقترن إرادتنا لله والآخرة بالإرادة الجهادية القائمة أسبابها على العمل الدنيوي التصنيعي التكنولوجي التنظيمي؟ مهما نَحِدْ عن تربية القرآن وأحضان النبوة نَزِغْ عن الطريق.
إن الله اللطيف الخبير أدّب نبيه صلى الله عليه وسلم فأحسن تأديبه، فكان من أهم ما أدّبه به لنتعلم نحن الأمة الربانية المرحومة أن قال: ) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً( .(سورة الكهف، الآية: 28) يريدون وجهه، لا إله إلا الله!
اقُتُرِحَ عليك الاقتحام، وعُينت لك الرفقة مع المريدين الذاكرين غير الغافلين، أرباب القلوب العاكفين بباب الله بالغداة والعشي. فأين إرادتك من الإرادات؟ وأين همتك من الهمم؟ إن كانت لا تحركنا الإهابة القرآنية فلعل ملاحظة أقراننا في الإنسانية والإسلام، السابقين الراقين في مرافع الإحسان، توقد فينا حمية المنافسة.
قال شيخ الإسلام ابن القيم في تفصيل الإرادات والهمم: "لذّة كل أحد على حسب قدْره وهمته وشرف نفسه. فأشرف الناس نفسا، وأعلاهم همة، وأرفعهم قدرا، من لذّته في معرفة الله، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه. فلذته في إقْباله عليه، وعكوف همته عليه. ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله، حتى تنتهي إلى من لذته في أخس الأشياء من القاذورات والفواحش في كل شيء من الكلام والفعال والأشغَال"[1].
وصنف الإمام الغزالي إرادات الناس وتعلُّقَها بالمطلوبات والمحبوبات، من لعب الأطفال، يرى الأطفال أن اللعب أعظم اللذات، إلى لذة البطن والفرج عند الكبير، إلى لذة العلم في عمر النضج، إلى لذة الرئاسة لمن نَالَهَا بالسيف أو القلم. ويشير الغزّالي من طَرْف خَفِيٍّ إلى قصته حين زهد في الرئاسة وخرج يبحث عن الدليل إلى الله فسخر منه الساخرون. قال: "وكما أن الصبي يضحك على من يترك اللعب ويشتغل بملاعبة النساء وطلب الرئاسة، فكذلك الرؤساء يضحكون على من يترك الرئاسة ويشتغل عنها بمعرفة الله تعالى. والعارفون يقولون: )إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ".(سورة هود، الآيتان: 38–39)
من الإرادات من زادُها العَوَز، ومن الهمم مَن طبعها الخَوَرُ. كان لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز نفس تواقة عالية. قال لمولاه مزاحم وقد تعجب مزاحم من زهد مولاه الذي كان في شبابه متوسعا في المعايش فلما ولي أمر المسلمين ضرب لمن بعده مثلا خالدا : "ويحك يا مزاحم! لا يكثرن عليك شيء صنعته لله، فإن لي نفسا توّاقة، لم تَتُقْ إلى منزلة فنالتها إلا تاقت إلى ماهو أرفع منها، حتى بلغت اليوم المنزلة التي ما بعدها منزلة. وإنها اليوم قد تاقت إلى الجنة".
هذا التوقان المجيد إلى الجنة حُداءٌ تترنم به النفوس الطيبة. وهناك التوقان الأعظم، الشوق إلى رب الجنة والنار، والسعي إليه والعجلة إليه على أجنحة الهمم الطيارة. ما تحدث ابن عبد العزيز عن هذه المرتبة، وكانوا في القرون الثلاثة الفاضلة كتومين لمواجيدهم وأشواقهم. ولله همم أولياء الله الذين حَدَوْنا وتحدّونا بالإخبار عن إراداتهم الشامخة ومطالبهم السامية. جزاهم الله عنا أفضل الجزاء، فسروا لنا بمثالهم وقصة حياتهم معاني القرآن حين ينادي "سابقوا"، "سارعوا"، ومعاني "من تقرب إلي شبرا تقربت إليه باعا" الوارد في الحديث القدسي. همم صوارم!
قال الإمام الشيخ أحمد الرفاعي: "ليست الهمة أن يقف الرجل عند حجابه، بل الهمة أن يَفْتِق شراع الحجاب، ويتدلى إلى الرحاب. صوارم الهمم تفعل ما لا يمر بالأوهام. حُجب الغيوب لا تشق إلا بسهام القلوب"[2]. وعلى قدر همتك تُعطى. فأي شيء طلبت في عمرك يا إنسان! أما سمعت نداء ربك الكريم )ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ(؟ (سورة غافر، الآية: 60) وليس الطلب بالتمني، لكن بالتشمير والهجرة إلى الله بعد التوبة والإنابة مع المنيبين.
لعلكِ يا نفسي الراكدة الهامدة القاعدة تجدين مُنيبا يقرع سمعك بقوارع اللوم كما كان يقرَع الأئمة السابقون. قال كبير من كبراء الأمة، أسمِّعُكِ كلامه بعد ثمانية قرون ونصف عسى وعسى: "يا غلام! على قدر همتك تعطى! اِبْعَدْ عما سوى الحق عز وجل بقلبك حتى تقرب منه. مُتْ عنك وعن الخلق وقد رفعت الحجب بينك وبين ربك عز وجل. قال (الغلام): كيف أموت؟ (الجواب:) مت عن متابعة نفسك وهواك وطبعك وعاداتك، وعن متابعة الخلق وأسبابهم. وآيس منهم، واترك الشرك بهم وكل شيء سوى الحق عز وجل. اجعل أعمالك كلها لوجه الحق عز وجل( … ) فإذا فعلت هذا فقد مُت عنك وحييت به"[3].
"ولله الهمم ما أعجب شأنها، وأشد تفاوتها! فهمة متعلقة بمن فوق العرش. وهمة حائمة حول الأنتان والحُشّ. العامة تقول: قيمة كل امرىء ما يحسنه. والخاصة تقول : قيمة المرء ما يطلبه. وخاصة الخاصة تقول: همة المرء إلى مطلوبه"[4].
"فلله همة قطعت جميع الأكوان! وسارت فما ألْقَتْ عصى السير إلا بين يدي الرحمان، تبارك وتعالى. فسجدت بين يديه سجدة الشكر على الوصول إليه"[5].
من أصحاب الحسرة والثبور من لا يجد من إرادتهِ رفْدا لهبُوطها، ولا من همته جهدا لسقوطها. ومن الرجال من تَبْلُغُ إرادته توترها ومدها، وتناهض نفسه في ميدان المنافسة قِرْنَها ونِدّها، وتقتحم همته الأكوان خارقة عقبتها وسدها. اخرق السدود بينك وبين المولى، عسى أنواره لك تَجَلّى.
قال الإمام الغزالي: "السد بين المريد وبين الحق أربعة: المال والجاه والتقليد والمعصية(...). فينْبغي أن يطلب كشف ذلك من المجاهدة لا من المجادلة(...). فإذا قدم هذه الشروط الأربعة (وهي خرق سدود المال والجاه والتقليد والمعصية)، وتجرد عن المال والجاه كان كمن تطهر وتوضأ ورفع الحدث وصار صالحا للصلاة. فيحتاج إلى إمام يقتدي به. فكذلك المريد يحتاج إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة ليهديه إلى سواء السبيل. فإن سبيل الدين غامض وسبل الشيطان كثيرة".
من قال إن سبيل الدين غامض؟ أنت يا حجة الإسلام، يا من كانت تشد إليه الرحال للفتوى وتتزاحم حوله الرجال للاستفادة والتلمذة؟ ثم خرجت تطلب إماما بعدما أعياك نطح السدود والتماس الأشنان لتغسل بها ذات نفسك من أدْران الهوى والدنيا!
لقد كلفتنا جسيما أن نُبَيِّن لمن لا يريد أن يسمع كيف يكون سبيل الدين غامضا ورسول الله صلى الله عليه وسلم علم أصحابه وبين، وما ترك صغيرة ولا كبيرة إلا أوضحها وجلاها حتى تركهم على مثل المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
جزاكم الله عنا خير الجزاء يا أكابرنا. لقد أمحضتمونا النصح حين أجمعتم على أن سُلوك الطريق إلى الله عز وجل بلا إمام مرشد ولي مغامرة في وُعورة لا أول لها ولا آخر.
كنت قد شارفت الأربعين عندما تداركني الرؤوف الرحيم بالمؤمنين بهبة ويقظة، فهام الفؤاد، وغلب التفكير في المبدإ والمعَاد، فوجدتني محمولا على الطلب مدفوعا إليه. كيف السبيل إليك يا رب؟ وعَكفت على كتب القوم، فما منهم إلا من صرفني للبحث عن الرفيق قبل الطريق. بِمن أَستنجد يا رب غيرك؟ وشككت وترددت أهو شرك مع الله؟ لكنني بَعد أن استغرقْت في العبادة والذكر والمجاهدة والتلاوة زمانا تبيّنتُ أن طلب ما عند الله هو غير طلب وجه الله. الأعمال الصالحة إن كان فيها الإخلاص وقبلها الحنان المنان تنيل الجنان. لكن أي شيء يرفعني إلى مقامات الإحسان وَفسحات العرفان. واشتد بي الأسى، وعِفْتُ نفسي، وتضرعت وبكيت عليه، هو الملك الوهاب. وأتحفتني ألطافُهُ بلقاء عارف بالله رباني صحبته أعواما رحمه الله. وفَهمت منذئذ ما معنى كون الطريق مسدودا، ولم هذه السدود، وكيف اختراقها، وأين، ومتى، وأيَّانَ! لله الحمد والمنة، ولأهل الله الناصحين خلق الله، لا يخافون في النصيحة غير الله، ولا يرجون إلا الله، الشكر الخالص. لا إله إلا الله محمد رسول الله.
غالب المُربين يخبرون أن الإرادة ترك العادة، وأن الهمة نهوض القلب في طلب الحق. وقالوا: الإرادة لَوْعة تُهَوِّن كل روعة! لوعة على ماذا؟ وروعة من ماذا؟ إذا كان لا يزورك هَم بالعاجلة ومعناها، والآجلة ومبناها، ولا يخامرك خاطر طلب الحق كما طلب الرجال، فلمثلك يقال:
دع المكـارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
اقعد في سفاسف الأمور. واعلم أن الله عز وجل يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها كما جاء في الحديث. وأي شيء أعظم وأشرف وأعلى من همة سمعت السماع القلبي أن الله يتخذ من عباده أولياء أصفيَاء فتلوعت واكتوت. وتروعت وفقدت الراحة وأظلم نهارها كمدا وابيض ليلها أرَقاً! وما استقر لها قرار حتى وضعت قدمها على أول الطريق، وهو العُثور على الرفيق.
قال الدقاق رحمه الله: "الإرادة لوعة في الفؤاد، لَذعة في القلب، غرام في الضمير، انزعاج في الباطن، نيران تتأجج في القلوب".
هنالك مريد ومُراد في اصطلاح القوم، والكل إرادته عز وجل وإفضاله. طائفة سلك بهم طريق المجاهدة والصبر والمكابدة فهم المسمون مريدين. وطائفة سلك بهم طريق المِنن، ومهد لهم في السر والعَلَن، وأسلس لهم الرَّسَن، وحملهم على أجنحة التوفيق والوفاق إلى التلاق. أولئك هم المرادون. سادتهم الأنبياء ثم الصحابة المجاهدون فالإخوان المكرمون. جعلنا الله منهم بمنه وعفوه وكرمه. آمين.
لا خَبَرَ عند الطاعمين الكاسين بأن يقظة القلب، ولوعة الفؤاد، وهبوب الهمة، ولذعة الليل والنهار إيذانٌ بخرُوج القلب من ظلمات الغفلة، وبميلاد الروح من رَحِم النفس ومَشيمَتِها. قال كبير من أهل الذوق والتوق والشوق شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله: "القلوب في هذه الولادة ثلاثة. قلب لا يولد ولم يأْنِ له أن يُولدَ، بل هو جَنين في بطن الشهوات والغي والجهل والضلال. وقلب قد وُلد وخرج إلى فضاء التوحيد والمعرفة، وتخلص من مشيمة (أحشاء الرحم) الطباع وظلمات النفس والهوى، فقرّت عينه بالله، وقرت عيون به وقلوب، وأنِسَتْ بقربه الأرواح، وذكَّرت رؤيتُه بالله. فاطمأن بالله، وسكن إليه، وعكف بهمته عليه، وسافرَت هِممُه وعزائمه إلى الرفيق الأعلى. لا يَقِرّ بشيء غير الله، ولا يسكن إلى شيء سواه، ولا يطمئن بغيره. يجد من كل شيء سوى الله عِوَضا. ومحبته قوته. لا يجد من الله عوضا أبدا. فذكره حياة قلبه، ورضاه غاية مطلبه(...). وقلب ثالث في البرزخ ينتظر الوِلادة صباحا مساء. قد أصبح على فضاء التجريد. وأنِس من خلال الديار أشعة التوحيد. تأبى غَلَبَات الحب والشوق إلا تَقرُّباً إلى مَن السعادة كلها بقربه، والحظ كل الحظ في طاعته وحبه"[6].
لا تحسبي يا نَفْس أن بالقوم رضي الله عنهم وَلُوعاً بالأدب وحباً في النثر الفني ينمقون العبارات للمعارض الكلامية. قصدهم إثارتك لتسألي مَنْ قلبك بين القلوب، وأين أنت من معانى الإرادة والهمة والميلاد القلبي. ولعل أنامل الكلمة الرقيقة من نثر وشعر تتخلل كيانك الكثيف لتبلغك لطائف المعاني.
انظري أية سدود تعوقك عن الاقتحام، أم أن مستنقع الرذيلة مجال يستهويك، أو عندك "فضيلة" رخيصة أنت تستحْلينها، مفضلة "عافية الجبناء" المريحة من اللوعات والروعات؟!
إنه الملك الوهاب سبحانه، عليكِ به إن آنسْت تخفُّفا من جذَبات الإبطال والإحباط، أو عطّرتكِ نسمة من مسافرين إلى الله مجاهدين في سبيل الله فهجس فيكِ هاجس الطلب.
إن فاتكِ أن تكوني من الذين "قرت عيونهم بالله، وقرت بهم عيون وقلوب، وأنست بقربهم الأرواح، وذكرت رؤيتهم بالله"، وكانوا على باب الملك تراجمة عن الوحي أمناء للرسل، فلا أقل من أن تقفي بالباب راجية راغبة.
"ما اسمكَ؟! اسمكَ مذنب، اسمكَ غدا محاسَب ومناقَش. أنت في القبر مذموم، لا تدري أمن أهل النار أنت أم من أهل الجنة. عَاقبتك مبهمة فلا تغترَّ بصفاء حالك. ما تدري ما اسمك غدا. يا بُنَيَّ إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح.( … ) علامة غفلتك مصاحبتك الغافلين. يا أحمق؟ من لا يظهر عليه أمارات الحق لماذا تصحبه؟(...) يا أحمق! تأتي باب هذا وباب هذا تسأله حتى يكثر جمعك (الحديث موجه لمن يطلب بعلمه الرئاسة على الخلق). كيف يرجى لك الفلاح! هلا كنت على باب الملك؟!"[7].
أوصى الأكابر بالوقوف بالباب وبتعلم آداب الوقوف ممن "عندهم رأس الأمر كله، وهم قناطر الخلق". قال الشيخ أحمد الرفاعي رحمه الله: "أوصيكم كل الوصية بعد علم واجبات الدين بصحبتهم، فإنها تَرياق مجرب. عندهم رأس الأمر كله. عندهم الصدق والصفاء، والذوق والوفاء، والتجرد من الدنيا، والتجرد من الأخرى، والتجرد إلى المولى. وهذه الخصال لا تحصل بالقراءة والدرس والمجالس. لا تحصل إلا بصحبة الشيخ العارف الذي يجمع بين الحال والمقال. يدل بمقاله، وينهض بحاله. أولئك هدى الله فبهداهم اقتده"[8].
إن كنت لم تفهم معنى "التجرد من الأخرى، والتجرد إلى المولى" فاصبر معي إلى آخر الكتاب، عساك تفهم، وتغنم، والله أعلم.
قال القاعد المرتاح:
ذريـني تجئني ميتتي مطمئنة ولم أتجشم هول تلك الـمـوارد
فإن عُليـات الأمـور مَشـوبَـةٌ بمستودعات في بطون الأسـاوِد

وقال المهاجر إلى الله:
خذ طارف السير بلا عائقٍ لله لا تقصــد ســوى الله
فكــل مــا أملتـه قـائــم بـهجـرة القـلـب إلى الله

وقال الناصح المشفق:
نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نـوم والـردى لك لازم
وتَكدح فيما سوف تُنكر غِبَّه كذلك في الدنيا تعيش البهائم
تُسَرُّ بما يَفْنَى وتفـرح بالمُنى كما غُر باللذات في النوم حالم

وقال السائر المقتحم في بحار الأهوال:
ولما ركبت البحر نحـوك قـاصدا ولم أر غيـر الله مـالا ولا أهـلا
دعوتك بالإخلاص والمـوجُ طافح بصدقِ وِداد لم يكـن قـط مُعْـتَـلاّ
أيا منقذ الغرقى ويا ملهم التقـى ويا صمدا يبقـى إذا أذهـب الكُلا
لوجهك ذَلّ البَر والبَحْرُ خاضـع وحُق لهذا الخَلق أن يألـف الذّلا

وقلت أغاثني الله وكل ملهوف تائق لحضرته:
كــلُّ الـذي تـأْمُلُــهُ هِبَـة تنــالهـا إن مــلْــتَ لله
إن همة منك إليه ارتَقَتْ وَتَــسْـلُكَ النّـجـدَ إلى الله
تفــوز بالله إذا مــدِّدَت كـف الضــراعــة إلى الله




[1] الفوائد ص 150.
[2] البرهان المؤيد ص 48.
[3] الشيخ عبد القادر الجيلاني في "الفتح الرباني" ص 110.
[4] ابن القيم في "مدارج السالكين" ج 3 ص 147.
[5] نفس المصدر ص 98.
[6] طريق الهجرتين ص 17.
[7] الشيخ عبد القادر في "الفتح الرباني" ص 343.
[8] البرهان المؤيد ص 71.
[9] الأساود: الحيّات.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:39 PM
جناية المصطلحات
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب اغفر لي ولأخِي وأدخلنا في رحمتك. وَأنت أرحم الراحمين(. اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري. وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي. وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي. واجعل الحياة زيادة لي في كل خير. واجعل الموت راحة لي من كل شر.
إن كانت عقبَات الصمم عن سماع النداء الموجه للفطرة، وعقبات الكبرياء المانعة من الأخذ عن الأكابر، وعقبات البعد عن عهد النبوة والصحابة، وعقبات الدنيا والشهوات المانعة من التوبة واليقظة، وعقبات الانغماس والانطماس عن طلب المعالي حواجزَ شاهقة وسدودا غَالقة عن الاقتحام فإن من أهم العقبات وجود آراء مسبقة عن شيء يسمى التصوف، يتحدث جهابذة علمائه عن "سبيل الدين الغامض"، وعن المعرفة واللحظ، وعن ميلاد القلوب، وعن ضرورة الشيخ، ويستعملون مصطلحات محدثة. وعندي وعند المسلمين أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فما هي هذه الشجرة التي تزْعمون أنكم شممتم أزهارها وقطفتم ثمارها؟ من غرسها، وبم سقاها، ومن تعهدها حتى وَرِفَتْ ظلالها، وامتدت، وفاء إليها أكابر العلماء يجثون على الركب أمام الشيخ العارف يسلسون له القياد. وقام طائفة من أهل العلم يصرخون ويستصرخون، وينقدون ويؤلفون في "تبليس إبليس"؟ دين الله واضح، وها هو الكتاب وها هي السنة.
ضع بإزاء سؤالاتك سُؤالاً أخيرا: ما حقيقة إسلامك أنت؟ وما حقيقة إيمانك؟
وضع بإزاء وجود الكتاب والسنة وجودك أنت، واشتغل بسؤالها إن طُفْتَ وأعياك التَّطواف بالكتب والخلافات.
ثم تعال معي، واصبر معي. فقد جنيت لك الأطايب من شجرة طيبة إن كنت من الصادقين، وإن علمت أن أحداً من العقلاء لا يجازف بآخرته فيهرف بما لا يعرف.
ذكر البخاري عن علي رضي الله عنه أنه قال: "حدثوا الناس بما يعرفون، وَدعوا ما يكرهون. أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟" ومن هذا الباب قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم".
وقد كانت ولا تزال أحاديث الصوفية عن مواجيدهم وما يتخذونه من مصطلحات فتنة لكثير من المسلمين. ومن الناس من يكره تلك الأحاديث لمجرد أنها تشير إلى ما لا تدركه عقولهم. وعند القوم رضي الله عنهم مما يضمره الجنان ما لا تتسع له العبارة رغم وفرة المصطلحات. قال الغزالي: "ومن أول الطريقة تبتدئ المشاهدات والمكاشفات حتى إنهم (أي الصوفية) في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى بهم الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجـات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطإ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه"[1].
رويدا، رويدا! ملائكة تشاهد! أرواح! ثم لا يكفي هذا! أين بساطة الإيمان من هذه الدعوى التي لا يستسيغها مُدرك بحس ولا متخيل بحدس؟!
السلف الصالح لم يستعملوا الألفاظ المُغْرِبة وإن كان ورد عن عمران بن حصين الصحابي رضي الله عنه أنهُ كانت تصافحه الملائكة حتى اكتوى فاحتجبت عنه.
إن اصطلاحات القوم ككل الاصطلاحات المحدثة في الإسلام أشياء محددة بالمكان، موسومة بالزمان، أملاها الاضطرار.
قال الأستاذ القشيري: "السلف الصالح لم يسْتعملوا هذه الألفاظ. لم يكن في معارفهم خلل. والخلَف الذين استعملوا هذه الألفاظ لم يكن ذلك منهم لطريق الحق مُبايَنةً، ولا في الدين بدعة. كما أن المتأخرين من الفقهاء عن زمان الصحابة والتابعين اسْتعملوا ألفاظ الفقهاء من لفظ "العلة" و"المعلول" و"القياس" وغيره. ثم لم يكن استعمالهم لذلك بدعة ولا خُلُوُّ السلف عن ذلك كان لهم نقصا. وكذلك شأن النحويين والتصريفيين ونَقَلَةُ الأخبار، في ألفاظ تَخْتص كل طائفة منهم بها"[2].
قال هذا الأستاذ القشيري، وهو من أئمة الفقهاء والمتكلمين والصوفية، جمع الله فيه خيرا كثيرا، في رسالة له يدافع فيها عن العقيدة الأشعرية، وعن مصطلحات المتكلمين.
ومن العلماء الأكابر من يشفق على قارىء أخبار الصوفية أن يسيء فهمهم فيقرب ويُسدد. قال ابن القيم بعد أن تناول مبحثا دقيقا من مباحث شيخ الإسلام الهروي: "وكَسَوْتُهُ أحسن عبارة لئلا يُتَعدى عليهم بسوء التعبير الموجب للتنفير"[3].
ومنهم من يشرح ويُقارن. قال الإمام السيوطي: "واعلم أن دقائق علم التصوف لو عُرضت معانيها على الفقهاء بالعبارة التي ألفوها في علومهم لاستحسنوها كل الاستحسان، وكانوا أول قائل بها. وإنما ينفرهم منها إيرادها بعبارة مستغربة لم يألفوها"[4].
وبعد فما هو التصوف، وكلمة "تصوف" هي رأس قائمة المصطلحات؟ وما علاقة التصوف، وهو لفظ محدث، بالإحسان وهو لفظ قرآني نبوي، وبالتزكية والتطهر؟
اعلم يا أخي أولا أنني أزهد الناس في المصطلح إن سلمت لنا مطويات القلوب ومكنونات اللبوب. واعلم ثانيا أن هؤلاء الذين تسموا في التاريخ صوفية أشكال وألوان وأصناف، منهم الصادقون ومنهم دون ذلك. واعلم أخيرا أنني لا أبغي بغير الصحابة المجاهدين المهاجرين إلى الله ورسوله الناصرين بديلا.
أما الصوفية فقال عنهم واحد من فرسان العلماء وجهابذتهم ابن تيمية رحمه الله: "طائفة ذمت الصوفية والتصوف، وقالوا إنهم مبتدعون خارجون عن السنة(...). وطائفة غَلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء. وكِلا طرفي هذه الأمور ذميم. والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله. ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده. وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين. وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيُخطئ، وفيهم من يذنبُ فيتوب أو لا يتوب. ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه، عاص لربه.(...) فهذا أصل التصوف. ثم إنه بعد ذلك تشعب وتنوع، وصارت الصوفية ثلاثة أصناف: صوفية الحقائق، وصوفية الأرزاق، وصوفية الرسم"[5].
يعني شيخ الإسلام بصوفية الحقائق صوفية السلوك والأذواق والكشف والفتح والكرامات على درجات. ويعني بصوفية الأرزاق أقواما حبسوا أنفسهم في الخانقات والزوايا تجري عليهم الجرايات والأرْفاقات والصدقات. ويعني بصوفية الرسم المتشَبّهون والمتبركون والمنتسبون باللباس والآداب والزي. صنف رابع لم يذكرهم الشيخ هم صنف التصوف الفلسفي يحملون الاسم زورا وبهتانا.
وصنف خامس لم يذكرهم الشيخ ولعلهم كانوا لا يوجدون في زمانه ومكانه واهتمامه. وهم صوفية الرباط، المجاهدون في ثغور المسلمين.
بالجملة ما حكم العلماء على الصوفية الصادقين؟ قرأنا في الفصل الأول من هذا الكتاب شهادات تمشي على رجلين، هي شهادات فطاحل العلماء الساعين بخضوع للجلوس بين يدي العارف الرباني. ونقرأ هنا شهادة مكتوبة. قال ابن القيم رحمه الله: "فَنبأ القوم عجيب، وأمرهم خفي إلا على من له مشاركة مع القوم، فإنه يطلع من حالهم على ما يريه إياه القَدْر المشترك". لا شك أن الشيخ يعني نفسه هنا، يشارك القوم (الصوفية) في مشاربهم القلبية ويَنْفَرِدُ عنهم بالمشاركة الواسعة في علوم الظاهر. والقدْرُ المشترك بينه وبينهم عَلّمَه أن: "جملة أمرهم أنهم قوم قد امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغُمِرت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته. فسرت المحبة في أجزائهم، فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب. قد أنساهم حبه ذكر غيره. وأوحشهم أنسهم به ممن سواه. قد فَنُوا بحبه عن حب من سواه، وبذكره عن ذكر من سواه، وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه والتوكل عليه والإنابة إليه والسكون إليه والتّذلل والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره"[6].
أهذا غلُو في القوم يُبْديه تلميذ ابن تيمية الذي يعده المستَخِفّون عدوا لكل ما يمت للتصوف بصلة؟ كلا والله بل هي شهادة رجل واثق ذائق صادق.
والتصوف الخُلُق. قال الكتاني أحد مشايخ الصوفية: "التصوف هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف". وسئل ذو النون المصري، وهو من أكابر القوم، عن الصوفي فقال: "هو الذي لا يُتعبه طلب، ولا يزعجه سلب". وقال أيضا: "هم قوم آثروا الله على كل شيء فآثرهم الله على كل شيء".
لا حاجة لنا هنا في البحث عن أصل المصطلح هل هو من الصوف أو من الصفاء. ولننظر في المواضيع التي تملأ كتب القوم. في رسالة القشيري: "باب في تفسير ألفاظ تدور بين هذه الطائفة". منها الحالُ والمقام، والقبض والبسط، والهيبة والأنس، والتواجد والوجد والوجود، والجمع والفرق، والفناء والبقاء، والغيبة والحضور، والصحو والسكر، والذوق والشرب، والمحو والإثبات. والقائمة طويلة. وتحت كل لفظ علوم يُبْهمها الصِّيانُ ولا يفصح عنها البيان إلا إشارات ومصطلحات يعرفها من ذاق.
لا بأس من هذه الأذواق الشريفة المُنيفة تُصاغ في قوالب لفظية ليتداولها أهل الذوق وليتفاهموا فيما بينهم. وقد كانت حياتهم حياة التفرغ والانكفاف عن الخلق. يتسع وقتهم لتعْميق المشاعر الرقيقة. يا حسرة على من ظن أن حديث القوْم ولغتهم زخرف القول غرورا، تزويق وتنميق. ذاك على الباب ما قرع، ومن أهل الذكر ما سمع. أولئك هم الغافلون.
لا بأس، وبخٍ بَخٍ! لكني لا أجد في هذه القائمة المبجلة كلمات القرآن والنبوة عن الجهاد، والقتال، والنفقة في سبيل الله، وحصار المشركين، والغلظة عليهم والشدة، والتحزب لله، وحمل هم الأمة، والنصيحة لعامة المسلمين وخاصتهم.
وجَدَّتْ في عصرنا مستجدات: أمة مقهورة مقسومة مغلوبة، فلسطين القدس المحتلة، تخلف المسلمين، حكام الجبر عليهم، قوى عظمى تتحكم في الأرض، تخلف، صناعة، فضاء، علوم، اختراعات، تكنولوجيا، طـوق إعلامي يغزو سكان الأرض، مجاعة، تضخم سكاني، استعمار، ثورة، تلوث البيئة، أسلحة نووية، أسفار نحو الكواكب، إنتاج، استهلاك، ديموقراطية، اشتراكية.
أين تقع مصطلحات القوم من اهتمامات العصر، ومن المستقَر القرآني النبوي، ومن النموذج الصحابي الجهادي؟ هذا هو سؤالنا في هذا الكتاب.
قديما قال الشاعر الصوفي يأسف على ما آل إليه التصوف في زمانه، ونحن همنا أن ندرج التربية الإحسانية في سياق جِهادي لكيلا تكون مَخْرَقَة:
أهل التصوف قد مضوا صار التصـوف مخرقـه
صار التصـوف صَيْحـة وتَواجُــدا ومـُطَـبَّـقَــه
مضت العلوم فلا علـوم ولا قلـوبٌ مشــرقــه
كذبتك نفسـك ليـس ذا سَنَن الطريق المُخْـلَـقـه
حتى تكون بعيـن مـَـن عنه العيون المُحـدِقَــه
تجري عليك صـروفـه وهموم سِـرّك مُطـرقـه

وقلت جعلني الله وإياك من الإخوان أهل القرآن:
كذَبَتْكَ نفسك بالأما ني والأماني مَخْرَقــهْ
لا لن تفـوز بقــربـه وترى الفتوح المشْرقَـهْ
إلا بـعــزم صـابــر وبـهـمـة مُـتَـعَـشِّـقَــهْ




[1] المنقذ من الضلال ص 54.
[2] طبقات الشافعية ج 2 ص 287.
[3] مدارج السالكين ج 2 ص 249.
[4] تأييد الحقيقة العلية ص 21.
[5] الفتاوي ج 10 ص 18- 19.
[6] طريق الهجرتين ص 262.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:39 PM
جناية المصطلحات
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب اغفر لي ولأخِي وأدخلنا في رحمتك. وَأنت أرحم الراحمين(. اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري. وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي. وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي. واجعل الحياة زيادة لي في كل خير. واجعل الموت راحة لي من كل شر.
إن كانت عقبَات الصمم عن سماع النداء الموجه للفطرة، وعقبات الكبرياء المانعة من الأخذ عن الأكابر، وعقبات البعد عن عهد النبوة والصحابة، وعقبات الدنيا والشهوات المانعة من التوبة واليقظة، وعقبات الانغماس والانطماس عن طلب المعالي حواجزَ شاهقة وسدودا غَالقة عن الاقتحام فإن من أهم العقبات وجود آراء مسبقة عن شيء يسمى التصوف، يتحدث جهابذة علمائه عن "سبيل الدين الغامض"، وعن المعرفة واللحظ، وعن ميلاد القلوب، وعن ضرورة الشيخ، ويستعملون مصطلحات محدثة. وعندي وعند المسلمين أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فما هي هذه الشجرة التي تزْعمون أنكم شممتم أزهارها وقطفتم ثمارها؟ من غرسها، وبم سقاها، ومن تعهدها حتى وَرِفَتْ ظلالها، وامتدت، وفاء إليها أكابر العلماء يجثون على الركب أمام الشيخ العارف يسلسون له القياد. وقام طائفة من أهل العلم يصرخون ويستصرخون، وينقدون ويؤلفون في "تبليس إبليس"؟ دين الله واضح، وها هو الكتاب وها هي السنة.
ضع بإزاء سؤالاتك سُؤالاً أخيرا: ما حقيقة إسلامك أنت؟ وما حقيقة إيمانك؟
وضع بإزاء وجود الكتاب والسنة وجودك أنت، واشتغل بسؤالها إن طُفْتَ وأعياك التَّطواف بالكتب والخلافات.
ثم تعال معي، واصبر معي. فقد جنيت لك الأطايب من شجرة طيبة إن كنت من الصادقين، وإن علمت أن أحداً من العقلاء لا يجازف بآخرته فيهرف بما لا يعرف.
ذكر البخاري عن علي رضي الله عنه أنه قال: "حدثوا الناس بما يعرفون، وَدعوا ما يكرهون. أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟" ومن هذا الباب قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم".
وقد كانت ولا تزال أحاديث الصوفية عن مواجيدهم وما يتخذونه من مصطلحات فتنة لكثير من المسلمين. ومن الناس من يكره تلك الأحاديث لمجرد أنها تشير إلى ما لا تدركه عقولهم. وعند القوم رضي الله عنهم مما يضمره الجنان ما لا تتسع له العبارة رغم وفرة المصطلحات. قال الغزالي: "ومن أول الطريقة تبتدئ المشاهدات والمكاشفات حتى إنهم (أي الصوفية) في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى بهم الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجـات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطإ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه"[1].
رويدا، رويدا! ملائكة تشاهد! أرواح! ثم لا يكفي هذا! أين بساطة الإيمان من هذه الدعوى التي لا يستسيغها مُدرك بحس ولا متخيل بحدس؟!
السلف الصالح لم يستعملوا الألفاظ المُغْرِبة وإن كان ورد عن عمران بن حصين الصحابي رضي الله عنه أنهُ كانت تصافحه الملائكة حتى اكتوى فاحتجبت عنه.
إن اصطلاحات القوم ككل الاصطلاحات المحدثة في الإسلام أشياء محددة بالمكان، موسومة بالزمان، أملاها الاضطرار.
قال الأستاذ القشيري: "السلف الصالح لم يسْتعملوا هذه الألفاظ. لم يكن في معارفهم خلل. والخلَف الذين استعملوا هذه الألفاظ لم يكن ذلك منهم لطريق الحق مُبايَنةً، ولا في الدين بدعة. كما أن المتأخرين من الفقهاء عن زمان الصحابة والتابعين اسْتعملوا ألفاظ الفقهاء من لفظ "العلة" و"المعلول" و"القياس" وغيره. ثم لم يكن استعمالهم لذلك بدعة ولا خُلُوُّ السلف عن ذلك كان لهم نقصا. وكذلك شأن النحويين والتصريفيين ونَقَلَةُ الأخبار، في ألفاظ تَخْتص كل طائفة منهم بها"[2].
قال هذا الأستاذ القشيري، وهو من أئمة الفقهاء والمتكلمين والصوفية، جمع الله فيه خيرا كثيرا، في رسالة له يدافع فيها عن العقيدة الأشعرية، وعن مصطلحات المتكلمين.
ومن العلماء الأكابر من يشفق على قارىء أخبار الصوفية أن يسيء فهمهم فيقرب ويُسدد. قال ابن القيم بعد أن تناول مبحثا دقيقا من مباحث شيخ الإسلام الهروي: "وكَسَوْتُهُ أحسن عبارة لئلا يُتَعدى عليهم بسوء التعبير الموجب للتنفير"[3].
ومنهم من يشرح ويُقارن. قال الإمام السيوطي: "واعلم أن دقائق علم التصوف لو عُرضت معانيها على الفقهاء بالعبارة التي ألفوها في علومهم لاستحسنوها كل الاستحسان، وكانوا أول قائل بها. وإنما ينفرهم منها إيرادها بعبارة مستغربة لم يألفوها"[4].
وبعد فما هو التصوف، وكلمة "تصوف" هي رأس قائمة المصطلحات؟ وما علاقة التصوف، وهو لفظ محدث، بالإحسان وهو لفظ قرآني نبوي، وبالتزكية والتطهر؟
اعلم يا أخي أولا أنني أزهد الناس في المصطلح إن سلمت لنا مطويات القلوب ومكنونات اللبوب. واعلم ثانيا أن هؤلاء الذين تسموا في التاريخ صوفية أشكال وألوان وأصناف، منهم الصادقون ومنهم دون ذلك. واعلم أخيرا أنني لا أبغي بغير الصحابة المجاهدين المهاجرين إلى الله ورسوله الناصرين بديلا.
أما الصوفية فقال عنهم واحد من فرسان العلماء وجهابذتهم ابن تيمية رحمه الله: "طائفة ذمت الصوفية والتصوف، وقالوا إنهم مبتدعون خارجون عن السنة(...). وطائفة غَلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء. وكِلا طرفي هذه الأمور ذميم. والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله. ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده. وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين. وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيُخطئ، وفيهم من يذنبُ فيتوب أو لا يتوب. ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه، عاص لربه.(...) فهذا أصل التصوف. ثم إنه بعد ذلك تشعب وتنوع، وصارت الصوفية ثلاثة أصناف: صوفية الحقائق، وصوفية الأرزاق، وصوفية الرسم"[5].
يعني شيخ الإسلام بصوفية الحقائق صوفية السلوك والأذواق والكشف والفتح والكرامات على درجات. ويعني بصوفية الأرزاق أقواما حبسوا أنفسهم في الخانقات والزوايا تجري عليهم الجرايات والأرْفاقات والصدقات. ويعني بصوفية الرسم المتشَبّهون والمتبركون والمنتسبون باللباس والآداب والزي. صنف رابع لم يذكرهم الشيخ هم صنف التصوف الفلسفي يحملون الاسم زورا وبهتانا.
وصنف خامس لم يذكرهم الشيخ ولعلهم كانوا لا يوجدون في زمانه ومكانه واهتمامه. وهم صوفية الرباط، المجاهدون في ثغور المسلمين.
بالجملة ما حكم العلماء على الصوفية الصادقين؟ قرأنا في الفصل الأول من هذا الكتاب شهادات تمشي على رجلين، هي شهادات فطاحل العلماء الساعين بخضوع للجلوس بين يدي العارف الرباني. ونقرأ هنا شهادة مكتوبة. قال ابن القيم رحمه الله: "فَنبأ القوم عجيب، وأمرهم خفي إلا على من له مشاركة مع القوم، فإنه يطلع من حالهم على ما يريه إياه القَدْر المشترك". لا شك أن الشيخ يعني نفسه هنا، يشارك القوم (الصوفية) في مشاربهم القلبية ويَنْفَرِدُ عنهم بالمشاركة الواسعة في علوم الظاهر. والقدْرُ المشترك بينه وبينهم عَلّمَه أن: "جملة أمرهم أنهم قوم قد امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغُمِرت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته. فسرت المحبة في أجزائهم، فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب. قد أنساهم حبه ذكر غيره. وأوحشهم أنسهم به ممن سواه. قد فَنُوا بحبه عن حب من سواه، وبذكره عن ذكر من سواه، وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه والتوكل عليه والإنابة إليه والسكون إليه والتّذلل والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره"[6].
أهذا غلُو في القوم يُبْديه تلميذ ابن تيمية الذي يعده المستَخِفّون عدوا لكل ما يمت للتصوف بصلة؟ كلا والله بل هي شهادة رجل واثق ذائق صادق.
والتصوف الخُلُق. قال الكتاني أحد مشايخ الصوفية: "التصوف هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف". وسئل ذو النون المصري، وهو من أكابر القوم، عن الصوفي فقال: "هو الذي لا يُتعبه طلب، ولا يزعجه سلب". وقال أيضا: "هم قوم آثروا الله على كل شيء فآثرهم الله على كل شيء".
لا حاجة لنا هنا في البحث عن أصل المصطلح هل هو من الصوف أو من الصفاء. ولننظر في المواضيع التي تملأ كتب القوم. في رسالة القشيري: "باب في تفسير ألفاظ تدور بين هذه الطائفة". منها الحالُ والمقام، والقبض والبسط، والهيبة والأنس، والتواجد والوجد والوجود، والجمع والفرق، والفناء والبقاء، والغيبة والحضور، والصحو والسكر، والذوق والشرب، والمحو والإثبات. والقائمة طويلة. وتحت كل لفظ علوم يُبْهمها الصِّيانُ ولا يفصح عنها البيان إلا إشارات ومصطلحات يعرفها من ذاق.
لا بأس من هذه الأذواق الشريفة المُنيفة تُصاغ في قوالب لفظية ليتداولها أهل الذوق وليتفاهموا فيما بينهم. وقد كانت حياتهم حياة التفرغ والانكفاف عن الخلق. يتسع وقتهم لتعْميق المشاعر الرقيقة. يا حسرة على من ظن أن حديث القوْم ولغتهم زخرف القول غرورا، تزويق وتنميق. ذاك على الباب ما قرع، ومن أهل الذكر ما سمع. أولئك هم الغافلون.
لا بأس، وبخٍ بَخٍ! لكني لا أجد في هذه القائمة المبجلة كلمات القرآن والنبوة عن الجهاد، والقتال، والنفقة في سبيل الله، وحصار المشركين، والغلظة عليهم والشدة، والتحزب لله، وحمل هم الأمة، والنصيحة لعامة المسلمين وخاصتهم.
وجَدَّتْ في عصرنا مستجدات: أمة مقهورة مقسومة مغلوبة، فلسطين القدس المحتلة، تخلف المسلمين، حكام الجبر عليهم، قوى عظمى تتحكم في الأرض، تخلف، صناعة، فضاء، علوم، اختراعات، تكنولوجيا، طـوق إعلامي يغزو سكان الأرض، مجاعة، تضخم سكاني، استعمار، ثورة، تلوث البيئة، أسلحة نووية، أسفار نحو الكواكب، إنتاج، استهلاك، ديموقراطية، اشتراكية.
أين تقع مصطلحات القوم من اهتمامات العصر، ومن المستقَر القرآني النبوي، ومن النموذج الصحابي الجهادي؟ هذا هو سؤالنا في هذا الكتاب.
قديما قال الشاعر الصوفي يأسف على ما آل إليه التصوف في زمانه، ونحن همنا أن ندرج التربية الإحسانية في سياق جِهادي لكيلا تكون مَخْرَقَة:
أهل التصوف قد مضوا صار التصـوف مخرقـه
صار التصـوف صَيْحـة وتَواجُــدا ومـُطَـبَّـقَــه
مضت العلوم فلا علـوم ولا قلـوبٌ مشــرقــه
كذبتك نفسـك ليـس ذا سَنَن الطريق المُخْـلَـقـه
حتى تكون بعيـن مـَـن عنه العيون المُحـدِقَــه
تجري عليك صـروفـه وهموم سِـرّك مُطـرقـه

وقلت جعلني الله وإياك من الإخوان أهل القرآن:
كذَبَتْكَ نفسك بالأما ني والأماني مَخْرَقــهْ
لا لن تفـوز بقــربـه وترى الفتوح المشْرقَـهْ
إلا بـعــزم صـابــر وبـهـمـة مُـتَـعَـشِّـقَــهْ




[1] المنقذ من الضلال ص 54.
[2] طبقات الشافعية ج 2 ص 287.
[3] مدارج السالكين ج 2 ص 249.
[4] تأييد الحقيقة العلية ص 21.
[5] الفتاوي ج 10 ص 18- 19.
[6] طريق الهجرتين ص 262.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:41 PM
عقبة الخلاف والاختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبّل دعاء ( . يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك.
كان عبد الله بن المبارك محدثا كبيرا، وجمع الله له إلى ذلك خصالا جليلة، فكان شاعرا جوادا مجاهدا، يحج عاما ويغزو عاما. واشتهر فضيل بن عياض بالزهد والصلاح، يعتبره الزهاد والصوفية إماماً.
عِتَابٌ رقيق بين صديقين متصافيين. وكان الرجلان عَلَمين بارزين من أعلام القرن الثالث الفاضل. في القرون التالية اتخذ الخلاف في المذهب والرأي ووجهة النظر شكل الجدَل العَنيف، واستفحل، وكانت حروب كلامية وغارات. وتَرِثُ هذه الأجيال المتأخرة كتُبَ الخلاف فيما ترث، فتقفُ عند جزئيات الخلاف دون أن تتعلم أن ذلك الخلاف كان ضروريا، وكان رحمة، لأنه تمخض عن زبدة الدين، وتحررتْ من خلاله العقيدة، وصُفي الحديث، وتأصل الفقه، وحوربت البدع.
لا يمكننا أن نضرب بما شجر من خلاف بين علمائنا عُرض الحائط، ويمكننا أن نستفيد من مسيرة هُبوطِهِ إلينَا اكتشاف الطريق الصاعدة إلى النبوة والخلافة الراشدة. تخطي هذا الخلاف مثل اتّخاذه هدفاً أسمى وسقفا موقفان متطرفان، بينهما توجد الحكمة.
والحكمة قبول الخلاف ظاهرةً بشرية، وقبول تنوع الاجتهاد، وتنظيم هذا التنوع. وبداية الحكمة أن نضع خلافات علمائنا الأولين مواضعها النسبية، لا نتخذ رأي فلان أو فلان مرجعا نهائيا ومطلقا لا تسمو العقول لمناقشته.
حظُّ كل صاحب مذهب ورأي من حفظ النص وتحريره، ومن حِدة العقل وتنظيمه، ومن تَوجُّه الإرادة وسموها ومضائها يحدد إمكانياته ويرسم له حدودا. فينكر في حدوده وظروفه وزمانه ومكانه ما هو عند الآخرين غير منكور. ويَرُدّ ويُردّ عليه. ولكل مجتهد أجر عند الله، ووجه معقول مَقْبول عند العقلاء الموفقين.
عقبة الخِلاف في شأن الصوفية والتصوف ليست أهون العقبات أمام من يريد أن يشرح ما عند القوم من كنز محفوظ لقارئ وقع في يده كتاب من هذه الورقات السطحية التي تتكاثر في السوق، يكتبها من ألهاهم التكاثر عن السؤال المركزي: "وأنا ماذا فعلت، وماذا علمت، وما حظي من ربي؟".
ينحصر معظم الخلاف على الصوفية في المُحَدّثين الحنابلة. علم أصول الحديث علم تعديل وتجريح، وبنفس المنهاج تناول الحنابلة المحدثون الصوفية فجرحوا أكثر مما عَدَّلوا. وكان من أدعياء التصوف وفلاسفة الإشراق طوائف نالوا بجدارة واستحقاق من بعض المحدثين الحنابلة تصويرا سلبيا محضا. فأنت إذا قرأت كتاب "تلبيس إبليس" خيل إليك أن الصوفية في كلمة واحدة هم إخوان الشياطين. ويا حسرة على من قرأ نُقول من نقل عن من نقل عن أمثال ابن الجوزي رحمه الله، ثم اكتفى وطوى الملف! ماذا فاتك يا مسكين!
لهذه الخلافات أسباب ظاهرة مشروعة، مثل الخلاف في العقيدة، ولها أسباب دُنيوية تاريخية. والخلاف جزء لا يتجزأ من العناصر الحركية التي عليها صلحت الأرض واستقامت. الخلاف مهما كانت أسبابه، شريفة عفيفة أو مغرضة أو جاهلة أو تحاملية، دفاع الله الناس بعضهم ببعض، )وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ( (سورة البقرة، الآية: 251).
قال التاج السبكي يقص قصة خلاف المحدثين والصوفية، وقد كان ووالده التقي السبكي شيخ الإسلام من أكبر المعارضين لابن تيمية. قال: "نبه شيخ الإسلام ابن دقيق العيد أن الخلاف بين كثير من الصوفية وأصحاب الحديث قد أوجب كلام بعضهم في بعض، كما تكلم بعضهم في الحارث المحاسبي وغيره. وهذا في الحقيقة داخل في قسم مخالفة العقائد، وإن عده ابن دقيق العيد غيرَهُ. والطامة الكبرى إنما هي في العقائد المثيرة للتعصب والهوى. نعم، وفي المنافسات الدنيوية على حطام الدنيا. وهذا في المتأخرين أكثر منه في المتقدمين"[1].
عندما تختلف الآراء، وتشتبك الألسنة في الجدال تثور النفوس وتتعمق الهوة بين الخصوم، ويجد الشيطان في هوى الناس مطية لإشعال الفِتْنة. والغِرُّ من يظن أن النزاعات بين العلماء تعكس كلها الصفاء الملائكي والتحري المجرد عن كل شائِبَةٍ. والبشر بشر، والفتنة اللسانية أمضى من فتنة السيف وأسرع ضِراما. روى أصحاب السنن عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تكون الفتنة تَستنطف (أي تأتي على الأخيار) العرب. قتلاها في النار. اللسان فيها أشد من السيف". هذا لفظ الترمذي.
والغيرة البشرية بين الأقران والمتعاصرين تتدخَّل فتُضخِّم ما يكون ثَمَّ من أصل حقيقي للخلاف. رُوِيَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "لا أدركتُ ولا أدْركتم زمانا يتغاير الناس فيه على العلم كما يتغايرون على الأزواج!".
ولأبِي عُمر بن عبد البر كلام نفيس في الموضوع أنقله عن التاج السبكي. وابن عبد البر من المحدثين المحققين يحظى بالاعتبار التام عند علماء الأمة. قال السبكي: "عقد الحافظ ابن عبد البر في كتاب العلم بابا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض بدأ فيه بحديث الزُّبَيْر رضي الله عنه: "دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء" الحديث. قلت: وهو حديث صحيح رواه الحاكم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيصيب أمتي داء الأمم فقالوا يا رسول الله! وما داء الأمم؟ قال الأشَرُ والبَطَرُ والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد، حتى يكون البغي".
ثم قال السبكي رحمه الله: "وروى (ابن عبد البر) بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "استمعوا علم العلماء، ولا تصدقوا بعضهم على بعض. فوالذي نفسي بيده، لهم أشدُّ تَغايُراً من التُّيوس في زُروبها" وعن مالك بن دينار: "يوخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض"(...). واختلاف الاجتهاد مما لا يلزم المقول فيه ما قال القائل فيه. وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلا واجتهادا. ثم اندفع ابن عبد البر في ذكر كلام جماعة من النظراء بعضهم في بعض وعدم الالتفات إليه، إلى أن انتهى إلى كلام ابن معين (وهو من كبار المحدثين) في الشافعي، وقال: إنه مما نُقِمَ على ابن معين وعِيبَ به. وذكر قول أحمد بن حنبل: "من أين يعرف يحيى بن معين الشافعي؟! هو لا يعرف الشافعيّ، ولا يعرف ما يقوله الشافعي، ومن جهل شيئا عاداه"[2].
أقول وبالله التوفيق: إن خلاف العلماء وشجارهم ووقوع بعضهم في بعض عن حسن نية أو فلتةً بشريّةً ينبغي أن لا يوهمنا أن الحق في هذا الجانب ضربة لازب. فهم خطاؤون ككل ابنٍ لآدم، وهم مخطئون أحيانا. وحلة القدسية التي يضفيها خيال المُقلدين على إمام عالم هي من صنع الجهل. وكل واحد يؤخذ من كلامه ويطرح إلا قول المعصوم صلى الله عليه وسلم كما قال ابن عباس رضي الله عنهما.
وأرجع لابن السبكي وابن عبد البر لأنقل إليك فَصّاً ثمينا من فصوص العلم ونوادر الحكمة. قال: "ثم قال ابن عبد البر: فمن أراد قبول قول العلماء الثقات بعضهم في بعض فليقبل قول الصحابة بعضهم في بعض. قال: فإن فعل ذلك فَقد ضل ضلالا بعيدا، وخسر خُسرانا مبينا. قال: وإن لم يفعل، ولن يفعل إن هداه الله وألهمه، فليقف عند ما شرطناه في أن لا يقبل في صحيح العدالة المعلوم بالعلم قول قائل لا برهان له".
يظلم نَفسَه ويظلم العلماءَ من يجرد الخصومات التي خاضُوها من ملابساتها الظرفية وشوائبها البشرية، وينصب أحدَهم لواءً خفاقا يخوض تحته معاركهُ هو، عن جهل للأصول والفروع، وعن تقليد أعمى لمن لا يحسن حتى فك جملهم وفهم لغتهم، فأحرى أن يفهم مرامي الكلام وظواهره وبواطنه ودوافعه ومقدماته التاريخية.
من المظلومين في هذا العصر شيخ الإسلام ابن تيمية. تبحره في العلوم، وتمكنه في الحديث وقد كان حافظا، ثم انتشار كتبه الانتشار الواسع تنفق عليها بسخاء جهات معروفة لأسباب قد لا يعرفها كل الناس، جعل من اسمه سلاحا مرهبا، ومن سرد كلماته حجة قاطعة، ومن فكره مرجعا نهائيا، يحسب المتحنبلون الجدد أن كلمة شيخ الإسلام رحمه الله هي الكلمة الفصل، والكلمة الوحيدة، والكلمة الأخيرة، وكأن الله عز وجل لم يخلق معه ولا بعده عالما يذكر.
تعمدت في هذا الكتاب الاستشهاد بكلام ابن تيمية، وخاصة بكلام تلميذه ومريده هذا النجم الثاقب في سماء البيان ابن القيم، إشفاقا على من ظَلَموا أنفسهم وظلموا أهل العلم، وإشفاقا على من تجرعوا مرارات الخلاف وصمَّتْ آذانَهم طبولُ المقلِّدَةِ.
كتب الدكتور سعيد رمضان البوطي مقالا مهما بعنوان: "موقف ابن تيمية من ابن عربي"، دافع فيه عن ابن عربي بما هو معروف من أن كتبه دُسَّ فيها الكثير. في كتابي هذا تجنّبت مواطن الخلاف على الأشخاص، إذ الشأنُ بي وبك لا بمن مضوا وانقضوا ولقُوا الله بأعمالهم. لكني أنقل إليك تظَلُّم عالمنا الجليل سعيد من المقلدة. قال: "والحقيقة التي لا ريب فيها أن ابن تيمية رحمه الله قد ظُلم من قِبَلِ هؤلاء الناس... لقَدْ ظُلم من قبلهم مرتين: المرةَ الأولى أنّهم نسبوا إليه بسبب جهلهم أو بسبب أغراضهم التي يتأبطونها مالم يقله، وما لم يخطر منه على بال. فقد صوّروا منه عدوا للتصوف، وهو من أبرز المنافحين عنه والداعين إليه، والقائلين بوجوب الانخراط في منهجه التربوي على كل مسلم(...).
قال: "والمرةَ الثانيَةَ أنهم صَبَغوه بذلك في تصوُّر كثير من الناس، بل حتى العلماءِ والباحثين السطحيين، بصبغة المُنكِرِ لهذا الذي ثبت أنه جوهر الإسلام ولُبابه، والمنقِّصِ لكل من سار في هذا الطريق وسلك الناس في طريق تزكية النفس، حتى غدا اسم ابن تيمية عند عامة الناس رمزاً لمحاربة هذا السبيل الإسلامي القويم"[3].
نعم، من العقبات الكبرى والحواجز العائقة عن سماع كلمة الحق في موضوع جوهر الإسلام ولُبابه استعمال المتسطحين الحرفيين لاسم ابن تيمية وترجمتهم لفكره.
كان الرجل رحمه الله شعلة من الذكاء والهمة العالية والفروسية العلمية والميدانية. كانت حياته كلها معارك، فاصطبغ فكرُه بلون الأرْجُوان، وعلاه غبار الميدان الحربي. ولولا وضوح فكره وتمكنه ورسوخه في العلوم، ولولا تشبثه المتين بالأصول يدافع عن الحق في زمان استفحلت فيه البدع، وهجمت الباطنية، وطمَّ الغزو التتاري فكان الفارس المُعْلَم في كل تلك الميادين، لكانت خلافياته مما طُوِيَ وبقي في الرفوف. لكن نشر تراثه الممتاز أثار موجة من البلوى عمت وطمت.
الرجل، وإن كان اختلف مع المتأخرين من الصوفية، يعتبر أمثال الجنيد وابن يزيد وسهل أئمة هدى. ويضع الشيخ عبد القادر الجيلاني موضع الاحترام المطلق. يذكر اسمه فيقرنه بالترحم الصوفي على الأكابر: "قدس الله سره".
إن كان ابن تيمية كفر هذا وجرح ذاك وشدّد على هؤلاء وسالم أولئك، فتلك معاركُ مضت وانقضت. وتبقى رسالة ابن تيمية وشهادته ناصعة الجبين واضحة المعالم لمن تجاوز مراحل محاربة الأمية أنَّه من أكبر الداعين للتزكي القلبي وصحبة المشايخ وملازمة الأوراد.
خاصم الغزاليَّ في أمور نُسبت إليه في كتاب "مشكاة الأنوار" وكتاب "كيمياء السعادة" ثم قال: "وقد أنكر عليه (على الغزالي) طائفة من أهل الكلام والرأي كثيرا مما قاله من الحق. وزعموا أن طريقة الرياضة وتصفية القلب لا تؤثر في حصول العلم. وأخطأوا أيضا في هذا النفي. بل الحق أن التقوى وتصفية القلب من أعظم الأسباب على نيل العلم"[4].
المكاشفة والكشف والفتح هي الأسماء التي يطلقها الصوفية على العلوم الوهبية التي يفتحها الله الكريم الوهاب على من يشاء مصداقا لوعده الكريم: )وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ( (سورة البقرة، الآية: 282). ابن تيمية من أهل الذوق، علم يقينا أن الذاكرين السالكين تفتح لهم أبواب من العلم لا يَنالها غيرهم. وهذا لب المسألة كلها. ومن العلماء من ينكر هذا العلم الموهوب جملة وتفصيلا ويعتبر المكاشفة "كلاما فارغا"[5]. وكلا الرجلين محدث حنبلي، لكن شتان ما بينهما.
نقطة أخرى تتطابق فيها معرفة ابن تيمية وتجربته مع معرفة الغزالي وتجربته، هي ضرورة صحبة المشايخ لاكتساب علوم الولاية. قال: "أهل التصفية والرياضة والتأله يحصل لهم المعارف والعلوم اليقينية بدون النظر، كما قال الشيخ الملقب بالكبيري للرازي ورفيقه، وقد قالا له: يا شيخ! بلغنا أنك تعلم علم اليقين. فقال: نعم! فقالا: كيف تَعْلَمُ ونحن نتناظر في زمان طويل، كلما ذكرَ شيئا أفسدتُه، وكلما ذكرتُ شيئا أفسدَه؟ فقال: هو واردات ترد على النفوس، تعجز النفوس عن ردها. فجعلا يعجبان من ذلك ويكرران الكلام. وطلب أحدهما أن يحصل له هذه الواردات فعلمه الشيخ وأدبه حتى حصلت له"[6].
اعتراف إذا ونصح بمشروعية التشيخ وبنتائجه.
في نص آخر يصرح ابن تيمية بحقيقة لا تسعها أدمغة المقلدة، ولعل منهم من يؤولها لنا تأويلا إن استطاع. قال: "إن الأنبياء والأولياء لهم من علم الوحي والإلهام ما هو خارج عن قياسهم (أي الفلاسفة) الذي ذكروه، بله الفراسة أيضا وأمثالها"[7].
قرَنَ إذن الأنبياء والأولياء في تلقي علوم الوحي والإلهام. هل قال الغزالي وأكابر السادة الصوفية غير هذا؟
كان ابن تيمية رحمه الله ذا شخصية قوية عزيزة الجانب. قوته وعزة جانبه يرشَحان من مقالاته الجازمة الحاسمة في مؤلفاته. فمن لا يعطي الحقائق مكانتها النسبيّة يظن أن ما كتبه عالِمنا الواسعُ في زمان ما ومكان ما حقٌّ مطلقٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وذلك خطل وخبال.
كان خطاءً ككل بني آدم عرضة للخطإ مثلهم. وكان يكتب اليوم ما يجزم به اليوم، فيَفتح الله له غدا بما يناقض اقتناعه بالأمس. نرجع إن شاء الله في الفصل السادس من هذا الكتاب لمسألة نظر الأولياء في اللوح المحفوظ. ابن تيمية الشيخ يكتب في مرحلة ما من مراحل سلوكه أن ذلك ممتنع، ويشهد ابن القيم المريد أن شيخه صرح بأنه ينظر في اللوح المحفوظ. تناقض؟ لا! لكن سَيْر، واطلاع نسبي، وقصور بشري، ومِنن إلهية يختص الله بها من شاء من عباده متى شاء. وقد نعرض لبعض التناقضات الظاهرة في كلام ابن تيمية وتلميذه الوفي، لا لكي نحطم الشخصين العزيزين، لكن لنكسر صورة التشويه التي صنعها المقلدة.
كان خصوم ابن تيْمية يرمونه بتهمة أنه لم يتأدب على يد شيخ يهذب شخصيته. وكيف ينقاد شخص في مثل قوته وكرامته واندفاعه لأحد؟ قال التقي السبكي الوالد: "ثم جاء في أواخر المائة السابعة رجل له اطلاع، ولم يجد شيخا يهذبه، وهو على مذهبهم (يعني الحنابلة المُثْبتة يسميهم الخصوم مجسمة). وهو جَسور مُتجرد لتقرير مذهبه"[8]. وقال: "وهو كان مكثرا من الحفظ، ولم يتهذب بشيخ، ولم يرتض في العلوم، بل يأخذها بذهنه، مع جسارة واتساع خيال وشغَب كثير( … ). وكان الناس في حياته قد ابتلوا بالكلام معه للرد عليه"[9].
في نظر معاصري ابن تيمية يتقمّص ابن تيمية حجمه الطبيعي النسبي: "جاء في أواخر المائة السابعة رجل"، رجل "له اطلاع ولم يجد شيخا يهذبه". لَمّا ترفعه قداسة القِدَمِ وتقليد القاصرين إلى مراتب العلاء.
ومن معاصري شيخ الإسلام، من المحدثين الحنابلة الصوفيين، رجل من أكابر العلماء وأئمتهم لا ريب، أخذت منه شخصية الحافظ "الجسور" كل مأخذ، فاتخذه شيخا بكل ما في كلمة "شيخ" من فخامة وضخامة، وأحبه وأخلص له، ووَفّى، وخاض معه معارك، وبث في كتبه النفيسة ما أورثته صحبة شيخ الإسلام الكريم علينا من علوم ظاهرة، وأذواق باطنة لا تكون إلا عند خلّص الصوفية. ها هو يشيد بشيخه إشادة لاَ يتأتى لها النثر. فقال شعرا في نونيته المشهورة التي سجَّلت معركة حَاميةً في تاريخ الخلاف. إنه ابن القيم شيخ الإسلام الجليل. قال:
حتى أتـاح لِيَ الإلـه بفضـلـه من ليس تجـزيه يدي ولساني
فتى أتى من أرض حـران فيـا أهلا بمـن قـد جـاء من حـران
فالله يـجـزيـه الذي هو أهـله من جنـة المـأوى مع الرضـوان
أخذت يداه يَدي وسار فلم يَرِمْ حتى أرانـي مطلـع الإيمــان
ورأيت أعـلام المديـنـة حولـها نزل الهدى وعسـاكـر القـرآن
ورأيت آثارا عظيـمـا شـأنهـا محجـوبةً عـن زمـرة العميـان
ووردت كأس الماء أبيض صافيا حصـبـاؤه كـلآلئ التيـجــان
ورأيت أكـوابا هـنـاك كثـيـرة مثـل النجــوم لوارد ظـمــآن

وقلت جعلني الله وإياك من عساكر القرآن المجاهدين تحت أعلام النبوة لإقامة الخلافة الثانية آمين:
نَزلَ الـهُـدى ببشــائــر القُــرآن للمُستجيب لدعوةِ الإحســانِ
أمِر الوَرى بالعدل في أحكــامهم واستُنهِضـوا لِمـآدب الرحمــان
والعدْل في الأقسام نُطْعِمُ سَـاغباً نُرْوي لُغُــوبَ الواردِ الظَّـمْــآن




[1] طبقات الشافعية ج 1 ص 165.
[2] طبقات الشافعية ج 1 ص 188 - 189.
[3] مجلة "منار الإسلام" رمضان 1408 ص 103.
[4] كتاب "الرد على المنطقيّين" ص 511.
[5] ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" ص 184.
[6] رسائل ابن تيمية ج 1 ص 52.
[7] الرد على المنطقيين ص 437.
[8] الرسائل السبكية ص 85.
[9] نفس المصدر ص 195.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:41 PM
كن حلس بيتك
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب إني أعوذ بك أن أسْألك ما ليس لي به علم(. اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني. أنت الحي لا تموت. والجن والإنس يموتون.
قَال المعترض المحتار وقد أسر صدمة رؤية أولياء الله الملائكةَ وأرواحَ الأنبياء في نفسه: "إن كان للصوفية فيما مضى داع لاصطناع مصطلحات متخصصة كما فعل علماء الفنون الأخرى، فما بَالُ الصوفية، كانوا ولا يزالون، رَمزاً للخمول والهروب من الواقع والانكماش والدروشة؟ وإن زعمتَ أنك تريد تجاوز التصوف كمذهب ومدرسة وأسلوب تربية فهل يمكن شيء من ذلك إلا بنبذ المذاهب جملة، والإعراض عن كل شيء سوى الكتاب والسنة؟".
فأقول وبالله التوفيق : إن الله جلت عظمته يقول: ) لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيما .ً دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً( .(سورة النساء، الآيتان: 95–96)
أي شيء ألجم تلك الإراداتِ القوية والهمم العلية عن غشيان ساحَات الوغى، وعن مناصرة القرآن في وجه السلطان لما اختصم السلطان والقرآن؟ أولئك الذين كانوا يُرَقِّقون الدمعة ويُعَفّرونَ الخد على "باب الملك" لماذا لم يُرِيقوا دماءهم في سبيل الله كما أراقها أصحاب المجد السامق الصحابة الكرام؟ هل كان لهم من عذر؟ وهل ينفعهم العذر عند الله فيدركوا وهم في ركن الخلوة مراتب المجاهدين؟
عذرهم أوامِرُ نبوية صريحة. أطلع الله عز وجل نبيه الكريم على مستقبل الأمة، وجاء في الأحاديث الصحاح أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه بكل ما يحدث بعده إلى يوم القيامة. فأنساهم الله تعالى تفاصيل ما أخبر به، وأسدِلت سجُفُ الغيب، لتبقى لكل جيل مسؤولية الكسب والاختيار. وكان من النصوص التي لم ينسَها الصحابة وورَّثونا إياها أحاديث تأمر بالانعزال عن الفتنة، نسْرُدُ بعضها:
أخرج مسلم وأبو داود عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنها ستكون فتن. ألاَ ثُم تكون فتنة، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها. ألا فإذا نزلت، أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه". فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: "يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحَجَر، ثم لِينْجُ إن استطاع النَّجاءَ. اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟". قال: فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن أكرهْتُ حتى يُنْطَلَقَ بي إلى أحد الصفين، أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: "يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار". وأخرج أبو داود عن وابصة الأسدي أن ابن مسعود حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ستكون أيام الهَرْج (أي الفتنة والقتل) وأوصاه إن أدركه ذلك الزمان أن يكف لسانَه ويدَه، وأن يكون حِلْساً (حصيرا) من أحلاس بيته.
وأخرج البخاري عن سعيد بن جبير أن عبد الله بن عمر خرج عليهم يوما ليحدثهم، فسأله رجل عن الفتنة وعن قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) فقال ابن عمر: "وهل تدري ما الفتنة ثَكِلَتْكَ أمك؟ إنما كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنةً، وليس كقتالِكم على الملك". وأخرج الإمام أحمد أن ابْناً لِسعد بن أبي وقاص جاءه وقت الفتنة بين علي ومعاوية يريده على الخروج، فقال: "يا بُني! أفي الفتنة تأمرني أن أكون رَأسا؟ لا والله! حتى أعْطَى سيفاً إن ضربت به مؤمنا نَبا عنه (لم يجرحه) وإن ضربت به كافرا قتله". الحديث.
وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أو ابن عمرو قال: شبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه وقال: "كيف أنت يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حُثالة من الناس (أراذلهم)، قَدْ مَرِجَتْ (فسدت) عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا!" قال: فكيف أصنع يا رسول الله؟ قال: "تأخذ ما تعرف، وتدع ما تُنكر، وتُقبل على خاصتك، وتدعهم وعوامهم".
هكذا تأصل في الأمة منذ الفتنة الكبرى إِثْرَ الخلافة الراشدة مذهبُ الانعزال والإقبال على خاصة النفس، وترك الأتقياءُ الأخفياء الأبرياء الناس يتقاتلون على الملك. هكذا انسحب أهل الفضل من ساحة السلطان ليحافظوا في مدارس العلم ومجالس الحديث وخلاوي الذكر على لب الإسلام وجوهره وكلمته. ولئن جلس المفتون للعامة يفصلون القضايا، وجلس الفقهاء للتعليم العام، فإن الصوفية انصرفوا في عزلتهم إلى تربية الخاصة من المريدين يورثونهم تلك الأمانة التي تنزل في جذر قلوب الرجال كما قرأنا في حديث الشيخين. جاء حديث :" تنزل الأمانة في جذر قلوب الرجال « عند البخاري في " باب الأمانة «. والأمانة لازمة من لوازم الإيمان، لا تتساكنُ في جذر القلوب مع النفاق. فنفهم نزولها في القلوب نزولا للإيمان فيها واستقراراً.
وبقي العلماء أمناء على أمانة الإيمان والعلم، بمعزل عن العامة وعن السلطان كما أوصى بذلك هذا الحديث الشريف الذي أخرجه الحسن بن سفيان والقضاعي وابن عساكر عن أنس بإسناد حسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العلماء أمناء الرسل، مالم يخالطوا السلطان ويداخلوا الدنيا. فإذا خالطوا السلطان وداخلوا الدنيا فقد خانوا الرسل فاحذروهم".
ليس جنس علماء القصور جنسا محدود النسل في تاريخنا، لكن الأمة لم تثق في كل عصر إلا بالأتقياء الأخفياء الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "إن أغبط الناس عندي لمؤمن خَفيفُ الحاذِ (خفيف الظهر من تكاليف العيال)، ذو حظ من الصلاة، أحسنَ عبادةَ ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا، فصبر على ذلك. عُجّلت منيته، وقلت بواكيه". رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم بإسناد صحيح عن أبي أمامة.
هذا النموذج الغامض الخامل في الناس، المنصرفُ لخاصة نفسه، نموذج نازل عن درجة الأصحاب المجاهدين، ما في ذلك شك. لكن الفتنة التي عاشتها الأمة تقوم له مقام العذر. قال المفسرون في قوله تعالى : ) لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ( (سورة النساء، الآية: 95): الضرر: العُذر. وجاء عند البخاري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزاة فقال: "إن أقواما بالمدينة خَلْفَنا ما سلكنا شِعبا ولا وادياً إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر".
مَن حبسه العذر عن الجهاد حُسِبَ عند الله كمن حضر الجهاد، ولو بقي في خلوته غامضا خفيف الحاذ متجردا. ذلك إن كانت نفسه تحدثه بغزو وجهاد، وإلا مات على شعبة من نفاق كما جاء في الحديث: "من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق". أخرجه مسلم عن أبي هريرة.
فيما نستقبله بحول الله من أيَّام ازدهار الإسلام ارتفع عنا العذر فلا مكان بين الأخيار بعد للغامض الخامل. يكفي أولئك الأخفياء أمناء الرسل شرفاً في الدين أنهم حافظوا لنا على بذور الإيمان حتى أورثوناها رحمهم الله.
رَفَع عنا العذرَ وفَتَح لنا أبوابَ الجهاد والاجتهاد إخبارُ المصطفى أمين الوحي صلى الله عليه وسلم أنها ستكون خلافة ثانية راشدة ينهض بها إخوانه على منهاج النبوة والخلافة الأولى بعد أن يَنقضي زَمان الملك العضوض والجبري الذي قضى به الله في سنته الأزلية، ونزل به القدر بعد ثلاثين عاما من وفاة الرسول الكريم، وكسَبَت أيدي الناس وقُلوبهم ما كسبت من إثم في خوض فتنه، وسفك دمائه، وتأجيج ناره، واعتلاء كراسيه.
روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت".
سكن الصوفية الكرام في أرض الخمول، واستكانت الأمة للسيف زمانا. وكأننا بعد أن أفقنا على صيحات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وأصحابهم رحمهم الله أصحاب كهف يغطون في نوم عميق. وكأنّ الإسلام في هَبّته منذ قرن وفي صحوته منذ سنوات وافدٌ جديد طارئ وجد المكان تحتله ذهنية الخمول الموروثة، وتحتله اللاييكية التي كان الشيخ رشيد رضا رحمه الله يسميها "المقالة الإبليسية". المساجد في دار الإسلام مزدحمة، ومكة في موسم الحج والعمرة مكتظة بالمسلمين، لكن إسلام المسلمين بمثابة بناء فوقي مهزوز في الهواء. والقاعدة المتمكنة في الأرض، لا تزال، هي العض والجبر أعتى ما يكونان. ولطالما التمسَ ذَراري المسلمين المغربون من "صيدلية الغرب" حلولا لمشاكل الأمة في علب اللبرالية والاشتراكية والثورية، فخابوا ولم تقم لهم في الأرض قائمة دائمة.
فآن لنا أن نستمد من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة مادة الحياة كما استمد الصحابة. لكن قلوبنا خاوية من الإيمان، وهم رضي الله عنهم أوتوا بصحبة خَير الأنام الإيمان قبل القرآن. فماذا في صيدلية السادة الصوفية من علاج للقلوب؟ وهل نحتاج لهذا العلاج؟ وهل يمكن أن نقتبس منهم دون أن نتقيد بأسلوب الغموض والخفاء؟ وهل يمكن قبل كل شيءٍ أن نثق بتلك الصيدلية التي ثار حولها الجدل وأوسعها الناس تشهيرا وتكفيرا؟ ما في وُسْعنا أن نتخَفّف من الحاذ ومهمات إقامة الدولة الإسلامية أمامنا في عصر عَجَّاج ثَجّاج متَلاطم الأمواج. ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ( (سورة البقرة، الآية: 134).
فاتَ أوان التعَذّر والاستعذار، ودفعت الأمة ثمنا فادحا، ولا تزال تدفع، للسكوت عن الظلمة. وكان مراد الله عز وجل أن يتحمل كل جيل مسؤولية التقدير لما هو أوفق وأرفق. والرضى بما فات ومضى وانقضى جزء من عقيدة المؤمن. واكتمال الإيمان في حقنا أن نبذل الروح في طلب المنزلة الشامخة التي نوَّه بها قوله تعالى: ) لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ( (سورة النساء، الآية: 95).
نَسَائمُ القرب من الحبيب استروحها الأصفياء الأخفياء أهل الله الذاكرون لِلّه في خلواتهم قرونا. ونحن بعونه وفضله ومنته نستروحها تحت غبار النَّقْع وتحت ظلال الرايات الخفاقة للقومة الإسلامية بجهاد متعدد الجوانب ميادينُه تسمى "تحررا" و"تنمية" و"تصنيعا" وبناء للوحدة، وإتقانا للعلوم الكونية، وحملا للرسالة إلى العالمين.
قال عبد الله بن المبارك وكان رجلا مجاهدا لصديقه فضيل بن عياض:
يا عابـد الحرميـن لو أبْصـرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعـب
من كان يَخضِب خدَّه بدموعه فنحـورُنا بدمـائنـا تتخـضب
أو كان يُتعب خـيـله في باطل فخيـولنا يـوم الكريهة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبـيـرُنا رَهَجُ السّنابِكِ والغبارُ الأطيب
ولقد أتـانا عن مـقــال نبـينـا قول صحيح صـادق لا يكذب
لا يسـتوي غبارُ خيـل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتـاب الله ينـطـق بَيْنَنَـا ليس الشهيد بميِّت لا يكذِب

وقلت وقاني الله إياكم من القعود:
يا قاعــداً عنّــا بِليـنِ معيشــة كم ذا تسوف للنهــوضِ وتلعَبُ
كَبَدٌ حياتُكَ! لَو أتَيتَ رِكــابنا لوجدت أشبـال العــرينِ تأهَّـبُ
وَوَجَدْت عزما ماضيا ومـروءة ووجدت إيمانا يَجِـدُّ ويُكْسَـب

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:41 PM
الصحبة والجماعة
حب الله قطب رحى الدين
محبة رسول الله هي العروة الوثقى
الحب في الله والبغض في الله
سنة الله في التابع والمتبوع
شفاء السائل
الشيخ كإمام للصلاة
من أصحب يا رب؟
ولادة القلب
المحبة والأدب عماد الطريق وسمة الطائفة
قضية الشيخ والبيعة
شعب الإيمان

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:42 PM
حب الله قطب رحى الدين
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب أدخلي مُدْخَلَ صدق وأخرجني مُخرَجَ صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا(. رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكُر لِي ولا تمكُر علي، واهدني ويسر هُدَايَ، وانصرني على من بغى عليَّ،رب اجعلني لك شاكرا، لك ذاكرا، لك راهبا، لك مِطْواعاً، إليك مُجيبا مُنيبا تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبِّتْ حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسللْ سخيمة قلبي.
الطريق الصادقة الصاعدة التي إن استقام عليها العبد في إرادته وجه الله، لا تصْرِفُ إرادة الدنيا وجهَه، طريق تقرب إلى الله عز وجل وتوصل إليه. إنها طريق الولاية والسبق لدرجات القرب من الله عز وجل. وتتحقق الولاية للعبد. ويُحْرِزُ على السبق والقُربى حين تكلل جهوده في طاعة مولاه وحبه والوفاء له والسير إليه بحب المولى عبده ذلك الحب الخاص الذي تَشرئب إليه أعناق الرجال. روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذَنته بالحرب. وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه. وما ترددت عن شيء أنا فاعِلُه تردُّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مَساءَتَه".
هذا الحديث القدسي العظيم سندٌ قَوي لزيادة بيان ما أثبته القرآن وأثبتته السنة من أن الله جلت عظمته يحب من عباده خاصَّةً يُفْرِدُهم عن الناس هم أولياء الله. وحول هذا الحديث نَشِبَتْ بين طوائف العلماء خلافات وتأويلات. أفرده بعضهم بالتأليف لمزيد العناية به، كما فعل الشوكاني في كتاب "قطر الولي في حديث الولي"، وأنكره بعضهم مع ثبوته في أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى لَمّا ضاقت حُوَيْصِلَتُه عن قبول المعاني الجليلة التي يتضمّنها، كما فعل الذهبي حين زعم أنه: "حديث غريب جدا، ولولا هيبة الجامع الصحيح لعددته من منكرات خالد بن مخلد"[1]. وخالد بن مخلد راو من رجال إسناد الحديث، تجاوز القنطرة بتَزكية البخاري له، ويريد الذهبي غفر الله له أن يرده على أعقابه.
حديث جليل عظيم تفسر بعض معانيه فصول هذا الكتاب. نقف هنا على كون حب الله عبدَه ذلك الحب الخاص هو مطلب كل متقرب إلى الله، محب لله، مطيع لله، طامع في الله، مريد لله، فائز بالله.
وحب الله الخالق المنعم مغروزٌ في الفِطَرِ الكريمةِ المَعْدِنِ، تَطْمِرُه الطّوامر وتُبرزه من مكامنه صحبة من "ينهض بك حاله، ويدلك على الله مقاله". لا ينكر حب العبد لربه واستجابة المولى الودود بحبٍّ أكبر إلا جاحد مُعاند، أو مُعطل فاسد. "فكل ما فطرت القلوب على محبته من نعوت الكمال فالله هو المستحق له على الكمال. وكل ما في غيره من محبوب فهو منه سبحانه وتعالى. فهو المستحق لأن يُحب على الحقيقة والكمال. وإنكار محبة العبد لربه هو في الحقيقة إنكار لكونه إلها معبودا. كما أن إنكار محبته لعبده يستلزم إنكار مشيئته، وهو يستلزم إنكار كونه ربا خالقا. فصار إنكارها مستلزما لإنكار كونه رب العالمين، ولكونه إله العالمين. وهذا هو قول أهل التَّعطيل والجمود".
قال هذا شيخ الإسلام ابن تيمية الذي أورد حديث الولاية في بداية كتابه "الفرقان بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان"، ولم يتوقف فيه كما توقف الذهبي، بل بنى عليه واهْتَبَل به. والعجب لرجل من أهل الحديث مذهبُه إثبات الصفات وإمضاؤها كما جاءت، يتحول مُعطلا لِمَا يسمع من جلال ولاية الله لعبده المحبوب حتى لَيَكون سمعَه وبصرَه ويدَه ورجلَه! عجب! ثم عجب! ثم عجب لمن يحارب المؤوِّلين في الصفات عُمْرَه، ويذهب هو يؤول ويعطِّل في مثل هذا الخبر العظيم الذي بلَّغه من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. والحمد لله أن هنالك هيبة الجامع الصحيح تحول دون المحرفين ودون طمس معالم الطريق.
حب العبد ربَّه وحب الرب عبدَه هو قطب رحى الدين. وكلما كان العبد أشد إيمانا كان أشد حبا لله. قال الله تعالى: ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ ) . (سورة البقرة، الآية: 165) هذه المحبة بين العبد وربه، منك إليه ومنه إليك، هي: "عقد الإيمان الذي لا يدخل فيه الداخل إلا بها، ولا فلاح للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها(...). ولهذا كانت أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه، وأهل غضبه ونقمته فهذه المسألة هي قطب رحى الدين الذي عليه مدارُه. وإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق. وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله وأحواله وأقواله. ولا حول ولا قوة إلا بالله"[2].
والمؤمنون في حبهم لله مراتب، فالعامة يحبونه لما يغذوهم به من نعم ومِنَن، وخاصة أهل الله يحبونه عبودية وإخلاصا وشوقا. وكل هذه العواطف فروع لشجرة المحبة المغروزة في الفطرة الإنسانية، تبْرز من داني الفطرة وقاصيها إلى الوجود، فيقذف الله بها، وهي حق، على كل باطل مشكِّك مُعطِّل، فيدمغه فإذا هو زاهق. "أما بعد، فإن الله سبحانه غرس شجرة محبته ومعرفته وتوحيده في قلوب من اختارهم لربوبيته، واختصّهم بنعمته، وفضّلهم على سائر خليقته. فهي شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها"[3]. ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكل شيء عليم.
رابطة الحب بين العبد وربه مغناطيس يجذب، ويُقَرِّب، ويُبَلِّغ المقامات العليا. قال سلطان العلماء: "إن المحبوب أبدا يسلُب بلطافةِ خاصِّيةِ محبته، ويجذب أجزاءها إليه بقوة سلطانه عليه. كما أن المغناطيس تعلقت به أجزاءُ الحديد، وانجذب إليه بذاته، فهو يدور معه حيث دار، وينجذب إليه حيثما سار. فمِن أوصاف الحب الميلُ الدَّائم، بالقلب الهائم، ومخالفة اللائم. إن من أراد كشف هذا السر الخفيّ، والكشف الجليّ، فليتدبر قوله عليه السلام مخبرا عن ربه عز وجل: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا وفؤادا".
قال: "فهمنا من ذلك أن علاقة وصلة المحبة لما اتصلت بها لطافة وصْلة المحبوبية، واستمسك بعروة حتى أحبه، قَوي سلطان المحبوبية على سلطان المحبة فأفناه عن ذاته، ونَفاه عن صفاته، ثم أقام ببقائه عن فنائه، وخيم بصفاته عن فنائه. تبدلت الصفات بالصفات، وقام الوجود بالوجود، فجاءت خِلَعُ الجود على يد: "فَبي يسمع وبي يبصر"[4].
نؤجل الحديث عن علوم الأولياء وأذواقهم ومعارفهم مثل الفناء والبقاء والوجود بالوجود إلى سائر ما يعبر به كل معبر. ما يبلغ متكلم بلاغة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأمانته ودقته وصدقه. غاية اسْتِفادتنا من كلامهم رضي الله عنهم أن نستمع عسى تَبلُغُ نبرة من نبرات صدقهم مَغَابِنَ فطرتنا. قال الشيخ أحمد الرفاعي: "أيْ بُنَيَّ! اعلم أن حبيب القلوب سبحانه إذا أحب عبدا أطْلع سره على جلال قدرته، وحرك قلبه بمراوح ذكر مِنّته، وسقاه شَربةً من كأس محبته، حتى يُسكره به عن غيره. وجعله من أهل أنسه وقربه وصحبته، حتى لا يصبر عن ذكر ربه. ولا يختار أحدا عليه، ولا يُشغل بشيء دون أمره"[5].
سُقي القوم من قبلنا رضي الله عنهم شراب المحبة بكاسات دهاقٍ في خلوات المجاهدة والرياضة والتفرغ الدائم لذكر الله. ومطلب المجاهدين المشتاقين إلى ربهم في مستقبل القومة لله، والتحزب لله، وإقامة الخلافة على منهاج رسول الله، ينبغي أن يكون عند مقام من وصفهم الله عز وجل في كتابه العزيز حيث قال: )فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( (سورة المائدة، الآية: 54) .
هنيئا لأحباب الله أولياء الله رحيقَ المحبة سُقوه قروناً طويلة في ظلال الخلوات، وأهنأُ منه ما سُقِيَه الصحابة تحت ظلال السيوف، وما يوعد به "الإخوان" بعد الصحابة تحت ظلال البنادق وأزيز الصواريخ وعجيج دواليب الدولة الإسلامية، تعْمر الأرض، وتنشر لواء العزة بالله، وتبلغ للعالمين رسالة الله.
ادعاء حب الله دون إعطاء براهين الصدق العمليَّة كذب وأمانٍ وأحلام. لستَ هناك حتى يَنقلعَ من قلبك حبُّ ما سوى الله من دنيا مُوثَرة وهوى مُتبع وأنانية طاغية! لستَ هناك حتى يرى اللهُ ورسولُه والمؤمنون عملَك عند الأمر والنهي! قال الغزالي: "لا ينبغي أن يَغْتَرّ الإنسان بتلبيس الشيطان وخِدَعِ النفس مهما ادعت محبة الله تعالى ما لم يمتحنها بالعلامات، وما لم يُطالبها بالبراهين والأدلة. والمحبة شجرة طيبة أصلها ثابت، وفرعها في السماء، وثمارُها تظهر في القلب واللسان والجوارح".
وذكر رحمه الله سبعة أدلة على ثبوت محبة الله في قلب العبد، منها "حب لقاء الحبيب بطريق الكشف والمشاهدة"، و"أن يكون مُؤْثرا ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه"، و"أن يكون مستهترا بذكر الله". و"أن يكون أنسُه بالخلوة ومناجاته لله تعالى وتلاوة كتابه"، و"أن لا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله عز وجل"، و"أن يتنعم بالطاعة، ولا يستثقلها"، و"أن يكون مُشْفِقاً على جميع عباد الله، رحيما بهم، شديدا على جميع أعداء الله"[6].
من الناس من يَزعم أن السلوك إلى الله عن طريق الحب أمر إرادي يتحقق بدون اعتبار الأمر والنهي الوارد بهما الشرع. ويتحدثون عن المحبة والدنو والقرب والعشق والهُيام وسائر هذه المصطلحات، ثم تجدهم عند الأمر والنهي مُتلَكّئين مُتهاوِنِين. هؤلاء عابثون مستهزئون، "لم يحققوا شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله. فإن تحقيق الشهادة بالتوحيد يقتضي أن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله وأن يحبَّ ما يحبه الله، ويبغض ما أبغضه، ويأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه. وأنك لا ترجو إلا الله، ولا تخاف إلا الله، ولا تسأل إلا الله وهذا ملة إبراهيم. وهذا الإسلام الذي بعث الله به جميع المرسلين"[7].
محبة الله عز وجل الصادقة بِبَراهينِها، المُوَفِّية لشروطها من جانب العبد، الفائضة من العزيز الحميد نُزُلا مُباركاً، جنة في الدنيا معجَّلة لأحباب الله. قال ابن القيم: "سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة"[8].
وقال المحب:
إن المحـب نهـارُه مستوحـش بين العبـاد يسيــر كالمتفـرِّد
فالعـيـن منه قـريـرة بحبيبـه يرجـو لقـاء الواحـد المتـوحِّـد
يا حُسْنَ موكبهم إذا ما أقبلـوا نحو الإلـه مع النـبي محمـد!

وقال آخر:
أمـوت وما مـاتت إليك صبـابـتي لا قُضيَـت من صـدق حبك أوْطـاري
مُناي،المنى كل المنـى، أنت لي مُنىً أنت الغنى،كل الغنى،عنـد إِقتـاري
وأنت مَـدى سُـؤْلي وغـاية رغبـتـي مـوضع آمـالي ومكـنــون إضْمـاري
تَحـمَّـلَ قلبـي فيـك ما لا أبُـثــه إن طال سُقْمي فيك أو طال إضـراري
وبين ضلـوعي منـك ما لك قَـدْ بـدا ولم يَبْــدُ بـاديه لأهـل ولا جَــار
وبي منـك في الأحشـاء داء مُخـامِـرٌ فقد هَدَّ مني الركنَ وانبث إسـراري
ألستَ دليل الركب إن هم تحيـروا؟ ومنْقـذَ من أشفـى على جُـرُفٍ هـار؟
أنَـرْتَ الهـدى للمـهتـدين ولم يكـن من النـور في أيديـهم عُشْـرُ معشــار
فَنِلْـني بعفـو مـنك أحْـيـى بقـربه أغثني بيُسْـر مـنك يطـرد إعسـاري

وقال المحب الذاكر ذو البصيرة:
ذكـرك لي مـؤنـس يعـارضني يُوعدني عنك منك بالظَّفَـر
فكيف أنساك يا مَدَى هِمَمي وأنت مـني بموضع النظـر؟

وقال الإمام الشافعي يخاطب الدعِيَّ الكاذب:
تعصي الإله وأنت تظهـر حبه هذا محـال في القيـاس بديـع
لو كـان حبـك صـادقا لأطعتـه إن المحب لمـن يحب مطيـع
في كـل يـوم يبـتـديـك بنعـمـة منه وأنت لشكـر ذاك مطيـع

وقلت وأنا العبد العاصي عفا الله عني:
تعصيه ويْحك زاعما بوقاحـة حبَّ المهيمـن إن ذا لفظـيــعُ
أبدعت في شرع الوداد وخنْتَه إن الـمُحبَّ لمن يُحب مُطـيــعُ
ما أنت مِن رِقّ الهوى مُتحـرِّرٌ ولأنت في وَحَل الفُتون صريـعُُ




[1] ميزان الاعتدال في نقد الرجال ج 1 ص 641 لخالد بن مخلد القطواني.
ابن القيم في "طريق الهجرتين" ص 415.
نفس المصدر ص 4.
[4] بين الشريعة والحقيقة ص 14.
[5] حالة أهل الحقيقة مع الله ص 226.
[6] الإحياء ج 4 ص 282.
ابن تيمية في الفتاوي ج 8 ص 337.
[8] الوابل الصيب ص 44.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:42 PM
محبة رسول الله هي العروة الوثقى
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيّا(. اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.
صلى الله على من قرنَ محبته واستحقاق المزيد من المحبة والمغفرة باتباعه حيث قال: )قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ( (سورة آل عمران، الآيتان: 31-32). اللهم صل وسلم تسليما كثيرا على محمد وآله وصحبه الذي جعلت طاعته من طاعتك، ومعصيته والتولي عنه كفرا، وبيعته من بيعتك، ومحبته من محبتك، عبدك ونبيك ورسولك ومصطفاك من خلقك، العروة الوثقى وثوق كتابك الذي أنزلت، الحبل الممدود بينك وبين أحبابك وأصفيائك وأوليائك، سندا متصلا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي". ورواه أيضا الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
لا فاصل بين حب الله وحب رسول الله وحب أهل بيت رسول الله، وإن تنوعت النعمة. وأعظم نعم الله علينا الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم. اللهم لك الحمد على ما تغذونا به من نعمك، ولك الحمد على نعمتك العظمى محمد حبيبك.
ولا حدود للتفاني في محبة الشخص الكريم على الله حتى يكون أحب إلينا من الناس أجمعين ومن أنفسنا. روى البخاري عن عبد الله بن هشام قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب. فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحبُّ إلي من كل شيء إلا نفسي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا والذي نفسي بيده، حتى أكونَ أحبَّ إليك من نفسك!" فقال عمر: فإنه الآن والله لأنْتَ أحبُّ إلي من نفسي! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "الآن يا عمر!".
مَلَكَ والله ناصيةَ التوفيق من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وذاق حلاوة الإيمان، وأشرف على مشارف الإحسان، ودحض مزاعم الشيطان الذي يزعم أن التفاني في حب الذات المحمدية غلو. يا شيطان، هذه أنوار حبه الشريف المنيف فهل من محيص!
كان عند الصحابة رضي الله عنهم من المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغ بهم أن يفتدوه بالمهج، ومن التعظيم والهيبة لذلك الجناب ما يُخرس الألسن ويغض الأبصار ويُطوِّق الأنفس بِحَرَس من جلاله صلى الله عليه وسلم وجماله. إنه رسول الله! وكفى.
وكان عند التابعين والسلف الصالحين من محبته وتعظيمه مثلُ ما كان عند الصحابة. ذكر القاضي عياض رحمه الله في "الشفاء" أن مَالكاً رحمه الله سئل عن أيوب السختياني فقال: "ما حدثتكم عن أحدٍ إلا وأيوب أفضل منه. قال: وحج حجتين، فكنت أرمُقه فلا أسمع منه غير أنه إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه.
قال عياض: "وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعُب ذلك على جلسائه. فقيل له يوما في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيتُ لما أنكرتم عليَّ ما ترون: لقد كنت أرى محمد بن المنكدر، وكان سيد القراء، لا نكاد نَسأله عن حديث أبدا إلا بكى حتى نرحمه. ولقد كنت أرى جعفر بن محمد (وهو الإمام جعفر الصادق من آل البيت)، وكان كثير الدُّعَابَة والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر لونه وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهَارة. ولقد اختلفتُ إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إمّا مصليا، وإما صامتا، وإما يقرأ القرآن. ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعُباد الذين يخشون الله.
قال مالك: "ولقد كان عبد الرحمان بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيُنظَر إلى لونه كأنه نَزَفَ منه الدم، وقد جفَّ لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير، فإذا ذُكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع. ولقد رأيت الزُّهري، وكان لَمِنْ أهْنَإ الناس وأقربِهم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفَك ولا عرفته. ولقد كنت آتي صفوان بن سُلَيم، وكان من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه".
هذه بعض الصور لأهل الإيمان الأولين. ومن أصدق المعايير على تردّي إيماننا ذبول زهرة الحب الإلهي النبوي في قلوبنا. حالت أكداس الكتب والتفاريع بيننا وبين المعين الفياض، حالت بيننا وبين الوراثة القلبية لأولئك الرجال انقطاعات الفتنة. واحتفظ الصوفية رضي الله عنهم بالتعلق الشديد بجناب النبوة. قال الناطق بلسان الصفوة المحبين شيخ الإسلام ابن القيم نضر الله وجهه: "فهذا العلم (يعني علم القلوب، علم الأولياء) الصافي المتلقّى من مشكاة الوحي والنبوة يُهذب صاحبَه لسلوك طريق العبودية. وحقيقتها التأدب بآداب رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا، وتحكيمُه باطنا وظاهرا، والوقوفُ معه حيث وقف بك، والمسيرُ معه حيث سار بك، بحيث تجعله بمنزلة شيخك الذي قد ألقيت إليه أمرك كلَّه سرَّه وظاهره(...) وتعلق قلبك بقلبه الكريم، وروحانيتك بروحانيته، كما يُعَلِّق المريد روحانيته بروحانية شيخه"[1].
لكن أنى لك بذلك التعلق بالقلب الأسمى والجناب الأحمى ونفسك في الحضيض، عديمُ الإرادة، ساقط الهمة! عليك بمحبة العوام واسأل ربك أن يقيض لك روحانية عارف تطير بك همتها بأجنحة المحبة إلى رحاب الوحي والنبوة.
إن تَوَلِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصلاة عليه الدائمة، وحب آل البيت المطهرين، وتولي صحابته، لَمِمَّا يقرب المسافات للمريد الطالب. واختلف العلماء فيمن هم أهل بيته الذين جاءت في محبتهم وموالاتهم أحاديث صحيحة تذكرنا الله وتناشدنا الله فيهم وفي القرآن. فمن قائل إنهم الآل الذين تحرم عليهم الصدقة من بني هاشم. ومن قائل إنهم ذريته وأزواجه. ومن قائل إنهم أمته عامة. ومن قائل إنهم أتقياء أمته خاصة. وحديث الترمذي يخصص عليا وفاطمة والسبطين الكريمين الحسن والحسين. وعند مسلم أن زيد بن أرقم رضي الله عنه عرَّف أهل البيت بأنهم: "من حُرم الصدقة بعده، وهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس".
والموفّق من يوالي الله ورسوله والأهل الخاصين والعامين، محبة متصلة ممتدة تربطه برباط المودة والرحمة بمن أحبهم الله وأمر بمحبتهم.
كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فردا متفردا في التوقف في قضية التوسل والتبرك. كان همه أن يُنزِّه جناب الألوهية عن الشرك، وأن يبرز مكانة الوحي والنبوة ويرفعها عن تقديس المشايخ. هو عندنا من عدول الأمة الذين حاولوا مجتهدين في طاعة الله أن يدفعوا عن الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. لكنه قال في التوسل والزيارة للقبر الكريم مقالا شَاذّاً رده عليه جمهور العلماء. ما أحسن عفا الله عنه الحفاظَ على حبل المحبة الواصل بين الله والناس عبر الشخص الكريم صلى الله عليه وسلم.
إنه يتحدث عن الرسول صلى الله عليه وسلم كما يتحدث عن الأموات. ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي تعرض عليه أعمالنا ويدعو لنا. فارقنا جسدُه الشريف، فهو في القبر ثاوٍ لا يعتدى عليه التراب، والروح رَفرافة حاضرة يملأ نورها الخافقين. روى ابن خزيمة وصححه وابن حبان في صحيحه والحاكم وغيرهم حديث حياة النبي صلى الله عليه وسلم. ورواية ابن ماجه لهذا الحديث عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود، تشهده الملائكة، وإن أحدا لا يصلي علي إلا عُرِضَتْ علي صلاته حتى يفرُغ منها". قال: قلت: وبعد الموت؟ قال: "وبعد الموت، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". وأخرج البزار بسند صحيح عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حياتي خير لكم تُحدثون ويَحْدُث لكم. ووفاتي خير لكم، تُعرض علي أعمالكم فما رأيتُ من خير حمدت الله، وما رأيتُ من شر استغفرت الله لكم".
كرِهَ الإمام مالك رحمه الله أن يقال: "زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم"، لأن كلمة قبر تتنافى مع إجلال من هو عند الله أجل وأعظم قدرا من الشهداء الأحياء عند ربهم يرزقون فرحين، يكفر من رد إخبارَ الله عنهم بذلك وقال إنهم أموات.
قال الحافظ: "ألْزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحال إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكَرْنا صورة ذلك. وفي شرح ذلك من الطرفين طولٌ. وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية(...). الزيارة من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال. وإن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع والله الهادي إلى الصواب"[2].
وأجمع الفقهاء المالكية وكثير من علماء المذاهب على استحباب التوسل بالمصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وأنكر ذلك وينكره التيميون غفر الله لهم. بل ينكرون على من يذكر لفظ السيادة تمشيا مع مسألة بَشعة شذّ فيها رجل شذوذاً لم يسبقه إليه أحد كما قال الإمام التقي السبكي.
وقد جاء في مسألة التوسل حديث الضرير الذي رواه الترمذي وابن ماجه والنسائي في عمل اليوم والليلة وغيرهم بسند صحيح أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: "إن شئت دعوتُ وإن شئت صبرتَ فهو خير لك". قال: فادعُهْ! قال: فأمره أن يتوضأ فيُحسن الوضوء ويدعوَ بهذا الدعاء: "اللهم إنيِ أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة. يا محمد! إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتُقضى. اللهم فشفعه في".
المعركة طويلة، وهناك ذرائع يجب أن تسد لكيلا تُعبَد القبور. والأرواح النائرة تهفو لجناب الروضة الشريفة ولَوْ رَغِمَ أنْفُ الشاذّين. قال التلميذ الوفيُّ لابن تيمية المتشدد، تسمع آهات الأسى من بين الكلمات: "وأهل السنة أولياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وورثته وأحباؤه الذين هو عندهم أولى بهم من أنفسهم، وأحبُّ إليهم منها، يجدون نفوسهم أقرب إليه وهم في الأقطار النائية عنه من جيران حجرته في المدينة. والمحبون المشتاقون للكعبة والبيت الحرام يجدون قلوبهم وأرواحهم أقرب إليها من جيرانها ومَنْ حولها"[3].
ويقول مستهام آخر: "وأرواح الكُمل إذا فارقت أجسادَها صارت كالموج المكفوف(...). ولكن النفوس التي هي دونها تلتصق بها بالهمة فتجلب منها نورا وهيأةً مناسبة للأرواح. وهي المكنى عنه بقوله عليه السلام: "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام". وقد شاهدتُ ذلك ما لا أحصي في مجاورتي المدينة سنة ألف ومائة وأربع وأربعين"[4].
ولله دَر الدكتور سعيد رمضان البوطي الذي جاء المسألة من باب رفيع. ذكر السببية التي جعلها الله في الكون، وذكر أن الله أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين في قوله: )وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ( (سورة الأنبياء، الآية: 107). ثم قال: "وإذا كان (أي قانون السببية) بالنسبة للدواء والطبيب والأمطار، لا ضير فيه ولا حرج، فلأنْ يكون أيُّ ضير في ذلك بالنسبة للأنبياء كالتوسل والتبرك بهم أولى وأجدر(...). وقد امتلأ الصحابة كلهم شعورا بهذا المعنى، فلم يألوا جهدا في التوسل والتبرك بآثاره وفَضلاته(...). وقد ثبت ذلك بأحاديث ثابتة صحيحة لا يرقى إليها الظن أو الوهم(...). إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تأثير له في شيء ما، لا في حياته ولا بعد موته. ومن اعتقد خلاف ذلك فهو كافر بالله ورسوله. أما مناطُ التوسّل والتبرك به فهو مُجرد تكريم من الله عز وجل له، وجَعْلُه وسيلةَ رحمةٍ للعباد. وهذا التكريم والتشريف لا ينفك شيء منه عن النبي صلى الله عليه وسلم بوفاته. بل إنه ليزداد -كما نعلم- علوا وشرفا"[5].
قال الشيخ الإمام عبد القادر الجيلاني في كتاب "الغنية": "فإذا من الله تعالى بالعافية (على الحاج) وقدِمَ المدينة، فالمستحب له أن يأتي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فليقلْ: (...)اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك: ) وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً( (سورة النساء، الآية: 64). وإني أتيت نبيك تائبا من ذنوبي مستغفرا. فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حال حياته، فأقرَّ عنده بذنوبه، فدَعَا له نبيُّه، فغفرت له. اللهم إني أتوجه إليك بنبيك عليه سلامك نبيِّ الرحمة. يا رسول الله! إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي"[6].
في أية خانة يضع الشاذون كلام الشيخ عبد القادر قدس الله سره، أهي استغاثة وتوسل بدْعِيَّان؟ كلا والله بل هي السنة الخالصة.
والإمام النووي رضي الله عنه قمة شامخة في الحديث والمعـرفة بالله يوصي في الباب السادس من كتابه "إيضاح المناسك" بزيارة قبر سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بآداب بالغة في احترام الحضرة الشريفة وبمخاطبات وتسليمات عليه وعلى صاحبيه وضجيعيه لا تليق بمن يزور قبرا جامدا وأمواتا فائتين، بل هي مخاطبات لأفضل الأحياء من وراء حجاب الموت والنقلة عن هذه الدار الفانية.
قضية الشيخ أحمد الرفاعي في زيارته لقبر جده صلى الله عليه وسلم معروفة لا حاجة للتطويل فيها. وقد ألف السيوطي كتاب "الشرف المحتم" ليشرح للمعارضين معنى نوبة الأشباح والأرواح، وقال: "أول ما أقول أن حياة النبي صلى الله عليه وسلم هو وسائر الأنبياء معلومة عندنا قطعا لما قام عندنا من الأدلة بذلك. وقام بذلك البرهان وصحت الروايات وتواترت الأخبار".
ولأئمة المسلمين العظام هُيام لا ينتهي بالجناب الشريف وبالذرية والآل. غلا في تلك المحبة قوم لم تتسع صدورهم لحب الصحب الكرام بعد الفتنة الكبرى، فرفضوا الخلفاء الراشدين، يالخَيبتهم وحِرمانهم ! وحفظ الأئمة العظام الميزان.
قال الإمام الشافعي:
آل النـبـي ذريعـتــي وهـم إليـه وسـيلـتـي
أرْجـو بهم أُعْطَـى غـدا بيدي اليمين صحيفتـي

وقال:
إذا في مجلـس نذكُـرْ عليّـاً وسبطيـه وفـاطمة الزكيـه
يقال: تجاوزوا يا قـوم هذا فهـذا من حديث الرافضيـه
بَرئْتُ إلى المهيمن من أناس يرون الرفض حب الفاطميّه

وقال:
إذا نحـن فضّـلـنـا عليــا فـإنـنــا روافض بالتفضيل عند ذوي الجهـل
وفضــل أبى بكــر إذا ما ذكـرتـه رُميـت بنَصب عنـد ذكـريَ للفضـل
فـلازلت ذا رفـض ونصـبٍ كـلاهمـا بحبِّيهـمـا حتّـى أُوَسَّـدَ في الرمـل

وقال:
يا آل بيت رسـول اللـه حبكـم فـرض من الله في القـرآن أنـزله
يكفيكم من عظيـم الفخـر أنكـم من لم يصل عليكم لا صـلاة له

وقلت:
آل النبـي بحـبــكــــم قد طاب عَـرْفُ ســريرتي
أنتــم سُــلالــة أحمــدٍ هــادي الأنــام ذخـيرتــي
أرجـو شفــاعته غــدا لكـبــيرتـي وصـغــيرتـي




[1] مدارج السالكين ج 3 ص 143.
[2] فتح الباري ج 3 ص 66.
[3] ابن القيم في "مدارج السالكين" ج 2 ص 266.
[4] ولي الله الدهلوي في "حجة الله البالغة" ج 2 ص 77.
[5] كبرى اليقينيات الكونية ص 239.
[6] أنقل هذا النص عن الشيخ النبهاني في كتاب "شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق" ص 75.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:43 PM
الحب في الله والبغض في الله
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي(. اللهم غفر لنا ذنوبنا وظلمنا وهزلنا وجدنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
الحُبُّ لله والحب في الله، رزق يرْزقه الله من يشاء، لا يفيد في ذلك تفعل العبد إلا أن يدعوَ ربه. عن عبد الله بن يزيد الخطيمي الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: "اللهم ارزقني حبك، وحب من ينفعني حبه عندك. اللهم ما رزقتني مما أحبُّ فاجعله قوة لي فيما تحب. وما زَوَيْتَ عني مما أحِبُّ فاجعله فراغا لي فيما تُحب". رواه الترمذي وحسنه.
وأعظم الرزق بعد حب الله حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. حبه الشريف مقام يرفع الله إليه العبد المختار. وهو حب عميق في قلوب الرجال يستفيض منه العامة هذه المحبة للجناب النبوي التي يعبرون عنها بالمحافل والمواليد، وهي مناسبات خير لا شك ما تُجُنِّبَتِ البدع.
حبه الشريف صلى الله عليه وسلم علامة على صدق المريد وجه الله في طلبه، وعَلَمٌ من أعلام النصر على طريق السلوك إلى الله. قال ابن القيم رحمه الله: "فإذا صدق في ذلك (أي في جمع إرادته على الله) رُزِق محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستولت روحانيته على قلبه، فجعله إمامه ومعلمه، وأستاذه وشيخه وقُدوته، كما جعله الله نبيَّه ورسوله وهاديا إليه. فيطالع سيرته ومبَادئ أمره، وكيفية نزول الوحي عليه، ويعرف صفاتِه وأخلاقَه في حركاته وسكونه، ويقظته ومنامه، وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه، حتى يصير كأنه معه، من بعض أصحابه."[1]. قلت: والشغف بسيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم وبتفاصيل حياته لازمة من لوازم اتباعه في جليل الأمر وهينه، أصدق علامات أهل الله شغفهم بتقليد المحبوب في سنته الكاملة.
ألقى الله عز وجل في قلوب العارفين والمؤمنين حبه كما يلقي على أحبابه، خصه من ذلك بالنصيب الأوفر. زاده الله تعظيما وشرفا. قال الله لموسى عليه السلام يَمُن عليه: ) وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي( (سورة طه، الآية: 39). ويُلقي الله من هذه المحبة على من يشاء من عباده ممن هم دون مقام النبوة. روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة (واللفظ هنا لمسلم فروايته أكمل) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه. قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القَبول في الأرض. وإذا أبْغض عبدا دعا جبريل عليه السلام، فيقول: إنِّي أبغض فلانا فأبغضه. قال: فيُبغضه جبريل. ثم ينادي في أهل السماء إن الله يُبغض فلانا فأبغضوه. ثم توضع له البغضاء في الأرض".
يا غافل! ونفسيَ الأمارةَ بالسوء أعني، إن منادي السماء يهتف باسمك! فأي فلانين أنت؟ وما اسمك في الملكوت؟ وبِمَ تَنَزَّل الأمر في حقك؟ أيسوغ لك طعام وشراب قبل أن تعرف؟ أتحلو الدنيا في عينك قبل أن تستشف ما وراء الحجب بالاستماع والتسمُّع والذكر والابتهال والتضرع والتقرب حتى تأتيك البشرى؟ اللهم ارزقنا محبتك ومحبة أحبابك ومحبة محابك حتى يقع حبنا في مواضع حبك.
الجنة ممنوعة علينا ما لم نتحابَّ في الله، وهو تحاب يلقيه الله على هذه الأمة المرحومة، على المؤمنين المتقين، يتذوقونه وتحلو الحياة به وهي مرة. "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد! إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" كما روى ذلك الشيخان عن النعمان بن بشير مرفوعا. وروى مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تومنوا، ولا تومنوا حتى تحابوا. أوَلاَ أدلكم على شيء إن فعلتموه تحابَبْتم؟ أفشوا السلام بينكم". إفشاء السلام سبب ظاهر إذا اقترن بالأسباب الأخرى فاجتمعت القلوب على طاعة الله، والوفاء بالعهود، والتحزب لله، ونصرة دين الله، واتباع سنة رسول الله حصل المقصود، فتراص الصف كالبنيان، واستقرت أعضاء الجسد الواحد، وتضامنت وتعاونت. فثبت خير الدنيا بحياة الإيمان الجماعي وثبت خير الآخرة بإيمان التحاب في الله. وهنا نضع الأصبع على مفصل، بل موصل، من أهم مواصل بناء الجماعة، بل هو أهمها إطلاقا: ألا وهو التواصل القلبي. الصحبة في الله المؤدية إلى جماعة في الله هي مبدأ الحركة ووسطها ومعادُها. وكل ذلك رزق يُلقيه الله عز وجل على المرحومين، له علائم ظاهرة، وأسباب مشروعة، وحكمة ورحمة يضعها الله في قلوب العباد.
ومن رُزق في الدنيا من المؤمنين تحابا خاصا عميقا كان له في الآخرة مكانة خاصة. يقول الله تعالى يوم القيامة: "أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظِلُّهم تحت ظلِّي يوم لا ظل إلا ظلِّي". أخرجه مسلم ومالك في الموطإ عن أبي هريرة مرفوعا. ومن أحب قوما حشر معهم. فانظر يا غافل من يسكن في فؤادك حبّه. روى الشيخان وغيرهما عن أنس أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: "متى الساعة؟ قال: "وما أعددت لها؟" قال: لاشيء، إلا أني أحب الله ورسوله. قال: "أنت مع من أحببت". قال أنس: فما فرحنا بشيء فرَحَنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت مع من أحببت". قال أنس: فأنا أحب النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم".
ونحن يا مُولِي النعَمِ ومُفيض الكرم نحمدك على حبنا إياهم ونَفْرح، زدنا حبا لك ولرسولك ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، واهد إخواننا الشيعة لتوسيع ما ضيقوه على أنفسهم حِرمانا وتعنُّتا.
يا غافل! هذا عمرك يتصرَّم! فماذا أسست من صداقات، وماذا بنيت لآخرتك من معارف، وما شَغَفَ قلبك من أحباب؟ أنت مع أولئك يوم القيامة، وأنت من ذلك الصنف أيا كان. "فالأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" كما روى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة مرفوعا.
اهرُب من قرناء الغفلة، وارْتَمِ في أحضان قوم صالحين، وابك على ربك ليرزقك محبتهم، عسى أن تنجوَ من وَرطة الانحشار في زمرة الهالكين. فإن حب الصالحين يُثمر حب الله، وحب الله يثمر حب الصالحين قال الغزالي: "إن حب الله إذا قوي أثمر حب كلِّ من يقوم بحق عبادة الله في علم أو عمل، وأثمر حب كل من فيه صفة مرْضية عند الله من خُلُق حسن أو تأدب بآداب الشرع"[2].
واعلم أن "أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" كما روى الطبراني عن عبد الله بن عباس مرفوعا. واعلم أن "أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله" كما أخرج أبو داود عن عمر بن الخطاب مرفوعا. وبهذا الاعتبار يكون حب المؤمنين وبُغض الأعداء في الله عملا بوسعك أن تكسبه وتَتَسبَّب في حصوله. فما لأحد عند الله عُذر أن يقول: ما رزقت شيئا! ويهرب في دهاليز العقيدة الجبرية والعياذ بالله.
ولكون الحب في الله كسبًا للعباد بوجه من الوجوه، جاء الحث عليه في الكتاب والسنة، واستُحِب للرجل إذا أحب أخاه أن يخبره ليكون ذلك مدعاة لمزيد من التعاطف والتواد، واستُحِب أيضا أن يقتصد بَعضنا في حب بعض لكيلا تحجبنا ألفة بعضنا بعضا عن حب الله ورسوله. يكون حب الله في صميم صميم قلوبنا، ويغشى حبُّ رسول الله تلك الشِّغاف، وتَستَظْهر النفوس حبَّ بعضنا بعضا مما يلي القلب، ومما يلي جانب المواساة والتعاون الفعلي، والبذل والعطاء، والخدمة والرعاية، والتعاون على البر والتقوى، والتواصل والتزاور والتجالس والتراص في صف الجهاد، والانتداب للمشاركة في أعمال البناء الجماعي تربية وتنظيما وزحفا، وحملا لأعباء الدعوة والدولة، وتبليغا لرسالة الرحمة والمحبة للعالمين.
لا تحسب أن الحب في الله المقبول عند الله، الذي يتقرب به إلى الله استراحة وتبادُل وُدّي للعواطف في مجالس الرخاوة والبطالة، بل لِلْحُبِّ في الله مُقتضيات وواجبات أدناها إماطة الأذى عن طريق من تحبهم في الله، وأعلاها مواجهة المُبْغَضين في الله في صف الأحباب في الله حتى الاستشهاد. ولكل مرتبة من مراتب العاصين لله، والجاهلين بالله، والمُحادّين لله، والضالّين عن سبيل الله، المستكبرين في أرض الله، نوعٌ ودرجة من إبغاضك، ونوع ودرجة من مقاومتك ومحاربتك. وما سَواءٌ ما يطلبه منك الشرع والحكمة في حق المبتدعين الجهلة، والعاتين الظلمة، والكافرين العادين على الناس. للحب في الله والبغض في الله ميزان في القلوب خفي، لكنَّ لهما في ظاهر تصرُّفِ الفردِ والجماعة معاييرَ شرعيَّة وحدوداً، لكيلا تستحيل المسألة إلى عاطفية عائمة فوضوية.
في صميم صميم قلب المؤمن الموفق يستقِرُّ حب الله ورسوله، ويخرُج حب الدنيا وأهلِها إلى مراتبهم التي وضعهم فيها الشرع، ليُعْطِيَ المؤمن كلّ ذي حق حقَّه، وهو دائما لله لا لغيره. من علامات محبتك لله ظهورُ تلك المحبة في تصرفك. قال الإمام الشيخ عبد القادر قدّسَ الله سره العزيز: "ويحَك قد ادعيت محبة الله عز وجل ! أما علمت أن لها شرائط؟ من شرائط محبته موافقتُه فيك وفي غيرك. ومن شرائطها أن لا تسكن إلى غيره، وأن تستأنس به، ولا تستوحش معه. إذا سكن حب الله قلب عبد أنِسَ به، وأبغض كل ما يشغل عنه."[3]. وقال: "المحب لا يملك شَيئا. يسلم الكل لمحبوبه. محبةٌ وتملُّكٌ لا يجتمعان، المحب للحق عز وجل، الصادق في محبته، يسلم إليه نفسه وماله وعاقبته، ويترك اختياره فيه وفي غيره. لا تتهمه في تصرفه! لا تستعجله! لا تُبَخِّلْه! يحلو عنده كل ما يصدر إليك منه. تَنْسدّ جهاتُه. لا تبقى له إلا جهة واحدة"[4].
يا غافل! إذا أنستَ من نفسك عُزوفاً عن الدنيا وأهلها أو بداية اشمئزاز من رذائلها فذاك، واحمد الله. وإلا فابحث عن من يخرجك من ورطتك. "أنت ميت القلب وصحبتك أيضا لموتى القلب. عليك بالأحياء النجباء البُدلاءِ. أنت قبر تأتي قبراً مثلك! ميت تأتي ميتا مثلك! أنت زَمِنٌ يقودُك زَمِنٌ[5]. أعمى يقودك أعمى مثلك! اصحب المؤمنين الموقنين الصالحين. واصبر على كلامهم واقبله واعمل به وقد أفلحت. اسمع قول الشيوخ واعمل به واحترمهم إن أردت الفلاح"[6].
إن لم تستخلصكَ صحبة الصادقين ومخالطتهم ومجالستهم من رُقاد غفلتك فمن ينْتشلك من وِهادِ رُفقتك؟ إنها عقبة شاقة على نفسك أن تسلك إلى البيوت من أبوابها. لذلك يسهل أن تزعم لنفسك أنك تحب الله ورسوله وتزعم للناس. هات برهانك إن كنت صادقاً!
قال الإمام الشافعي يعبر عن حبه من ينفع الله بحبهم:
شهـدت بأن اللـه لا رب غيــره وأشهــد أن البعـث حـقٌّ وأخْلِـص
وأن عُـرى الإيمـان قـول مُبَيّــن وفعـلٌ زكـي قـد يـزيــد وينقــص
وأن أبـا بكــر خلـيـفــة ربــه وكان أبو حفص على الخير يحـرِص
وأشْهِـد ربي أن عثمــان فاضــل وأن عـلـيـا فـضـلـه متـخـصـص
أئمـة قـوم يُـهتــدى بهــداهـم لَحَـى اللهُ مـن إيـاهم يتَـنـقّــص!

وقال:
قالوا: ترفَّضْتَ قلت كـلا!ما الرفض ديـنــي ولا اعـتــقـــادي
لـكـن تـولـيــتُ غيــر شــك خيــر إمــام وخـيــر هــادي
إن كـان حـبُّ الـولـيّ رفـضــا فـإن رفـضـي إلـى الـعـبــاد

يقصد بالولي عليا كرم الله وجهه. وقال:
يا راكبا قف بالمُحَصَّـب مـن منـىً واهتِـفْ بقـاعد خِيفِهـا والنـاهض
سَحَراً إذا فاض الحجيج إلى مِنـىً فَـيْـضـاً كمُلْتـطـم الفُـرات الفـائض
إن كـان رفضـا حـب آل محـمـد فليشهـد الثـقـلان أنـيَ رافـضـي

وقال رضي الله عنه يشيد بأهل الحديث ويواليهم لمكانهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أهل الحديـث همُ أهل النبي وإن لَم يَصْحبـوا نفسه أنفـاسَه صحبـوا

وقلت:
لَوْمُـكَ يا عاذلي اعتــداءٌ ويْحك أقْصــر من العنــاد
حبُّ النـبي من حب ربي حبٌّ ثَـوى مُهـجــة الفـؤاد
وذاك ديـني وعَقـدُ قـلــبي وحُجَّتي في يــوم التَّنــادي




[1] مدارج السالكين ج 3 ص 268.
[2] الإحياء ج 2 ص 154.
[3] الفتح الرباني ص 32 .
[4] نفس المصدر ص 167.
[5] الزمِن: المُقعد.
[6] الشيخ عبد القادر في "الفتح الرباني" ص 248.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:43 PM
سنة الله في التابع والمتبوع
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب زدني علما(. اللهم اغفرلي ما أخطأت وما تعمدت، وما أسررت وما أعلنت، وما جهلت وما تعمدت.
نزلت علينا دلالة الله في القرآن: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(، (سورة الصف، الآية: 10) وتنزلت فينا دلالة رسول الله صلى الله عليه وسلم حية بيننا، نموذجا شاهدا حاضرا، معلِّما هاديا رؤوفا رحيما صاحبا أسوة: "ألا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم؟". لم تَكن دلالة الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالة إخوانه من قبله من النبيئين مجردَ تبليغ، وإن كان التبليغ ركنا من أركان الدلالة، وإنما كانت مُعَايشةً وسياسة وتلَطُّفا وخفضَ جناحٍ وقيادةً آلت إلى اتباع وإيمان، ورفع الاتباع إلى محبة الشخص الرسول، ورفعت محبة الرسول إلى محبة الله، وأوجبت محبة الله عبده المتقرب بالفرض والنفل، ومن الفرض الآكد اتباع الرسول وحبه، إلى مراتب الاصطفاء والفلاح.
أمر إلهي أسَّس المسيرة: )قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ( (سورة آل عمران، الآية: 31)، وخبر إلهي قدسي أخبر بمراحلها: "وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه". ولم تنقطع المسيرة ولم تُرفَع في فضاء الروحانية والشوق إلى زمان مضى وانقضى، بل حافظَ على شروطها الحُبِّية الواصلة بين العباد والله سنة الحب في الله، وفضيلة الصحبة في الله، ووجود أولياء الله إخوان رسول الله في أرض الله.
إثر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعت للصحابة رضي الله عنهم دهشة لخبر عظُم عليهم، حتى شَهَرَ عمر بن الخطاب سيفَه يُهدِّدُ من زعم أن محمداً قد مات. ثم رجع عمر وبقيَتْ دهشة غياب الشخص الكريم. روى الترمذي عن أنس بإسناد حسن قال: "لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء. وما نفَضْنا الأيديَ من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنا لفي دفنه، حتى أنْكَرْنَا قلوبنا".
حضورٌ أضاء له كلُّ شيء، وغيابٌ ذهِلت له القلوب. ما قبل التبليغ اللساني وما بعده وما وراءه نورانيَّة تتعرفُ عليها القلوب وتحبها، وتُنكر القُلوبُ قلوبَها لغياب شخص وضع الله له غاية القَبول في الأرض.
بعد ذلك أفاق الصحابة من الذهول، وانتخبوا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق، فأدَّت الصديقيَّة منذئذ ما كانت تؤديه النبوة من وظيفة الحضور والشهادة بين الناس والهداية والدلالة، وكان التبليغ العلمي اللساني العقلي جزءا من المسألة لا كل المسألة. بقيت الوراثة القلبية والتحاب في الله بين المؤمنين جوهرَ الدين. بقيت سنة الله في التابع والمتبوع قائمة وستظل إلى يوم القيامة.
وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسلسل المدد القلبيِّ الفتحيِّ الحُبِّيِّ من بعده حين قال: "يأتي على الناس زمان يغزو فيه فِئَامٌ من الناس (جماعات) فيقولون: هل فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيُفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فِئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم! فيُفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم! فيُفتح لهم". رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
بركة متسلسلة، وفلاح ونصر. وإن التابعين فَمَن بعدهم إلى يوم القيامة لتَشُم أرواحُهم نسيمَ الحب والقرب من عِشْرَة أصحاب القلوب النيرة الخيرة، وتحوم حولها، وتقتبس منها نوراً ومحبة ورَوْحاً. روى الإمام مالك في الموطإ بسند صحيح عن أبي إدريس الخولاني قال: "دخلت مسجد دمشق، فإذا فتى براقُ الثَّنايا، والناس حوله. فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدَروا عن رأيه. فسألت عنه، فقالوا: هذا معاذ بن جبل. فلما كان الغد هَجَّرْتُ[1]. إليه، فوجدته قد سبقني في التهجير، ووجدته يصلي. فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قِبَل وجهه، فسلمت عليه، ثم قلت والله إني لأحبك في الله! فقال: آللّهِ! فقلت آللّه! فقال: آللّه! فقلت آللّه! فأخذ بحُبْوة ردائي، فَجَبذَني إليه وقال: أبْشِرْ! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في".
وكان أمناء الرسالة، ورثة الحب في الله المقرِّبِ إلى الله من بعد أصحاب رسول الله، أولياءَ الله الذين أحبهم الله بعدما تقربواإليه بالفرض والنفل حتى أكرمهم بذلك السمع والبصر واليد والرجل والسؤال المستجاب والإعاذة والقبول في الأرض. تابع ومتبوع بإسناد قلبي متّصل إلى يوم القيامة. ولا ولاية لك أيها الفقيه في الأحكام الظاهرة على هذا الموضوع لتتكلم فيه، وتُفْتي بأنه زعم مرفوض مرفوض مرفوض!
اسمع الخبر الصحيح من نبيك صلى الله عليه وسلم عساك تهتدي وتقتدي.
هاك حديثا عظيما يثبت الله به قلوب من يشاء رواه ابن حبان في صحيحه، وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والحاكم حديثا بمعناه وصححه. أعطيك رواية أبي داود للحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياءُ والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله". قالوا: يا رسول الله! تُخبرُنا من هم؟ قال: "هم قوم تَحابوا برُوح الله على غير أرْحام بينهم، ولا أموال يَتعاطونها. فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس". وقرأ هذه الآية: )أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ( (سورة يونس، الآية: 62).
توقّف بعض العلماء في معنى هذا الحديث، لأنهم تعاظموا أن يكون الأنبياء يوم القيامة يغبطون من ليسوا أنبياء ولا شهداء بمكانتهم من الله. ولا مزاحمة في الأمر، وما ينبغي للولاية أن تزاحم النبوة. ينصرف الأنبياء إلى مواطن الشفاعة في أممهم يوم العرض، والشفاعة تشريف زائد، بينما يبقى الأولياء على منابر النور بالقرب الإلهي. فهي لحظة وموقف. ولا مزاحمة.
إنها سنة إلهية ماضية إلى يوم القيامة أن يكون في سلسلات الولاية تابع ومتبوع. قال الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه: "إن الله عز وجل أجرى العادة بأن يكون في الأرض شيخ ومريد، صاحب ومصحوب، تابع ومتبوع من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة". وذكر رحمه الله كيف كان آدم بعد نزوله من الجنة محتاجا إلى شيخ، "وجبريل عليه السلام أستاذه وشيخه،(...) ثم هلم جرّاً، تعلم شيت بن آدم من أبيه آدم، ثم أولاده منه، وكذلك نوح النبي عليه السلام علم أولاده، وإبراهيم عليه السلام علم أولاده، قال تعالى: )وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ( (سورة البقرة، الآية: 131) أي أمرهم وعلمهم، وكذلك موسى وهارون، علما أولادهما وبني إسرائيل، وعيسى عليه السلام علم الحواريين. ثم إن جبريل عليه السلام علم نبينا صلى الله عليه وسلم(...) ثم تعلم الصحابة رضي الله عنهم منه صلى الله عليه وسلم، ثم التابعون منهم، ثم تابعو التابعين منهم قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر(...) فلا ينبغي له (المريد) أن ينقطع عن الشيخ حتى يستغني عنه بالوصول إلى ربه عز وجل، فيتولى تبارك وتعالى تربيته، ويوقفه على معاني أشياء خفيت على الشيخ، ويستعمله فيما يشاء من الأعمال، ويأمره، وينهاه، ويبسطه، ويقبضه، ويُغنيه، ويُفقره، ويُلقنه، ويُطلعه على أقسامه (ما قسم له من رزق) وما سيؤول إليه أمره. فيستغني بربه عن غيره"[2].
نصحوك! نصحوك! وعلموك إن كنت موضعا للتعليم. واصبر حتى أسَمِّعَك ما يقصدون بالوصول والأمر والنهي بعد زمان الوحي، والبسط والقبض، والاستغناء بالربِّ وسائر هذه المعاني الرقيقة الراقية.
في أي شيء كان الصحابة رضي الله عنهم الذين ورثوا الإيمان، وعُلموه قبْلَ القرآن، وأوتُوه بالصحبة والمحبة؟ وفي أي شيء كان الأولياء المشايخ الصوفية أهلُ النور الذين حملوا عصرآ بعد عصر وقرنا بعد قرن أمانةَ الرسل، وسرَّ طبِّ القلوب، وإكسيرَ علاجها، وجُرثومة إحيائها؟
كان الصحابة رضي الله عنهم في جهاد الذلة على المؤمنين والشدة على الكافرين والإنابة لرب العالمين. وانْحَسر السادة الأماجد النورانيون من بعدهم عن الميدان الجهادي، جلُّهم لا كلُّهم، فكانوا أحلاس بيوتهم، فرغوا من الشأن العام ليتفرغوا لشأن التربية الخاص.
منذ زمان التابعين، وفي عصرنا بصفة خاصة، غلب اسم "عالم" على عقول المسلمين، وحمل الاِسمَ أغزرُ الناس اطلاعا وأكثرُهم جمعا للمعلومات، وأقدرُهم على الإفصاح والخطابة. وانعزل "العارف" الرباني في حيزه، "وأصبح علم الآخرة مطويا"، يبحث عنه الراغبون المريدون بشروط أهمها الانزواء عن العامة.
المطلوب الآن وبعد الآن استجماع ما تفرق بعد زمان الصحابة، واكتساب الشخصية الجهادية الصحابيَّة، واستصحاب ما ترثه أجيالنا من علماء الدين الأولين والآخرين استئناساً به لا عبئا ثقيلا، اجتهادا نستضيء به نحن لنقول كلمتَنا من إزاء القرآن ومن مشارف الصحبة. من أهم ما يُجْلِي عنا سحابَ الفتنة وينفُض عنا غبارَ التقليد القرونيِّ اقتباسُنا لما عند رجال الله أولياء الله من كنوز "الخوف والحزن والتفكر والمجاهدة ومراقبة الظاهر والباطن، واجتنابُ دقيق الإثم وجليله، والحرصُ على إدراك خفايا شهوات النفوس ومكايد الشيطان، إلى غير ذلك من علوم الباطن"[3].
بعد عهد الصحابة "هبَّت عاصفة عقلية جامحة بعثها "علم الكلام"، الذي كان الشغلَ الشاغل للمسلمين في القرون الأخيرة. وكانت هذه العاصفة عاتية شديدة، انطفأت بها كوانين القلوب ومجامرها. وإذا كانت لا تزال بقية من جمرات الحب والعاطفة فقد كانت كامنة في الرماد، مغلوبة على أمرها. وقد أصبح المسلمون بعدما كانوا شعلة من الحياة وجذوة من النار رُكاما بشريا أو فحما حجريا بَعُدَ عهده بالنار والحرارة"[4].
من تحت الرماد نقْتبس الجذوة الحُبيَّة، لا مناصَ من أخذ جَوهر ديننا عن الأكابر أهل المعرفة والنور وإن محاولة تخطي عصور الرُّكام قفزاً بلا زاد قلبيٍّ يؤصل نسبتنا للنبوة والصحبة لَمغامرة في فضاء الإسلام الفكري الثقافي إلى غير وِجهةٍ. قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: "اصحبوا شيخا عالما بحكم الله عز وجل وعلمه يدلكم عليه. من لا يرى المفلح لا يُفلح! من لا يصحب العلماء العمال فهو من نَبْضِ التراب لا أب له ولا أم. اصحبوا من له صحبة مع الحق عز وجل"[5].
من لا أب له ولا أم في الربانية والحب في الله صحبته نَكَدٌ.
قال الإمام الشافعي يشكو "نبض التراب" في عصره:
إنـي صحبـت أناسـا ما لهم عـدد وكنت أحسب أني قد ملأت يـدي
لمـا بلـوت أخـلائـي وجـدتـهــم كالناس في الغدر لم يُبقوا على أحد
إن غبت عنهم فشر الناس يشتُمني وإن مرضـت فخيـر النـاس لم يَعُـدِ
وإن رأوني بخيـر سـاءَهم فرحـي وإن رأونـي بـشـرٍّ سـرهم نَـكَـدي

وقال:
كن سـائرا في ذَا الزمـان بسيـره وعن الورى كـن راهبـا في دِيـرهِ
واغسل يديك من الزمان وأهلـه واحذر مودّتهم تنـلْ مـن خيـره
إني اطلعت فلم أجـد لي صاحبـا أصحبُـه في الدهـر ولا في غيـره
فتـركت أسفـلهم لكثـرة شــره وتركـت أعـلاهم لـقـلـة خيـره

وقال :
لم يبق في الناس إلا المكـر والملَـقُ شوْكٌ إذا لُمسـوا زهـر إذا رُمِقُـوا
فـإن دعتـك ضروراتٌ لِعشـرتهم فكن جحيما لعل الشوْكَ يحترق

قال هذا في القرن الثاني الفاضل، وكم من رُكام بعده تراكم!
وقلت:
جَــانِبْ رِفــاقَ الخَنَــا لا تَغتَررْ بـهمُ وَاصْحَب خَليلَ التُّقى فالطَّبع يُسْــتَرَقُ
واسْلكْ سَبيـلَ الأُلَى زَكَّــوْا نُفُــوسَهم وفي الجِهــاد بعهــد اللَّه قـد صـدقـوا
بــادرْ لجمْعِهــمُ واقْصــد لِقـصــدِهـمُُ واسْمعْ لنصحــهمُ، ما عنْــدَهُم مَـلَــقُ




[1] هجرت ذهبت وقت الهاجرة وهو أول وقت صلاة الظهر.
[2] الغنية ج 2 ص 165.
[3] الإحياء ج 1 ص 70.
[4] أبو الحسن الندوي "ربانية لا رهبانية" ص 60- 61.
[5] الفتح الرباني ص 269.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:44 PM
شفاء السائل
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين(. اللهم أحسنت خَلْقي فأحسن خُلُقي.
للمؤرخ الكبير أحد حكماء المسلمين،أبي زيد عبد الرحمان بن خلدون "قدر مشترك" مع الصوفية. ليس مذكورا من أهل الفن، لكنَّ له مشاركةً واطلاعا ورأياً يبدو منه الاهتمام الكبير. له رسالة سماها: "شِفاء السائل لتهذيب المسائل" وسع فيها الفصل الذي خصصه في المقدمة الشهيرة للتصوف.
وكانت المسألة التي وَرد بها الكتاب من علماء الأندلس قد أثارت بين فقهاء تلك العدوة خلافات ومناظرات منذ القرن الثامن فما بعده. شارك في السؤال والمناظرة والمراسلة إمام الأصوليين في ذلك العصر وهذا أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله. وناهيك به سائلا ومناظرا ومراسلا!
تدورُ هذه الرسالة حول سؤال ورد على الفقيه المؤرخ المقرَّب في بلاط فاس في موضوع كان ولا يزال مَثاراً للخلاف. قال: "وقَّفني بعض الإخوان أبقاهم الله على تقييد (أي كتاب) وصل من عَدْوة الأندلس وطن الرباط والجهاد، ومأوى الصالحين والزُّهاد، والفقهاء والعُبَّاد، يخاطب بعض الأَعلام من أهل مدينة فاس، حيث الملُكُ يَزْأرُ، وبِحار العلم والدين تزْخَر، وثواب الله يُعَدُّ لأنصار دين الله ويُذْخَرُ. طالبا كشف الغِطا في طريق الصوفية، أهلِ التحقيق في التوحيد الذوقيّ والمعرفة الوِجْدانيَّة، هل يصح سلوكه والوصول به إلى المعرفة الذوقية، ورفع الحجاب عن العالم الروحاني تعلُّماً من الكتب الموضوعة لأهله، واقتداءً بأقوالهم الشارحة الوافية بشروط البِداية والنهـاية، كالإحياء (للغزالي) والرِّعاية (كتاب للحارث المحاسبي) أم لابد من شيخ يتبين دلائِلَهُ، ويَحذرُ غَوائِلَهُ، ويُميِّز للمريد عند اشْتِباه الواردات والأحوال مسائلَه، فيتنزل منزلةَ الطبيب للمرضى، والإمام العادل للأمة الفوضى"[1].
هذا هو السؤال: ما موقع الكتب وفائدتها ومردوديتها في السلوك القلبي؟ وهل لابد من شيخ يُسلِّمه المريد زِمامَه كما تستسلم "الأمة الفوضى" للإمام العادل، وكما يستسلم المريض للطبيب؟
ويبدأ فقيهنا الحكيم العبقري الجواب بالإشارة إلى تميّز الطائفة عن سائر علماء الإسلام بعد عهد أتباع التابعين قائلا: "ثم اختلف الناس، وتباينت المراتب، وفشا الميل عن الجادَّة، والخروجُ عن الاستقامة، ونسي الناس أعمال القلوب وأغفلوها وأقبل الجَمُّ الغَفيرُ على صلاح الأعمال البدنيَّة والعناية بالمراسم الدينية من غير التفات إلى الباطن ولا اهتمام بصلاحه. وشُغِل الفقهاء بما تعم به البلوى من أحكام المعاملات والعبادات الظاهرة حسبما طالبهم بذلك منصبُ الفُتْيَا وهدايةِ الجمهور. فاختص أرباب القلوب باسم الزهاد والعُبّاد وطُلاب الآخرة، منقطعين إلى الله، قابضين على دينهم كالقابض على الجمر حسبما ورد (في الحديث). ثم طرقت آفة البِدَع في المعتقدات، وتداعى العُبّاد إلى مذاهبَ شتى، هذا معتزلي ورافضي وخارجي، لا ينفعهم شيء من أعمالهم الظاهرة والباطنة مع فساد المُعْتَقَد الذي هو رأسُ الأمر. فانفرد خواص السنة المحافظون على أعمال القلوب، المقتدون بالسلف الصالح في أعمالهم الباطنة والظاهرة، وسُموا بالصوفية"[2].
ويَخلُص عالمنا الفحل إلى صُلْب الموضوع فيحدد أهداف التصوف في ثلاث مجاهدات: "مجاهدة التقوى وهي رعاية الأدب مع الله في الظاهر والباطن بالوقوف عند حدوده مراقباً أحوالَ الباطن، طالبا النجاة، وإنه التصوفُ عند الصدر الأول منهم. ثم مجاهدة الاستقامة وهي تقويم النفس وحملُها على الصراط المستقيم حتى تصير لها آداب القرآن والنبوءة، بالرياضة والتهذيب، خُلُقاً جِبِلِيَّةً، طالبا مراتب الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. ثم مجاهدة الكشف والاطلاع، وهي إخماد القُوى البشرية كلِّها حتى الأفكارَ، متوجهاً بكلية تعقله إلى مطالعة الحضرة الربانية،طالبا رفع الحجاب، ومشاهدة أنوار الربوبية في حياته الدنيا، ليكون ذلك وسيلة إلى الفوز بالنظر إلى وجه الله في حياته الأخرى التي هي غاية مراتب السعداء"[3].
وبعد أن يبين أن المجاهدة الثّالثة، مجاهدة الكشف، تنطوي على المجاهدتين الأوليَيْن وتَنْبَنِي عليهما يُبَيّن أن همة المريد تقفُ به عند حدود مطلَبه، وأن طالب التقوى والنجاة قد لا يكون له باعث أعلى ليطلب مراتب الاستقامة، وأن طالب الاستقامة المجتهدَ لنيلها قد لا تسمو إرادته إلى أعلى ليطلب وجه الله و"مشاهدة أنوار الربوبية في حياته الدنيا".
ويخلص إلى محور السؤال والخلاف وهو ضرورة الشيخ فيقول: "ثم اعلم أن افتقار هذه المجاهدات إلى الشيخ المُعلِّم، والمربي الناصح، ليس على سبيل واحدة. بل هو في بعضها أكمل وأولى، وفي بعضها أحق وآكدُ، وفي بعضها أوْجبُ، حتى إنه لا يمكن بدونه(...). أما مجاهدة التقوى التي هي بالورع فلا يضطر فيها إلى الشيخ، إنما يكفي فيها معرفةُ أحكام الله وحدودِه، أخِذَتْ من كتاب أو لُقّنَتْ من مُعلم أو تُدُورِسَت من أستاذ(...). وأما مجاهدة الاستقامة التي هي التخلق بالقرآن وبخلق الأنبياء فمحتاجة بعض الشيء إلى الشيخ المعلم لعُسر الاطلاع على خُلُق النفس، وخفاءِ تلوُّناتِ القلب، وصعوبةِ علاجها ومُعانَاتها(...)، فإذن يتأكد طلب الشيخ في حق صاحب هذه المجاهدة، والاقتداء فيها بسالكها المطلع على عللها(...).
قال: "وأما مجاهدة الكشف والمشاهدة التي مطلوبُها رفع الحجاب والاطلاعُ على العالَم الروحاني وملكوتِ السماوات والأرض، فإنها مفتقرة إلى المعلم المربي، وهو الذي يُعبَّر عنه بالشيخ، افتقار وجوبٍ واضطرارٍ، لا يسع غيره، ولا يمكن في الغالب حصولُها بدونه"[4].
رحمك الله أبا زيد! كنت تحدثنا عن المريد الطالب رفع الحجاب ليشاهد أنوار الربوبية، فإذا بك بعد حين تشتغل مع مريدك بالأكوان و"الاطلاع على العالم الروحاني وملكوت السماوات والأرض"! وأين الأكوان من المُكَوِّن ما شاء الله كشف لك من عوالمه وملكوته، وما زوى عنك فأنت عبد للأكوان إن تعلقَتْ همتُك بالأكوان ومطالعة ما دون الله، مُتَهاوِياً عن المطلَبِ الأوحد، مطلبِ الرجال، وجهِ الله.
ثم يتحدث صاحبُنا الذي صرف عمرا طويلا في مراقبة تاريخ الأمم فخرج باستنتاجه العبقري ناقلا بأمانة أقوال الرجال أصحاب الفن، ويقول: "إذا كان السالك نُصْبَ عين الشيخ وبِمرأىً منه وتمحيصٍ لأعماله وسلوكه، والشيخ قد سلك، وعلم فاسدَ الأحوال من صالحها، وعما ينشأ صالحُها وفاسدُها، وكيف ينشأ، وما يكون منها واصِلاً، وما يكون قاطعاً، وكيف تترتَّب الأحوال المقدورة على الأعمال المقدورة، ومقدارُ الزكاء في الأعمال الذي يكون عنه الصفاءُ في الأحوال، وقد خبر ذلك كلَّه بالابتلاء والتجربة والمِرَانِ، ولم يُقلِّدْ فيه الكُتُبَ والأخبار. (إذا فعل السالك ذلك) استقام السلوك، وأُمِنَتْ المخاوف، وذهب الغرور".
ويحاور عالمنا الجليلُ الحكيمُ طائفة الأخباريِّين العاكفين على الكتب، قال: "فقال لهم (المدافع عن ضرورة الشيخ): لِمَ اعتمدتم على الكتب وتركتم الاعتماد على شيوخ الطريقة، والقوم إنما اعتمدوا على الشيوخ وتركوا الكتب؟ فقالوا: أصل السلوك إنما هو بالكتاب والسنة وما نشأ عنهما. وها هي بأيدينا مسطورة، وناقلوها منتصبون لتعليمها. وشيوخُ هذه الطريقة من جُملتهم. فما الذي يمنع من السلوك دونَهم؟ فقال لهم: إن كان مجرُد النّقْل كافياً في حصول هذا المقصود أو غيرِه فليسْتَوِ في جميع أنواع العلوم والصنائع من حَفِظَ وصفَها ولم يُعانِهَا مع مَن عاناها بالفعل، ودخل فيها حالاً واتِّصافا"[5].
قال مستخْلصاً: "والحق أنه لابد للسالك من الشيخ، ولا يُفضي به النقل وحده إلى مطلوبه، لا مِنْ أجل التفاوت في التحصيلين (أي في كون الشيخ أوسع اطلاعا على الكتب وأحفظَ للنّصوص)، بل من أجل أنّ مدارك هذه الطريقة ليست من قبيل المُتعارَف من العلوم الكسبيَّة والصنائع، وإنما هي مداركُ وجدانيَّةٌ إلهاميّة خارجةٌ عن الاختيار في الغالب، ناشئةٌ عن الأعمال، على هيئات مخصوصة. فلا يدركُ تمييزُها بالمعارف الكسبية، بل يحتاج إلى الشيخ الذي يميزُها بالعِيان والشِّفاه (أي المشافهة)، ويعلم هيآت الأعمال التي تنشأ عنها وخصوصياتِ أحوالِها"[6].
لا يزال إلى جانب صنف المستهزئين بالصوفية والتصوف الذين يُصْدِرون الأحكام الجِزافَ على غير علم، صنفُ الذين يعْترفون بما عند الصوفية من حق، لكنهم في حيرتهم وزَحمة الدنيا عليهم، وربما أساسا لغياب المسألة الإحسانية الكامل عن أفُقهم، يُصِرّون على أن التصوُّف السنيَّ الذي تحتاج إليه الأمة في عصرنا هو تصوف ينحصر في ترقيق القلوب بقراءة كتب الغزالي ومُدارسة الإحياء وما أشبهه. كيف تُفهم هؤلاء الفضلاء أن الله عز وجل موجودٌ، وأنه يُحِب ويُحَب، وأن مناديَه في السماء والأرض ينادي : إن الله يحب فلانا من عباده فأحبوه، وأن العبد المتقرب إلى الله بالفرض والنفل يأتي وقت يحبُّه الله فيفعلُ به جل وعلا ما قرأناه في الحديث العظيم الذي توقف فيه الذهبي حيرةً وتردداً، وأن علماء فطاحل من هذه الأمة جَثَوْا على الرُّكب طيلةَ هذه القرون أمام الأولياء مشايخ الطريق يلتمسون بركتهم وتوجيههم وتسليكهم وتوصيلهم إلى الله عز وجل ؟ من يُفهم هؤلاء الفضلاء أنَّ وأنّ وأنّ؟
رُبَما يزعم زاعم من النُّفاة المكفرين الجاهلين، أو يجادل فاضل من المشتغلين عن طلب الله، أن ما تُسمونه سلوكا وطريقة وشيخا وتصوّفا أمور لم يأذن بها الله ولا أوجبها بمقتضى الشرع. لمثل هؤلاء يقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك شيئا يُسمّى مصحفا، ولا كتباً، ولا فقها، ولا أصولا، ولا دواوين للحديث، ولا مدرسة، ولا نحوا، ولا صرفا، ولا علوما تخصصية، ولا، ولا، ولا.
ويتقابل نفي مع نفي، ورفض مع رفض. وما أنت بمُسمع من في القبور.
وتعال قف بالباب مع الأحباب الذين نصحوك، قف بباب روح المصطفى صلى الله عليه وسلم عسى نفحةُ رضىً تهب على قلبك. قال ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر ما رواه البخاري من اهتزاز عرش الرحمان لموت سعد بن معاذ: "إذا كان عرش الرحمن قد اهتز لموت بعض أتباعه (صلى الله عليه وسلم) فرحا واستبشارا بقدوم روحه، فكيف بقدوم روح سيد الخلائق! فيا منتسباً إلى غير هذا الجناب، ويا واقفا بغير هذا الباب، ستعلم يوم الحشر أيَّ سريرة تكون عليها يوم تبلى السرائر"[7].
قال سيدنا بلال يحن إلى مكة حيث عرف الله بتعريف حبيبه رسول الله:
ألا ليت شعري هل أبيتَنَّ ليلة بوادٍ وحـولي إذْخِـر وجَليـل؟
وهـل أرِدَنْ يومـا ميـاهَ مَجَنّـة وهل يَبدُوَنْ لي شامَة وطَفيـل؟

وقال أبو العباس بن العريف يصون وُدّ الأحباب:
ما زلـت مذ سكنـوا قلبي أصـون لهـم لَحظي وسمعي ونُطقـي إذ هم أُنُسـي
حلـوا الفـؤاد فما أنـدى ولو قطَـنـوا صخـرا لجـاد بماء منـه مُـنـبـجـس
وفي الحَشـا نزلـوا والوهـج يجرحـهـم فكيـف قَـرّوا على أذكى من القبس!
لأنـهـضـنَّ إلى حـشـري بـحـبـهـم لا بـارك الله فيمـن خـانهم فـنَسِـي

وقال غيره:
جسمي معي غير أن الروح عنـدهم فالجسـم في غربة والروح في وطن
فليعجب الناس مـني أنَّ لـي بَدَنا لا روح فيـه ولي روح بـلا بـدن

وقال محب رحلوا عنه:
راحوا فباتَت راحتي من راحتي صِفراً وأضحى حبهـم لي راحـا
فتحوا على قلبي الهمـومَ وأغلقوا باب السـرور وضيعوا المفتـاحـا

وقلت:
ما خُنْـتُ عهــدا للوداد أحبَّتي! وَتَلَقَّفَتْنِـي بعْدَكُــمْ أتْرَاحِـــي
زلَّت بِيَ الأقدامُ مُذ فارقتُكــمْ والنَّفسُ منِّـي مُزِّقــتْ بجــراحِ
لِلـّه أيــامُ الصـفــاء تـبــدَّدَتْ فمَتى تعُود بِطِيبَـتي أفراحِــي؟




[1]شفاء السائل ص 21.
[2] شفاء السائل ص 26.
[3] نفس المصدر ص 43.
[4] نفس المصدر ص 58-59.
[5] شفاء السائل ص 63.
[6] نفس المصدر ص 65.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:44 PM
الشيخ كإمام للصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب احكم بالحق وربنا الرحمان المستعان على ما تصفون(. رب اغفر وارحم واهدني السبيل الأقوم.
ولي الله الذي نحسن به الظن ابتداء، أو نذهبُ إليه مع الناس لما ظهر من فضله وتقواه وبركته واشتهر، هل هو رجل نلتمس منه دعاء لتستقيم أحوالُنا، أم هو مرشد نعرض عليه مشاكلنا، أم طبيب يعرف ما نعرض عليه من أمراض قلوبنا فيصف الدواء المناسب؟
تختلف بواعث القاصدين ومراتب المقصودين. فالعامة يغترّون بسُمعة أهل الصِّيت، خاصة إذا كانوا من أصحاب الكرامات والخوارق، وقد يكون الشخص دجالا من أولياء الشيطان. لا يُمَيِّزُ العامة بين الرّباني والشيطاني، بل من عامة القراء في زماننا من صام عن العلم زمانا، ليس معه من وسائله وطرائقه وفقه طلبه متاع، فيفطر ذات صباح بكتاب يحذِّر من أولياء الشيطان فيصور له اغترابه عن العلم أن كل من وُسِمَ بالصلاح والولاية نوع من الدجالين. عامَّةٌ كالذباب يتساقطون في أحضان العرّافين ضَحِيَّةً بين براثين الشيطان، وعامة من القرّاء الصائمين المفطرين عندهم كلُّ من خَلَقَ الله من مقصود يفِدُ عليه الناس مظِنّة للكذب،مُتَّهَم مشكوك في عقيدته. )وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ( (سورة الحج، الآية: 8).
ودعنا هنا من ذكر إخوان الشياطين ؛ إلى حين إن شاء الله.
العامة العامة يقصدون الشيخ للتبرك به، يسألونه الدعاء في حاجة مريض أو غائب أو رزق. وقد يصادف أن تقضى تلك الحاجات والمزورُ كذّاب دجّال استدراجا من الله عز وجل وخذلانا. وقد يكون المقصودُ ممن قال الله فيهم: "ولئن سألني لأعطينّه"[1]. فيكون الزائر مغبونا أشد الغبن إذا أوقفه الله على باب من أبوابه فلم يسأل إلا عافية الأولاد وسراح السجين وإدرار الرزق.
من المشايخ من له حظ من الولاية لا يؤهله لأكثر من إشمام جلسائه وأصحابه رائحة الرائحة، فمهما كان باعث المريد القاصد عاليا فالغنيمة لا تعدو قبضة من الخير في درجة التقوى والاستقامة. ومن المشايخ بحارٌ زخارةٌ بالأنوار، مفتوح لهم الباب، يجذبون القاصد ويرفعونه ويرقونه ولو جاء بباعث دونٍ. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
كما أن هنالك درجات في سمو باعث المريد ودُنوهِّ، فهنالك أيضا درجات في أهلية الشيخ. والأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف كما قرأنا في الحديث. وحظوظ العباد من الله تعالى ومما يؤدي إلى معرفته جل وعلا من لقاء الرجال الواصلين الموصلين قدَر مقدور وكتاب مكتوب. اللهم مُنَّ علينا بمعرفتك ومعرفة أحبابك.
يشترك العامة المتبرِّكون والمريدون الصّادقون في ميلهم إلى الغلوِّ في الشيخ، خاصَّة إن كان من أصحاب الكرامات الظاهرة والبراهين الساطعة والهداية والتيسير. وينبري علماء الشريعة رضي الله عنهم، حراسُ الحدود، ليدفعـوا بلاء الغلوِّ غيرةً منهم على مقام النبوة والإلهية أن يزاحما، وخوفا منهم أن يؤديَ الغلوّ إلى الشرك والعياذ بالله. لذا نجد الفطاحل من أمثال ابن تيمية يعترف بمقام المشيخة، لكن يهون من شأنه إلى حد ما. فالشيخ المربي عنده بمثابة إمام الصلاة يَجوز الاستغناء عنه إن صمم المصلّي أن يضيع أجر الخمس وعشرين ضعفا الموعودة لصلاة الجماعة خلف الإمام. فاعتراف ابن تيمية رحمه الله بالمشايخ وإعطاؤه إياهم مرتبة إمام الصلاة شيء لا يُستهان به. وهو حكم شبيه بفتوى ابن خلدون في الحالات التي يُطلب فيها ابتغاء الشيخ دون أن يكون ابتغاؤه شرطا ضروريا، حسب الباعث والمراد.
قال شيخ الإسلام: "والشيوخ الذين يُقتدى بهم يدلون عليه (أي على الله جل جلاله)، ويرشدون إليه، بمنزلة الأئمة في الصلاة(...)، وبمنزلة الدليل الذي للحاج، يدلهم على البيت وهو وَهُمْ جميعا يحجون إلى البيت، ليس لهم من الإلهية نصيب، بل من جعل لهم شيئا من ذلك فهو من جنس اليهود والنصارى الذين قال الله في حقهم: )اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ( (سورة التوبة، الآية: 31)"[2].
ويسرد جزاه الله خيرا، صيغ الاسثغاثة بالأحياء والأموات الفاشية في العامة ليشدد النكير عليها. وهذه ذريعة خليقٌ بكل صادق أن يتجند لسدِّها.
نستمع الآن إلى أهل الفن ماذا يقولون في المشيخة. واحد من أحبائهم، اللاحقين بهم إن شاء الله، هو عز الدين بن عبد السلام. له معهم "قدر مشترك" أوفى من قدر شيخ الإسلام الذي عاب عليه معاصروه أنه "لم يتأدب بشيخ". فمعرفة سلطان العلماء الشافعي المنفتح بالمشيخة وأنوارِها أدقّ من معرفة الفاضل الحنبلي الفارس المتصدي للبدع. وكلاهما مفخرة للمسلمين.
قال ابن عبد السلام: "اعلم أن الخلق كلهم أطفال في حجر تربية الحق سبحانه يُغذِّي كل واحد من خلقه على قدر احتمال معرفته. فغذاء الرجال لا يصلح للأطفال، ومراكب الأبطال لا تصلح للبطّال. ألا ترى أن الطفل لمّا لم يُطِق تناول الخبز واللحم، أطعمته حاضنته فوصل إليه (الغذاء الذي يتضمنه الخبز واللحم) بواسطة اللبن ولو أطعم ذلك مجردا لمات. ومن هنا يقال: من لا شيخ له لا قبلة له، ومن لا شيخ له فالشيطان شيخه"[3].
الشيخ إذن أكثر من إمام الصلاة، بل هو قبلة وحاضنة مُغذية.
فإذا جئنا إلى أساتذة الفن وجهابذته وجدنا المعرفة الأكمل بما هو الشيخ، لأن من يتكلم عن حال واتصاف ليس كمن يراقب من خارج الأسوار عن بعد أو قرب ويصف ما لحظته عيناه من ظواهر الأمور. ولئن كان سلطان العلماء طفلا أرضعته أثداء المشايخ السخيّة لمّا جاء طالبا راغبا، فإن أمثال الشيخ عبد القادر والشيخ الرفاعي قدس الله سرهما هم المغذون والأئمة والقبلة، قبلة القلوب والحب، لا قبلة العبادة والصلاة.
قال الشيخ أحمد الرفاعي: "عليكم أي سادة بذكر الله! فإن الذكر مغناطيس الوصل، وحبلُ القُرب. من ذكر الله طاب بالله. ومن طاب بالله وصل إلى الله. ذكر الله يَثْبُتُ في القلب ببركة الصحبة. المرء على دين خليله. عليكم بنا ! صُحْبَتُنَا تَرياقٌ مجرّب، والبعد عنّا سم قاتل. أيْ محجوب! تزعم أنك اكتفيت عنا بعلمك! ما الفائدة من علم بلا عمل؟ ما الفائدة من عمل بلا إخلاص؟(...) من ينهض بك إلى العمل؟ من يُداويك من سم الرياء؟ من يدلك على الطريق القويم بعد الإخلاص؟ ) فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ( (سورة النحل، الآية: 43).. هكذا أنبأنا العليم الخبير"[4].
إنك يا غافل لا تقرأ إشهار رجل يدعو الناس إلى نفسه، إنما تقرأ نصيحة عالم عَدْلٍ يمحض جلساءه الوصية، ويوصي مَن بَعْدَ زمانه من الصادقين بأن الدواء والترياق هو الصحبة والذكر. الذكر والصحبة. "والبعد عنا سم قاتل". نعم والله ولو حَيِيتَ حياة العافية في بدنك وظاهر إسلامك! هل طبت بالله كما طابوا؟ هل وصلت كما وصلوا؟ اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
من وراء الخبرة و"المعاناة" التي وصفها ابن خلدون أمْرٌ زائد، رحمة خاصة يجعلها الله في قلوب أصفيائه، ويجعل طريق امتصاصها إقبال المريد بصدق، وتعلقه بشيخه كما يتعلق الرضيع بأمه، بمحبة وجوعة وشوق.
كان سلوك القرون الأولى سلوك مجاهدة ورياضة لها قواعدها ورجالها كما وصف كلَّ ذلك القشيري في رسالته والغزالي في إحيائه. والشيخ في سلوك المجاهدة مُرشد وصاحب في الطريق وخبير بالعلل وبركة وقدوة. بعد أن أظهر الله كبار المشايخ مثل الجيلاني والرفاعي والشاذلي من بعدهم أصبح السلوك شيئا فشيئا عن طريق الشكر. المجاهدة مُكَابَدَةٌ وصبر وصمت وعزلة وصوم وذكر وهم في الخلوات، حتى كان من المشايخ من يمنع مريده من مخالطة أحدٍ عدا شيخه. وطريق الشكر أيسر وأقرب، للشيخ و"مغناطيسيته" وبركته فيها الغناء الأول.
ونرجو من كرم من له الفضل والمنة والرحمة سبحانه أن يتصل مدد السالكين فيما يستقبلنا من زمان بحضرة النبوة فيكون السلوك جهاديا عفويا جامعا مانعا رائعا كما كان في عهد الصحابة وهم في حضن خير البرية صلى الله عليه وسلم.
أنت يا من يعتز بعلمه، ولا عمل، فإن كان عمل فلا إخلاص، أيُّ شيء بيدك تريد أن تخرِق به سدود ما بينك وبين ربك مما صنعته غفلتك ورياؤك؟ معك إبرةٌ! اسمع الجيلاني ناصِحَكَ: "يا هَوَس! تغفل! ائتوا البيوت من أبوابها، من أبواب شيوخ الفناء الذين فنوا في طاعة الله عز وجل. صاروا معانيَ، صاروا جليسي بيت القرب. صاروا أضياف الملك يُغْدى عليهم بطَبَقٍ ويراح عليهم بآخر. وتُغَيَّر أنواع الخِلَع (الأوسمة بلسان العصر)، ويَطوف بهم مملكتَه، أراضيَه وسماواتِه، أسراره ومعرفتَه. أنت من وراء حائط عرضه فرسَخٌ، ومعك إبرة. كيف لك أن تثقُبَ! القوم إذا وصلوا إلى ذلك الحائط فتح لهم ألف باب، كل باب منها يدعوهم للدخول إليه"[5].
واسمعه يقول: "هذه الطريق لا تُسْلَكُ مع النفس والهوى(...)، هذا شيء لا يجيء بِعَجَلَتِكَ. يحتاج إلى حبال ورجال وصبر ومعاناة ومجاهدة. وأن تصحب بعض ملوك المعرفة حتى يدلك ويعرِّفك ويحمل عنك ثِقلك. تمشي في ركابه، فإذا تَعِبتَ أمر بحملك، أو أردفك خلفَه، إن كنت محبا أردفك خلفه، وإن كنت محبوبا أركبك في سَرْجه وركب هو خلفك. من ذاق هذا فقد عرفه. القعود مع أهل الأهليّة نعمة ومع الأغيار المكذبين نقمة"[6].
اللهم من علينا برحمتك العظمى، واحمل عنا الأثقال، ويسر لهذه الأمة من الرّجال من يفتح للجهاد ألف باب لا كَإِبَرِ المكذبين.
قال محب حضرتهم:
لِيَكْفِكُمُ ما فيكمُ من جـوىً ألقى فمهـلا بنا مهـلا ورِفقـا بنا رِفقـا
وحُـرمةِ وُدّي لا سئمـت هـواكـم ولا رُمتُ لي منه فَكاكـا ولا عتقـا
سأزجـر قلبا رام في الـحب سَلوة وأهجره إن لم يـمت فيكمُ عشقـا

وقال متيم في هواهم:
ما نـاح في أعلـى الغصـون هـزار إلا تشــوقـت لتــلك الديــارْ
ولا سـرى مـن نحـوكم بــارقٌ إلا وأجـريت الدمــوع الغــزارْ
وا أسفــي أيـن زمـان الحِـمـى وأين هـاتيـك الليـالي القصــارْ؟
وا حرّ قلبي فمتى نلتقي؟ وتنطفي مـن داخــل القـلـب نــارْ؟
وأنظــرُ الأحـبـاب قـد واصـلـوا ويأخـذ الوصل من الهجـر ثــارْ
أقـول للنفـس أبـشــري باللقــا قد واصـل الحِـبُّ وقـرّ القــرارْ

وقلت زادني الله قربا لجنابه ورزقني محبته ومحبة أحبابه:
وا أسفي على زمـن مضــى حَسرتَا فرَّطتُ! والعُمرُ طارْ
بالَّله ضُمُّــوني لجَـمْـعِــكُــمُ أهلَ الصَّفـا فما لنا منْ قــرارْ
تُبــتُ لِـرَبّي فــأنــا ضــارِعٌ إليه يرحـمُ دمــوعي الغــزَارْ




[1] كما جاء في الحديث القدسي المذكور آنفا.
[2] الفتاوي ج 11 ص 499.
[3] بين الشريعة والحقيقة ص 29.
[4] البرهان المؤيد ص 43.
[5] الفتح الرباني ص 37.
[6] نفس المصدر ص 24.
[7] أي يكفي ما ألقَى من عذاب الشوق إليكم.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:44 PM
من أصحب يا رب؟
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب انصرني بما كذبون(. يا ولي الإسلام وأهله، ثبتني به حتى ألقاك.
لا يهم من احترق فؤادُه حسرة على ضياع عمره بعد أن "أُسمع" أن لله أولياء أن يكون الشيخ الدال على الله بمثابة إمام الصلاة أو حاضنة ترضع أو طبيبا يناول القاصد تَرياقا. همُّه المقيم أن يعثر على من يحدثُه عن الله وعن الطريق إلى الله. هذا المريد اليائس من كل شيء دون الله، المنقطعُ للبحث عن الدليل صنفٌ نادر. قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: "مريدو الدنيا فيهم كثرة، ومريدو الآخرة فيهم قلة، ومريدو الحق عز وجل الصادقون في إرادته أقل من كل قليل. هم في القلة والعدم كالكبريت الأحمر. هُم آحاد أفراد في الشُّذوذِ والندور"[1]. وكذلك المشايخ الكمل قلة من قِلة من قِلة. قال الشيخ رحمه الله: "من صحت تبعيته للرسول صلى الله عليه وسلم ألبسه دِرعا وخَوْذَة، وقلّده بسيفه، ونَحَلَه من أدبه وشمائله وأخلاقه، وخلع عليه من خِلَعِه، واشتد فرحُه به كيف هو من أمته، ويشكر الله ربه عز وجل على ذلك. ثم يجعله نائبا له في أمته، ودليلا وداعيا لهم إلى باب الحق عز وجل(...) وهم آحاد أفراد، من كل ألفِ ألفٍ إلى انقطاع النفس واحدٌ"[2].
إن وجد الطالبُ الغريبُ الفريد، الصادق في طلبه، فكيف لقاؤه مع ذلك الوارث الكامل المتحقق بتبعيته الشاملة للرسول صلى الله عليه وسلم، النادر حتّى لا تجد إلاّ واحدا في الخلق بعد أن تصعد الحساب إلى آلاف الآلاف تعدها حتى ينقطع نَفَسُك؟
تلتفت إلى مصدر الهداية والنّور والدلالة على الله وهو الرسول المكرم صلى الله عليه وسلم فيخبرك أن: "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"[3]. انظر وابحث وتحرَّ لئلا تسقط على أول خطيب يسحرك ببيانه، أو أول واعظ رقَّقَ قلبك فأبكاك وأبكى الناس، أو أول ذي رئاسة في العلم الظاهر حوله هالة وتلامذة، أو أول متشايخ من أبناء الفقراء له في الطريقة نسب عريق، أو حتى أول مُبَهْرِج نصّاب مرتزق، بل أول شيطانيٍّ عراف يُخبرك أخبار بيتك ويُمخرق وتزدحم العامة الذبابية على بابه.
رتبة المشيخة الحقيقية عالية نادرة عزيزة الوجود، فكيف السبيل إلى معرفة صاحب الأهلية وأنت قاصر؟ قال الإمام أبو النجيب السهروردي: "رتبة المشيخة من أعلى الرتب في طريق الصوفية ونيابة النبوة في الدعاء إلى الله". ولقب "شيخ" لقب ذائع شائع حتى ليطلقه عامة العامة وعامة القُراء على كل من يفتح الكتابَ ويُنَسِّق بعض العبارات ويتصدّى للفتوى وفصل الأحكام.
أمامك إحدى ثلاث طرائق للنظر والبحث فيمن تخالل. فالأمر موكولٌ إليك.
أول طريقة أن تعتمد على موازينك المسكينة وتزن بها من يُشار عليك بصحبته. تجيء بمواصفات مسبقة وَقَرَتْ في فهمك، فربَّما تتصور هذا الوارثَ الكامل النائبَ في مقام الدعوة إلى الله على صورة ما يشبه الملائكة، فكن على ثقة أنك لن تعثر على شيء ولو انقطعت أنفاسك مرات في عد الآلاف، ولو انقطع عمرك في السياحة شرقا وغرباً تحمل معك تلك الموازين المسكينة. ذلك أن أولياء الله أصنافٌ ومراتبٌ وألوانٌ، منهم الوسيم الجميل الفصيح البليغ الجامع بين علم الظاهر وعلم الباطن، ومنهم الأشعث الأغبر، الذي لا يكاد يُبين. وربما يفوتُك الفَوْت حين تتخطّى رجلا عاديا في مظهره لا يُؤبَهُ له، وهو من هو. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: "رُبَّ أشعث أغبرَ مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرَّه".
ويعقد نفس الإمام مسلم في كتاب "فضائل الصحابة" بابا لذكر نموذج الولي الأشعث الأغبر: "بابٌ من فضائل أُوَيْسٍ القَرنِيِّ رضي الله عنه". روى في هذا الباب أن وفدا من أهل الكوفة وفدوا على عمر بن الخطاب رضي الله عنه زمان خلافته، وفيهم رجل ممن كان يسخر بأُوَيْس. فقال عمر: "هل ههنا أحد من القَرَنِيِّينَ؟" فجاء ذلك الرجل فقال عمر: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أُويس. لا يدع باليمن غير أم له. قد كان به بياضٌ فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضعَ الدينار أو الدرهم. فمن لقيه منكم فليستغفر لكم".
الصحابة ذوو القدر العالي عند الله ورسوله يُنصحون بالتماس بركة رجل ما هو من الصحابة ولا ممن يؤبه بهم، دعاؤه مستجاب. فأين تقع موازينك من معرفة الرجال؟
الطريقة الثانية أن تجرِّب ثم تجرب حتى تعرف من نفسك هل عثرت على من: "ينهض بك حاله ويدلك على الله مقاله". وهنا أيضا إن اعتمدت على يقظتك وفطنتك ستقضي عمرا طويلا في بلاد التيه لأنك لا تستطيع تُميز بين"النهضة" التي يحدثها فيك مقال الواعظ الصادق الذي يسمعه العاصي فيتوب إلى الله على يديه، وبين "نهضة" القلب الذي تنتزعه صحبة العارف الوارث من لصوقه بالدنيا، وتحلق به في سماء طلب وجه الله. ثم إنك قد تجرِّب على المطلوب الحقيقي فتجده على غير ما كنت ترجو. وقد يصدر منه السلوك البشريُّ العاديُّ فتنكره، فلا تستطيع معه صبراً كما لم يستطع موسى صبراً مع الخضر عليهما السلام. نعم، لا يكون أحد من الصالحين، بَلْهَ أن يكون من الأولياء المتبوعين وهو مرتكب للكبائر مصر على الصغائر. ميزان الشرع معك هو وحده عاصمك. لكن ما زاد عليه مما هو من مثاليات معاييرك المسبقة فأوهام لا تنفع.
كنتُ حين استوحشت من الدنيا عِفْتُ نفسي وطار لُبّي في طلب الحق عز وجل. اخْشَوْشَنْتُ وانقبضت وانصرفت للعبادة والتلاوة والذكر آناء الليل وأطراف النهار. فلما منّ علي الحنان المنان له الحمد والثناء والشكر بلقاء شيخي رحمه الله وجدت أنْساً ورحمة وطلاقة وبشرا وفرحا بالله. ما كنت أتصور مدة انقباضي و"أزمتي" وبحثي أن من شأن مريد صادق أن يضحك، ولا أن يلتذ بطعام وشراب، ولا أن يستقرّ به فراش وينعم بنوم.
دعك من الاعتماد على غير الله، وابحث واحمِلْ معك ميزان الشرع، لكن لا مخرجَ لك من البحث التائه إلى أن تقف على باب الملك الوهاب الهادي. استخره واستعنه وتوكل عليه ولن تعدُوَ قدرك ومقدورك وسابقتك على كل حال. قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: "إذا أشكل عليك الأمر ولم تفرق بين الصالح والمنافق فقم من الليل وصل ركعتين ثم قل: يا رب دلَّني على الصالحين من خلقك، دلني على من يدلني عليك، ويطعمني من طعامك، ويسقيني من شرابك، ويكحل عين قلبي بنور قربك، ويخبرني بما رأى عيانا لا تقليدا"[4]. وقال: "إذا أردت أن تصحب أحدا في الله عز وجل، فأسبغ الوضوء عند سكون الهمم ونوم العيون، ثم أقبل على صلاتك تفتح باب الصلاة بطُهورك، وباب ربِّك بصلاتك. ثم اسأله بعد فراغك: من أصحب؟ من الدليل؟ من المخبر عنك؟ من المفرِّدُ؟ من الخليفة؟ من النائب؟ هو كريم لا يخيِّبُ ظنَّك. لا شك يُلهم قلبك، يوحي إلى سرِّك، يفتح الأبواب، يضيء لك الطريق. من طلب وجدَّ وجد"[5].
من علامات صدق طلبك أن تُديم الوقوف بباب الملك الوهاب، وأن تديم التوسل إليه والضراعة والاستغفار والاستخارة. ثم توكل عليه بعد أن يطمئن قلبك، ولا تلتفت إلى وراء. فإن حَسْبَك الله.
يقول المعترض الخليُّ من هم الله وهمِّ نفسه وعُمْرِه: ما بالنا وبال الشيخ! الشيخ، الشيخ! القصد معروف، وطريق الآخرة واضحة، والكتاب والسنة بين أيدينا. يقول ذلك وهو في دار الغفلة راقد، طاب له المأكل وهَنَأَ بالمشرب. مجنون بالدنيا وبنفسه، مغرور بهما. لمثل هذا أحملُ رسالة من الشيخ عبد القادر رحمه الله يقول فيها: "تعلّق برجال الحق. أنتم مجانين غَرْقى في بحر الدنيا. رجال الحق يداوون المرضى، وينجون الغرقى، ويرحمون أهل العذاب. كن عنده إذا عرفته، فإن لم تعرفه فابك على نفسك!"[6].
ابك على نفسك إن كنت خاليا من الإرادة العليّة، بارد الهمة، نزّاعا إلى الأرض، مخلداً إليها، راضيا بالحياة الدنيا. وإلا فابك على الله عز وجل أن يتداركك بمن يحملك ويحمل عنك. من فاته الله فاته كل شيء.
يا بارد يا شاردُ! اسمع مقالة الشيخ الرفاعي: "من فاته الله فاته كل شيء. بالله عليك هذه المعرفة تمر! هيهاتَ هيهاتَ! من خرج عن نفسه وغيره، وصفع أبَّهَة طبعه، تخلّص من الجهل. جُبَّة صوف وتاج وثوب قصير! جبة حزن وتاج صدق وثوب توكل! وقد عرفتم! العارف لا يخلو ظاهره من بوارق الشريعة وباطنه من نيران المحبة. يقف مع الأمر، ولا ينحرف عن الطريق وقلبُه يتقلب على جمر الوَجد"[7].
يا هذا! ما معرفة الله عبارات تلوكها الألسنة وتُسطَّرُ جملا مرصوفةً على القرطاس. ما هي بضاعة يمر بها التاجر في الشارع، سهلة المتناول رخيصة الثمن. الجبة من الصوف، والتاج من عمامة الفقراء، والثوب القصير شعار الزهاد، كانت براهينَ صدق المريدين زمان الخلوة والانزواء والانطواء. ذهب ذلك الزمان وبقي نداء أهله الصادقُ المُرَدِّد لوصية النبوة بالحزن على ما فات، والصدق في طلب الحق، والتوكل على الله عز وجل في اقتحام العقبة. والطريق مُشْرَعَةٌ إلى الله عز وجل إلى يوم القيامة في وجه من طلب، وجدَّ، وصبر، ووجد الدليل والرفيق، ووجد من يغسله وينقيه ويغذوه ويكسوه ويُجَمِّله حتى يصلح لتلك الحضرة.
الشيخ بمثابة الماشطة، وهي العجوز الخبيرة التي يوكل إليها تزيين العروس ليوم جلوتها. قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: "يا غلام! العمل بالقرآن يوقِفك على منزِّلِه، والعمل بالسنّة يوقفك على الرسول نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم. لا تَبْرَحْ بقلبك وهمتك من حول قلوب القوم. الشيخ هو المستفتِح باب القرب لها. هو الماشطة. هو السفير بين القلوب والأسرار وبين ربها عز وجل(...). لو ملكت الدنيا كلّها ولم يكن قلبك كقلوبهم كنت لا تملك ذرة.(...) ويحك! اعرف قدْرك! إيش أنت بالإضافة إليهم؟ أنت كل همك الأكل والشرب واللبس والنكاح وجمع الدنيا والحرص عليها. عَمَّالٌ في أمور الدنيا، بطّالٌ في أمور الآخرة. تعبِّئ لحمك، وتهدفه للدود وحشرات الأرض"[8].
وقال: "إنك عبد مَنْ زِمامُكَ بيده. إن كان زمامك بيد الدنيا فأنت عبد لها. وإن كان زمامك بيد الأخرى فأنت عبد لها. وإن كان زمامك بيد الحق عز وجل فأنت عبد له. وإن كان زمامك بيد نفسك فأنت عبد لها(...). منكم من يريد الدنيا، والقليل منكم من يريد وجه رب الدنيا والآخرة"[9].
وقال المشتاق إلى لقياهم، المحترق شوقا ولهفة:
يا راحلا وجميل الصبر يتبعـه هل من سبيل إلى لقياك يتفـق؟
ما أنصفتك جنوبي وهي دامية ولا وفى لك قلبي وهْو يحتـرق

وقال آخر:
فأسفا لأيـام وإخـوان مضـوا ومنـازل فـارقتهــا معــلوبـا
قلَّبْتُ قلبي جمـرة من بعـدهم ولبِستُ عيشي بعـدهم مقلـوبـا
طالبت بعـدهم الزمـان بمثلـهم فأجابني هيهـات، لا مطلوبا!

وقال آخر:
فآهـا من الرَّبـع الذي غيَّـر البِلـى وواهـا من القـوم الـذين تفـرقــوا
أصون تـراب الأرض كـانوا حلـولها وأحـذَرُ مـن مَـرِّي عليهـا وأفـرق
ولم يبق عنـدي للهـوى غير أنـني إذا الرّكب مـروا بي على الدارأشهق

وقلت عافاني الله وإياكم من البرود والشرود:
يا رب قيِّــض قبــل حين مَنيَّــتي عَبـداً مُنـيـبــاً أتَّـخــذه خلـيــلاً
أنِفَ الفــؤادُ من الحيــاة بدونكــم فمتى أصيب إلى الوصول سبيـلاَ؟
ومتــى تَدارَكـُني عنــاية فضلكُــم ومـتى ألاقـي في الطــريقِ دليــلاَ؟




[1] الفتح الرباني ص 58.
[2] الفتح الرباني ص 107.
[3] أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة.
[4] الفتح الرباني ص 119.
[5] نفس المصدر ص 330.
[6] نفس المصدر ص 373.
[7] البرهان المؤيد ص 39.
[8] الفتح الرباني ص 76.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:45 PM
ولادة القلب
بسم اله الرحمن الرحيم. )رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين(. اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة.
موتى هم أكثر من في الأرض، على رَشْحَةٍ من حياة هو المسلم الغارق في لُجَّةِ الدنيا، على رجاء في الحياة الآخرة هو المؤمن الذي تاب وعمل صالحا. الأحياء عند ربهم هم الشهداء قتلوا في سبيل الله. وللأولياء حياة مثلها معجَّلةٌ قبل مفارقة الروح الجسد. لهم ميلاد قلبيٌّ ووجود جديد. على هذا شُدَّ يَدَكَ. واعلم أن الشيخ الكامل أبٌ لروحك إن عثرت عليه وأحبَبْته وصحبته وكان لك عنده من الله وديعةٌ سبقت إليك بها الحسنى من المنعم المتفضل الوهاب سبحانه. كل ما سمعته من أن الشيخ كإمام الصلاة أو بمثابة طبيب مرشد يمكن أن يطابق حال طالب الاستقامة، يتمسح بشيخ على مَسْحَةٍ من صلاح، يتمسح قبرٌ بقبرٍ، يسيرُ ميِّتٌ في جنازة ميت.
على هذا شُدَّ يَدَكَ، ودعهم يرمونك عن قوس واحدة ويَسْلِقُونَكَ بألسنة حدادٍ : ما هذا الهراء ! اقرأ لنفسك قول الله تعالى: )أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا( (سورة الأنعام، الآية: 122). واقرأ عليهم قوله عز من قائل: )إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ( (سورة النمل، الآية: 80). ) قُلِ اللّهُ، ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ( (سورة الأنعام، الآية: 91).
ويا حسرتا على من يستخفّ بكلام الرجال، يفنون عمرهم في تحقيق الطريق ليُدْلوا لك بشهادتهم ويقدموا لك النصح الخالص على طبق! يا حسرتا على من لم يسمع! ويا حسرتا على من لم يذق! ويا حسرتا على من لم يشمَّ حتى الرائحة لأنه استغشى ثيابه لمّا جاءته كلمة النصح، وجدها مرة. أزُفُّ لغير هذا الميت، فما لجُرْحٍ بميِّت إيلامٌ، كلمةَ أسَفٍ من ابن القيم ناصحك ووامقك. قال: "فوا أسفاه! وا حسرتاه! كيف ينقضي الزمان، وينفد العمر والقلب محجوب، ما شمَّ لهذا رائحة. وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيشة البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس. فكانت حياته عجزاً، وموته كمداً، ومعاده حسرةً. وا أسفا! اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التُكْلان، ولا حول ولا قوة إلاّ بك"[1].
ذبح القوم نفوسَهم، ووطئوا بالأقدام شهواتهم وأنانيَّتَهم، وصلّوْا على الدنيا صلاة الجنازة، وجاءوا حبواً على الركب ليلْقَوا رجلا يعطف، ويؤوي، ويتعهد الزرع، ويسقي الريحان القلبي إذا تفتح، ويمشط العروس ويطيب ويبخر، ويستقبل المولود ويرضع ويفطم ويغذو.
هل بوسعك أن تذبح نفسك وهواك وأنانيتك هذه الذبحة لتجد رَوْحَ الشهادة في سبيل الله إن فاتتك الشهادة في صف القتال؟ "تميتها فلا يبقى لها عندك من القدر شيءٌ، فلا تغضَب لها، ولا ترضى عنها، ولا تنتصر لها، ولا تنتقم لها. قد سَبَّلْتَ عِرْضَها ليوم فاقتها وفقرها، فهي أهون عليك من أن تنتصر لها". وإنما تنتصر لله، وتغضب لله ثم يقول صاحب هذا الكلام، ابن القيم رحمه الله: "وهذا وإن كان ذبحا لها وإماتة عن طباعها وأخلاقها، فهو عين حياتها وصحتها، ولا حياة لها بدون هذا البتَّةَ. وهذه العقبة هي آخر عقبة يُشرف منها على منازل المقرَّبين، وينحدر منها إلى وادي البقاء ويشرب من عين الحياة، ويخلِّصُ رُوحه من سجون المحن والبلاء، وأسر الشهوات، وتتعلق بمعبودها وربِّها ومولاها الحقِّ. فيا قرة عينها به ! ويا نَعيمَها وسرورها بقربه ! ويا بهجتَها بالخلاص من عدوها!(…) وهذا الزهد (في النفس) هو أول مهر الحب، فيا مُفلسُ تَاجِرْ!"[2].
هذا هو المَهْرُ، تتقدم به إلى والدك الرّوحي ليتاجِرَ لك في قضيتك، ويخطب لك، ويَجْلُوَ لك العروس، ويشرِف على الميلاد السعيد.
لا تظنَّ أخي أنّ القوم يُنَمِّقون العبارات، ويتجاوزون حدود الاستعارة والمجاز ليحلِّقوافي سماء الخيال معبِّرين عن مواجيد غامضةٍ. أولئك أصحاب الشّطحْ حين تجمح بهم الحقائق. أما مسألة الميلاد القلبي والوجود الجديد والفناءِ بعدَه البقاءُ ورضاع الوليد وفطامه وتربيته فهي مراحل للنشأة الآخرة التي ينشئها الله عباده بعد مفارقة الروح الجسد، يعجلها سبحانه لأوليائه تعجيل تشريف وتكريم ليكونوا على بصيرة يستبشر بعضهم بما آتاهم الله من فضله في خاصة نفسه، ويتصدّى فحول الكُمَّل للإشراف على تربية جنين من جاء بالمَهر وأخلص لوجه الله الطلب والإرادة والهمة.
قال: الإمام أبو النجيب السهروردي في كتاب "عوارف المعارف"، وهو من أئمة القوم رضي الله عنهم، غير السهروردي المقتول الفيلسوف الزنديق. قال: "وبما هيأ الله تعالى من حسن التأليف بين الصاحب والمصحوب، يصير المريد جُزْءَ الشيخ كما أن الولد جُزْءَ الوالد في الولادة الطبيعية. وتصير هذه الولادة آنفا ولادة معنوية"[3].
بهذا الميلاد المعنوي يُدخِل المريدَ عالم الملكوت مع رفاقه وَلِدَاتِه وإخوتِه في الشيخ، إخوته في الله. قال: "والمشايخ منهم من يكثر أولاده ويأخذون عنه العلوم والأحوال ويُودِعُونَها غَيْرَهم كما وصلت إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الصحبة. ومنهم من تقل أولاده. ومنهم من ينقطع نسله".
قال قدس الله سره: "الولادة الظاهرة يَطرُق إليها الفناء، والولادة المعنوية مَحْميَّة من الفناء(...). فتبين أن الشيخ هو الأب معنى"[4]. وكان الشيخ أبو النجيب يقول: "ولدي من سلك طريقي واهتدى بهديي".
ويفصل الإمام بعد هذا مراتب الشيوخ: أولها: "السالك المجرَّدُ الذي لا يؤهل للمشيخة ولا يبلغها لبقاء صفات نفسه عليه. فيقف عند حظه من رحمة الله تعالى في مقام المعاملة"[5]. هذا رجل صالح لم يذبح نفسه ولم تُجْلَ عروسه، ولم يولد جنينُه. المرتبة الثانية مرتبة المجذوب الذي تَخْطَفُه يد القدرة عن وجوده. وقد يسيح في الأرض ويقول الناس: مجنون! هذا، "يُبادئه الحق بآيات اليقين، ويرفع عن قلبه شيئا من الحجاب، ولا يؤاخذ في طريق المعاملة". هذا مُوَلَّه في ربِّه لا حاجة له بشيخ، وهو من"صبيان الحضرة"، من الأطفال الأبديين. المرتبة الثالثة مرتبة "السالك الذي تُدُورِكَ بالجَذْبة". ثم المرتبة الرابعة مرتبة "المجذوب المتدارك بالسلوك"، "يرتوي من بحر الحال ويتخلَّص من الأغلال والأعلال".
وأعلى المراتب مرتبة المراد المحبوب المقرَّب "الذي أهل للمشيخة، سلم قلبُه، وانشرح صدره، ولان جلدُه فصار قلبه بطبع الروح، ونفسه بطبع القلب. ولانت النفس بعد أن كانت أمارة بالسوء مستعصية. ولان الجلد للين النفس". ويقبله الحق عز وجل حتى يتحرر "ويصير حرّا من كل وجه".
قال رحمه الله: "واعلم أن مع الشيوخ أوان ارتضاع وأوان فطامٍ، وقد سبق شرح الولادة المعنوية. فأوان الارتضاع أوان لزوم الصحبة. والشيخ يعلم وقت ذلك(...). فلا يأذن الشيخ للمريد في المفارقة إلا بعد علمه بأن آن له أوان الفطام(...) ومتى فارق قبل أوان الفطام يناله من الأعلال في الطريق بالرجوع إلى الدنيا ومتابعة الهوى ما ينال المفطوم لغير أوانه في الولادة الطبيعية"[6].
قال: "الطالب الصادق إذا دخل في صحبة الشيخ، وسلَّم نفسه، وصار كالولد الصغير مع الوالد، يربيه الشيخ بالعلم المستمَدِّ من الله تعالى بصدق الافتقار"[7]. وعندئذ يصبح له وجود جديد. قال رحمه الله: "وهذا الوجود موهوب مُنَشَّأٌ إنشاءً ثانيا للمتمكن في مقام الصحو. وهو غير الوجود الذي يتلاشى عند لمعان نور المشاهدة، لمن جاز على ممر الفناء إلى مَقَارِّ البقاء"[8].
عن هذا الوجود يقول ابن القيم المتحسِّر عليك يا من تُسَمَّعُ ولا تَسمع: "فإن اللفظ لملوم، والعبارة فتانة(...). يذهب العبد عن إدراكه بحالِه لما قهره من هذه الأمور. فيبقى بوجود آخر غيرِ وجودِه الطبيعيِّ. ولا أظنك تصدق بهذا. وأنه يصير له وجود آخر! وتقول هذا خيال ووهم! فلا تعجل إنكار مالم تحط بعلمه، فضلا عن ذوقِ حاله، وأعط القوس بارِيَها، وخل المطايا وحاديَها"[9].
ويسأل المنكر: ما الدليل؟ فيجيب العالم العامل الجهبذ ولي الله تعالى: "إن طالب الدليل إنما يطلبه ليصل به إلى معرفة المدلول. فإذا كان مشاهداً للمدلول، فما له ولطلب الدليل.
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النّهار إلى الدليل
فكيف يحتاج إلى إقامة الدليل على من النهار بعض آياته الدّالة عليه؟"[10].
القوم لا يقرّرون للعقل أدلّة المنطق لأنهم لا يضعون أنفسهم معك في موضع الجدال. إنما ينبسطون إليك مشافهة وكتابة ليخبروك بواقع، ويشهدوا لديك، ويبشِّروك، ويستنهضوك ومن آلاف آلاف الشاكِّين والمشككين واللاهين الغافلين الغرقى واحد يجد الوديعة، ويُسْهِر لياليَه الخَبَرُ، ويؤرقه وقع الشهادة، ويقبل البشرى، وينهض يبحث عن أبوّة روحيّة.
هل عند المعترضين تحت لافتات السلفية المقلدين ما يفسرون به تصريح عظماء الرجال في شأن الولادة والأبوة الروحية؟ هذا نص آخر نقدمه إليهم عسى الله أن يعفو عنا وعنهم. قال ابن القيم رحمه الله: "سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذكر ذلك (أي مرتبة الوجود الثاني التي هي أعلى مراتب الإحسان) ويفسره بأن الولادة نوعان: إحداهما هذه المعروفةُ، والثانية ولادة القلب والروح وخروجهما من مَشِيمَةِ النفس وظلمة الطبع. قال ابن تيمية: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين(…) قال: فالشيخ والمعلم والمؤدب أب الروح. والوالد أب الجسم"[11].
قلت: وهذا توسيع وتعويم للمعنى الدقيق الرقيق الذي يعرفه القوم، ويطل عليه العلماء العاملون أولياء الله على "قدرهم المشترك".
الشيخ الكامل الوالد المربي مراد أهل الله، وغايةُ مناهم. قال السهروردي رحمه الله: "الشيخ المطلَق، والعارف المحقِّق، والمحبوب المعتَّق نظره دواءٌ، وكلامه شفاء. بالله ينطق. وبالله يسكت. كما وَرد: لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه(...) الحديث. فالشيخ يعطي بالله، ويمنع بالله"[12].
على مثل هذا شُدَّ يدك إن ظفرت به، وازهد في الدنيا ومن فيها. قال المشفق المحب ابن القيم: "لا ريب أن عيش المشتاق مُنغَّصٌ حتى يلقى محبوبَه. فهناك تَقرّ عينه، ويزول عن عيشه تنغيصه. وكذلك يزهد في الخلق غايةَ الزهد لأن صاحبه طالب للأنس بالله والقرب منه. فهو أزهد شيء في الخَلْق إلا من أعانه على المطلوب منهم، وأوصله إليه. فهو أحب خلق الله إليه. ولا يأنسُ من الخلق بغيره، ولا يسكن إلى سواه. فعليك بطلب هذا الرفيق جُهْدَك. فإن لم تظفر به فاتخذ الله صاحبا ودع الناس كلهم جانبا"[13].
أقول: إن لم تظفر به فالجأ إلى باب المولى الهادي ليهديك إليه، ويدلّك على الدالِّ عليه. لا تكن قبوريا تتردّد على أضرحة الأولين، تتمسح بالأشباح الخاوية أشباح المتطفلين المتقولين. في أهل عصرك طلبتك، فيا ربِّ من الدليل عليك؟
قال الطالب الخبير بما يطلب:
ما الناس إلا الصالحون حقيقة وسـواهـم متـطـفـل في النـاس
كم بين أمـواتٍ زمـانَ حيـاتهم معنـىً وأحيـاءٍ مـع الأنفــاس
فإذا ظفـرت بصالح فـاشدد به كَفَّيْـكَ تشـدد بالطبيب الآسـي

وقال محب فارقه الوالد بعد الفطام:
لو كنت أملك طرفي ما نظرت به من بعد فـرقتـكم يـومـا إلى أحـد
ولست أعتـده من بعـدكم نظـرا لأنـه نظـر من نـاظِــرَيْ رَمِــدِ

وقلت اعترافا وشكرا لله والناس:
كـم بَين مَيتٍ لِلزَّمــان يُقاسي ومُحبَّبٍ حي مشى في النَّـاس
جعلَ الإلهُ لِنــوره في قـلـبــهِ مثلاً من المشكـاةِ والنِّبــراسِ
يا ربِّ عَجِّـل لي اللِّقــاءَ بمثله واخْـترْ لِعِلَّـتيَ الطَّبيبَ الآسِـي




[1] طريق الهجرتين ص 268.
[2] طريق الهجرتين ص 325.
[3] على هامش الإحياء ج 2 ص 16- 18.
[4] على هامش الإحياء ص 21.
[5] نفس المصدر ص 22 – 26.
[6] على هامش الإحياء ص 43.
[7] نفس المصدر ص 45.
[8] نفس المصدر ص 214.
[9] مدارج السالكين ج 3 ص 326 – 327.
[10] نفس المصدر ص 326.
[11] نفس المصدر ص 69.
[12] عوارف المعارف ج 2 ص 26- 28.
[13] مدارج السالكين ج 2 ص 54.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:45 PM
المحبة والأدب عماد الطريق وسمة الطائفة
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب انصرني بما كذبون(. اللهم إني أسألك غناي وغنى مولاي.
كثيرا ما تسمع مسلما جديدا أتى إلى الإسلام من الكفر أو الإلحاد يقول: هذا ميلاد جديد لي! ويقول التائب من الذنب: هذا ميلادي، ويقول الداخل مع المؤمنين في جماعة: هذا ميلادي. وما منهم إلا صادق يعبِّر عن فرحه وتحوله الحقيقيين. وبهذا الاعتبار فالمربي والمعلم والمؤدب والواعظ والداعية المرشد آباء بمعنى ما. لكن الميلاد القلبي الروحي حقيقة أخرى لا مقارنة بينها وبين غيرها. من السالكين من يخبره الشيخ، إن رأى في ذلك حكمة، بهذه الأمور، أو يبشره بميلاده وخطواته نحو الرجولة. ومنهم من يمثّل الله تعالى له ذلك في رؤيا المنام أو اليقظة. ومنهم من لم يقرأ ولم يسمع عن شيء من ذلك حتى فاجأه الفتح وجاءه النصر، وارتفعت على رأسه أعلام الولاية وهو يرى نفسه أحقر من أن يتطلع لأفق أعلى من مغفرة ذنبه.
من السالكين من تُطَوِّرُه العناية الإلهية في أطوار السلوك إلى الوجود الثاني والنشأة الآخرة وهو فاتح عينيْه على المشاهد والمقامات والأحوال، مشغول بالفرجة على تلك المغاني السَّنيَّة. وأعلى السلوك وأكملُه وأقربُه وأحبّهُ وأطيبه سلوك كبار الصحابة رضي الله عنهم الذين نشأوا ورشدوا في حجر خير البرية صلى الله عليه وسلم، إمام الأنبياء، وأب الأولياء. كبار الصحابة هم سادة الأولياء وأئمتهم. فضلوا الكل بالصحبة المباشرة لأكرم مخلوق على الله. وفضلوهم بالجهاد، شغلتهم نُصرة الله ورسوله عن تَملِّي بَهاء الأنوار الكونية، وعن تذوق التجليات الربانية. شغلتهم الاستماتة في سبيل الله في ميادين الجلاد عن ما يحدثه الله عز وجل في قلوبهم وأسرارهم من إنشاء معنوي روحي. شغلتهم الدعوة والهجرة والنصرة وتدبير أمر الأمة عن الاهتمام بالتحولات الباطنية فيهم، زواها الله عنهم، ودبَّرها لهم تدبير الوكيل. كانوا لله فكان الله لهم. ولا تظنَّنَّ أن سكوتهم عما لَهَجَ به من بعدَهم قصورٌ، بل هم في القمة، نالوا ما ناله القوم رضي الله عنهم، وزادوا، وزادوا.
العُمدة ليست في اطّلاعك على ما يفعله الله بك عز وجل، العمدة في اشتغالك بما أمرك. فمما أمرك به الجهاد. كان القوم أحلاس بيوتهم فما وجدوا من جهاد إلاّ جهاد أنفسهم، وأنت يا من تقرأ كتابي أحياك الله في أزمنةٍ أصبح فيها الجهاد لإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة فرضا. فاشتغل بالعمل الصالح، لكن لا يفتك الله، واطلب من بين المجاهدين من يحضُنك ويطيبك ويبخِّرُك، ويزجُّ بك في حضرة الأحياء بالله في نفس الوقت الذي يحرِّضُك فيه على الجهاد في سبيل الله. إن فاتك طلب الله مع الطالبين، والشوقُ إليه مع المشتاقين، والسير مع السائرين، والولادة في الروح والمعنى مع الوالدين والمولودين، فقد تنال الشهادة الصغرى بالموت الطبيعي، تصيبك رصاصة في سبيل الله. لكن الشهادة الكبرى لا ينالها من انحصرت همته في طلب جنات النعيم ومفاكهة الحور العين. لا ينالها إلا من قتله سيف الحب لله، والحب في الله، والأدب مع الله ومع أولياء الله.
من ظفر بالكنز العزيز، الشيخ الكامل المكمِّل، وحظي عنده بالقبول، فذاك عنوان سعادته. فليحرص على مُخَالَلَتِه، إذ الرجل على دين خليله. وذلك بالتوجه القلبي إليه، وبتعظيمه وتوقيره وتعزيره حتى تتشرب روحُه من روحه، ويستقي غصنه من جذوره. قال الأستاذ القشيري: "وقبول قلوب المشايخ للمريد أصدق شاهد لسعادته. ومن ردّه قلب شيخ من الشيوخ فلا محالة يرى غبَّ ذلك ولو بعد حين. ومن خُذِل بترك حرمة الشيوخ فقد أظهر رَقْم شقاوته، وذلك لا يُخطئ"[1].
يؤكد القوم النصيحة باحترام المشايخ وطاعتهم. وقد يقول قائلهم: "يكون بين يديه كالميت بين يدي غاسله". وهي مقالة خطيرة، لأنّ المريد لا يستطيع تمييز الشيخ الرباني من النصّاب الكذاب، فيسقط في يد نفس طاغية تلعب به كما تلعب بصاحبها. لذلك يفصل الإمام الغزالي شروط الشيخ الذي تتعين حُرمته، ويشير إلى المعاملة اللازمة معه إن أخطأ. فكل ابن آدم خطّاء، حتى كُمَّلُ الأولياء، حاشا المعصومين أنبياء الله. قال رحمه الله: "شرط الشيخ الذي يصلح أن يكون نائبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون عالما. ولكن لا كلّ عالمٍ يصلح للخلافة. وإني أبين لك بعض علامته على الإجمال، حتى لا يدعي كل أحد أنه مرشد: من يعرض عن حبِّ الدنيا وحب الجاه، وكان قد تابع لشخص بصير تتسلسل متابعته إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وكان محسنا رياضةَ نفسه من قلَّة الأكل والقول والنوم وكثرة الصلوات والصدقة والصوم. وكان بمتابعة الشيخ البصير جاعلا محاسن الأخلاق له سيرة، كالصبر والصلاة والشكر والتوكل واليقين والقناعة وطمأنينة النفس والحِلم والتواضع والعلم والصدق والحياء والوفاء والوقار والسكون والتأنّي وأمثالها. فهو إذا نور من أنوار النبي صلى الله عليه وسلم، يصلح للاقتداء به. ولكن وجود مثله نادر أعز من الكبريت الأحمر. ومن ساعدته السعادة فوجد شيخا كما ذكرنا، وقبله الشيخ، ينبغي أن يحترمه ظاهرا وباطنا، أما احترام الظاهر فهو أن لا يُجَادله، ولا يشتغل بالاحتجاج معه في كل مسألة وإن علم خطأه. ولا يلقي بين يديه سجّادته إلا وقت أداء الصلاة، فإذا فرغ يرفعها. ولا يكثر نوافل الصلاة بحضرته، ويعمل ما يأمره به الشيخ من العمل بقدر وُسعه وطاقته. وأما احترام الباطن فهو أن كلَّ ما يسمع ويقبَلُ منه في الظاهر لا ينكره في الباطن لا فعلا ولا قولا لئلا يتسم بالنفاق. وإن لم يستطع يترك صحبته إلى أن يوافق باطنه ظاهره"[2].
ظواهر العبادة والأخلاق قد يتحلى بها عابدٌ زاهد فاضل عالم ليس من "فن" السلوك في شيء فيا ربِّ من أصحب! من الدليل! ونلاحظ إلحاح الغزالي على تسلسل المتابعة. وهي نقطة أساسية، فمن لا أب له في طريق القوم لقيط دخيل، إلا أن يكون مجذوباً من أطفال الحضرة، وذاك لا يقتدى به ولا يَلِدُ ولا يربِّي. وكان الغزالي رحمه الله من أكثر الناس انقيادا للمشايخ، وبذلك فاز.
ويقول الشيخ عبد القادر رحمه الله: "يا قوم! متى تعقلون! متى تدركون الذي أشير إليه! طوفوا على من يدلكم على الحق عز وجل. فإذا وقعتم بهم فاخدموهم بأموالكم وأنفسكم. المشايخ الصادقون لهم روائحُ، لهم علامات ظاهرة نيِّرة على وجوههم. ولكن الآفة فيكم وفي بصائركم وفي أفواهكم السقيمة. ما تفرقون بين الصّدّيق والزنديق"[3]. لهم روائح لكن أين لك بالشم الذي به تتخالل الأرواح! قال الإمام السهروردي: "فإذا صادف (المريد) شيخا انبعث من باطن الشيخ صدقُ المحبة بتأليف القلوب وتشامِّ الأرواح وظهور سر السابقة فيهما باجتماعهما لله وفي الله وبالله"[4].
بأدبك مع المخلوق وشمِّك من روحه تتعلم الأدب مع الخالق سبحانه. وبصبرك في صحبته تتماثل للبروز إلى وجودك الروحي الكاملي. قال الشيخ عبد القادر قدس الله سره: "ما تأدبت مع المخلوق وتدعي الأدب مع الخالق! المعلم ما رضي عنك! ولا تأدبت معه، ولا قبلت أوامره. تقعد في الدست وتتصدر! لا كلام حتى يقوم توحيدك على رجلِه ويثبت بين يدي الحق عز وجل، وتخرج من بيضة وُجودك، وتقعد في حِجْر اللطف، وتكونَ تحت جناح الأنس به، وتلقُطَ حَبَّ الإخلاص، وتشرب ماء المشاهدة. ثم تبقى على ذلك إلى أن تصير ديكا". وا أسفا على من يظن أن هذا الكلام تزويق وتنميق! لكن ما الحيلة معك إن كنت قفصا بلا طائر! ما الحيلة إن كانت أنانيتك وكبرياؤك أحبَّ إليك من الله ورسوله!
وقال رحمه الله: "من أراد الفلاح فليصر أرضاً تحت أقدام المشايخ. ما صفة هؤلاء الشيوخ؟ هم التاركون للدنيا والخَلْق، المودِّعون لما تحت العرش إلى الثّرى، الذين تركوا الأشياء وودَّعوها وداع من لا يعود إليها قطُّ. ودّعوا الخلق كلّهم، ونفوسهم من جملتهم، ووجدوا وجودهم مع ربهم عز وجل في جميع أحوالهم. كل من يطلب محبة الحق عز وجل مع وجود نفسه فهو في هوَس وهذيان"[5].
وجودُ النفس، هوسُ النفس، أنانيتُها، ذبحُها. اخرج من بيضة وجودك الدنِي، واجلس في "حجر اللطف". عناية الله عز وجل وحدها وسابق علمه فيك كفيلة بذلك. قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: "فيا خيبة من لم يعرف الله عز وجل ولم يتعلق بأذيال رحمته! يا خيبة من لم يعاملْه، وينقطع إليه بقلبه، ويتعلق بسرِّه، ويتمسك بلطفه ومِنَنه! يا قوم! الحق عز وجل يتولى تربية قلوب الصديقين من حال صغرهم إلى كبرهم"[6]. هذا حظ السابقة. وواجبك أنت في "المعاملة" و"الانقطاع" و"التعلق" و"التمسك" يبينه لك عبد القادر مضيفا: "يا غلام! كن غلام القوم وأرضاً لهم وخادما بين أيديهم. فإذا دمت على ذلك صرت سيدا. من تواضع لله عز وجل ولعباده الصالحين رفعه الله في الدنيا والآخرة. إذا احتملت القوم وخدمتهم رفعك الله إليهم وجعلك رئيسهم. فكيف إذا خدمت خواصَّه من خلقه!". ويقول رحمه الله: "يا من أراد السلوك! استدلَّ بمن قد سلك، وعرف المواضِعَ المَخوفَةَ منها، وهم المشايخ العمّال بالعلم، المخلصون في أعمالهم. يا غلام! كن غلام الدليل! اتبعه! اترك رَحْلَك بين يديه وسر معه، تارة عن يمينه، وتارة عن شماله، وتارة وراءه، وتارة أمامه. لا تخرج عن رأيه، ولا تخالف قوله. فإنك تصل إلى مقصودك ولا تضِل عن جادتك"[7].
يقول الغزالي إن الشيخ الكامل نور من أنوار رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا يقول الشيخ أحمد الرفاعي قدس الله سره. وبالمواجهة، قلبا لقلب، مع العارف الكامل يحصل الاستمداد من الحضرة النبوية، وبالتعظيم لجناب الشيخ ورعاية خاطره تُستدام النفحات. قال الرفاعي: "وجِّه قلبك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واجعل الاستمداد من بابه العالي بواسطة شيخك المرشد. وقم بخدمة شيخك بالإخلاص من غير طلب ولا أرَب (من غير طلب مكافأة دنيوية). واذهب معه بمسلك الأدب. واحفظ غيبته. وتقيَّد بخدمته. وأكثر الخدمة في منزله. وأقلل الكلام في حضرته. وانظر إليه بنظر التعظيم والوقار لا نظر التصغير والاحتقار"[8].
من المتصدرين للإرشاد قبل الفطام، بل بدون أن يكونوا خَطَوْا خَطْوَةً واحدة على طريق الاستقامة، من يطيب له أن يخدمه الخلق، ويتزلفوا إليه، ويكثروا الخدمة في منزله، ويضعوا أموالهم تحت قدميه. وهكذا يَهْوِي التابع والمتبوع في دركات الخزي، يستعبد "الشيخ" الأتباع، وترتع نفسه المخبَّثَةُ في هواها، وتتخبَّثُ نفوسُهم، وتنشأ دويلات استغلاليَّةٌ جاهلية كانت في تاريخنا ولا تزال محطّات للتعفُّن الاجتماعي. إن سَلَّمْتَ نفسك لنفس لاصقة بالدنيا فلا تنتظر إلا المصيرَ الرديء في الدنيا والآخرة. فيا ربّ من أصحب! وكيف أصحب! وأين أولياؤك الذين طلقوا الرئاسات لمّا هاموا في حبك وحب أحبابك!
في كل عصر تسمع من الصالحين أن زمان الصلاح أدبر وولّى، ولم يبق من يصلح للصحبة. وعلى لسان المشايخ المعتَبرين تسمع أن المطلوب للصحبة نادر ندرة الكبريت الأحمر. وهو كذلك دائما وسيبقى. لكن الطالب الصادق الذي أيقظَ الله عز وجل فيه باعث الإرادة العليَّة والهمة المتقدة من حقه أن يستبشر، فإن الله جلت عظمته أكرمُ من أن يبعثه ويوقفه على الباب ثم يرده خائبا وإن "من كانت له بدايةٌ محرقة كانت له نهاية مشرقة" كما يعبر القوم رضي الله عنهم.
قال العاشق الوامق الطالب الراغب:
محا بعدَكم تلك العيونَ بُكَاؤُها وغال بكم تلك الأضـالعَ غُولُهـا
فـمن ناظر لم تبـق إلا دمـوعه ومن مهجـة لم يبق إلا غليلُهـا
دعـوا ليَ قلبـا بالغـرام أذيبـه عليكم وعينا في الطلول أُجيلُهـا

وقال الملتاع في هواهم الظامِئ لوِرْدِهم:
تزود من المـاء القــراحِ فلن تـرى بوادي الغَضَـا ماء قراحـا ولا وِردا
ونل من نسيم البان والرَّنْدِ نفحـةً فهيهـات واد يُنْبِتُ الورد والرنـدا
وكــرَّ إلى نجــدٍ بطــرْفِـك إنـه متى تغْدُ لا تنظر عقيقـا ولا نجـدا
تلفَّتُّ دون الرَّكْـب والعـين غُـمْـرَةٌ وقـد مـدّها سيـل الدمـوع بها مـدا
لعلـي أرى داراً بـأسنمـة النَّـقــا فأطْـرَبُنـا للـدار أقـربنــا عهــدا
تـلاعـَبُ بـي بـين المعـالم لوعـةٌ فتذهب بي يأسا وترجع بي وَجدا

وقلت:
وَفي كَبدي مِن فرط وَجديَ لوعةٌ تَأَجَّجُ في الأحشـاءِ ناراً، تَحــرَّقُ
تَنامُ العُيــون السَّالِيــاتُ ومُقلَتـي هَتــونٌ بدمعـي، إنَّ شمـلي مفـرَّقُ
إليكَ إلهي الشـوقُ فامنُــن بِرحمـةٍ يُسـدِّد خطــواتي خليــلٌ مـوفَّـقُ




[1] الرسالة القشيرية ص 184.
[2] أيها الولد ص 63.
[3] الفتح الرباني ص 96.
[4] عوارف المعارف ج 2 ص 47.
[5] الفتح الرباني ص 263.
[6] نفس المصدر ص236.
[7] نفس المصدر ص 298.
[8] البرهان المؤيد ص 96.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:45 PM
قضية الشيخ والبيعة
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب إما تُرِيَنِّي ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين(. اللهم إني أسألك الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تتوب علي. وإن أردت بعبادك فتنة أن تَقْبِضني غير مفتون.
تحت هذا العنوان كتب الشيخ سعيد حوى في كتابه "تربيتنا الروحية" يذكر أهمية الشيخ ووظيفته الأساسية في قضية التربية. كان كتابه هذا فاتحة مؤلفات له خصصها للحديث عن التربية الروحية، يزداد فيها حَثُّه على الرجوع إلى "تصوف محرر" كتابا بعد كتاب. أعلن في كتابه الأول أنه تتلمذ للصوفية، فهو يكتب في الموضوع عن تجربة. وأوضح حرصه الكبير على "أن يوجد نوع من التصوف السلفي له شيوخه وحلقاته"، وأن الحركة الإسلامية المعاصرة بحاجة إلى هذه التربية المعمَّقة لمواجهة عصر الشهوات، وأن التعاون بين هذه الحركة وبين المشايخ الصوفية أمر ضروري "لتزداد الصلات الطيبة بين الناس. ولتكثر حلقات الخير والعاملون لها، ولكن على أن يكون ذلك كله مستقيما على أصول الشريعة وفروعها، وألا يكون على حساب واجبات أخرى".
في الكتب اللاحقة عرض الشيخ سعيد غفر الله لنا وله ورحمه المشكل في تفاصيله، وهو كيف يستعيد "الإخوان المسلمون" وسائر العاملين في الدعوة روحانية الجماعة التي كانت أساس عمل الإمام البنا رحمه الله دون أن يكون ذلك على حساب واجبات أخرى.
هذه "الواجبات الأخرى" واجبات التحرك السياسي، والتكوين الفكري، والتفرغ التنظيمي ردت التربية الروحية ردا، وهدتها هدّا. فهل من سبيل للجمع بين الجهاد العملي اليومي المتشعب القضايا وبين التطلع الدائم للملإ الأعلى والتخلق السامي بأخلاق أهل الله؟
اقترح الشيخ سعيد في أحد مؤلفاته اللاحقة تكوين جمعية تضم الربانيين في تنظيم خاص، ووضع لهذه الجمعية قانونا من بضع وثلاثين بندا، ووضع لوائح تنظيمية لها، وبرامج تعليمية، لتكون هذه الجمعية جامعة يفيء إليها الدعـاة جميعا ويصدرون عنها وتلفُّهم ويلتفون حولها، من سلفيين وإخوانيين وغيرهم من فئات العاملين.
المشكل صعب عويص. المشكل تربوي نُوراني نوعي قلبي، لا تفيد اللوائح الكمية التنظيمية الفكرية فيه. المشكل أساسا هو كيف تجتمع في القيادة، في شخص واحد أو أشخاص،الربانية والكفاءة الجهادية الحركية كما كانت مجتمعة في البنا رحمه الله.
ويسيطر ظل البنا على الشيخ سعيد سيطرة تامة. فالبنا نقطة البداية. قال: "إننا نملك بفضل الله نقطة البداية الصحيحة. وهي الانطلاق من اجْتهاد إنسان مجدد لا يشك عارفوه أنه من أولياء الله عز وجل، وهو الأستاذ البنا رحمه الله"[1].
من مفهوم التجديد والمجدد ينطلـق مؤلفنا ليتساءل عن "مهمة الشيخ في عصرنا؟"، و"ما هي مهمة الشيخ في عصر لم يعد فيه للمسلمين دولة؟"، و"كيف تكون الصلة بينه وبين غيره؟". ويشرح تصوره لهذا الموضوع بأن "رحلة الأمة المريضة إلى الصحة تبدأ بوجود المجدد ونوابه". هذا المجدد هو "نموذج الصحة الأول المتمثل في كل عصر أو قرن أو جيل بالمجدد ثم بالوُرّاثِ الكاملين". ولا يفتأ المؤلف يؤكد أن البنا هو المجدد، إشارة إلى أن "الوُرَّاث" المستحقين للقيادة المؤهلين للتجديد لا بد أن ينبثقوا من الشخص المجدد.
هذا التصور المُغْلَق لدائرة التربية هو بالضبط ما يُسَمَّى في اصطلاح القوم بالتبرُّك. والتبرُّك غير السلوك. التبرك سجّادة ومجلس كان يتصدره الشيخ المؤسس، فلما توفاه الله جلس مجلسه على سجادته "وارث" من أبنائه الدينيين أو الطينيين، واستمر في تقليد الأب الروحي للجماعة، وحافظ على التقاليد، واجتهد داخل المذهب التربوي، واتخذ لنفسه ولمن معه سقفا بشريا بينه وبين الله ورسوله، وحرص ألا يُزاد حرف على "وظيفة" الشيخ الراحل وأذكاره. وهكذا تكونت مدارس وطرق، في طيها العارفون بالله أحيانا، وفي طيها المريدون، وفي طيها أصحاب الأحوال والكرامات، وفي طيها كل شيء إلا التجديد الذي مات مع الشيخ رحمه الله.
إن الله عز وجل وحده يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها كما جاء في الصحيح. يبعثه حيث شاء، ولكل فئة من فئات حزب الله أن تزعُم أنها الوارثة لمجدِّدها، تُغمض عينها قرونا عما يُحدثه الله عز وجل الباعثُ الوارثُ خارجَ أسوارها ليبقى لها تماسُكُها ووحدتُها. الله سبحانه وحده قادر على أن يعيد ما تفرق من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم لتتجمع الأمة كلها خلف قيادة، في شخص أو أشخاص، في زمن أو أزمان، جامعةٍ للوراثة المحمدية الروحية والجهادية، لاَمَّةٍ لِشَعَثِ ما تَفَرق، مُحْيِيَةٍ لقلوب ماتت، باعثةٍ لهمم هَمَدت وخَمدت، منوِّرة لعقول أخذها الجُهد لتصور "البدائل الإسلامية"، وتحليل الواقع، ووضع الخطط، وإحكام التنظيم، ومواجهة العدو الداخلي والخارجي، عن ذكر الله وعن الصلاة.
نسأله عزت قدرته أن يُلهم من بَعْدَنَا من أحبابه العارفين به وسيلة الجمع، وأن يعطيهم القدرة على سلوك الطريق إليه بهذه الأجيال على منهاج النبوة دعوةً ودولةً.
ولا معنى للتجديد ولا مكان له، ولو برز بين المسلمين زعماء عظامٌ، ما لم يتجدد في الأمة الإيمان بصحبة المجددين. وكذلك كان حال الأستاذ البنا رحمه الله. كان مغناطيسا ومركز إشعاع. وبحاله نهض الإخوان المسلمون، وعلى مقاله لا يزال يعيش كثير من حَمَلَةِ الأقلام وقراء الأدبيات الإسلامية رحمه الله رحمة واسعة.
كان فكر البنا مغناطيسا ملائما لزمانه، كما كانت روحانيته، وهو حي يرزق، آية من آيات الله. وكان حريصا على أن يخرج بجماعته من سلبيات الطريقة الحصافيّة التبركيّة التي تربى طفلا ويافعا بين أحضانها. لكنه احتفظ بالبيعة الصوفية وطوَّرها لتتسع للجهاد الذي ضاقت عنه الصيغة الموروثة عن المشايخ للبيعة.كانت بيعتُه لأصحابه بيعة مزدوجة، بين السيف والمصحف. بيعة تأخذ من التقليد الصوفي جانبا ومن التنظيم العصري جانبا. ومن بعد البنا رحمه الله تردت هذه البيعة الموروثة عنه بوسائط أو بدون وسائط إلى رباط يمسك بتلابيب الملتحق بهذه الجماعة أو تلك لتضمن الجماعة ولاء عضوها الدائم. وإنها لعرقلة أخرى في سبيل التوحيد المنشود أن تتعدد البيعات وتتضخم. بلوى بلا جَدْوى. بل آفة وطامَّة.
لو اقتصر العاملون للإسلام على الاعتراف بالأمر الواقع لهان الخطب. والواقع أن هذه الجماعات تكونت بعضُها إلى جنب بعض، وبعضها قبل بعض، وبعضها اختلافاً مع بعض، وبعضها انشقاقا عن بعض، لأسباب ترجع إلى التمزق السياسي القطري، وإلى الأصل التربوي والثقافي للمؤسسين، وإلى المرجعية العقدية والمذهبية، وإلى حب الرئاسات ورُعونات النفوس، وإلى الاجتهاد الديني والموقف السياسي، وإلى تاريخ القيادات والجماعات.
لم يعترف العاملون بالواقع كما هو. ومعرفة أسباب المشكل نصفٌ كبير من الحل، بل برَّرَ كل فريق موقفه، وحفر خنادقه، وحصن حصونه. فلعل الربانية التي نبحث عنها تتجاوز بالجميع، إن شاء الله، خطوط التَّماسِّ، ليخمُدَ اتّقاد الوسواس، وتطيب بذكر الله الأنفاس.
لن يتجاوز بالأمة هذه الحدودَ الانغلاقُ التبركيُّ. لن يتجاوزها إلا البناءُ على الأساس المحمدية. وإلا فهو الجمود العقلي، والانحسار التربوي، والتصلب التنظيمي. وتبقى مسألة المشيخة الإحسانية، نكل تدبيرها إلى الله جلت عظمته، ونبث في هذه الأوراق نداءنا إلى العارفين بالله أن يجمعوا الشمل ويقودوا الركب. فكفانا تمزقا.
مهَّد الأستاذ البنا رحمه الله لشروط بيعته في "رسالة التعاليم" بشرح المفاهيم الأساسية لفكره وعمله. فبين ما يقصده بكلمة "فهم"، وهو فهم أصوله العشرين في العقيدة والشريعة والفقه وتمييز ما بين البِدعة والسنة. وبين ما يَعنيه بكلمة "إخلاص"، وكلمة "عمل"، وكلمة "جهاد"، وكلمة "تضحية"، وكلمة "تجرد"، وكلمة "أخوة". وختم بشرح مفاهيمه بمفهوم "الثقة" وقال: "للقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة".
كان أفقه رحمه الله فسيحا جامعا لأطراف ما توزع من معان ومطالب. وكان شخصه الكريم فسيحا جامعا. فصحت قيادته وأثمرت أفضل الثمار. وبقيت البيعة بعده تُراثا ثقيلا. اشترط رحمه الله على الملتحق بالجماعة المؤدي للبيعة ما لا يقل عن ثلاثة وثلاثين شرطا، من بينها الوفاء بتعهدات شخصية مثل اجتناب الإسراف في شرب القهوة والشاي والاعتناء بالنظافة، ومن بينها التعبدية الإيمانية كإتقان الطهارة والصلاة وسائر الفرائض، ومنها الإحسانية كالمحافظة على الأوراد وحفظ القرآن، ومنها الأخلاقية كالحياء ورحمة الخلائق ومساعدة الضعيف، ومنها الحركية كالنشاط الدائم والتدرب على الخدمات العامة، ومنها السياسية كمقاطعة المحاكم الأهلية وعدم الحرص على الوظائف الحكومية، ومنها الاقتصادية كمقاطعة المعاملات الربوية والادخار للطوارئ.
كل هذا جيد، ويصلح نموذجا لإطار تربوي عام. لكن أين النورانية التي تسري من قلب إلى قلب في أسلاك المحبة في الله، وتطير بإرادة مع إرادة على أجنحة الشوق إلى الله، وتنهض بالجماعة في مِحَفَّةِ الصحبة في الله؟ هذا ما يبحث عنه الشيخ سعيد بحث الثكلان.
الشرط السادس والعشرون من شروط بيعة الأستاذ البنا رحمه الله يقول: "أن تديم مراقبة الله تبارك وتعالى، وتذكر الآخرة، وتستعد لها، وتقطع مراحل السلوك إلى رضوان الله بهمة وعزيمة، وتتقرب إليه سبحانه بنوافل العبادة. ومن ذلك صلاة الليل وصيام ثلاثة أيام من كل شهر على الأقل، والإكثار من الذكر القلبي واللساني، وتحري الدعاء المذكور على كل الأحوال".
وهي شروط عالية، من يَفِ بها لا شك يكن من المتقين. من بينها مسألة واحدة لا يفيد فيها إسرار ولا "إعلان" ولا يخبر عنها بَوْحٌ ولا كتمان، ولا هي من شأن دون شأن، ألا وهي مسألة "قطع مراحل السلوك إلى رضوان الله" هذا لا يجيء إلا بصحبة. والمصحوب رجل حي سلك المراحل إلى الله وتقرب حتى أحبه الله وجعل قلبه مشكاة ونبراسا وسراجا وَهّاجا. ما يحصل ذلك بإجازة تبركية، ولا بالانضواء تحت جناح عظيم من عظماء الأمة، عدا المعصوم صلى الله عليه وسلم، قبلةِ القلوب، رحمة العالمين، محبوبِ الرب جل وعلا.
حملت نسائم الحب هذه الرسالة إلى حضرة محبوب رباني:
هذا كتـابي إليكـم فيـه معـذرتي ينبيكمُ اليوم عن شأني وعن سَقَمي
أجللت ذكـركـم عن أن يُغَيـِّـرَهُ لون المـداد فـقد حبَّــرتُـه بـدمـي
ولو قـدرت على جلـدي لأجعـله رَقّاً وأبـري عظـامي مـوضعَ القَلَـمِ
لكـان ذاك قليـلا فـي مـودَّتـكـم ومـا وجـدت لـه واللـهِ مـن ألَـمِ

وقال محب رحل عنه شيخه:
يا صاحِبَيَّ سلا الأوطـان والدِّمَنـا متى يعـود إلى عُسفـانَ من ظَعنَـا
إن الليـالي التي كنّـا نُسَـرُّ بهـا أبدى تذكُّـرها في مهجـتي حَـزَنـا
أستـودع الله قـوما مـا ذكـرتـهمُ إلا تحـدر من عـينَـيَّ مـا خُـزنـا
كان الزمـان بنـا غِـرّاً فما بَـرِحت أيـدي الحـوادِث حتى فطَّنَتْـهُ بنـا

وقلت غفر الله لي وتاب علي:
هذي يدي فاقبلُـوني في رياضكُــم لعل ذكــرَ إلهي مُـذْهِــبٌ سَقَمــي
علِّي أُروِّي غَليلي مِن حِيـاضِكُــمُ وأقْبِسُ النُّور كيْ تُجْلَـى به ظُلَمِــي
عسى نسائمُ طُـهْرٍ مِـن جنــابكُــمُ تُحيــي فــؤاداً مَـواتاً عُدَّ في الرِّمـمِ




[1] تربيتنا الروحية ص 245-2

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:46 PM
شعب الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون(. اللهم اجعل أوسع رزقك عليَّ عند كبر سني وانقطاع عمري.
ما العمل إذا وُجدت جماعة فيها أفراد من المؤمنين والمؤمنات يصدقُون بخبر السلوك، ويتوقون إلى السلوك، ويرجون الكمال والقرب من الله، ولم يوجد شيخ بالمؤهلات الموصوفة؟
ما الجواب العمليُّ عن تساؤلات الشباب الإسلامي "تحت إلحاح فطرته الإسلامية الظامئة: كيف السبيل إلى أن أسمُوَ على نفسي وأهوائها في هذه الأزمنة العصيبة وسط هذه المغريات المتأججة؟ كيف السبيل إلى أن أشعُرَ بلذة المناجاة للخالق إذا وقفت بين يديه في صلاة أو جلست أقرأ قرآنا؟ كيف أصنع لأرقي مشاعري إلى الرتبة التي أعبد الله فيها كأنني أراه؟ كيف أجعلُ محبة الله ملءَ كياني حتى لا أحب مع الله سواه؟ وكيف أجعل المخافة منه ملء شعوري حتى يذوب من قلبي الخوف من كل ما عداه؟".
هذه الأسئلة التي عبر عنها الشيخ الأستاذ الدكتور سعيد رمضان البوطي هي الآن هاجسُ كل الشباب الإسلامي المنتظم في جماعات غلب عليها الفكر والحركية أو هَوَسِيَّةُ الإشارة بأصابع الاتهام إلى الناس.
وسواءً كان المطلب عاليا سلوكيا أو على مستوى تطهير القلب بالتعبد والتقوى فوجود الشيخ الرباني المربي أو المرشد المتقي حاجة ماسة، يشعر بها الآن العلماء الرُّوادُ الداعون لإحياء الربانية، ويعبرون عنها بوضوح، ويعطون الجواب العلمي عن أسئلتها. وعند السواد الأعظم من العاملين للإسلام شعور غامضٌ بالحاجة إلى تربية روحية، وقلق، وملل، لكن كلمة "تصوف"، وكلمة "شيخ"، وكلمة "انتساب"، وكلمة "صحبة" تبقى في حيز مظلم في قاع المخزون الفكري لعامة العاملين، يحيط بها الشك والإبهام والحذر أو صريح الرفض والعداء والقتال.
ما الجواب العملي عن حاجة الصادقين في إرادة الله والسلوك إليه وعن حاجة المتطهرين طلاب التقوى والاستقامة؟ هنا جماعة منظمة لها ضوابطها وهياكلها وأجهزتها وبرامجها. وهناك خارجَ الجماعة شيخ رباني فما العمل؟ أن ينخرط الشيخ في الجماعة أم تنخرط الجماعة كما هي في الشيخ؟ أيؤدّي له الأفراد الطالبون له البيعةَ الصوفية أم يؤدي هو للجماعة البيعة الجهادية؟ وإذا تعارضت تعاليم الشيخ مع أوامر الجماعة وبرامجها أنضحي بالتربية ونطرد الطبيب أم نضحي بالجماعة وندعها تتفتت وتندرج في سلك نِقَابَةٍ صوفية أو طرقية مَوصوفة؟
ليست لديَّ أجوبة جاهزة عن هذه الأسئلة. وعندما يرتفع مستوى الفهم لهذه القضية الكبرى في صفوف الجماعات وتُدرَك ضرورة اجتماع الأزِمَّة في يد واحدة لا في أيد متعددة، هناك تنظيم وهناك تربية، تتسع لديها السبيل للجمع بين وظيفتين فلا تجد إلاّ أن يخضع الظاهر للباطن، أن يتبع التنظيم التربية، أن تكون الدعوة أميرة على الإدارة والدولة. لا يزال تصور العاملين في الجماعات لوظيفتهم الدعوية فيما بينهم وفيما يلي الشعب الظامئَ للإسلام تصورا غامضا لا يزال كثير من العاملين يظن أن دواليب الدولة، بعد استخلاصها، تنتظر كل زيد وعمرو من الشباب الملتحي الصادق. تصور يفضي بالذوبان الإرادي للجماعة في الجمهور، للدعوة في الدولة.
لتفادي ذوبان التربية في التنظيم وغرقها فيه، ولتفادي ذوبان الدعوة في الدولة لا بد من قيادة واحدة، قيادة رجال تحرروا من كل شيء وخلصوا لله وحده. قلبُهم يعمره حبُّه، وكيانهم يملأه ذكره، وعقولهم ينوِّرها علمه. إذا كانت القيادة مغروزة في الواقع الجاري العاتي المتلاطم الأمواج، لم تتجرد عنه لتشرف عليه من أعلاه، وتتحكم فيه بأمر الله، فكفيل أن تكون معركة الدعوة المحمولة على غير بيِّنة وربانيَّة مع الباطل المجهَّز بأحكم الوسائل معركةً مخذولةً بنسبة ما ينقص الجماعة وقيادتها من تعلق بالله، وقرب من الله، وولاية لله.
الوصلة الصحيحة بين الصحبة والجماعة قيادة ربّانية واحدة. فإن ارتفع مستوى الفقه الديني للجماعة حتى تعرف أن الدين إسلام وإيمان وإحسان، وحتى تعرف، ولو بالتسليم والتصديق، معنى المعرفة والكمال والسلوك والولادة القلبية والوجود الثاني والنشأة الأخرى التي يعجلها المولى الكريم لمن شاء من أحبابه، فعندئذ يكون العارف بالله الكاملُ هو الشخص الأمثل لقيادة الركب. قد يكون هذا العارف قاصرا في مظهر ما من مظاهر الكفاءة، كأن يكون غيره أفصح منه لسانا، أو أصح منه بنية، أو أقدر على المعاناة الطويلة لمسائل الجماعة وجزئيات تنظيمها. لكن العارف الكامل معه رأس الأمر كله كما يعبر الشيخ الرفاعي، معه نور الكشف وروح العلم وتوفيق الله عز وجل. فكيف يستغني حزب الله، يوم يرتفع مستوى فهمهم لدينهم، عن قيادة البصير ليقلدوا أمرهم عُشْواناً أو عُميانا!
إن العارفَ بالنسبة لعالم النصوص كهذا بالنسبة للجاهل الأمي. قال ابن القيم: "إن العارف صاحب ضياء الكشف أوسع بِطانا وقلبا، وأعظم إطلاقا بلا شك من صاحب العلم. ونسبته إليه كنسبة صاحب العلم إلى الجاهل. فكما أن العالم أوسعُ بِطانا من الجاهل، وله إطلاق بحسب علمه، فالعارف بما معه من روح العلم وضياء الكشف ونوره هو أكثر إطلاقا، وأوسع بِطانا من صاحب العلم"[1].
كان الصديق أبو بكر رضي الله عنه محمولا زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه العطوف الرؤوف الليِّن، فلما ولي الخلافة تكشَّف عن رجل هو أقدر الرجال على القيادة، ثابتُ الجنانِ ماضي العزم. واتخذ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وزراء وأعوانا. فكان حسن استعماله لعمر وعلي وأبيٍّ وغيرهم عنوانا آخر لكفاءته. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ظاهرَ الكشف يسطع نوره في كل أعماله. كان الصحابة رضي الله عنهم يعرفون من عمر صدق الفراسة، "لا يقول لشيء أظنه هكذا إلا كان كما قال". ظهر ذلك منه رضي الله عنه لطول مدته واستقرار أمره. وإلا فكبار الصحابة من أهل النور والتوفيق جميعا.
لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. والخلافة الثانية على منهاج النبوة لن تكون كذلك إلا إن قادها الربانيون أولياء الله. وفي انتظار أن يفتح الله بالفهم على العاملين نتضرع إليه سبحانه أن ينزل رحمته من خلوات التبتل إلى ميادين الجهاد. في انتظار أن يكون لِقِرانِ الصحبة والجماعة معنى موصولٌ موحَّدٌ من حياة العاملين ننادي أولياء الله العارفين بالله أن يتوجهوا بجند الله من صادقي المريدين وعامة المسترشدين نحو توحيد الجماعات، فتوحيد الجهد، فتوحيد الأمة في أقطارها ومذاهبها ومدارسها ومشاربها، حتى يكون المشربُ محمديا قرآنيا سُنيا محرَّرا من كل عالقات عصور الانزواء والخمول والانكماش.
توحيد تربوي يسمو بالكل، لا يضيره التنوع التنظيمي الفكري الاجتهادي المتعدد.
صحوة إسلامية. من يمدها بيقظة إيمانية وهبة إحسانية غيرُكَ يا حكيمُ يا عليمُ يا قادرُ يا ناصرُ يا ملكُ يا وهابُ!
ينبغي لجند الله أن لا يظنوا بأنفسهم وبربهم إلا الخير. وعليهم في انتظار أن يُخرج الله الولاية وأهلها من مكامنِهم أن يتعاونوا على البر والتقوى كما أمرهم الله. عليهم أن يقاتلوا الخبائث النفسية يدا واحدة كما يقاتلون العدو الخارجي جماعة واحدة. نصح الرفاعي قال: "حاربوا الشيطان ببعضكم، بنصيحة بعضكم، بخلق بعضكم، بحال بعضكم، بقال بعضكم. قال تعالى: )إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ( (سورة الصف، الآية: 4). يقاتلون الشيطان والنفس وعدو الله. يقاتلون الشيطان كي لا يقطعهم عن الله. يقاتلون النفس كي لا تشغلهم بشهواتها الدنية عن عبادة الله. يقاتلون عدو الله لإعلاء كلمة الله ونشر علم الدَّلالة على الله. ) أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (سورة المجادلة، الآية: 21)"[2].
ونصح الشيخ عبد القادر أن تكون الصحبة بين الإخوان "بالإيثار والفتوة والصفح عنهم والقيام معهم بشرط الخدمة، لا يرى لنفسه على أحد حقا، ولا يطالب أحدا بحق، ويرى لكل أحد عليه حقا، ولا يقصِّر في القيام بحقهم(...)، ويكون معهم أبداً على نفسه، ويتأول لهم ويعذرهم، ويترك مخالفتهم ومنافرتهم ومجادلتهم ومشادَّتهم، ويتعامى عن عيوبهم،(...) وينبغي أن يحفظ أبدا قلوب الإخوان(...) فلا ينطوي لأحد منهم على حقد"[3].
حفظ القلوب ومخالقة الإخوان وسائر من له علينا حق من العباد بالأخلاق الإيمانية ركن أساسي من أركان بناء الجماعة وبناء المجتمع الإسلامي وبناء الأمة جميعا. وقد جمعت من شعب الإيمان تحت خصلة "الصحبة والجماعة" إحدى عشرة شعبة يكون مجموعها نسيجا لأخوة في الله، ورداء يدخل في كنف رحمته القاصي والداني من الأمة. إن شاء الله. تتسلسل هذه الشعب الإيمانية التي يحافظ على حياتها تعاطف أعضاء الجماعة تحت نظر ربانية القيادة وكمالها كما يلي: محبة الله ورسوله، الحب في الله عز وجل، صحبة المؤمنين وإكرامهم، التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خُلُقِه، التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، الإحسان إلى الوالدين وذوي الرحم والصديق، الزواج بآدابه الإسلامية وحقوقه، القِوامة والحافظية في علاقة الزوجين، إكرام الجار والضيف، رعاية حقوق المسلمين والإصلاح بين الناس، البر وحسن الخلق.
هذه الشعب من شعب الإيمان، وسائر شعب الإيمان البضع والسبعون، ركائز سلوكية لا يمكن لطامح في مقامات الإحسان وسلوك طريق العرفان أن يتجاوزها أو أن يتنكبها، وإلا كان كمن يبني على غير أساس. إن كان القوم في ماضي الانزواء والانطواء قعدوا أحلاساً في بيوتهم وزواياهم وتكاياهم خفيفي الحاذ لا حقوق عليهم لأهل ولا ولد ولا جار ولا لإصلاح بين العامة والجمهور، فإن جند الله القادمين على الخلافة الثانية جماعة، القادمين على ربهم فرادى في دار الكرامة، لا مناص لهم من اقتحام العقبة النفسية الأخلاقية الاجتماعية، يخالطون الناس لأن "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" كما جاء في الحديث، ويبلغون الدعوة للناس، وأبلغ الدعوة أن يكونوا نموذجاً صالحا يسعى على قدميه في المجتمع، يُعلن بالمثال والاقتناع واللزوم عن أخلاق الإيمان، وجدية المؤمنين، وصدقهم، ولين جانبهم، ودماثة أخلاقهم، وأدائهم للحقوق، وزيادتهم الإحسانَ والخدمةَ والفتوَّةَ والتَطَوُّعَ على النِّصاب الواجب شرعا. لآلِئُ أخلاقية ما أبهاها وأقواها إن انسلكت في سلك حب المؤمنين بعضهم بعضا في الله!
قال محبٌّ سَهَّده فراق أوِدّائِه في الله:
لا تَلْحَـه إن كـنت من سمـرائه عـذل المحـب يزيـد في إغـرائه
ودع الهوى يقضي عليه بحكمـه ما شـاء فهـو مسلِّـم لقضـائـه
فشقــاؤُه فيمــا تـراه نـعيمــه ونعيمُـه في ذاك عـينُ شقـائـه
كُحِلـتْ مـآقيـه بطـول سُهَـاده وحَنتْ أضـالعه على بُرَحـائِه

وقال الذاكر لإخوانه الحافظ لعهدهم:
لي بالمـغــارب إخــوان وأخـدان بانَ العـزاء وقلبي يـوم هُـم بانـوا
أنا الذي نـاء جسمـي عن ديـارهم لكنهم في فـؤادي حيثمـا كـانوا
شأني من الدهر تَذْكـاري لمجدهـمُ وكـل صَبٍّ لـه من دهـره شـان

وقال المشتاق إلى أحبابه في الله، الراجي لقاءهم، الخائف اليائس:
أدال الشوق يأسي من رجـائي وأوحش ما عهـدت من العـزاء
وأولانـي التصبُّـرُ مـثلمـا قـد ألفـت من الوِصـال من الجفـاء
كأن الدهر غيـظ من ابتسـامي فأبْـدِلَـنِيـهِ مُتَـصِّـلَ البكــاء

وقلت جمع الله شملي بأحبائي دنيا وأخرى:
الطُـفْ بِنا اللهم قد ضاقـتْ بنـا دارُ البَــلا لم نستَمــع لِنداكَــا
تِهنــا عـن المنهــاج في غَفَــلاتِنَـا لم نَستـعــدَّ بطــاعــةٍ لِلقاكــا
فامنُــن بخِــلاَّن تُنِيــرُ طــريقهم بِلوامِــعِ الإحســانِ من نُعْماكــا




[1] مدارج السالكين ج 2 ص 420.
[2] البرهان المؤيد ص 75.
[3] الغنية ج 2 ص 169.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:46 PM
الصحبة والجماعة
الذكر
ولذكر الله أكبر
تجديد الإيمان بقول لا إله إلا الله
سبق المُفَرِّدون
حِلَق الذِّكر
الدعاء
الأوراد وخصائص الأذكار
التفكر
الحزن ومحاسبة النفس
ذكر الموت والدار الآخرة
الاعتصام بالكتاب والسنة
شعب الإيمان

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:47 PM
ولذكر الله أكبر
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين(. اللهم إني أسألك من الخير كلِّه عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم. وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم. وأسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل. وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. وأسألك من خير ما سألك منه عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم. وأعوذ بك من شر ما استعـاذ بك منه عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم. وأسألك ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته رشدا.
قال الله عز وجل في محكم كتابه: )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً( (سورة الأحزاب، الآية: 21). وقال عز من قائل يخاطب حبيبه ومصطفاه: )اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ( (سورة العنكبوت، الآية: 45). وقال له العزة والمنة: )الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ( (سورة الرعد، الآية: 28).
في ثلاث آيات يفصّل لنا مكانة الذكر يرفعنا إلى مقام التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومكانَتَهُ في عباداتنا، وأثره في قلوبنا. من لا يذكر الله كثيرا لا أُسوَةَ له برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يقدر على التأسي، وهو الاستناد والاتباع، لم يؤهل له. من لا يذكر الله في صلاته وإذا تلا القرآن فلا تلاوة له ولا صلاة. له صورة الصلاة وأركانها البدنية، لكن ذكر الله، وهو الأمر الأكبر والأعظم الذي من أجله شرعت العبادات، فاته ففاته لب العبادة. من صفات المؤمنين الاطمنئان للذكر والاطمئنان بالذكر، فمن لا طمأنينة له بذكر الله لا يستكمل صفات الإيمان.
لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة إن تحققت فينا ثلاثة شروط: رجاء الله، ورجاء الآخرة، وذكر الله الكثير. في كلمة (رجاء) معنى الانتظار. فالمتأسون برسول الله صلى الله عليه وسلم هم المقبلون على الله تعالى، المنتظرون لقاءه، الراجون مغفرته، اشتغلوا بذكره آناء الليل وأطراف النهار، يسبحونه ويمجدونه، عن الدنيا الهاجمة عليهم من كل المنافذ، تُغريهم وتدعوهم ليرتَموا في أحضانها.
جاءت هذه الآية الشريفة في سورة الأحزاب، في سياق وصف الله عز وجل لموقف الرسول الكريم، وموقف المؤمنين، وموقف المنافقين والذين في قلوبهم مرض. ذكرُ الله في سعة العافية وأمن المسجد والخلوة ذكر عظيم لكن ذكر الله في ساحة الوغى، والعدوُّ محيط، والخوف سار في الأفئدة، ذكرٌ أكبر لأن الذاكر لله الموقن به، بنصره أو لقائه كلاهما مطلب حسن بل أحسن، يصدر عن إيمان أقوى من المصلي التالي الذاكرِ في المسجد والخلوة. وهذا لا يقدر عليه إلا الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن تأسى بهم، واستند إليهم بالصحبة والملازمة والطاعة والاتباع والوفاء بالبيعة الجهادية.
قال الله تعالى يذكر المؤمنين بما حل بهم يوم الأحزاب: )إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً( (سورة الأحزاب، الآيتان: 10-11). ابتلاء شديد وهَلَع وخوف. قال سبحانه: )وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً. وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً( (سورة الأحزاب، الآيتان: 12-13).
هؤلاء المنافقون المتخاذلون المتهالكون المخذِّلون في قلوبهم مرض، لم تطمئن قلوبهم بذكر الله. في هذا الموقف الذي بلغت فيه قلوب أهل الإيمان الحناجر لِما يرون من أهوال، ولِما دب إليهم بالصحبة والرفقة من داء المنافقين مرضى القلوب، قُساتها من قلة ذكر الله، جاءت الآية الشريفة تأمر المؤمنين بالاستناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت في موقفه، الموقن بربّه، الموفي بعهده.
كان المنافقون عاهدوا الله قبل المعركة ) لاَ يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ، وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً( (سورة الأحزاب، الآية: 12). فلما جدَّ الجد فروا، والتمسوا الأعذار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتهموا الله ورسوله بأن الله ورسوله ما وعداهم إلا غرورا. خواء في القلوب، ذِممٌ خربة، غَدْرٌ، سلوك انهزامي.
في مقابل هؤلاء الغافلين عن الله صورة الوفاء المطلق الذي وفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لميثاقه العظيم الذي أخذه الله على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، حمَّلهم به أمانة الصدق ليكونوا مرجعا وملاذا ونموذجا ثابتا للحق والإيمان والجهاد. قال الله تعالى بين يدي قصة الأحزاب: )وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً( (سورة الأحزاب، الآيتان: 7-8).
أمامنا ثلاثة ركائز للإيمان: رسول من الله هو الأسوة، وذكر الله هو الزاد، والصدق المسؤول وفاء بالميثاق مع الله عز وجل.
أُخِذَ على النبيئين عليهم الصلاة والسلام ميثاق خاص، وأخذ على عامة بني آدم ميثاق الفطرة. فمن وصل حبله بحبل النبوءة، وصحب الرُّسُل وتأسى، أو صحب من صحب من صحب وتأسى، امتَدَّ إلى فطرته النائمة عن ميثاقها دَفْقٌ من الحياة الإيمانية، وشع فيها ضوء إحساني من مشكاة الميثاق النبوي الغليظ، واكتسب من جاء برأسمال صدق مزيداً من الصدق.
على هذا الأساس الفطري من جانبك، النبوي من جانب المصحوب الأسوة عليه الصلاة والسلام، تنبني الشخصية الإيمانية الإحسانية بذكر الله.كل العبادات شرعت لذكر الله. كل الأعضاء الظاهرة والباطنة منتدبة لذكر الله. ذكر القلب، أعظمها، ثم ذكر اللسان، ثم ذكر الأعضاء عندما تتكيف بكيفيات الصلاة، أو تُمْسك نهارَ الصوم، أو تطوف وتسعى وتقف وترمي في نسك الحج.
ذكر الله به يتقدس الكيان القلبي للمؤمن، ويكون التقديس أعظم إن كان ذكر الله أدومَ. ويكون ذكر الله أعظم إن كانت دواعي الغفلة وأزمة الموقف أشدَّ. وبهذا يكون الذكر في الجهاد، الذكر عندما يخاف الناس ويزدحمون على مخارج الأمان ومهارب الجبن، أكبر الذكر.
يدلنا الله تعالى على أن كل العبادات تتضمن الذكر، وقد قرأنا آية الذكر في التلاوة والصلاة، فيقول عن الصيام: )وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( (سورة البقرة، الآية: 185). وفي الحج، قبله وأثناءه وبعده يقول عز من قائل: ) فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ. ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ) إلى أن قال سبحانه: )وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ( (سورة البقرة، الآيات: 198-201). والحج جهاد من أشرف الجهاد، كله للذكر وبالذكر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود والترمذي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، ورمي الجمرات لإقامة ذكر الله".
وفي ختم صلاة الجمعة وهي مشهد عظيم من مشاهد الأمة، لا أعظم في حشدها إلا حشد الجهادِ، ذكر. قال الله تعالى: )فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( (سورة الجمعة، الآية: 10).
يقول السادة الصوفية: "من أوتي الذكر فقد أوتي منشورَ الولاية". كلمة منشور معناها في ذلك الزمان الوثيقة التي تتضمن قرار السلطان بتعيين فرد في مرتبة تشريفية ما.
نحن نسأل الله القوي العزيز الحنان المنان أن يكون مستقبلُ الذاكرين الله كثيرا في ساحات الجهاد بكل وجوه الجهاد، تأسيا بالأسوة العظمى صلى الله عليه وسلم وبمن معه، تجاوزا لعصور الذكر في قعر التكايا وأمن الخلوات. ونسأله أن يكون سلوكُ من بعدَنا سلوكا جهاديا يكون للأعضاء فيه ذكرها بأنواع العبادات، وللقلب ذكرُه وللسان، وللروح ذكرُها عندما تتقدم مقتحمة عقبات الخوف والتخاذل فداءً لدين الله، وخدمة لتراث رسول الله، وبناءً لأمة رسول الله، وتشييدا للخلافة الثانية على منهاج رسول الله.
ثم بعد الدعاء نقرأ هذه الصفحة المشرقة من نثر شيخ الإسلام ابن القيم قال: "الذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل، ومن مُنِعَه عُزِل. وهو قوت قلوب القوم التي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وعمارةُ ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بُوراً. وهو سلاحهم الذي به يقاتلون قطّاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الحريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست فيهم القلوب، والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب.
إذا مرضنا تداوينا بذكركم فنترك الذكر أحيانا فننْتكِس
به يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات، وتهون عليهم به المصيبات. إذا أضلهم البلاء فهو مَلْجَؤُهم، وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم.(...)
"في كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة، والذكر عبودية القلب واللسان، وهي غير مؤقتة. بل هم يؤمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم على كل حال: قياما وقعودا وعلى جنوبهم. فكما أن الجنة قيعانٌ وهو غراسها، فكذلك القلوب بورٌ خراب وهو عمارتها وأساسها. وهو جلاء القلوب ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وكلما زاد الذاكر في الذكر استغراقا،زاد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقا(...)".
"به يزول الوَقْرُ عن السماع، والبَكَمُ عن الألسن، وتنقشع ظلمة الأبصار. زيّن الله به ألسنة الذاكرين، كما زين بالنور أبصار الناظرين. فاللسان الغافل كالعين العمياء، والأذن الصمّاء، واليد الشلاء".
قلتُ: هنيئا لهذا الشباب الصاعد في حركة الصحوة الإسلامية، يكون منهم إن شاء الله أجيالٌ تحابت في الله فاستحقت أن تكون تحت ظل الله، ويكون منهم من يذكر الله خاليا فتفيض عيناه فيستحق ذلك الظل الكريم مرتين. نسأل الله العظيم الكريم أن تتألف منهم كتائب تذكر الله كثيرا في معمعان الجهاد، ويكون لها التأسي الكامل، والأسوة الحسنة، والسلوك المُتَسامي إلى مقامات فاز بها الصحب الكرام لهادي الأنام.
قال الذاكر المقاتل للهوى والشيطان بين يدي الردى:
طيـب بذكـر الله فـاك فـإنـه لأَجَــلُّ ما فـاهت به الأفـواه
طفئت مصابيح العقـول فكلنا يُمسي ويصبح في ظـلام هـواه
كم مـدَّعٍ علمـا لـو استخبـرته لوجـدت أكثـر علمـه دعـواه
ما للفتى لا يرعـوي وصبـاحه ومســاؤه يـعظــانه بســواه
تلقـاه تـيّـاها علـى مـن دونـه ولســوف يعطشـه الذي أرواه
والعيش بَلْوى عاقلٍ فتعجبــوا من عـاقـل مسـتـعـذب بلـواهُ
إن زيد يـوم واحـد فـي عمـره نقصـت على مقـدار ذاك قُـواه
وكأنـه والمـوت سـدد سهمـه فأصاب مَـقْـتَـلَـه ومـا أخطــاه
والمرء يُنشَـرُ كالرداء إلى مـدىً فإذا انقضى جاء الرَّدى فطـواه

وقلت:
طَـابتْ بِذكــر الله أيَّــامٌ لَنا والغــافلــونَ تعلَّقــوا بِسِــواهُ
ذكرُ الإله صِقالُ رَيْن قُلــوبنـا وثَوَى المُغفَّــلُ في ظــلام هـواهُ
بَيْـنــا تَــراه يُصـرُّ في لــذَّاته وفجورِه جــاءَ الرَّدى فطــوَاهُ

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:47 PM
تجديد الإيمان بقول لا إله إلا الله
بسم الله الرحمن الرحيم . )يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا(. اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه محمد صلى الله عليه وسلم، ونعوذ بك من شر ما استعاذ منه محمد صلى الله عليه وسلم وأنت المستعان، وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قرأنا في الفقرة الفارطة عن ميثاق النبيين الغليظ الصادق الوثيق، وعن ميثاق الفطرة العام في بني آدم كيف يضعف فيخون المنافقون عهدَهم، ويهدرون مسؤوليتهم، ويرتجف المؤمنون خوفاً وتزيغ منهم الأبصار. وقرأنا كيف يكون ذكر الله الكثير رابطة موثقة لرباط الصحبة والأسوة. فهل بعد عهد النبوءة نصيب من ذلك الصدق الرسالي الذي أنيط به وبذكر الله مصير المؤمنين في المواقف الحرجة؟ هل بقيت فضلة من تلك المائدة المحمدية يَرِد عليها المؤمنون في عصر الخلافة الثانية ويتغذون عليها كما تغذوا في عصر الخلافة الأولى ؟ هل فني الدين العتيد أم للأمر فيه تجديد؟
يبلى الإيمان في القلوب، وتضعف ربْطة الميثاق الفطري الذي أخذه ربنا جل وعلا على بني آدم يوم "ألست بربكم؟"، وينقص بمخالطة الغافلين عن ذكر الله ومعاشرة االمنافقين الذين لا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الإيمان يخلُق (أي يَبْلى) كما يخلُق الثوب، فجددوا إيمانكم". وفي رواية: "إن الإيمان ليخلُق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم". رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير والحاكم، وأشار السيوطي لحسنه.
رأينا كيف ضعف إيمان أهل الإيمان في الموقف القتالي في غزوة الأحزاب لما خالطهم المنافقون المترددون الشامتون المتربصون. ونقرأ عن الصحابة رضي الله عنهم فنراهم سائر الأيام، غير تلك الحرجَةِ، يشعرون بنقص في إيمانهم لمجرد مخالطتهم الغافلين في الفترات التي يبتعدون فيها عن صحبة الأسوة العظمى العروة الوثقى صلى الله عليه وسلم. قال حنظلة بن الربيع: "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر النار. ثم جئت إلى البيت، فضاحكت الصبيان، ولاعبت المرأة، فخرجت فلقيت أبا بكر، فذكرت ذلك له. فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر. فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة؟ فقال: "مه!" فحدثته بالحديث فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل فقال: "يا حنظلة! ساعةً وساعةً! لو كانت قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق". رواه مسلم والترمذي.
نقف عند الجملة الأخيرة من الحديث يقول فيها المصطفى صلى الله عليه وسلم: إن حضورهم بين يديه لسماع موعظته ذكر، هنا اندمجت الصحبة في الذكر.
وإن لله عبادا من أوليائه وأحبائه مجرد رؤيتهم تذكر بالله،فما بالك بصحبتهم. من ذكَرَهم ذَكَر الله، ومن ذَكَر الله ذَكَرَهم. عن عمرو بن الجموح أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يُحِقُّ العبد حقَّ صريح الإيمان حتى يحب لله تعالى ويُبغض لله. فإذا أحب لله تبارك وتعالى وأبغض لله تبارك وتعالى فقد استحق الولاء من الله. وإنَّ أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يُذكرون بذكري وأُذْكَرُ بذكرهم". رواه الإمام أحمد في مسنده.
بصحبة هؤلاء يتجدد الإيمان إذا خلُق، بربط الصلة التامة الدائمة بهم، يرتبطُ ما وَهَى من فطرتنا بالميثاق النبوي الغليظ عبر هذه القلوب الطاهرة المنورة التي غمرها حبّ الله والحب لله.
وإن الله عز وجل يبعث من أحبائه في كل زمان من يستند إليه المؤمنون ويتأسون به. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينَها" رواه أبو داود والبيهقي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة.
ويتجدد الإيمان بعامل ثان، أو قل أول، فالأمر مفتول مربوط، هو ذكر الله تعالى باللسان والقلب، خاصة بقول لا إله إلا الله الكلمة الطيبة المطيِّبة قولها كثيرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "جددوا إيمانكم!" قيل: يا رسول الله! وكيف نجدد إيماننا؟ قال: "أكثروا من قول لا إله إلا الله". رواه الإمام أحمد ورجاله ثقات، ورواه الطبراني عن أبي هريرة.
قول لا إله إلا الله أعلى شعب الإيمان وأرفعها روى الشيخان وأحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة- عند البخاري وأحمد بضع وستون- فأعلاها- في رواية أحمد فأرفعها وأعلاها- قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان".
بشهادة أن لا إله إلا الله يدخل الكافر إلى الإسلام، شهادةٍ مقرونةٍ بالإقرار بالرسالة لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبقول لا إله إلا الله ذكرا لسانيا مكثّراً يتجدد الإيمان. إلى قول لا إله إلا الله دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله". وقال لعمه أبي طالب وهو على فراش الموت: "يا عم! قل لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله" وقال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة".
في كل هذه الأحاديث المطلوبُ قولها، قولا لسانيا، التكلم بها بكل بساطة وفطرية. في لفظها المقدس سرّ وكيمياء بهما ينفذ الإيمان إلى القلب. فيا من يكذب الله ورسوله في إخبارهما بما يُصلح الإيمان ويجدده ويصدق أوهامه! أقرأُ في كتاب لا أحب أن أذكر اسمه ولا اسم مؤلفه ما يلي: "الإيمان الذي دعانا إليه القرآن الكريم هو ثمرةُ الدراسة الواعية للكون الكبير، وما انبثَّ في جوانِبه من الأَحْياء". المؤلف عالم أزهري وداعية شهير ذو إنتاج غزير. ويحك! يقول المعصوم صلى الله عليه وسلم إن الإيمان ثمرة قول لا إله إلا الله وتحيلنا أنت على "الدراسة الواعية" للكون الكبير وما فيه من أحياء! ويحك تعظم الكونَ وتستخف بوحي المكوِّن سبحانه!
إن الإسلام الفكري طامّة من الطوام، وتسطيح للدين وهجر للقرآن ولِدَليل القرآن سنة الأسوة المقدسة.وللفكر في قضية الإيمان مكان نقاربه في فقرة قريبة إن شاء الله.
كلمة التوحيد لقّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب فأبى، ولقنها أصحابه فقبلوا وفازوا. وما يزال السادة الصوفية يحافظون على هذه السنة المجيدة سنة تلقين كلمة لا إله إلا الله، ويصرخ المسطِّحون: يا للبدعة!
في الفصل الأول من هذا الكتاب قرأنا كيف طلب الشوكاني أن يلقنه شيخ من الصالحين الورد النقشبندي. قال يعلى بن شداد: حدثني أبي شداد بن أوس، وعُبادة بن الصامت حاضر يصدقه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "هل فيكم غريب؟"، يعني أهل الكتاب فقلنا: لا يا رسول الله! فأمر بغلق الباب وقال: "ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله!" فرفعنا أيدينا ساعة. ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم قال: "الحمد لله. اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني عليها الجنة. وإنك لا تخلف الميعاد". ثم قال: "أبشروا فإن الله عز وجل قد غفر لكم". رواه الإمام أحمد .
كلمةٌ بعث الله بها نبيه لتقال، حوَّلها بعض الناس فلسفة. لا شك أن معانيها ومقتضياتها عظيمةٌ عليها مدار صحة العقيدة، ومنها بدايتها. لكن ما بالنا نُنكر ما أثبتته السنة النبوية بكل إلحاح وتكرار من أنها تحمل سرا فاعلا، يتفجر منها الإيمان بقولها وتكرارها؟!
كلمة هي أفضل الذكر وأعلى شعب الإيمان وأرفعُها،لا يزهد في الاستهتار بها إلا محروم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا إله إلا الله أفضل الذكر، وهي أفضل الحسنات". رواه أحمد والترمذي عن جابر. وقال: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله". رواه ابن ماجة والنسائي وغيرهما وأخرج أحمد عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله! أوصني! قال: "إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها". قال: قلت: يا رسول الله! أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: "هي أفضل الحسنات".
الأحاديث في فضلها كثيرة والمصدق لرسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا حرفيا قليل. فيا حسرة على العباد! نيامٌ نيامٌ! غافلون عن ذكر الله!
من المائدة النبوية يتناول الموفقون، فيستيقظون ويرتقون. قال الشيخ عبد القادر قدس الله سره العزيز: "إذا تَرَقَّتْ درجة العبد من الإسلام إلى الإيمان، من الإيمان إلى الإيقان، من الإيقان إلى المعرفة، من المعرفة إلى العلم، من العلم إلى المحبة، من المحبة إلى المحبوبية، من طلبيته إلى مطلوبيته، فحينئذ إذا غفل لم يُتْرَكْ، وإذا نسي ذُكِّر، وإذا نام نُبِّهَ، وإذا غفل أوقظ، وإذا ولّى أقبَل، وإذا سَكَتَ نَطَق. فلا يزال أبدا مستيقظا صافيا، لأنه قد صفت آنية قلبه. يُرى من ظاهرها باطنُها. ورث اليقظة من نبيه صلى الله عليه وسلم، كانت تنام عينه ولا ينام قلبه، وكان يرى من ورائه كما يرى من أمامه. كل أحد يقظته على قدر حاله. فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يصل أحد إلى يقظته، ولا يقدر أن يشاركه أحد في خصائصه. غير أن الأبدال والأولياء من أمّته يردون على بقايا طعامه وشرابه، يُعطون قطرة من بحار مقاماته، وذَرَّة من جبال كراماته، لأنهم وراءَه، المتمسكون بدينه، الناصرون له، الدالّون عليه، الناشرون لعَلَم دينه وشرعه. عليهم سلام الله وتحياتُه، وعلى الوارثين له إلى يوم القيامة"[1].
هؤلاء اليقظى حين ينام الناس، الذاكرون حين يغفُل الناس، الثابتون حين يتزعزع الناس، الحاملون لكلمة التوحيد،القيمون على كنوزها هم مناط التجديد. الإكثار من ذكر الله على لسان المؤمن الصادق وفي قلبه وعقله وكيانه كلِّه تحريك لحبل الإيمان واستمطارٌ لغيثه وتجديد لعهده وميثاقه إذا كان مع الذكر الكثير وَصْلَةٌ دائمة مع العباد الذين أحبهم الله حتى صار ذكره ذكرهم، وذكرهم ذكره. لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.
أوصى المشايخ العظام بذكر الله، بالإكثار من ذكر الله، كما أوصوا بالصحبة كلّ الصادقين. وما ذاك إلا لمعرفتهم أن الذكر منشور الولاية، في أعلى المنشور شعار لا إله إلا الله. قال الإمام الرفاعي قدس الله روحه العزيز: "عليكم، أي سادة!، بذكر الله. فإن الذكر مغناطيس الوَصل، وحبل القرب. من ذكر الله طاب بالله، ومن طاب بالله وصل إلى الله. ذِكْر الله يثبت في القلب ببركة الصحبة. المرء على دين خليله، عليكم بنا! صحبتنا ترياق مجرب، والبعد عنا سم"[2].
وقال: "أيْ سادةُ! قال أهل الله رضي الله عنهم: من ذكر الله فهو على نور من ربه، وعلى طمأنينة من قلبه، وعلى سلامة من عدوه. وقالوا ذكر الله طعام الروح، والثناء عليه تعالى تُرابها، والحياء منه لباسها. وقالوا: ما تنعَّم المتنعمون بمثل أنسه، ولا تلذذ المتلذذون بمثل ذكره"[3].
وقال: "من حال المؤمن مع الله ذكرُ الله كثيرا. ومن أدب الذكر صدق العزيمة وكمال الخضوع والانكسار، والانخلاع عن الأطوار، والوقوف على قدم العبودية بالتمكن الخالص، والتدرّع بدرع الجلال. حتى إذا رأى الذاكِرَ رجل كافر أيقن أنه يذكر الله بصدقِ التجرد عن غيره. وكل من رآه هابَه، وسقط من بوارق هيبته على قلب الرائي ما يجعل هشيم خواطره الفاسدة هباء منثورا"[4].
مثل هؤلاء الصادقين هم العباد الذين يذكر الله بذكرهم. لا إله إلا الله.
قال صادق عزم على شد الرحيل في طلبهم، غريب يبحث عن غرباء:
دع المطـأيـا تنـسم الجَنـوبا إن لهـا لـنـبــأً عجـيـبــا
حنينُها وما اشتكـت لُغـوبا يشهد أن قد فـارقت حبيبـا
تَـرْزُم إما استشـرقت كثيـبـا كـأن بالرمـل لها سُقـوبــا
ما حملـت إلا فتـى كئيـبــا يُسِــرُّ مما أعلـنَـت نحيـبـا
يُمسي إذا حنَّت لها مجيبـا يَطْرُقُهـا إذا انثنت طـروبـا
إن الحنـين يبعـث النسيـبـا لو غـادر الشــوق لها قُلوبـا
إذا لآثـرن بـهــنّ النِّيـبــا إن الغـريبَ يُسعـد الغـريبـا

وقلت:
حُثَّ الخُطــا لِنذكُــر الحبيبــا فَذكــره يُصقِّــل القـلــوبَــا
كَلِمــةَ الحــقِّ التــزم دَؤوبَــا واذكُــر غُدُوّاً واذكُرَنْ غـرُوبـاً
تَكــن نَبيهـاً مُحســنــاً لبيبــاً تَكُن سَميعــاً للنِّــدَا مُجيـبــاً




[1] الفتح الرباني ص 184.
[2] البرهان المؤيد ص 43.
[3] المصدر السابق ص 47.
[4] المصدر السابق ص 58.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:47 PM
سبق المُفَرِّدون
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين(. اللهم إني أعوذ بك من العجز والكَسَل، والجبن والهَرَم والبخل وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وضلع الدين وغلبة الرجال.
صنفان من الناس المتديِّنينَ يضربون في أرض الفهم دون أن يكون جهاز الفهم مكتملا لديهم، لا جَنَاحَيْن لهم من صحبة الأكابر ومن ذكر الله ليحلقوا في سماء الفهم والعلم. صنف يقصد ينابيع الشريعة يستفهم النصوص ببضاعة مزجاة من آلات العربية والإدراك العام لمقاصد الشريعة فَيَبْتَسِر ويقتصِر ويجرد النصوص عن ملابساتها. وصنف يضع بينه وبين الله ورسوله وسائِطَ من عمل من سبقنا بالإيمان والإسلام، من فهمهم، وتقاليدهم، وأخطائهم، ومعاركِهم، وخلافاتهم، يتبنّى كل ذلك بلا تمييز، ولا معرفة بما هو التمييز، وما هو إعطاء كل ذي حق حقَّه، وبدون إلحاق كل فرع بأصله، وبدون معرفة ما يترتب على تفريع كل قاعدة عن نيَّةٍ خاصةٍ وظروف خاصّة، وحدود خاصة ألزمت فهم من سبقنا مساراً خاصّا، وطوَّقته بطوق، وألجمته بلجام، ووجهته وجهات قد لا تكون ريح الهوى أجنبية عنها دائما كما قرأنا من كلام ابن عبد البر في فصْل سابق .
صنف يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بالمغفرة لمجرّد أنهم رفعوا أيديَهم ساعة يقولون نُطقا فِطريّا تصديقيّا كلمة لا إله إلا الله، ومع ذلك يأبى إلا أن يجعل الكلمة الطيبة فلسفة، فلا يُسلم لك إسلامَك حتى تسرُدَ عليه حقيقة إسلامك من خلال الخلاف العقائدي الكدر، وحتى تتبرأ من الجَهم بن صفوانَ والمعتزلة والقدرية والجبرية، وحتى تحفظ توحيد الربوبية وفرق ما بينه وبين توحيد الإلهية. علمُ العقائد أصبح عقدة، والكلمة العالية الطيِّبة التي بعث الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم وأمره بها ووعده عليها الجنة كلمة منسوخة بفلسفة التوحيد، وعلم الكلام. أضابيرُ وملفات عثر عليها بعض الضاربين في أرض الفهم ملؤها الكلام والجدلُ والخلاف والضِّرار، تَبَنَّوْا قضاياها، وزحفوا يتأبطونها على مواقع المسلمين، يؤججون حروبا يعتبرونها جهادا من أجل تحرير العقيدة، ويرفعون إلى عنان السماء أزيز مُرافعاتهم المتفرقعة.
صنف جمدوا على موروث خامد هامد، اقتصروا على كلمة التوحيد يرددونها في الخلوات أورادا كثيرة، يحسبونها هي الإسلام كلُّ الإسلام.
مع الصنف الأول نيّات حربية يخوضها المرء في ميادين الجدل لتزدهي نفسه بالانتصارات على الخصوم. وذلك من المُهلكات التي وصفها منذ القرن الخامس خير الوصف الإمام الغزالي رحمه الله. وقد يندرج في صفهم،وينتمي إلى حزبهم من سُذَّج الناس حشودٌ جاءوا يُلبّون نداء تحرير العقيدة بغيرة على الدين، فلا يلبثون أن يتعلموا بصحبة أهل الجدل لذة إفحام الخصم، وكلُّ المسلمين خصم، ولذة إلزامه بالحجة، ولذة إخراج النص القاتل في الساعة الأخيرة. وهكذا تجد العوامَّ وعوامَّ العوام يتصدَّون للفُتْيا، وما معهم إلا بضعة نصوص حفظوا مراجِعَها وأسانيدها وتعاليق العلماء عليها ممن سبقونا بإسلام أو إيمان، يخوضون بها المعارك الطاحنة. وكأن الإسلام ما هو رحمة للعالمين، بل نقمة، خاصَّةً على المسلمين.
ومع الصنف الجامد على الأوراد، القابع في زوايا الابتعاد، نيات مُنعكسة على الذوات، منكسرة لما تعرف عن نفسها من السيئات، راجية تطهير النفس من الدنيّات. إن كان أصحاب الأوراد صادقين مصدِّقين فهم مع من رفعوا الأيدي مع شدّاد بن أوس وعُبادة بن الصامت على سبب من أسباب المغفرة والفلاح.
على سببٍ واحد هو ذكر الله، وبقيت أسباب أخرى ما للقاعدين على الأوراد منها نصيب إلا أن يضاعفَ الله لمن يشاء ويرحم من يشاء ويرفَعَ من يشاء. فات أهل الأوراد الفضيلةُ الجامعة للخير كله، فضيلة الجهاد الذي رفع الصحابة رضي الله عنهم أعلى الدرجات.
إن كلَّ عمل نقرأه في القرآن والحديث قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام عمل جهادي. كانت حياتهم جهادا متواصلا، استغرق الجهاد أموالهم وأنفُسَهم وأهليهم ووقتَهم وليلهم ونهارهم، إلا فترات يعافسون فيها الأموال والأولاد، ويضاحكون فيها الأطفال ويلاعبون فيها النساء، فيحسبون أن قد نافقوا لخروجهم تلك اللحظات عن مألوفهم الجهادي. ويفزعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فَزِع حنظلة وأبو بكر رضي الله عنهما .
كان ذكرُهم ذكرَ مجاهدين، فبذلك )لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيما.ً دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً( (سورة النساء، الآيتان: 95-96).
ذكرنا في فصل سابق كيف يَصِح عُذر القاعدين عن الجهاد بعد نُشوب الفتنة. وهمّنا في هذا الكتاب كلِّه أن نثبت بُطلانَ ذلك العذر في حق جيلنا وما يتبعه إلى يوم القيامة،وأن نلتمس مَسلكا للتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه لنكون الإخوان الذين بَشَّر بهم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وليكون ذكرنا ذكر مجاهدين نقرأ البرنامج الجهادي كله، ومن أهم مداخله دوام الذكر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأصحابه وهم في حركة جهادية، في سفر جهادي في طريق مكة: "سبق المفردون!" قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيرا والذاكرات". رواه مسلم عن أبي هريرة.
كان صلى الله عليه وسلم يوم قالها قُرْب جبل جُمدان، لم يكن في رحلة صيد ومتعة واسترواح. فإن جاء جيل جرَّدَ قُربة الذكر الكثير عن سياقها الجهادي ومقدِّماتها الجهادية ولواحقها الجهادية فقد أخذ خيرا كثيرا، لكنه لم يأخذ السنة الكاملة، فلا يحقُّ له الأسوة الموعود عليها خير الدنيا والآخرة بالجزاء الأوفى والقرب والزلفى.
لأهل الأعذار تُعطى تعويضات ورخص. جاء فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: "ذهب أهل الدثور[1]. بالدرجات العُلى والنعيم المقيم! فقال وما ذاك؟ فقال يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟" فعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل دُبُرَ الصلوات. روى الحديث الشيخان عن أبي هريرة.
كان الصحابة جميعا مجاهدين، فَضَل بعضهم بعضا بقربات تعبُّدية إحسانية. فكان الذكر المُهْدى للفقراء يعادل جهاد المال الذي فضل به أهلُ الدثور، حتى إن الذكر يُلحقهم بالمنفقين السابقين، ويحقق لهم سبقا على من بعدهم. ومن المسبوقين قطعا من عقد الأصابع بعد الصلاة وهو آمن قاعد في مسجده يحسب عليها ذكر الله. خير وافر، لكنه خير غير كامل، لم يزكه الجهاد.
حديث ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفهمه القاعدون فهما سطحيّا تجزيئيا ليُبرروا به قعودهم، وليس هو إلا رخصة أعطيت لذوي الأعذار، وسلوة وتعويضا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخيرٌ لكم من الوَرِقِ والذهب، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله". أخرجه مالك موقوفا والترمذي وغيره مرفوعا عن أبي الدرداء بإسناد صحيح.
المجاهدة بلا ذكر عملٌ مفضولٌ مسبوقٌ. والذكر بلا جهاد ولا عذر مفضول مسبوقٌ. لا شك في ذلك. وإنما أعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم البشارة وأكثر التحريض على الذكر لكونه قربةً إلى الله أقربَ، لا واسط بين الذاكر وربه، بينما بين المتقرب بالجهاد وبين ربه رقابٌ تُضْرب وورِقٌ وذهب قد تكدِّر ماديتهما صفاء الروابط الإيمانية الإحسانية.
ثم إن إشادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر والذاكرين إشادةٌ دائمةٌ، متنوِّعة الصيغ لأهمية الموضوع، وليكون المؤمن في استهتار دائم بالذكر. وقد جاء في رواية الترمذي: قالوا: يا رسول الله! ما المفردون؟ قال: "المستهترون بذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم". والاستهتار هو الوَلُوعُ والمواظبة عن حب ورغبة دائمة.
بالذكر الكثير الدائم حياة القلوب، بل وحياة العالم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه، مثلُ الحي والميت". رواه الشيخان عن أبي هريرة.
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العباد أفضل وأرفع درجة عند الله يوم القيامة؟ فقال: "الذاكرون الله كثيرا". قيل: ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: "لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما فإن الذاكر لله أفضل منه درجة". أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري وهذا الحديث السابق في أفضلية الذاكرين على المجاهدين يفهم في سياقه.
الذاكرون يَفْضلون غيرهم إذا عملوا مثل عملهم وزادوا عليهم بالذكر. أخرج ابن أبي الدنيا حديثا مُرْسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي أهل المسجد خير ؟ قال: "أكثرهم ذكراً لله عز وجل". قيل: أي الجنازة خير؟ قال: "أكثرهم ذكرا لله عز وجل". قيل: فأي المجاهدين خير؟ قال: "أكثرهم ذكرا لله عز وجل" قيل: فأي الحجاج خير؟ قال: "أكثرهم ذكرا لله عز وجل". قيل: وأي العُبَّاد خير؟ قال: "أكثرهم ذكرا لله عز وجل".
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ذهب الذاكرون بالخير كله.
وأخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون". وأتى رجل أبا مسلم الخولانيَّ رضي الله عنه فقال: أوصني يا أبا مسلم. قال: "اذكر الله تعالى تحت كل شجرة ومَدَرَة. فقال: زدني. فقال: "اذكر الله تعالى حتى يحسبك الناس من ذكر الله تعالى مجنونا". وكان أبو مسلم يُكثر ذكر الله تعالى، فرآه رجل وهو يذكر الله تعالى، فقال: أمجنون صاحبكم هذا؟ فسمعه أبو مسلم فقال: ليس هذا بالجنون يا ابن أخي، ولكن هذا ذو الجُنون.
المفرِّدون غير المنْفرِدين المنقطعين عن العالم. المفردون هم المستهترون بذكر الله وهم في ساحة الجهاد أو في الطريق منها أو إليها. بُشر المفردون بالسبق والأفضلية والدرجات العلى يومَ كان كل مخاطَب بالبُشرى مجاهدا سائرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاته، ليزكيَ كل مجاهد جهاده بالذكر. مسألة عصرنا وما بعده هي أن يقبل الغافلون عن ذكر الله المجادلون في الله، المفلسفون كلمة لا إله إلا الله، أن الذكر باللسان وبالقلب قربة عظمى، وأن يزكي الذاكرون ذكرهم بالجهاد والعمل الصالح. وبذلك يكون التجديد شاملا لمعاني الإيمان، وساحاته، وأقواله، وأفعاله، ومقدماته، ونتائجه، وسوابقه ولواحقه. لا إله إلا الله محمد رسول الله.
قال ذاكر لاحق سابق إن شاء الله، يُلحقه الله لعلو قصده:
ولما ركبت البحر نحـوك قاصـدا ولم أر غيـر الله مـالا ولا أهـلا
دعوتك بالإخلاص والمـوج طـافح بصدقِ ودادٍ لم يكـن قَبْـلُ مُعْتَـلاّ
أيا منقذ الغرقى ويا ملهم التقـى ويا صمدا يبقى إذا أَذهـبَ الكُـلاّ
لوجهك ذل البر والبحر خـاضع وحق لهذا الخلق أن يألـف الذلا

وقال ذاكر هَيَّمَهُ حب الله عن كل ما سواه فهو إن شاء الله من اللاحقين:
أيُّ النسيم جـرى بأرض خيـام مـتـوشـحـا بـذوائـب الأعـلام
وافى وقد عَبَقَتْ بنشـر أحبـتي نـفـحـاتـه لـغــرارَة وثـُـمــام
فـطـربت لا أدري بـأيِّ لطيفـة وثَمِـلـْـتُ لا أدري بـأي مُــدام
وَلِعَـتْ بقـلـبي صَبـوَة شـاميَّـة وَلَـعَ النسـيــم بـيـانـعٍ بـسَّـام
فغـدوت مشغــوفـا به وبأهـلـه طَرَبَ الشمائل للوميض الشـامي
لولا هـوىً للـروح بين خيـامـه ما بـتُّ حـنّـانـا لـكل خـيــام
ومحَجّـب ما حظـنـا من وَصلـه إلا المـنـى ومـواهبُ الأحــلام
تهـفـو له ألبـابنـا فـيصـدهـا سطو الجـلال وهيبـة الإعظــام

وقلت حشرني الله وإياكم بمنه مع المفردين السابقين:
وَافَى بِطيبِ حَديثِكُم بَردُ الصَّباحْ يا ذَاكــريـنَ مُفــرِّديــن بِلا بَــراحْ
فُـزتم بـقـربِ اللـه فَـلْيـهنــأ بكــم جمــعُ الأحـبَّــة فـي غـدُوٍّ أو رَواحْ
تحْيـى بِكم أرض القُلــوب وتُبْتَغــى مِن وَصلكم مِنحُ التَّفضُّل والسَّمـاحْ




[1] الدثور: المال الكثير.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:48 PM
حِلَق الذِّكر
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين(. اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل.
تتغذى محاكم المرافعات والاتهامات التي يعقِدها الورّاقون من رفوف الأضابير العتيقة ومن طموح كل زيد وعمرو من أنصاف الأميين إلى الرئاسة والغَلبة في الجدل. فهم في زمان غيرهم في خدمة أنفسهم. ويتغذى الدّاعون للإسلام الثقافي من مقرّرات "الدراسة الواعية للكون الكبير وما انبث فيه من أحياء". وقد يكون من هؤلاء وهؤلاء صادقون خانهم الفهمُ وخانهم التوفيق، وقد يكون آخرون إنما يشتغلون "بالدعوة" على هذه الأساليب التواءً عن جادة الجهاد، وإعذاراً إلى أنفسهم الجبانة بمعاذير أنهم حماة السنة فوارس قامعون للبدعة.
هؤلائك وهؤلاء غفر الله لنا ولهم بحاجة إلى تعلم أبجدية الإيمان وهي حب الله، وحب رسول الله، وذكر الله، والجهاد في سبيل الله. لا سبيل إلى الأسوة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إذا قرأنا القرآن والحديث و"الكون الكبير وما انبث فيه من أحياء" بلغة أبجديتها علم الكلام، وخلاف المجادلين في الله، وعواصمُ سوء الظن بكل عباد الله من قواصم الوهم الشركيِّ، أو بلغة نقلناها من ألم واقعنا المنهزم، وتخلُّفنا الاقتصادي، والاستبداد الواقع علينا من الحكام الجائرين علينا منا، وتقلّصنا في رقعة العالم القوي المنتج المصنَّع الغني المتعلم إلى ما يشبه الأصفار على الشمال. وإن اتخذنا من أبجدية الانهزام لغة تنمويَّة وحيدة مراجعها هناك ومواجعها هنا، تنتقش عباراتها وجملها وعَروضها وقواعدها في عقولنا فتحول دون أن ينتقش في قلوبنا حب الله ورسوله، وذكر الله، وسنة رسول الله، والجهاد في سبيل الله أسوة برسول الله .
من أبجدية الإيمان الاجتماع على ذكر الله. قوم من الدعاة الورّاقين يعلنونها حربا على كل مجلس يقعد فيه المسلمون لذكر الله، أو لتلاوة القرآن. يرون كل ذلك بدعة محدثة وضلالة في النار لمجرد أن جماعات من المؤمنين على مر الأعصار عرفوا بذكر الله، لكنهم سموا صوفية فباءت أعمالهم بسوء ظن الوراقين وحروبِهم لمّا باء الاسم بِسيِّئ السمعة.
أما أهل الإسلام الثقافي والدراسة الواعية للكون الكبير، باعتبار الدراسة والوعي للكون مصدرا في زعمهم للإيمان الذي جاء به القرآن، فالمتحلقون للذكر عندهم بطالون، وحق لهم أن يظنوا بالقاعدين لذكر الخمول سوءا لِمَا يرون من دراويشَ أخذوا كلمة التوحيد يجلسون إليها وعليها ويطرحون واجب العمل من ألواحهم بينما الأمة جائعة عارية تابعة خاضعة، لو قطعت عنها أمريكا القمح الأمريكي لَعَزَّ الغذاء في الأسواق العالمية ولماتت جوعا.
بين الإسلام الثقافي الأجوف وثرثرة الوراقين السفاكة تضيع الحقائق الجوهرية للدين.
من يقعد في حلقات الذكر آناء الليل وأطراف النهار يعولُه غيره فهو عاجز كاسل باخل، نعوذ بالله من العجز والكسل والبخل ورفاقها الانهزامية. وإن ضرورة الجهاد والسلوك الجهادي تعني فيما تعني النهوض لجهاد بناء الأمة، اقتصادِها وصناعتِها وتعليمِها وسياستِها وتنظيمِها وإحقاقِ الحقوقِ فيها بالعدل والإحسان.
ومن يتهم الجالسين في حلق الذكر بالبدعة، ويَصِمُ سلف الذاكرين بأنهم قوم انْسَحبوا إلى الدروشة من السنة، ويبدِّع ويكفر، فذاك لا يعطي للأمر ما يستحقه من تمييز. فلا يسأل عن الأسباب التي دعت رجالا من كبار الصحابة للانزواء عن الأمر العام حتى قعدوا أحلاسا[1]. في بيوتهم. ولا يسأل عن النفس البشرية كيف تنغرس فيها على مر الأجيال عادات قلَّد فيها الآباء الأجداد ونشأ عليها الأطفال كما تنشأ الشِّرْنِقَةُ في تابوتها المغلق لِتَلِدَ آخر المطاف دودا مفسِداً. كان الانزواء عن الفتنة موقفا إيجابيا عند أمثال سادتنا سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر، فاستحال بعد إلى معاذيرَ جبانةٍ. وكانت حِلقُ الذكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثابتة ثبوت كتائب الجهاد، مقدسة قدسيَّتَها. فلما انفرط عقد الأمة، واختصم السلطان والقرآن، وأخذت عرى الإسلام تنتقض عُروةً عروةً غشي حلق الذكر بعضُ الخمول، لكنها بقيت على العموم رُكنا نيِّراً عاش فيه الصالحون يناجون ربهم ويستروحون الرحمة الموعودة للذاكرين في الحِلق.
وتبقى حلق الذكر دائرة نورانية عزيزة من دوائر السنة المحمدية على جند الله أن يعطوها حقها.
قال تعالى فيما رواه عنه حبيبه صلى الله عليه وسلم من الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم. وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا. وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". هذه رواية للشيخين عن أبي هريرة.
حديث عظيم وبشارة عظمى للمحبين المتقربين الذاكرين فرضا ونفلا الصادقين المصدقين. نكذب على أنفسنا وعلى الناس، ونُكذب الله ورسوله إن قرأنا مثل هذا الحديث المقدَّس وإن تَلَوْنا في الصلاة آيات الذكر والجهاد والتقرب والمحبة ثم لا نصدق شيئا من ذلك بالعمل. مِنْ أعلى العمل المقرِّب إلى الله عز وجل الجلوس في جماعة لذكر الله.
في الحديث المشهور الذي رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة: "إن لله ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم! فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا" الحديث. وفيه كيف ترفع الملائكة خبر الذاكرين. إلى المولى العلي العليم وهو أعلم بهم، وكيف يسائلهم الحق جل وعلا في شأن عباده الذاكرين. أي احتفال هذا وأي شرف أن تسعى الملائكة في الأرض في طلبة عزيرة فلا يجدون حاجتهم إلا عند الجالسين للذكر! وأي شرف أن يخاطب الخالق عز وجل ملائكته خطابا طويلا في شأن الذاكرين! لا شك أنهم المحبوبون المفرِّدون المستهترون مجانين ذكر الله وحب الله. طوبى! ثم طوبى! ثم طوبى لمن صدق وعمل ثم احتسب!
قال المعترض: المقصود بحلق الذكر حلقُ العلم والوعظ لا تلك التي نردد فيها لا إله إلا الله ونصلي فيها على رسول الله. دعونا فما لبلداء الأبجديات دواء! حِلق العلم والوعظ مجالس للذكر لا شك في ذلك. لكن الجلوس لذكر الكلمة الطيبة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تحقيق مباشر لمعاني حلق الذكر.
روى مسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري أن معاوية خرج على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا جَلسنا نذكر الله! قال آللهِ ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا آللهِ ما أجلسنا غيره! قال: أما إني لم أستحلفْكم تُهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقلَّ عنه حديثا مني. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: "ما أجلسكم؟" قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: "آللهِ ما أجلسكم إلا ذلك!" قالوا: آللهِ ما أجلسنا إلا ذلك! قال: أما إني لم أستحلفكم تُهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة".
يا ورّاقين يا بطّالين كرهتم سنة عظيمة، فما مجالسكم التي تتباهى فيها الأنانيات بشوارد النصوص ومقفلات الجَدَل من مجالس طيبـي الأنفاس التي يُباهي بها الله ملائكته ليريَهم أن هذا الخلقَ المستخلَف في الأرض الذي طعن فيه الملائكة مخافة أن يفسد في الأرض ويسفك الدماء خَلْقٌ يُمجد الله ويوحده ويسبح بحمده رغم ما هو مثقل به من شهوات باطنية، ورغم ما يتطلبه معاشه من شغل، ورغم ما أمامه وحواليه من عقبات!
تقعدون فلا تذكرون الله إلا قليلا مذبذبين. أنساكم ذكرُ أنفسكم، وعرضُها في أبهى الصور وأزينِ الفصاحة ليعبدكم الأتباع والرعاع، ذكر الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة". رواه أبو داود والحاكم بإسناد صحيح.
تفوح مجالس الجدل وتبديع المسلمين بَدَلَ تعليمهم والرفق بهم بما تفوح. وبمثل ريح الجنة تفوح مجالس الذاكرين الصادقين. أخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر.
وكيف لا تكون حِلقُ الذكر جنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تبارك وتعالى يتلون كتاب الله عز وجل ويتدارسونه بينهم (في رواية لرزين: ويذكرون الله) إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده". رواه أبو داود عن أبي هريرة بسند صحيح.
يرى أصحاب البصائر المنوَّرة دائما الرحمةَ تنزل على الذاكرين كما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد روى الإمام أحمد في الزهد عن ثابت قال: كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمر النبي صلى الله عليه وسلم فكفوا. فقال: "ما كنتم تقولون؟" قلنا: نذكر الله. قال: "إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها". ثم قال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر معهم". وذلك قوله تعالى لحبيبه: )وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ( (سورة الكهف، الآية: 28). وفي هذا الحديث مرة أخرى نلتقي بمبادئ السلوك وأركانهِ: المعيةُ والجماعة ودوام الذكر بالغداة والعشي مع صحة الإرادة وسموِّها وتجرّدها وتعلقها بوجه الله عز وجل فوق كل الإرادات الدنيا.
وروى الطبراني وابن جرير عن سهل بن عبد الله بن حنيف قال: "نزلَتْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته: )وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ( الآية، فخرج يلتمسهم. فوجد قوما يذكرون الله تعالى، منْهم ثائر الرأس وجافُّ الجلد وذو الثوب الواحد. فلما رآهم جلس معهم وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم".
كانوا، الأحبةُ، ثائري الرأس جافِّي الجلد لهم ثوب واحد من الفقر والفاقة. وهم أهل الصُّفَّةِ المعبَّئون للجهاد، الجالسون رهن إشارة القائد المعصوم صلى الله عليه وسلم. جاء من بعدهم متزهدون ومتصوفون تجردوا وتشعثوا تشبُّها بالكرام. لكن أين الشعار الاختياري من حقائق الجهاد، وأين الكُحْلُ من الكَحَل! هيهات!
الذاكرون أهل الكرم، المتعلمون والمعلمون من أهل الكرم. وما جافى ذلك وقاتله ونافاه هَوَسٌ ولعنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الرب عز وجل يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع من هم أهل الكرم". فقيل: ومن هم أهل الكرم يا رسول الله! قال: "مجالسُ الذكر في المساجد". رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري. وروى الترمذي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة بإسناد حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم".
وقال ذاكر ذكروه فتذكر، وعلموه فتعلم، وشوقوه فأحب:
سرى من رُبا نجد صبا عَرْفِ رَيّـاها فأحيـى قـلوب العـاشقين وحيّـاهـا
وذكّـرها تلك العهـود التي مضـت على أنهـا محفـوظة ليس تَنْسـاهـا
وروَّح أرواح المـحبـيــن رَوْحُـهــا فتاهت به وَجْـداً ووجْـداً بهـا تاهـا
وهاموا فهـامت عند ذاك رِحـالُـهم تُرى علمت ما في حشاهم حشاياها!
فيـا سـائـق الأظعـان رِفْقـا فإنهـا بها من عظيم الشوق ما كان أغناهـا
تراءتْ لها من جـانب الطـور نـارُه فطارت فلم يدر السُّرى أين مَسراهـا
حنـيـنـا إلـى تلك الديــار لأنهــا متيَّمـة تهـوى الديــار وتهــواهـا
ألـم تــرهـا مـدَّتْ إلَيْـك رقابهـا وتـرمـي بسـاقَيْها وتَـذْرِف عينـاهـا
طواها السُّـرى طيَّ السَّجِـلِّ كتـابَه فعادت حـروفا تقـرأ العين معنـاهـا

وقلت :
بمَجلسـكــم حفت مــلائكــة الـربِّ ويُتلى اسْمُكـم بالمــدح في ملإ القُــرْبِ
أيـا ذاكــرين الله فــزتــم وطــبـتــم بذا جاءت الأخبـار في مُحكم الكُتْبِ
ويـغشــاكُــمُ واللـه روح سكـيـنـــةٍ كما بشَّر المختــار من نسَــب العرب
عليــه صــلاة الله ثـم ســـلامــه وللآل من تلك الصــلاة وللصـحــب




[1] أحلاسا: جمع حلس وهو الحصير.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:49 PM
الدعاء
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب إني ظلمت نفسي(. اللهم آت نفسي هداها، وزكها أنت خير من زكاها. أنت وليها ومولاها. اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها.
بوب البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه: "باب دعاؤكم إيمانكم". وذهب الشراح يؤولون كلامه، فمن قائل إن كلامه ينظر إلى تفسير ابن عباس رضي الله عنهما قول الله تعالى: )قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ( (سورة الفرقان، الآية الأخيرة) بأن المقصود بالدعاء الإيمان. ومن قائل إن معناه دعاء الرسل للخلق هو السبب في إيمانهم، ومن قائل إن معنى الدعاء هنا الطاعة أو العبادة. والذي يظهر لي والله أعلم أن هذا من باب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الإمام أحمد: "كَرَم المرء دينُه" أي أن دينَه يكون على مستوى كرم أخلاقه وكرم معدنه وكرم همته صعودا أو هبوطا. كذلك فذو الحظ العظيم من الدعاء ودوام الوقوف على باب الله أعلى إيمانا من قليل الدعاء. وتكفينا الآية الكريمة للدلالة على أن الله عز وجل لا يعبأ بمن يستغني عن دعائه ويلجأ إلى باب غيْره.
في حديث: "من عادى لي وليا" يُخبرنا الحق عز وجل أن العبد المتقرِّب بالفرض والنفل المحبَّ المحبوب إذا أدركته العناية الإلهية فكان الله سمعه وبصره ويده ورجله يصير دعاؤه مستجابا. وهذه مرتبة مقابلة لمرتبة الذين لا يدعون الله ولا يعبأ بهم الله، نعوذ بالله.
إن الله جلت عظمته فائضُ الكرم رحيمٌ بالخلق يحب من يدعوه ويغضب على من لا يدعوه كما جاء في الحديث: "من لم يسأل الله يغضب عليه". رواه الترمذي عن أبي هريرة.
من كرم الرب عز وجل أنه يَعْرِضُ علينا فضله كل ليلة، فلا ينال من ذلك الفضل إلا الأيقاظ الذاكرون الداعون. روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأُعطيه، من يستغفرني فأغفر له؟". أنعم به من رب كريم عظيم ينزل للعباد، ياحسرة على العباد، ناموا ومنادي الفلاح لا ينام!
في رواية لمسلم: "ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول: "أنا الملِكُ! أنا الملك! من ذا الذي يدعوني" الحديث. ويتجلى غضب الله الرب الملك على من لا يدعوه في الدنيا يوم القيامة.يوم القيامة يقول جل جلاله: "أنا الملك ! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟". فمن يكون بمنجاة من ذلك الغضب إلاّ المؤمنون والمؤمنات المتزلِّفون إلى الله، الداعون المتقربون في ظلمات الليل الدنيوي حين ينام الغافلون؟
روى الشيخان وأبو داود عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يَطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: "أنا الملك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟" ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول: "أنا الملك! أين الجبارون، أين المتكبرون؟"". هذه رواية مسلم.
قال الله تعالى: )وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ( (سورة غافر، الآية: 60). المستكبر عن الدعاء مستكبر عن العبادة. فإن الذلة لله جل جلاله وإظهار الفقر إليه عبادة وعبودية. قال صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة" ثم تلا الآية السابقة. أخرجه أصحاب السنن من حديث النعمان بن بشير وصححه الترمذي وأخرج الترمذي عن أنس قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء مخ العبادة".
اللهم لك الحمد ولك الثناء من ربّ ملكٍ يعرض فضله على العباد عرضَ الكريم الوهاب، ويهدّد بالنكال في الآخرة من لا يدعوه في حوائجه، ويغضَب عليه. لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. أستغفرك وأتوب إليك. سبحانك تُجيب المضطر إذا دعاك كما أخبرت في محكم كتابك، ثم تبعث الرسل بالوعد والوعيد لِيَحْدُثَ عند المستغني اللاهي عن فقره والمستكبر المعتد بمتاع أنت ابتليته به افتقارٌ واضطرار. سبحانك ما أكرمك وما ألطف عطاءك!
الدعاء منجاة في الدنيا والآخرة، الدعاء في الرّخاء عدّة ليوم الشدة، الدعاء سلاح المؤمن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تعجزوا في الدعاء، فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد". أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه من حديث أنس. وأخرج الترمذي والحاكم بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة قوله صلى الله عليه وسلم: "من سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكُرَب فليكثر الدعاء في الرخاء". وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض".
استجاب الله تعالى لأصفيائه من خلقه الأنبياء، وأنزل علينا في كتابه العزيز آيات تَضَرُّعِهم وتفضُّله عليهم لنتلوها ونتأسى بها ونتقرب باللَّجَإِ إلى بابه كما تقرّبوا. قال تعالى في سورة الأنبياء: )وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ( (سورة الأنبياء، الآية: 75). وقال جل من قائل: )وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ( (سورة الأنبياء، الآيتان: 83-84). وهم الداعون المتضرعون. وقال: )وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ( (سورة الأنبياء، الآيتان: 87-88). ثم قال له الحمد من رب يرحم وينجي ويُعطي: )وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ( (سورة الأنبياء، الآيتان: 89-90).
هذه الرابطة القوية بين العبد المقرَّب وربِّه، أمتن الروابط، وأقرب القُرَب. قال الله تعالى: )وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ( (سورة البقرة، الآية: 186). والأولياء هم أهل الرُّشد لأنهم أكثر العباد إيمانا واستجابة لدعوة الله، وتعرضا لنفحات الله، ودعاء وتضرعا إلى الله.
ليس الدعاء شيئا آخر غير الذكر، بل هو الذكر في أكثر حالات العبد حضورا مع الله عز وجل بالحاجة والندم والاضطرار والرجاء والخوف. وإن الله عز وجل لا يقبل دعاء الغافلين. أخرج الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ". ويشفع الذكرُ للمشتغل بالذكر أفضل الشفاعة، فينال أفضل ما يناله السائلون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الربُّ تبارك وتعالى: "من شَغَله قراءةُ القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"". أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري وحسنه.
وللدعاء آداب أجملَها الإمام الغزالي رحمه الله ورضي عنه في عشرة هي:
أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة ورمضان من الأشهر والجمعة من الأسبوع ووقت السحر من ساعات الليل. الأدب الثاني أن يغتنم الأحوال الشريفة كساعة زحف العدو وعند الأذان وإثر الصلاة وحالة السجود. الأدب الثالث أن يدعو مستقبلا القبلة رافعا يديه. الرابع خفض الصوت بين المُخَافَتَةِ والجهر. الخامس أن لا يتكلف السجْع في الدعاء لأن ذاك تكلف يخالف حال التضرع المطلوب. السادس التضرع والخشوع والرغبة والرهبة. السابع أن يَجْزِمَ الدعاء ويوقن بالإجابة. الثامن أن يُلحَّ في الدعاء ويكرره لما روى ابن مسعود عند مسلم من أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا دعا ثلاثا وإذا سأل سأل ثلاثا. وينبغي للعبد أن لا يستبطئ الإجابة ولا يَملَّ من الدعاء، فإنه لا يعلم ما يدخره الله له وما يختاره. وإن أولياء الله الكمل يدعون الله عبودية محضة يسألونه أعز ما يُطلب وهو النظر إلى وجهه الكريم، فما تأخرت الاستجابة فيه من حاجات دون هذا المطلب العلي فهو منحة زائدة محبوبة لأنها هدية الحبيب، لكنها لا تكدِّرُ صفاء المتوكلين. التاسع أن يفتتح الدعاء بذكر الله عز وجل ويختمه به، وعن بعض الصالحين أن الدعاء الذي يُبدأ بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويختم بها دعاء لا يسقط. العاشر هو الأدب الباطن وهو الأصل في الاستجابة: "التوبة ورد المظالم والإقبال على الله عز وجل بكُنهِ الهمة"[1].
من آداب الدعاء التأسي بأدعيته صلى الله عليه وسلم والاستناد إليها وحفظُها والنَّسج على منوالها. وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب جوامع الدعاء. روى الإمامان أحمد وأبو داود بسند حسن عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء، ويَدَعُ ما سوى ذلك". على أنه صلى الله عليه وسلم أرشدنا أن يكون دعاؤنا شاملا حتى ندعو الله في كل حاجاتنا مهما كانت، فهو سبحانه يعلم دقائق الأمور كما يعلم جلائلها، وسؤال العبد ربه في جزئيات معاشه كسؤاله إياه في كليات معاده أدعى للاعتراف بالعجز والتبري من الحول والقوة. روى الترمذي والإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد بسند حسن عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لِيَسْأَلْ أحدُكُم ربَّه حاجته كُلَّها .حتى يسأل شِسْعَ نعْلِه إذا انقطع". وشسع النعل هو السير الرقيق من الجلد تربط به النعل.
هاك هذه الصفحة المُونِقَةَ في آداب الذكر، تدخل في باب الدعاء من حيث كون الدعاء ذكرا، من كلام الإمام الرفاعي رحمه الله: "أي بني! اذكر الله تعالى، واعلم أن الله تعالى أعلى دَرجة الذكر، وعظم رتبته، ورفع شأنه، وشرفه وفضله. ثم قسمه على اللسان والأركان والجنان. فينبغي أن يكون الذاكر على حذر أن يلتفت إلى الذكر (أي أن يشتغل بعمله ويعتدَّ به)، ويكون شريف الهمة والإرادة، لطيف الفطنة في الإشارة، صحيح النية، لا يريد غيره، ولا يلتمس منه فراغه عنه إلى ما دونه"[2].
قلت: احذر أن يكون سؤالك إياه في حاجتك الدنيوية والأخروية شاغلا لك عن طلبك الأعلى: وجهه الكريم.
قال: "لأن الوصول إلى الكل تحت الرضى به عن غيره، والحرمان من الكل تحت الاشتغال بغيره. ويجب على الذاكر أن يذكره على غاية التعظيم والحرمة، لا على العادة والغفلة، فيصيرَ بذلك محجوبا عن المذكور عقوبة لترك التعظيم والحُرمة، لأن حفظ الحرمة في الذكر، خير من الذكر (أي من لوك ألسنة الغافلين). وما من عبد ذكره على التحقيق إلا نسيَ في جَنْبِ ذكرِه ما سواه، وكان الله له عِوَضا من كل شيء. وربما يريد العارف أن يذكره فتهيج في سِرِّه أمواجُ التعظيم والهيبة، فيكلُّ لسانه ويطير فؤاده من إجلال الوحدانية".
قال يحيى بن معاد: الذكر أكبر من الجنة لأن الذكر نصيب الله، والجنة نصيب العبد. وفي الذكر رضى الله، وفي الجنة رضى العبد.
الذكر دعاء والدعاء ذكر. ولذكر الله بالقصد الأكبر أكبر والله يعلم ما تصنعون. قال ابن عطاء الله رحمه الله: "لا ترفعن إلى غيره حاجة هو مُوردُها عليك. فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعا؟ من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعا" وقال: "لا يكن تأخر أمَدِ العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك. فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما تختاره لنفسك. وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد".
فاذكره رجاء، وادعه ثقة، واسأله إلحاحا، وفوض إليه، فنعم المولى هو ونعم النصير.
قال آمل فيه، راج عفوه، مستمطر جوده:
ما أحسن الجـود بـلا علَّة وأكـرمَ العفـو مع الذنـب
يا رب حقـق فيك ظنّي ولاَ تخَـيِّـب الآمــال يا ربّ!

وقال الآيس من نفسه التائب إلى ربه:
ولما قسـا قلبي وضـاقت مـذاهبـي جعلت رجـائي نحو عفـوك سُلَّمـا
تعـاظمنـي ذنبـي فلمـا قـرنتـه بعفـوك ربـي كـان عفـوك أعظمـا
فمازلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجـود وتعفــو منـة وتكــرّمـا

وقال المحب المشتاق المعذب من كثافة الحجاب:
خَرِسَ اللسان فما يطيق عبـارة أَلَــمٌ أَلَــمَّ ومـا لـه مــن راق
ما للمحـب من المنـون وقـأيـة إن لم يجـد محبـوبـه بتـلاق
مولاي عبـدك ذاهـب بغـرامـه أدرك بفضلك مِـنْ دِماه البـاقي
إني إليـك بعـلتـي متـوسـل فاعطف بلطـفٍ منك أو إشفـاق

وقلت:
مَا أكْرَمَ المولى يُجيبُ الدُّعـا ويـغـفِــر الزَّلاَّتِ للجــاني
يُعلِنُهُ عَرْضـاً رحيمــاً: أنَا أُجْـزِِلُ مِنحاتي لِمَن جَـانِي
أُجيبُ كلَّ سائـلٍ إنْ صحـا في ثلـثِ اللَّيــل ورجَّــانِي




[1] الإحياء ج1 ص 274 وما بعدها.
[2] حالة أهل الحقيقة مع الله ص 110.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:49 PM
الأوراد وخصائص الأذكار
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي(. اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك.
لَبِيسَ عبد شغلته النعم يرجوها ويدعو بها عن المنعم، وألهته محبوبات النفس عن محبوب القلب، وبدَّد شمله هم المكان والزمان عن استجماع همته في ذكر مولاه. تعتري المؤمن فترات غفلة لأن الإنسان جبل على النسيان، فيفتر عن ذكر ربه وينشغل. لكنه يرجع إلى الذكر ويُراجِع. ولمثل هذا قال الله عز وجل على صورة خطاب موجه لسيد الذاكرين صلى الله عليه وسلم: ) وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ( (سورة الكهف، الآية: 24). نسيان المؤمن موقوتٌ طارئٌ، ونسيان الجاحدين والكافرين والمنافقين والغافلين حالٌّ مقيم! ) نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ( (سورة الحشر، الآية: 19).
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله عز وجل على كل أحيانه كما روى مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها. وبذلك أُمِرَ في قوله تعالى يخاطبه: )وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ( (سورة الكهف، الآية: 28). وقوله: )وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ( (سورة الأعراف، الآية: 205).
وجاء القرآن بتحريض الرجال حقِّ الرجال على الذكر في أطراف الليل والنهار في قوله تعالى: )في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة( (سورة النور، الآيتان: 36-37).
كلمة "سَبَّحَ" ذاتُ دلالة عامة تشمل كل العبادات من قول وفعل ونية كما قال الراغب الإصفهاني رحمه الله . واستغراق الوقت كله بالذكر والتسبيح درجة عليا نَدَبَ الله إليها رسله وسائر عباده المؤمنين. استغراق الوقت كله في الذكر والتسبيح علامة على إقبال العبد على ربه إقبالا كليا. قال الله تعالى لحبيبه في سورة طه: )فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى( (الآية: 130). استدل الفقهاء رضي الله عنهم بهذه الآية على توقيت الصلوات الخمس. وهو كذلك. والصلاة من أعظم الذكر. والذكر اللساني والقلبي فيها بتلاوة القرآن والخشوع والمناجاة من أعظم ما يرجوه العبد من عمله. والذكر بعدها وما بين الصلوات وَصْلَةٌ مطلوبة. قال الله عز وجل: )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ( (سورة آل عمران، الآيتان: 190-191).
وهكذا يلحق أولو الألباب بالدرجات العُلى إن هم ذكروا الله على كل أحوالهم كما كان يفعل المصطفى صلى الله عليه وسلم.
درجة فوق مجرد ملء الأوقات بالذكر هي درجة الاستهتار التي اختص الله بها المفردين الذين يذكرون الله حتى يقال مجنون.
وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته معراجا يتدرج فيه الذاكر ليصل إلى ما شاء الله من تلك الدرجات. قال صلى الله عليه وسلم: "أحب الأعمال إلى الله الذي يدوم عليه صاحبه". رواه البخاري ومالك عن عائشة رضي الله عنها. وروى مسلم عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحب الأعمال إلى الله أدومها ولو قل". وفي رواية لأبي داود عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون. فإن الله لا يملُّ حتى تملّوا. وإن أحب العمل إلى الله أدومُه ولو قل. وكان إذا عمل عملا أثبته". أثبته بمعنى داوم عليه في وقته من نهار أو ليل.
المداومة في أوقات معينة على أذكار معينة هي ما يسمى في اصطلاح القوم بالأوراد. والأوراد أوتادٌ راسية عليها يبني المؤمن خيمة الذكر في أرجاء وقته وعامة نشاطه وسُوَيْدَاءِ قلبه.
الأوراد هي الطريق إلى الله عز وجل لا يستغني عنها مبتدئٌ ولا يزهد فيها واصل. قيل للجنيد رحمه الله: نراك تحافظ على أورادك وأنت شيخ! فقال طريق وصلنا بها إلى الله لا نتركها. قال الإمام الغزالي: "اعلم أن الناظرين بنور البصيرة علموا أن لا نجاة إلا في لقاء الله تعالى، وأنه لا سبيل إلى اللقاء إلا بأن يموت العبد محبا لله وعارفا بالله سبحانه، وأن المحبة والأُنس لا تحصل إلا من دوام ذكر المحبوب والمواظبة عليه، وأن المعرفة به لا تحصل إلا بدوام الفكر فيه وفي صفاته وفي أفعاله(...) وكل ذلك لا يتم إلا باستغراق أوقات الليل والنهار في وظائف الأذكار والأفكار"[1].
الأوراد والمداومة عليها سنة. وهي بمثابة نَذْر يقطعه العبد الصادق على نفسه يجب عليه الوفاء به. لذلك حذر العلماء من الدخول في الأوراد بخِفَّة مخافة أن لا يفي العبد بما عاهد الله عليه منها. قال العالم الفقيه أحد عباقرة الفقه الإمام الشاطبي: "إن في توقيت الشارع وظائف العبادات من مفروضات ومسنونات ومستحبات في أوقات معلومة لأسباب ظاهرة ولغير أسباب ما يكفي في حصول القطع بقصد الشارع إلى إدامة الأعمال. وقد قيل في قوله تعالى في الذين ترهبوا: "فما رعوها حق رعايتها": إن عدم مراعاتهم لها هو تركها بعد الدخول فيها والاستمرار. فمن هنا يؤخذ حكم ما ألزمه الصوفية أنفسهم من الأوراد في الأوقات، وأمروا بالمحافظة عليه بإطلاق. لكنهم قاموا بأمور لا يقوم بها غيرهم. فالمكلَّف إذا أراد الدخول في عمل غير واجب فمن حقه ألاّ ينظر إلى سهولة الدخول فيه ابتداء، حتى ينظر في مآله فيه، وهل يقدر على الوفاء به طول عمره أو لا"[2].
للذكر مَراقٍ، يترقى المريد من ذكر اللسان إلى ذكر القلب واللسان، ومن الوفاء بأوراد محدودة إلى الاستغراق ثم الاستهتار إن وفقه الله. قال ابن عطاء الله في حكمه: "لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره. فعَسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يَقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور. ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور. وما ذلك على الله بعزيز".
للذكر آثار عامة وفوائد خاصة. احذر كل الحذر من الذين يتخذون آيات الله هُزُؤاً ويرتبون لأنفسهم وللناس أذكارا. تقول كذا وكذا مرة في وقت كذا ليحصل لك كذا وكذا من أغراض الدنيا. هذا والسحر من بابة واحدة. ومن كان على بصيرة من ربه علم من أي باب يُرزق. ما سوى هذا من الأذكار الخاصة السنية أو الأثرية من عمل السلف الصالح لا اعتراض عليه. وفي أدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي علمها أصحابه والأمة الشفاء والغناء. لكل نازلة وحاجة وحالة توسل ودعاء وذكر. من الناس من يعتمد على تجارب الصالحين في التماس خصائص الأذكار. لابأس إن كان الذكر واردا في كتاب أو سنة قال ابن القيم رحمه الله: "سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: من واظب على "يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت" كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الصبح أربعين مرة أحيى الله قلبه"[3]. فهذا مريد اتخذ شيخه مرجعا نهائيا في المسألة. سند هذا الذكر بهذا العدد رؤيا رأى فيها الشيخ الكتاني النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بذلك كما ذكر القشيري في رسالته.
الخاصية العامة للذكر والدعاء في قوله تعالى: )فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ( (سورة البقرة، الآية: 152) وقوله عز من قائل: ) ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ( (سورة غافر، الآية: 60) وقوله: )وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ( (سورة الزخرف، الآية: 36).
قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: "اذكروني بالشوق والمحبة أذكركم بالوصل والقربة. اذكروني بالمجد والثناء أذكركم بالعطاء والجزاء. اذكروني بالتوبة أذكركم بغفران الحوْبة. اذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء. اذكروني بالسؤال أذكركم بالنوال. اذكروني بلا غفلة أذكركم بلا مهلة. اذكروني بالندم أذكركم بالكرم. اذكروني بالمعذرة أذكركم بالمغفرة. اذكروني بالإيمان أذكركم بالجِنان. اذكروني بالقلب أذكركم بكشف الحجْب. اذكروني بصفاء السر أذكركم بخالص البِر. اذكروني بالصفو أذكركم بالعفو. اذكروني بالجُهد فِيَّ أذكركم بتمام النعمة"[4].
من أعظم الأذكار فضلا، وأجلها قدرا، وأوفاها بمقصود المريدين المحبين المتقربين الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. هي شيخ من لا شيخ له. هي وسيلتنا إلى ربنا إذ هي ميثاق وفاء ومحبة، تلتقي صلاتنا عليه بصلاة الله عليه وصلاة ملائكته. فأي فضل أعظم من أن يكون موضوع صلاتنا مطابقا موافقا؟ روى الإمام أحمد والنسائي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي عن أبي طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "جاء ذات يوم والبشر في وجهه. فقلنا: إنا لنرى البشر في وجهك! قال: "إنه أتاني الملك فقال: يا محمد! إن ربك يقول: أما يرضيك أنه لا يصلّي عليك أحد إلا صليت عليه عشرا. ولا سلم عليك أحد إلا سلمت عليه عشرا؟". وروى الترمذي بإسناد حسن وأحمد وغيرهما عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي". وأخرج الإمام أحمد وحسنه المنذري عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة". وقال صلى الله عليه وسلم في رواية أحمد والنسائي بإسناد حسن عن زيد بن خارجة: "صلوا علي، فاجتهدوا في الدعاء وقولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد".
اللهم شكرا على نعمتك العظمى وتعرُّضاً لوعدك الكريم نقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد اللهم صل على محمد وعلى آل محمد اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، عدد خلقك ورضى نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك، كلما ذكرك وذكره الذاكرون وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
دوام الذكر، وتغلغل الذكر في القلب عن طريق الأوراد اللسانية التفكرية طريق الولاية مع الصحبة. قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: "الذاكر لله عز وجل لا يفتر عن الذكر حتى ينتقل من حياة إلى حياة. فلا موت له سوى لحظة. إذا تمكن الذكر في القلب دام ذكر العبد لله عز وجل وإن لم يذكره بلسانه. كلما دام العبد في ذكر الله عز وجل دامت موافقته له ورضاه بأفعاله.(...). ما أعجب أمورَ القوم؟ وما أحسن أحوالهم! كل ما يأتيهم من الحق عز وجل عندهم طيب. قد سقاهم بَنْجَ معرفته، ونومهم في حجر لطفه، وآنسهم بأُنْسه. فلا جَرَمَ يَطيب لهم المُقام معه. والغيبة عن كل شيء سواه. لا يزالون موتى بين يديه وقد ملكتهم الهيبة، فإن شاء أنشرهم وأقامهم وأحياهم ونبَّههم"[5]. وتلك هي الولاية الكبرى: البقاء بعد الفناء.
وقال قدس الله سره يُعلم الغلام المريد الجديد في خدمة مولاه: "يا غلام! اذكر الحق عز وجل أولا بقلبك ثم بقالبك ثانيا. اذكره بقلبك ألف مرة وبلسانك مرة. اذكره عند مجيء الآفات بالصبر وعند مجيء الدنيا بالترك، وعند مجيء الأخرى بالقبول، وعند مجيء الحق بالتوحيد، وعند مجيء غيره بالجملة بالإعراض عنه. إذا أرخيت عنان نفسك طمعت فيك ورمت بك. ألْجِمها بلِجام الورع ودع عنك القال والقيل"[6].
ذكر الله باللسان والقلب والاستغراق والاستهتار والمحافظة على الأوراد آناء الليل وأطراف النهار بناء على غير أساس إن لم يَصن ذلك الذكر الكثير ذكرُ الله عند الأمر والنهي، ذكرُهُ عند حق كل ذي حق، ذكره في الدرهم والدينار، ذكره في الأمة التي تنتظر مجاهدين لإقامة دين الله في الأرض.
قال الإمام الشافعي يناجي ربه ويذكره:
قلبـي برحمتـك اللـهــم ذو أُنُـسٍ في السر والجهر والإصبـاح والغلس
وما تقلبـت من نـومـي وفي سِنَـتي إلا وذكــرك بـين النَّفْـسِ والنَّفَـسِ
لقـد مننـت علـى قلبـي بمعـرفـة بـأنــك اللـه ذو الآلاء والقُــدُس
وقـد أتيـت ذنـوبـا أنت تعلمهـا ولـم تكن فاضحي فيها بفعلِ مُسي
فامنـن علي بذكـر الصـالحين ولا تجعل عليَّ إذاً في الديـن من لَبَـسِ
وكـن معي طـول دنيـاي وآخـرتي ويوم حشـري بما أنزلـت في عَبـس

لعله رحمه الله يشير إلى قوله تعالى في سورة عبس: )وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ) (الآيتان: 38-39). اللهم اجعلنا منهم بمنك وبجاه نبيِّك.
قالت روح تحوم حول الحرم النبوي الشريف مُحبَّة وَالِهَةً:
يا سعـد إن جئت لذاك المقـام أنْشِـدْ فـؤاداً في حمـاهم قـام
وإن رأت عينـاك ذاك اللِّـوَى عـرِّض بذكـر الوالـه المُسْتهـام
يا عين إن لاحـت لنا يـثـربٌ فالسـيـر من تلك علينـا حـرام
لما بدا وادي العقيـق انـثـنَـتْ ترفـل في مشيتـهـا كالنَّـعـام
يا صاحبي أَجْـرِ معـي أَدْمُعـاً شـوقـا إلى محفـل بـدْر التمـام
وقـل إذا ما سِـرْتَ في رَوْ ضِـه يا ساكـن الحيِّ عليـك السـلام

وقال مشتاق إلى ذلك الحمى:
نعـم، لولاك ما ذكـر العقـيـق ولا جـابت لـه الفَلـواتِ نـوقُ
نعم، أسعى إليك على جفوني تـدانَى الحي أو بَـعُـدَ الطـريـقُ
إذا كـانت تحـن لك المطـايـا فمـاذا يفعـل الصـبُّ المشـوقُ

وقلت:
يا رَبِّ شَقَّ النُّزلُ شَقَّ المُقـامْ قـد اغــتربنــا بين قــوم لئــامْ
همُ أذَلُّــوا أمَّــة المُصطــفـى ورَكبــوا وأمسكــوا بالزِّمــامْ
يا رَبِّ نصــرَك على جمعهِــم ومَنْ تَكـُـن لـهُ فَليـس يُضــامْ




[1] الإحياء ج1 ص 299.
[2] الموافقات ج2 ص 177-178.
[3] مدارج السالكين ج3 ص 264.
[4] الغنية ج2 ص43.
[5] الفتح الرباني ص 77.
[6] المصدر السابق ص 207

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:58 PM
التفكر
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين(. اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار ومن شر الغنى والفقر.
للجوارح تسبيحها وعبادتها وذكرها. الإسلام ظاهر يتجلى في العبادات الظاهرة الجوارحية. وعلى مدارج الإيمان والإحسان تسبيح القلب وذكره، على ذكر القلب ونيته تنبني صحة الأعمال وقَبولها فِي الآخرة. العبادة الجوارحية كالنطق بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج تصنف الإنسان في دائرة الإسلام، وتضمن له سعادة الدنيا لأنها تكفل حُرمة دمه وماله وعرضه، وتكفُل له مكانا في المجتمع المسلم عُضوا تام العضوية فيما يخص الحقوق والمعاملات. لكن عمل القلب وحده هو الذي يرفع المؤمن في درجات الآخرة والقرب من الله عز وجل، إن اقترن عمله بأداء الفرض والنفل.
وللعقل مشاركة في التسبيح والذكر كبيرة، ينظم الحركات الجوارحية في الزمان والمكان والمقدار، ويحرك نسائم القلب، ويسجل هباتها خادما ساعيا بين يدي القلب أمينا على تدبير الطاعات وضبط نزوات النفس. ما تسميه اللغة عقلا آلة ثمينة نفيسة وجوهر غال، بوجوده يتميز الإنسان من الحيوان. لكن ما يسميه القرآن عقلا هو اندراج العقل الاصطلاحي في خدمة القلب وتوجهاته إلى الله تعالى. فمن كان عقلهُ في خدمة النفس والشهوات سائراً في ركاب الشيطان والهوى فهو من الصم البكم الذين لا يعقلون.
كذلك التفكر على وزن تفعُّل، يفيد وزن تفعل رجوعا على النفس وانعكاسا، يختلف عن التفكير المشترك بين أفراد البشر. فالتفكير نشاط العقل الاصطلاحي في تناول المعطيات الكونية في انقطاع عن كل اعتبار يُرجعُ الأمور إلى الله، بينما التفكر تناول الأشياء والمعاني من زاوية مرجعيتها إلى الخالق، ومن زاوية معنى وجود الإنسان، ومصيره بعد الموت، ومخلوقيته، ومسؤوليته في الآخرة. صيغة فعَّل تفعيلا تفيد انصبابا على العالم الخارجي وفعلا فيه.
بالعقل القلبي التفكري يتوَّج المؤمن بإكليل الكرامة الآدمية، المحافظة على الفطرة المتلقية بالقبول والإيمان رسالة الرسل، بينما يُعطي العقل الاصطلاحي، وإن تميز عن الحيوانية الاصطلاحية، للإنسان المفكر التأثير في الكون دون أن يخرجه عن الحيوانية المعنوية التي يقول الله عز وجل عنها: )إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ( (سورة الأنفال، الآية: 22). يفسرها ويعيِّن المقصودين بها قوله جل من قائل: )إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ( (سورة الأنفال، الآية: 56).
التفكيرُ تفتُّح هذه الملكة العقلية العجيبة على الكون، وتلمذتها له، واستقصاء شؤونه بالدراسة والتحليل والتركيب، وتأصيل العلوم الكونية. ومن هذا النشاط العقلي تنشأ العلوم الكونية، وعليه مدارُ تقدم الإنسان في مضمار الحضارة.
وقد خطِفَ بريق التقدم العلمي العقلي أنظار الناس في عصرنا، ومن جملة من خطفهم علماؤنا ودعادتنا. ذلك الذي قال: "إن الإيمان الذي جاء به القرآن الكريم ثمرة الدراسة الواعية للكون الكبير وما انبثَّ فيه من أحياء" رجل اختلط عنده الأمر فدل قُراءه المسترشدين به، وهو داعية كبير شهير صادق لا نشك في إيمانه، على الكون، ما دلهم على الله. دلهم على الأحياء، ما دلهم على المحيي المميت سبحانه.
ويقرأ بعض المسلمين، كثير من المسلمين، كتاب الله عز وجل فيقفون عند الآيات المخبرة عن العقل والتفكّر فيشرد بهم الفهم، ويقصر بهم الإدراك، ويزِلّون عن مرتبة الفقه والعلم، فإذا بهم يتقدمون بأن القرآن سبق إلى الدعوة للعقلانية، وبيَّن مزايا العقل. فلا ينتهي بهم التدحرج أسفل العقبة إلا وقد تجرّدوا عن معاني العقل القلبي الذي هو العقل عن الله وإلى الله وبالله ومن الله. وهذا منشأ الإسلام الفكري الثقافي .
إن الله عز وجل أخبرنا عن أولي الألباب )الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ( (سورة آل عمران، الآية: 191). يذكرون الله أولا، ذكرا كثيرا مستغرقا كل الأحوال، ساريا في الجوارح والكيان، ثم يتفكرون في "خلق السماوات والأرض" لا في مجرد الكون الكائن هناك. يتفكرون في الموجودات من حيث هي مخلوقة صادرة عن حياة الله عز وجل وقدرته وإرادته وعلمه وكلمته وأمره وقضائه وقدره. يتفكرون في الخلق، وهو فعل فاعل، لا في مادة صماء هي العالم القديم كما يزعم فلاسفة اليونان ومن ضل في سِربهم من المسلمين في العصور الأولى. يتفكرون في الخالق عز وجل الذي أنشأ وأبدع وبرى وصور وذرأ وبثَّ الدواب والأحياء في السماوات والأرض. قال تعالى: )وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ( (سورة الشورى، الآية: 29). هو بثَّها، ما انبثت من تلقاء نفسها كما تدل عبارة الداعية الكبير المُعَلْمَنَةُ رَغْمَ أَنْفِها. وفي قوله "الكون الكبير" تعظيم للمخلوق وعبادة له إذ لم يذكر أن لهذا الكون الكبير خالقا لتكون عظمة المخلوق دالة على عظمة الخالق.
يفعل هذا دعاة الإسلام الفكري الثقافي ويكتبونه دون إدراك لخطورة ما يترتب على خطابهم الممسوح من ذكر الله من سيِّئ الآثار. يكتبون بهذه اللغة المشتركة الثقافيَّة لأنَّ همهم،الصادق لاشك، منصرف إلى الجري لتلافي التخلف الشنيع الذي تعاني منه الأمة في ميادين المعرفة الكونية والعلوم والصناعات. أصبحت هذه اللغة الغافلة عن الله المغفِّلة عنه أسلوبا مألوفا، فينشأ عليها الخَلَفُ بعد السَّلَف في أحضان إسلام أجوف منبهر مأخوذ، يولي وجهه نحو الكون ومن فيه وما فيه إلا أوقاتا مخصوصة مستثناة يولي وجهه فيها نحو بيت الله لينقُر الصلاة نقْراً، أو يوليها المصحف ليقرأ آيات الله المباينة كل المباينة للغة الفكر والحضارة والبديل.
أجد في كتاب صاحبنا الداعية عبارة تلخص الانهيار الإيماني الذي دفع العلماء الأفاضل أمثال الشيخ سعيد حوى والشيخ سعيد رمضان أسعدهما الله وأسعد بهما، إلى التحذير من هاوية الإسلام الأجوف وإلى الدعوة الملحة للبحث عن الربانية. يقول الداعية المجرور: "وفي عصرنا هذا لابد من الاستعانة بمقررات علم النفس، والاستعانة بما في الآداب الإنسانية الصادقة من تجارب وصور". لا أريد أن أطيل في التذكير بما هو "علم النفس" الجاهلي. الرجل مبهور مأخوذ من حيث لا يشعر، بل من حيث يطلق الصيحات الكبار ضد المبهورين بحضارة الغرب. لحضارة الغرب عنده ولفكرها وآدابها وعلومها حُرمة مطلقة،لذلك يريد أن يكون للإسلام سَنَدٌ وحُرمة مستمدة من الاستعانة بما هناك عند المُبْعَدين. قال في فقرة مهّد بها لكلمته عن الاستعانة: "إن تعهد الناشئة والكبار بما يوجه عواطفهم وآمالهم إلى الله جل جلاله شيء خطير، ولابد من إقامته على أسس فنية محترمة". دعنا من المنهاج النبوي الفطري الساذج! فإذا قرأت بعد هذا لتعلم ما هي "الأسس الفنية المحترمة" التي يجب أن يبني عليها المسلمون فاجأك "علم النفس" و"الآداب الإنسانية الصادقة". تكنولوجية التربية من هناك تأتي محترمة مبجلة عصرية فنية، لا من القرآن ولا من سنة سيد الأنام وهي حب الله والحب في الله، وذكر الله. ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. الأدهى في الأمر أن هذا الرجل يتكلم في "توجيه عواطف الناشئة والكبار وآمالهم إلى الله جل جلاله"!
التفكر من أشرف العبادات. بذلك ورد القرآن. وإن شغل التفكُّرُ بمعناه القرآني طوائف من المسلمين في عصور مضت عن التصدي للكوائن التي سخرها الله لنا حتى أصبحنا عاجزين مشلولين في الدنيا فإن انشِغالنا بالفكر عن التفكر في زماننا هذا يهدد بالانجراف مع الكوائن ناسين الله فينسينا أنفسنا، فتشل حاسة الإيمان فينا وهي القلب، فنخسر الآخرة.
قال الإمام حسن البصري: "من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو".
لا يمكن لنا أن نرجع من اللغو الفكري، والسهو الغافل، واللهو بمنجزات الحضارة الوثنية، حضارة الحواس واللّذة و"السعادة" الدوابية إلا بتجديد إيماننا تجديدا ينشط في ظله العقل المشترك المنظم المحترم الصانع تحت إمارة القلب، ساعيا بين يديه إلى غاية الإحسان وأهداف العدل.
العقل المَهْديُّ يتفكر في الله، في أفعال الله لا في ذاته وصفاته. لا مجال للعقل الآلة في الحَوَمان حول جنبات الذات والصفات. لكنه مطلق السراح ليتفكر في آلاء الله ونعمائه وأثر صفاته في العالم وفي الإنسان، في آيات الله الآفاقية والأنفسية.
العقل الخادم للقلب، المرتِّب لشؤونه، مؤهل لتقليب معاني علاقة العبد بربه في حالات الخوف، والرجاء، والتوكل، والتسليم للقضاء، والرضى به، والدعاء لصرفه، والاجتهاد لاحترام السببية التي جعلها الله نظاما في العالم، وفي حالة الشكر، والصبر، والحياء من الله، والتوبة إليه، والإنابة، والشوق، والمحبة، والاضطرار، والصدق، والتبتل، والاستغفار، ومحاسبة النفس، والهيبة، والأنس، والقرب، والتقرب، والطاعة، والمبايعة، ومعالجة الخواطر، والورع، والتقوى، واليقين، والإرادة، وأداء حقوق الله والناس، والإيقان بالآخرة.
كل ذلك ذكر لله عز وجل من خلال التفكر. فإن ارتبط التفكير بالتفكُّر ارتباط التابع بالمتبوع رجونا أن تتوج الأمة بإكليل الخلافة في الأرض والتمكين الذي وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات، يعبدونه ويعظمونه، لا يعبدون غيره، ولا يعرفون لأحد ولا لشيء من الحرمة إلا ما عرّف به.
ماذا يطلب الإسلاميون؟ الحقَّ أم الخلق، الكون أم المكوِّن، مجرد النهضة الحضارية المناهضة للآخرين أم الخلافة على منهاج النبوة تحمل للعالم رسالة الله؟
قال الشيخ عبد القادر قدس الله روحه: "أما تعلم أنك كلما خطوت بقلبك خطوة إلى الخلق بعُدت من الحق عز وجل؟ تدعي أنك طالب الحق عز وجل وأنت طالب الخلق!(...) تدعي أن قلبك قد خرج من الخلق وأنت تخافهم وترجوهم! ظاهرك الزهد وباطنك الرغبة! ظاهرك الحق وباطنك الخلق"[1]. وقال: "العلماء العمال بالعلم نواب الله في أرضه، ورثوا الأنبياء والمرسلين، لا أنتم يا مُهَوَّسين، يا مشغولين بِلَقْلَقَةِ اللسان وفقه الظاهر مع جهل الباطن. يا غلام! ما أنت على شيء! الإسلام ما صح لك! الإسلام هو الأساس الذي يُبنى عليه. تقول لا إله إلا الله وتكذب! في قلبك جماعة من الآلهة. خوفك من سلطانك ووالي مَحَلَّتِكَ آلهة، اعتمادك على كسبك وربحك وحولك وقوتك وسمعك وبصرك وبطشك آلهة.(...) القلب هو المؤمن، هو الموحد، هو المخلص، هو المتقي، هو الورع، هو الزاهد، هو الموقن، هو العارف، هو العامل، هو الأمير. ومن سواه جنوده وأتباعه"[2]. أقول: هو الأمير في مملكة فردية وجماعة مؤمنة لا تؤله العقل الوثني كما ألهه اليونان وورثتهم في الحضارة اليهودية النصرانية الحواسية.
قال صالح بن عبد القدوس رحمه الله يتفكر في المصير الأخروي ويذكرنا:
ذهـب الشبـاب فمـاله مـن عـودة وأتـى المشيـبُ فأين منه المهـرَب
فدع الصبـا فلقــد عـداك زمــانه وازهد فعمـرك مـرَّ منـه الأطيـبُ
دع عنك ما قد كان في زمن الصبـا واذكـر ذنـوبك وابكهـا يا مذنـبُ
واذكـر منـاقشـة الحســاب فإنـه لابد يُحصـى ما جنيـت ويكتـب
لم ينسـه الملـكـان حيـن نَسيتـه بـل أثبتــاه وأنـت لاه تلـعــب
والروح فيــك وديعــة أُودِعْتَـهــا ستـردّها بالرغــم منك وتُسـلـب
وغـرور دنيـاك الـتي تسعـى لهـا دار حقـيقـتـهــا متــاع يذهــب
والليـل فاعلـم والنهــار كـلاهمـا أنفــاسُنـا فيهـا تعـد وتُحسـب
وجميــع مـا حصلتـه وجمعتــه حقـا يقينـا بعــد موتـك يُنهـب
تـبــا لدار لا يــدوم نعيمــهــا وَمَشـيـدُها عمـا قلـيــل يَخـرب
فعليـك تقـوى الله فالزمهـا تفُــزْ إن التَّقِـيَّ هـو البهـيُّ الأهْـيَـبُ
واعمـل بطـاعته تنل منه الرضـى إن المـطـيــع لـربِّـه لمُـقــرَّبُ

وقلت:
حِصْـنُ العِدا عمَّـا قليل يَخْــرَبُ والليل يُجلى والبــلا والغيْهَــبُ
رَاياتُ نصرٍ سوف تخفُق في العلاَ وَلِدين أحمد في المنـابر يُخطَـبُ
فعليــكَ بالتقـوى تفزْ بخــلافَــةٍ وتُـعَـدَّ من فرســانهـا وتُكَـتَّــبُ




[1] الفتح الرباني ص 65.
[2] الفتح الرباني ص 74.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:58 PM
الحزن ومحاسبة النفس
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب نجني من القوم الظالمين(. اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء.
حشو الأدمغة المفكرة في عصرنا، لا المتفكرة، ثقافة، وحضارة، وفن، و"أسس فنية محترمة"، وآداب إنسانية، وفلسفة، و"علم نفس"، وهوس العالم، وأخبار العالم. كل ذلك يتساكن مع بصيص من الإيمان، ومَسحةٍ من الإسلام، وغيرة ذاتية أصيلة نكره بمقتضاها حضارة الغرب الوثنية، ونعشق منها جوانب القوة والقدرة على صنع الأشيـاء وتدبير العالم وتنظيم المجتمع والدولة. لا تتنافر هذه العناصر الأَمْشَاجُ في الأدمغة المشطوبة المكنُوسَةِ من ذكر الله. فإن صرح أحدهم أو أشار، أو كَنَّى أو استعار، أو سكن أو مار، فعن تلك المرجعية الخليط يصدُر. فما شأنك أيها الغافل من شأني، ولا استرعاك ما استرعاني، ويضيق صدري ولا ينطلق لساني.
قال بـ"علم النفس" و"الآداب الإنسانية الصادقة" وصدق بها، وأعطاها حُرمة، وعلق على فنِّيتها كل الآمال. لو كان الأمر يتعلق بغرض من أغراض التصنيع والإنتاج لقُلْنَا أو سكتنا. لكن عالم الأزهر الداعية المسموع الكلمة يوصي بهذا الوباء الجاهلي دواء "لتوجيه عواطف الناشئة والكبار لله جل جلاله" يا حسرة على العباد! وهذا مما يحزن القلب ويدمي الفؤاد ويفتت الأكباد!
التفسير الثقافي السياسي للإسلام راية رفعت بعد الأستاذ البنا رحمه الله لست أدري بل لا أريد أن أدريَ، متى بدأ تسطيح الإسلام في أذهان الدعاة قبل البنا وبعده، لكن المؤكَّدَ أن هذا الرجل العظيم من الأولياء الذاكرين. فما بال بعضهم ممن ينتمي لمدرسته يستسلم للهجوم الشيطاني الجني الإنسي الناهي عن ذكر الله الصارف عن التفكر في النفس والله والدنيا والآخرة إلى التفكير المسطَّح؟ ما بالهم يُخَنْدِقون في واجهة الغزو الثقافي والسبق الحضاري والمعركة السياسية ويتركون واجهة التربية مكشوفة. بل هم ما عرفوا ما هي التربية. وردِّدْ معي تأوهات السعيدين حوى والبوطي المكتوبة المكمومة.
عمق التفكُّر هو الحزن على حال النفس والرجوع عليها باللائمة والقَرْعِ والقمع والتوبيخ الدائم. من كان "الكون الكبير" عظيما في عينه من دون الله فأنّى له أن تملك عليه عظمة الخالق العلي القدير كيانه حتى يستصغر نفسه في جنب الله، ويَقمَعَها عن معاصي الله، ويبكِيَ حسرةً على ما فرطت في جنب الله، ويجابِهها بقَرْحِها وسرحها في الشهوات الشخصية الثقافية المعجبة بالنفس، التائهة فخرا ونفاسة بأصالتها وهويتها وتاريخها وجماعتها. هَوَسٌ ذاتي منفتح على هوس العالم إن غاب عنها الانتماء لله عز وجل بالعبودية، يكون هذا الانتماءُ جَوْهَر حياتها وشخصه، وما سوى هذا الانتماء ظلاّ زائلا وحالة عابرة .وما الانتماء العبودي لله جل شأنه إلا ذكره الدائم وإحضار النفس راكعة ساجدة تائبة آيبة آناء الليل وأطراف النهار. الغافلون عن الله من المنتمين للإسلام حاموا حول الوِرْدِ وما وردوا، وكانوا كمن جِيءَ به إلى المرعى الخصيب فشرَدَ إلى السراب. من يعزّيهم في مصابهم؟ بل من يعزي الأمة في مصابها بهم؟ من يصفي شراب الأمة الذي يقدمونه في كتبهم ومحاضراتهم ومهاتراتهم مشوبا مقلوبا؟ من يشفي مريضنا في بيت الدعوة والأطباء كثُروا فما وجدوا يدا تُسعف؟ من يصافي ومن يعافي؟ الأطباء بارزون في العَراء، ضاحون في الخلاء والمَلاء، مدحورون أو داحرون في الجَدل والمِراء!
وا مصيبتاه! وا حزناه! وا إسلاماه! وا إيماناه! وا إحساناه! وا ديناه! وا محمداه!
حزن من أين لنا به ونحن لا نشعر حتى بأن هناك مكانا للحزن!
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزن رقة لحادث ألَمَّ،فيكون حزنه على عزيز انتقل من الدنيا بالموت رِقَّةً بشرية هي رحمة مشتركة بين العباد مُسْلِمِهِم وكافرهم. هي مروءة. وكان صلى الله عليه وسلم يلازمه حزن آخر أعمق: حزنه على النفس. عظم حزنه وطال وتعمق على قدر عظمة شأن رب العزة ورب العرش العظيم عنده، وعلى قدر طول تفكره وعمق ذكره.
لما توفي ابنه إبـراهيم صبيا بكى صلى الله عليه وسلم وقال: "إن العين تدمع، والقلب يخشع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. وإنا بفراقك يا إبراهيم محزونون". رواه الشيخان وأبو داود عن أنس رضي الله عنه.
وروى الشيخان عن أسامة أن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت إليه عندما كان ابنها أو ابنتها تُحتَضَر، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي فأقعده في حجره "ونفسه تَتَقَعْقَعُ كأنها الشَّنُّ"، أي تتحرك ويُسمع له صوت كأنها قربة بالية. في رواية قال: "ففاضت عيناه فقال سعد: يا رسول الله! ما هذا؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده".
رِقة ودمعة، هذه عاطفة نبيلة يرعاها الإسلام. وينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النَّوْح والصراخ والعويل ولطم الخدود وشق الجيوب وسائر مظاهر الهَلَع والحزن عند الموت. أفعال تتنافى مع الإيمان باليوم الآخر. لا يجزع لفراق الموت إلا من كان لا يوقن بالبعث. والحزن الرقيق غير الجزع.
أعلى من هذا الحُزْنِ النفسي البشري الحزنُ القلبيُّ، حزن الذاكرين الله، الخاشعين لجلال الله، حزن الواجلة قلوبهم من ذكر الله، اللَّيِّنة من ذكر الله. شتان بين حزن على الناس وحزن خاشع لله. كلاهما رحمة، لكن رحمة بين الخلق والخلق لا نسبة لها مع رحمة بين الخلق والحق. هذه الرحمة العليا رِزْقٌ للأنبياء والأصفياء.عين بكت من خشية الله لا تدخل النار، تساوي في النَّجاء والعلاء عينا سهرت حارسة جند الله. رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه يدخل في ظل الله يوم لا ظل إلا ظل الله.
ترفع دمعة الحزن لله صاحبها إلى مصاف المجاهدين المُجْتَبَيْنَ. قال الله تعالى في سورة التوبة يستثني الباكين الذين حال الفقر بينهم وبين المشاركة في الجهاد من طوائف المخَلفين القاعدين عن الجهاد نفاقا وجبنا ورقّة دين: )لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ( (الآيات: 91-92).
وقال تعالى في آخر ذكره للأنبياء في سورة مريم: )أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً( (الآية: 58).
وقال جل جلاله يتحدث عن الباكين لسماع القرآن: )يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً. وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً( (سورة الإسراء، الآيات: 107-109). وقال جل من قائل: )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ( (سورة الأنفال، الآية: 2). وقال سبحانه: )اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ( (سورة الزمر، الآية: 23).
رقة القلب ولينُه من ذكر الله وسماع آيات الله هُدىً وعبادة. وقسوة القلب وتحجر العين ضلال. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصلَ الأحزان، عميق التأثر بذكر الله كما يليق بالرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم،عين الهداية صلى الله عليه وسلم.روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن مطرف بن عبد الله عن أبيه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صدره أزيز كأزيز المِرْجَلِ من البكاء". المرجل القدر تغلي فيسمع تَنَفُّسها.
وفي رواية للطبراني عن الحسن بن علي رضي الله عنهما عن خاله هند بن هالة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متواصل الأحزان.
هذه الشخصية الإيمانية القوية في ذات الله اللوامة للنفس في جنب الله ليست شخصية متجهِّمَة غضبية. الشخصية الإيمانية الإحسانية حزينة لله على نفسها، باكية تائبةٌ راجعةٌ على الدوام إلى التفكر، لكنها بمقتضى الاعتدال الوارد في قوله تعالى من صفات الذين يحبهم سبحانه ويحبونه: ) أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ( (سورة المائدة، الآية: 54) تلين للناس، وتبتسم، وتبشر، وتيسر، وتخالق الناس بالخلق الحسن، وتلقاهم بالبشاشة الدائمة. بشخصية عادلة معتدلة يتألف من تعددها وتحزبها لله وتربيتها جسم مجاهد يجمع بين مقتضيات الدعوة والدولة وبين باعث القرآن ووازع السلطان. من الخمول والدروشة وانعكاس الفهم أن نحزن ونبكي ونتجهم ونلعن ونبدِّع الناس بلا حجة ونكفر وننادي بالويل والثبور وعظائم الأمور حيث ينبغي أن نبتسم ونبتهج ونرفُق ونعطف ونتصرف بثقة في وعد الله، وثبات على أمر الله، مع إخواننا عباد الله.
كان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تبسّما. قال عبد الله بن الحرث بن جزء: "ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم". رواه الترمذي بإسناد صحيح. وقالت عائشة رضي الله عنها: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مُستجمعا قط ضاحكا حتى تُرى لَهَواتُه، إنما كان يتبسم". رواه الشيخان وغيرهما.
الضحك المستجمع من فعل الغافلين، والقهقهة المستهترة من مس الشياطين. كيف يضحك مستجمعا من قيل له في القرآن الكريم: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ(؟ (سورة الحشر، الآية: 18) التبسم لإخوتك والبِشر والتبشير حق المسلمين عليك، لكن محاسبة النفس في حقوق الله هي واجبك نحو الله. قال أمير المؤمنين عمر: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا. والعاقل من جعل دَيْدَنَه محاسبة النفس صباح مساء، يستغفر ربه لزلاته، ويحمده على نعمائه، ويستغفر ويبكي ويتوب ويتفكر ويذكر.
قال الإمام الرفاعي: "أي بُنيَّ! اعلم أن أهل المعرفة يبكون إذا ضحك أهل الغفلة، ويحزنون إذا فرح أهل الغِرَّة(...) واعلم أن البكاء بكاء العين، وبكاء القلب، وبكاء السر. فأما بكاء العين فهو لأهل المعرفة من المنيبين، وأما بكاء القلب فهو لأهل المعرفة من المريدين، وأما بكاء السر فهو لأهل المعرفة من المحبين. واعلم أن لأهل المعرفة هموما مخبوءة تحت أسرارهم، مستورة عن أفكارهم. فكلما هاج من أسرارهم رياح خشية الهيبة، ومن قلوبهم لهب نيران الأحزان، أحرقَت ما عليها من هشيم الغفلة والنسيان"[1].
وقال: "أفضل العبادات والطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات". وقال القشيري: "الحزن حال يقبض القلب عن التفرق في أودية الغفلة". وقال أبو عثمان المغربي: "أفضل ما يلزم به الإنسان نفسه في هذه الطريقة المحاسبة والمراقبة وسياسة عمله بالعلم". وقال الجريري: "أمرنا هذا مبني على أصلين وهما أن تلزم نفسك المراقبة لله تعالى وأن يكون العلم على ظاهرك قائما".
الشخص الرباني يُعطي كل ذي حق حقه، ظاهراً لظاهر، وباطناً لباطن. إسلامه أساس لإيمانه، وإيمانه تشييد لإحسانه، وغايته الله، وذكره الله، وتفكره الله، وحزنه لله. )قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( (سورة الأنعام، الآيتان: 162-163) لا إله إلا الله.
قال عارف بالله، عابد لله، ذاكر لله:
الليـل داج والعصــاة نيــام والعـارفون لدى الجليـل قيـام
يتلون آيات الهـدى ودمـوعهم تجري ومنها قد تفيض سِجَـامُ
لا يصبرون سويعة عن ذكـره شوقا وليس لمـن يحـب مـنـام

وقال المحاسب لنفسه النادم على ضياع عمره، التائب إلى ربه:
إلى كـم تمـادى في غـرور وغفلـة وكـم هكـذا نـوم، متـى يـوم يقظـة؟
لقد ضـاع عمـر، سـاعة منه تُشْـتـرى بمـلء السمـا والأرض، أية ضيعـة!
أتنفـقُ هـذا في هـوى هـذه الـتـي أبى الله أن تسـوى جنـاح بعـوضة!
وترضى من العيـش السعيـد تعيشـه مـع المـلإ الأعلـى بعيـش البهيمـة!
أيـا دُرة بـيـن المـزابــل أُلقـيــت وجـوهـرة بِيعـتْ بـأبخـس قيمـة!
أفـانٍ ببـاقٍ تشـتــريـه سفــاهـةً وسخطـا برضــوان ونـارا بجـنــة!
أأنـت صديــق أم عــدو لنفـســه فـإنـك تـرميهــا بكــل مصـيـبــة!
ولـو فـعـل الأعـدا بنفسـك بعـض ما فعلـت لمسَّتـهم لهـا بعـضُ رحمـة!
لقد بعتَها –حزْني عليك!- رخيصـةً وكـانت بهـذا منـك غَـيْـرَ حقيقــة!
فَوَيْـكَ! استقل لا تَفْضَحَنْهـا بمَشهـد من الخلـق! إن كنت ابـن أم كريمـة!

وقلت:
اللَّيل دَاجٍ والدُّمــوعُ سِجَـــامُ والصَّـحْـبُ منَّــا سُجــدٌ وقيــامُ
فإذا انْجلى وَجهُ النَّهار تشمَّـروا مَا مِنـهـم إلاَّ فـتــىً ضِــرغــامُ
عَـنْ ذكــرِهمْ لا يَفتُــرونَ وإنهــم عنْ غَير ما يَقْضي الجِهـادُ صِيـامُ




[1] حالة أهل الحقيقة مع الله ص 218.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:59 PM
ذكر الموت والدار الآخرة
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير(. اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام وسيِّئ الأسقام.
في أول سورة البقرة وأول سورة لقمان رتب الله عز وجل الفلاحَ مع شروط إيمانية أخرى وربطه باليقين بالآخرة . قال تعالى: )الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (سورة البقرة، الآيات: 1-4). وقال تبارك اسمه: )الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (سورة لقمان، الآيات: 1-4). الهداية بالقرآن، والإيمان بالغيب، وإقامة شرائع الدين تثمر يقينا بالآخرة وفلاحا أبديا.
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر الآخرة فقال: "اذكروا هَاذِمَ اللذات". رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن غير أبي داود عن أبي هريرة. وما لأحد أُسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يكن يَرجو الله واليوم الآخر يقينا واحدا. وفي الحديث: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه". قالت عائشة رضي الله عنها راويةُ الحديث: "فقلت: يا نبي الله! أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت! قال: "ليس ذلك! ولكن المؤمن إذا بُشِّر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه". أخرجه الشيخان.
الكافرون الجاحدون نُبُوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم آنذاك لم يكن كفرهم بالمعاذ كفرا مُطْبَقاً، إنما كانوا من الآخرة في شك مريب كما قال تعالى: )بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ( (سورة النمل، الآية: 66). لذلك يكرهون لقاء الله. أما في عصرنا فالكفر بالله وباليوم الآخر سِمَةُ الحضارة المادية الحواسية الدوابية. وقد غلبت ثقافتها وخطابها الجهنمي وهيمنت حتى إنك تقرأ كتب الإسلام الثقافي من الدفة إلى الدفة فلا تجد ذكراً لله ولا لليوم الآخر إلا استثناء غير مقصود. وإن حاجتنا إلى العودة للخطاب القرآني والنبوي، وكلاهما ذكر لله والآخرة، لمن أمس الحاجات حتى لا نتيه وتضيع منّا مُسْكَة الإيمان بالغيب التي عليها مدار اهتدائنا وفلاحنا.
قرأنا في حديث التقرب بالفرض والنفل، في آخره، قول الله عز وجل، فيما رواه عنه عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم: "وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته".
فالمؤمن كما قالت أمنا عائشة يكره الموت دون أن تخرجه هذه الكراهية عن مرتبة الكرامة المعطاة لمن أحب لقاء الله. يحب لقاء الله لكنه يكره الموت استصعابا لمقدماته وسكراته، أو لمفارقة الأهل والولد، إن كان ممن بقيت فيه بقية تعلق بالدنيا وأهلها لما يطلقها، أو استزادة للعمل الصالح، أو طلبا لاستصلاح أمره والاستغفار لذنبه. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عانى من سكرات الموت، فكان يقول: "إن للموت لسكرات!". وقال عمرو بن العاص وهو يُحتضر: "كأني أتنفس من خرم إبرة، وكأن غصن شوك يجرُّ به من قامتي إلى هامتي".
من الناس من يسهل انتقاله، وليس في سهولة موته ما يدل على ميزة سعادية. فإن كان من المؤمنين من يكره الموت فللأسباب المذكورة. وإلا فَ "الموت تحفة المؤمن" كما روى الطبراني بإسناد جيد من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا. الموت عند العارفين المحسنين الأولياء راحة، لأنها تخففهم من كثافة الجسم الترابي، فيُصبح لقاء الله أقرب، يسبحون في الروحانية حتى يبعثهم الله ويبعث من في القبور في أجسام الخلود التي بها يتنعم من يتنعم وفيها يعذب من يعذب، أجارنا الله وإياكم من عذابه.
في حضارة الحواس المادية الكافرة كراهية للموت من صنف آخر. الموت عندهم هو العدو الأول لأن الموت يعني العدم ومغادرة "الحياة" الجميلة الغالية. الموت يُطوى عندهم ذكره، وتَسْمُجُ في آدابهم الإشارة إليه. حتى إن أكثر دور الإقبار وشركات الدفن والتحنيط نجاحاً هي التي تختلس الجثّة سراً وفي صمت دون أن يسمع عن ذلك أحد. وجل المحتضرين والميؤوس منهم يساقون إلى المستشفيات ليموتوا هناك بعيدا عن الأبصار والأسماع.
في ديننا تشجع السنة الغراء على السكون للموت والاستئناس به. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذَر: "زر القبور تذكر بها الآخرة، واغسل الموتى فإن معالجة جسد خاوٍ موعظة بليغة. وصل على الجنائز لعل ذلك يُحزنك فإن الحزين في ظل الله يوم القيامة". رواه الحاكم ووافقه الذهبي على صحته.
الحزن النفيس هو المقصود هنا لا حزن الرقة والعطف.
تربية أهل الإيمان ينبغي أن تجمع القلوب والعقول على ذكر الله، والتفكر في النفس ومصيرها، وأفعالِ الله بها وبالعالم، والتفكر في الآخرة وذكرها، والاستيناسِ بالموت لا باعتباره قفزة إلى المجهول، بل باعتباره مرورا من دار الفناء إلى دار البقاء. في تربية أهل الإيمان يؤدي ذكر الله عز وجل والتفكر والدعاء والحزن النفيس ومحاسبة النفس ودوام مناجاة الله جل شأنه بالاستغفار والتضرع وطلب الزلفى والقرب منه إلى قصر الأمل وإلى العزوف عن الدنيا. وتكون الآخرة كأنها رأي العين من تمكن اليقين. ما أخبر به الله ورسوله عند العبد الفالح المُفلح يقين إيماني، وعند المحسن المقرب ممن أكرمهم الله بالبصيرة وفتح عين قلوبهم حقيقة ماثلة. سؤال المَلَكَين، وعذاب القبر نعوذ بالله، والنفخ في الصور، والبعث، والنشر، والحشر، والموقف، والشفاعة، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة، والنار.
والذاكرون الله كثيرا المحبون المحبوبون، المريدون المرادون، يتطلعون إلى موطن فيه وجوه ناضرة إلى ربها ناظرة. طووا الدنيا والآخرة، ومجّوا من قلوبهم دار الأكدار، دار الغرور، دار البلاء والامتحان.
إن ثقافة الموت والآخرة -أعوذ بالله من هذه الكلمات الدخيلة الحاملة معها ريح الكفر-. أقول: إن ذكر الآخرة في سياق ذكر الله انطلاق من أسْرِ المادة وارتفاع عن حضيض الحياة الدنيا إلى الحياة العليا. من شأن هذا الانطلاق أن يحرر طاقات المؤمنين حين تصبح الآخرة عندهم هي حقيقة الحياة، وحين يَكون العمل الصالح هنا في الدنيا هو الزاد المطلوب هناك، والعُمْلَة الرائجة إن كان عليها طابع الإخلاص، )يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ( (سورة الشعراء، الآيتان: 88-89). زاد المؤمنين إلى هناك العمل الصالح، زادُ قوم تقربوا إلى الله وذكروه كثيرا فخرجوا منها وقد فازوا بالله، وصحبوا في سفرهم إلى الآخرة الله، ونظروا بعين قلبهم هنا وينظرون بعين رأسهم هناك الله.
من شأن ذكر الموت في حياة أهل الإيمان أن يهونَ عليهم الموت ما داموا ساعين في العمل الصالح وفي رضى الله. يُصبح الاستشهاد في سبيل الله مطلبا غاليا، ويكون الجُهد والجهاد في سبيل الله بذلا مقصودا، لا تصرفهم الصوارف ولا تمنعهم الموانع عن الفاعلية الكبيرة في الدنيا. أما الباكون المتباكون من خوف الموت، المتماوتون في الدنيا خمولا ويأسا فقوم آخرون بل وباء وطاعون.
المؤمن مستبشر في الدنيا بالله، وفي الآخرة بالجزاء الحسن وبالله. حسن ظنه بالله قبل الموت وعنده عبادة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يموتَنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى". رواه مسلم وأبو داود عن جابر.
قال ابن عطاء الله رحمه الله يصف الدنيا وطبيعتها بما هي دار بلاء واختبار وعبور: "لا تستغرب وقوع الأكدار ما دُمْتَ في هذه الدار. فإنها ما أبْرزت إلاّ ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها". وقال: "إنما جعل الله الدار الآخرة محلا لجزاء عباده المؤمنين لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيَهم، ولأنه أجلَّ قدرهم من أن يجازيهم في دار لا بقاءَ لها".
وقال الإمام عبد القادر: "اقْعد بمقبرة! خاطب الموتى: ما لقيتم؟ إلامَ صرتم؟ أين الأهل؟ أين الأولاد؟ أين الدور؟ أين الأموال؟ أين الشباب؟ أين القوة؟ أين الأمر؟ أين النهي؟ أين الأخذ؟ أين العطاء؟ أين المحابُّ؟ أين الشهوات؟ كأنهم يخاطبونك: ندِمنا على ما خلفنا! فرحنا بما قدمنا! هكذا كن إذا أردت أن تزور المقابر خاليا عن الرفيق، خاليا عن الرجال والنساء. كونوا عقلاء ! أنتم موتى عن قريب!"[1].
وقال: "المؤمن غريب في الدنيا، والزاهد غريب في الآخرة، والعَارف غريب فيما سوى المولى. المؤمن مسجون في الدنيا وإن كان في سعة الرزق والمنزل. أهله يتقلبون في ماله وجاهه، ويفرحون ويضحكون حواليه، وهو في سجن باطن. بشره في وجهه، وحزنه في قلبه. عرف الدنيا فطلقها بقلبه(...). ووقف مع الآخرة بكليته فبينما هو معها إذ برق نور الحق عز وجل، فطلق الأخرى قالت له الدنيا: لم طلقتني؟ قال لها :رأيت أحسن منك! وقالت له الأخرى: لم طلقتني؟ قال لها: لأنك محدثة مصورة(…) فحينئذ تحققت معرفته لربه عز وجل، فصار حُرّاً مما سواه، غريبا في الدنيا والآخرة"[2]. قلت نعم العبد مَن يسأل الله الجنة لأنها دار مُقَامَة السعداء المفلحين، لكنه لا يرضى أن يكون ضيفا دون لقاء رب الدار.
وقال رضي الله عنه: "الزاهدون يأكلون في الجنة، والعارفون يأكلون عنده وهم في الدنيا. والمحبون لا يأكلون في الدنيا ولا في الآخرة، طعامهم وشرابهم، أُنسهم وقربهم، من ربهم عز وجل، ونظرهم إليه. باعوا الدنيا بالآخرة، ثم باعوا الآخرة بقربهم من ربهم عز وجل ربِّ الدنيا والآخرة. الصادقون في محبته باعوا الدنيا والآخرة بوجهه وأرادوه دون غيره. فلما تم البيع والشراء غَلَبَ الكرَمُ، فرَدَّ عليهم الدنيا والآخرة مَوْهِبَةً، وأمرهم بتناولهما فأخذوهما"[3].
الذين لا يومنون بالآخرة يقتحمون الموت وينتحرون ظنا منهم أنها الراحة من هذه الحياة الكدرة. وحقيق للنفوس ذوات المروءة الإنسانية أن تشمئز من الدنيا إذا كان كلُّ معنى وجود الإنسان وغايتُه أن يكون عُلبةً للأكل والإفراز، وآلة للاستهلاك والإنتاج، سعادته اللهو واللعب والفن والعطلة والسِّفاد!
كتب رجل من صالحي الأمة وصيتَه بين يدي الموت وجهها إلى ربه عز وجل يوصيه فيها بنفسه، إذ لم يكن له من متاع الدنيا ما يوصي به. قال: "إلهي إنك أمرتنا بالوصية عند حلول المنية. وقد تهجمت عليك، وجعلتُ وصيتي إليكَ، عند قدومي عليك. فأول ما يُبدأ به إذا نزلت قبري، وخلوت بوِزري، وأسلمني أهلي، أن تؤنس وحشتي، وتوسع حفرتي، وتلهمني جواب مسألتي، ثم تكتب على منصوبِ نصيبي وفي لوح صحيفتي بقلم ) الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ( (سورة يوسف، الآية: 92). فإذا جمعتَ رُفاتي، وحشرتني يوم ميقاتي، ونشرت صحيفة سيئاتي وحسناتي، نظرت إلى عملي: فما كان من حسن فاصرفه في زمرة أوليائك، وما كان من قبيح فمدّ به إلى ساحل عتقائك، واغفره في بَحْر عفوك وغفرانك. ثم إذا وقف عبدك بين يديك، ولم يُسَبِّق إلا افتقاره إليك، واعتماده عليك، فقِسْ منه بين عفـوك وذنبه، وبين غناك وفقره، وبين حلمك وجهله، وبين عزِّك وذلِّه، ثم افعل فيه ما أنت أهله. فهذه وصيتي إليك، تطفلا بفضلك عليك. وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك، وأن الموت حق، وأن الحياة باطل، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور".
هذا الموقف الإيجابي اليقيني من الموت وما بعدها ومن الله عز وجل ما هو وثبة في المجهول، هو عكس الموقف الانتحاري. كتب الوصية عز الدين بن عبد السلام المقدسي، وهو شخص آخر غير سلطان العلماء، عاش قبله. رحم الله الجميع بمنه وكرمه.
قال موقن بلقاء ربه:
مـن كان يعلم أن المـوت مَــوْرِدُهُ والقبرَ مَنْـزِِلُه والبعـثَ مَـخْـرَجُـه
وأنـه بيـن جنــات سـتُبْـهِجــه يـوم القيـامة أو نـار ستـُنْضِجُـه
فكل شيء سوى التقوى بـه سَمِـجٌ ومـا أقــام عليـه منـه أسـمَـجُـه
ترى الذي اتخذ الدنيا له سَـكَنـا لم يدر أن المنايـا سـوف تُـزعجُـه

وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه:
كم ضاحـك والمنـايا فـوق هـامته لوكـان يعلـم غيبـا مات من كـَـمَـد
من كان لـم يؤت علما في بقـاء غد مـاذا تـفـكُّـرُهُ في رزق بعـد غَــد

وقال:
وِمُتْعِبِ العيس مرتاحـا إلى بَلد والمـوت يطلبـه من ذلك البلـد
وضـاحك والمنـايا فـوق مَـفْـرِقِـهِ لو كـان يعلم غيبـا مات من كَمد

وقال:
يا واعـظ النـاس عمـا أنْـتَ فـاعلـه يا من يُعَـدُّ عليـه العـمـر بالنَّفَـس
احفـظ لشيبـك من عيـب يُدَنِّسـه إن البيـاض قليـل الحمــل للدنـس
كحـامـل لثيـاب النـاس يغسـلهـا وثـوبـه غـارق في الرجـس والنجَـس
تبغـي النجـاة ولم تسـلك طريقتهـا إن الـسـفينة لا تجـري على اليَبـَس
ركوبك النعش ينسيك الركـوب على ما كنت تركـب من بغـل ومن فـرس
يـوم القـيــامـة لا مـال ولا ولـدٌ وضمـة القـبـر تنـسي ليلـة العُـرُسِ

وقلت:
تَبغِي النَّجاةَ وتعصي وَيْكَ! ذَا هـوَسٌ وتَركــبُ الغَــيَّ في بحــر وفي يـبَــس
تَذكَّــر النَّعــشَ، مَـركُــوبـاً تُـزَفُّ به لِدَارةِ القَبر مَحشــوراً إلى الرَّمَــسِ
وَيــومَ تُبعــثُ مَرْهـوناً بما كسـبَــتْ يَداك من سيئـاتِ الإِثـم والدَّنَــسِِ




[1] الفتح الرباني ص 373.
[2] المصدر السابق ص 178.
[3] المصدر السابق ص 221.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 09:59 PM
الاعتصام بالكتاب والسنة
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب انصرني على القوم المفسدين(. اللهم إني أعوذ بك من الهدم، ومن التردي، وأعوذ بك من الغرق والحرَق والهرم. وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مُدْبِراً، وأعوذ بك أن أموت لذيغاً.
"أهل القرآن هم أهل الله وخاصته". هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الإمام أحمد وابن ماجه والنسائي والحاكم عن أنس بسند حسن. أطهر أهل القرآن قلبا أقربهم لله. لا يمسه إلا المطهرون، وهم الملائكة ومن دخل في حكمهم بتطهره الظاهر والباطن حتى أزالت ملائكيته دوابيته، ومحت نورانيته ظلمته، وأذهب الله عنه الرجس وقربه وأحبه وجعله من خاصته. ولكل من عظم كتاب الله وخدمه حفظا وتلاوة، وعمل بأمره ونهيه نصيب من ولاية الله. ولَخَيْرُ الأمة من تعلم القرآن وعلمه، إذا كان مع التعلم والتعليم تقوى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". قال الإمام الرفاعي في شرح هذا الحديث: "هذا الحديث الشريف يفيد أن الخيرية قد صحت لمن قد تعلم القرآن وعلمه لما في القرآن العظيم من بالغ الحكم، وغامض السر، وخطير الشأن، وهو حبل الله الأعظم، به يهتدي المهتدون، ويصل الواصلون. وهو خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وباب الله تعالى، والمعجزة الدائمة، والنور الذي لا ينحجب. وعنه تأخذ أرواح العارفين أسرار المعرفة. وما المعرفة التي لم ترجع إليه؟ ما هي إلا زور وضلالة. ومتى تحقق العبد بالعلم بالقرآن العظيم فقد صار عارفا، وانكشفت له الأسرار الربانية، الملكية والملكوتية. ومتى صار عارفا حَنَّ وأَنَّ، وطلب زيادة العلم بالله من كل طريق وفن وكل الطرق والفُنُون في القرآن العظيم. والعارفون هم الراسخون في العلم يقولون آمنا به، وإليه سير هممهم، وعنه يصدرون، وبه يهيمون، ومنه يأخذون"[1].
القرآن العظيم هو ربيع قلوب الذاكرين، هو الذكر الحكيم )هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ( (سورة فصلت، الآية: 44). الذين لا يومنون بالله يسمعون لفظ القرآن، لكنهم لا يهتدون بالقرآن. لا يهتدون به ولا يحفلون لأنه "هدى وبشرى" للمؤمنين لا لغيرهم، لأنه "ذكرى" للمؤمنين لا لغيرهم، لأنه "هدى ورحمة" للمحسنين لا لغيرهم. قال الله تعالى: )وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً( (سورة الإسراء، الآية: 82). وقال جل سلطانه: )وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ( (سورة التوبة، الآيتان: 124-125).
نرى الناس في زماننا فَرَضوا على القرآن الإقامة الجبرية في المساجد ومعرض التجويد ومباريات الترنيمِ. ما أقاموه في الشأن الخاص والعام، ما احتكموا إليه، ما حكموه، ما اهتدوا به، ما تراحموا به، ما ابتسَمت حياتهم ببشراه. اتخذوه مهجورا في التسجيلات والتسميعات لتُشَنَّفَ بألحان ألفاظه الآذان، والقلوب في عماها. وما ذاك إلا لانعدام أصل الإيمان، وبِلاه، وخلْقه. لا يتخذ المسلمون القرآن إماما إلا إن جددوا الإيمان في قلوبهم. ومن الاعتساف والحكم المضاف أن نعتمد القرآن فقط مصدرا للتشريع لا نعدو حرفيته. من الكفر أن نعتبر القرآن تراثا من التراث المجيد و"إنتاجا" قوميا ونثرا فنيا رائعا لا غير.
أوتي الصحابة رضي الله عنهم الإيمان قبل القرآن، فاستقبلوا نزوله بخشوع، وتلوا آياته في خضوع، وطبقوا أوامره متبعين غير مبتدعين. قرأوه حلاوة في اللسان، وأمانة في جذر القلب، ونورا في العقل المتفكر المفكر، ودليلا في خاص الأمر وعامه، وإماما وحيدا، ومرجعا فريدا، يبينه الرسول الأمين، ويفصله ويفهمه وحيا على وحي، نورا على نور. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني أقرأ القرآن فلا أجد قلبي يعقل عليه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن قلبك حُشِيَ الإيمان. وإن الإيمانَ يُعطى العبد قبل القرآن". وقال جندب بن عبد الله وابن عمر وغيرهما من الصحابة: "تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا". والآثار في هذا المعنى كثيرة، "رواها المصَنِّفون في هذا الباب عن الصحابة والتابعين في كتب كثيرة معروفة". كما قال ابن تيمية رحمه الله في كتاب "الإيمان"[2]. في رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "وأنتم أوتيتم القرآن قبل الإيمان، فأنتم تنثُرونه نثر الدقل". أي ترمون به مستخفين كما يرمى بالتمر الرديء.
يجب أن نقرأ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في توجيهه إيانا للقرآن ووصيته من بعده على ضوء أن الإيمان في قلوب الرجال هو الذي يهيِّئ السامع للاهتداء بالقرآن. كان القرآن كلمةَ الله التي ينطق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بلاغه وبيانه وخطابه الدائم لمن يدعوهم من الناس. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه. لم يكن سماعُهم للقرآن سواءً .هداية الله وسابقة المدعوين عند الله تحدّد النتيجة، فيومن بعض ويحصلون على أصل الإيمان بهداية الله وهداية رسوله، ويزدادون إيمانا إذا تليت عليهم آيات الله. ويكفر آخرون ويصمون ويستهزئون. ثم كان الصحابة يقتبسون الإيمان، بعضهم من بعض. يجلس بعضهم إلى بعض ليذكروا الله جميعا، ومن جملة الذكر، بل أعظم الذكر القرآن. لا إله إلا الله من القرآن، فبذلك كانت أعلى شعب الإيمان، وكان تَرْدادُها وتِكرارها في صحبة المؤمنين أوثقَ مصدرٍ للإيمان وأقربه. يأتي عبد الله بن رواحة رضي الله عنه فيأخذ بيد الرجل من الصحابة فيقول: تعال نومن ساعة! روى الإمام أحمد عن أنس أن عبد الله فعل ذلك وقاله ذات يوم لرجل، فغضب الرجل وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله! ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة! فقال النبي صلى الله عليه وسلم "يرحم الله ابن رواحة! إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة". وفي الباب الأول من كتاب الإيمان في صحيح البخاري: وقال معاذ: اجلس بنا نومن ساعة.
وأخرج الترمذي هذه الوصية النبوية الشريفة الموجهة للمؤمنين المجاهدين، رواها عن زيد بن أرقم بإسناد حسن يقول فيها الحبيب صلى الله عليه وسلم: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، وهو كتاب الله، حبل ممدودٌ من السماء إلى الأرض. وعتْرَتي أهلَ بيتي. لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. فانظروا كيف تخلفوني فيهما". وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ". الحديث.
ترك فينا الحبيب صلى الله عليه وسلم كلمة الله الحية، وترك فينا رجالا مؤمنين أحياء. والإيمان والإحسان يتجددان بالاعتصام بالحبلين العظيمين،كتاب الله وسنة رسول الله، ومن سنته العِتْرَةُ الطاهرة، وهم عموما كل متق وليٍّ لله، وخصوصا الطاهرون الأولياء. وهم آل البيت حقاً .باعتصامنا الصادق بهما يتجدد إيماننا حتى يتطابق مع إيمان الصحابة ويتماثل على المعيار القرآني الذي جاء فيه: )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ( (سورة الحجرات، الآية: 10). وجاء فيه: )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ( (سورة الأنفال، الآية: 2). وجاء فيه: )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ( (سورة الحجرات، الآية: 15). رتِّبْ هذه الآيات إن شئت واقرأ شروط تجديد الإيمان وإحيائه: أخوة في الله، وصحبة، وذكر، وصدق .
بالاعتصام الجامع يصبح لتلاوة القرآن وحفظه معنى غير معنى الحافظين للحرف والمرتِّلين للسمع، تصبح له غاية زائدة على غاية الفقيه المجتهد وغاية المتبتل العابد. يصبح القرآن بحرفه وأحكامه ونوره قبلة الأرواح وضياء الدنيا والآخرة. الاعتصام الجامع هو مخرج الأمة من الفتنة، ومعراجُها من دركات الانحطاط والانهزام والغثائية. روى الإمام أحمد والترمذي والدارمي عن علي كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إنها ستكون فتنة!". قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل.من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلُقُ على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: "إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به".من قال به صدق، ومن عمل به أُجِر، ومن حكم به عدل،ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم". الحديث.
الأحاديث في فضل القرآن، وثواب التالين، ودرجات الحافظين، وتنور السامعين كثيرة. كان الاعتصام بالقرآن والسنة طيلة هذه القرون بعد الخلافة الراشدة المهدية الأولى اعتصام قُربة فردية، نرجو من فضل مَن له الفضل سبحانه أن تجمع هذه الأجيال بين يدي الساعة إلى قربات القرآن الثوابية الدرجاتية قربة الجهاد في طريقنا إلى الخلافة الثانية المشهودة الموعودة. بذلك نكون حقا من أهل الله وخاصته كما كان من أُنزل القرآن بين ظهرانيهم. والقرآن كتاب جهاد أولا وأخيرا، ما أصبح تميمة للتبرك، ووثيقة مهجورة، ونصا معروضا معزولا إلا بِبِلَى الإيمان وعموم الفتنة، أخرجنا الله من عهودها بمنه.
قال الإمام عبد القادر قدس الله سره: "طر إلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة. ادخل عليه ويدك في يد الرسول صلى الله عليه وسلم. اجعله وزيرَك ومعلمك. دع يده تُزَيِّنُكَ وتُمَشِّطُكَ وتعرضك عليه. هو الحاكم بين الأرواح، المربي للمريدين، جهبذ المرادين، أمير الصالحين"[3].
وقال الإمام الرفاعي قدس الله سره: "مفتاح السعادة الأبدية الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع مصادره وموارده وهيئته وأكله وشربه وقعوده وقيامه ونومه وكلامه، حتى يصح لك الاتباع المطلق"[4].
خلاف بعض الناس للناس وَسِباقُهم إلى دعوى الاعتصام بالكتاب والسنة يُخفي هوى حب الرئاسات، و"يعتصم" هذا وذاك من الوراقين بفهمه هو، وبقصده هو، وخُطته هو، وإمكانياته هو، واعتقاده هو في عبقرية نفسه، وعصمة مدرسته، وتحقيق نصوصه، ينسب ذلك كله إلى السنة والكتاب، كل من خالف مجموعه الفريدَ النضيدَ خطأٌ وبدعة وضلال. ما نتكلم مع أمثال الخالية قلوبهم من ذكر الله، ومن محبة الله ورسوله، تلك المحبة التي يصدر عنها ويرد إليها الأكابر الأولياء.
قال مجتهد في طاعة الله، متبرىء من الدعوى، خال من البلوى إن شاء الله، طلق الدنيا والرئاسة، وارتفعت همته عن الدناءة والخساسة:
رجـال الله قـد سعـدوا وفـازوا ونـالـوا فضـل رحمـتـه وحـازوا
بَـدا علـم الـنَّجـاةِ فَـيَـمَّـمــوه يُحَـرِّكـُهــم بِـدارٌ واـنحـفــاز
فَـبَعْـضٌ نـارت الأمـصـارُ منـه وبعـضٌ تستـنـيـر بـه المـفــازُ
تمـيَّــزَ كـل ذي دنيـا بدنيـا وهـم لهــم بدينـهــم امتـيــاز
ومـا اعتـزوا بمخلــوق ولكـن لهـم بالواحـد الأحـد اعتــزاز
أَرَدْت لَحـاقَهُم وعجـزتَ عنهـم وحِدْتَ عن الإجـازَةِ إذ أجـازوا
أتـطمـع في اللحـاق ولا نهـوضٌ وتـفـرح بالرحيـل ولا جهـازُ!
وأنـت أخـوهم نسَـبــاً ولكـن طــرازك فـوقــه ذاك الطــراز
دع الدعـوى فلست لهـم بـنِـدٍّ وهل تخفى الحقيقة والمجـازُ!!

وقلت:
تُريدُ لَحــاقَ قومٍ قـد أجــازُوا إلى القُــربى وبالرحمــن فَــازُوا
فَهلْ مَسكـتْ يَداكَ بِكـفِّ خِـلٍّ وَهُيِّـئ للمُصــاحبةِ الجَهــازُ؟
وهلْ بالسُّنـةِ الغــرَّاءِ أضحـى عن البــدع اعتصــامٌ وانحِيــازُ




[1] حالة أهل الحقيقة مع الله ص 145.
[2] ص 212.
[3] الفتح الرباني ص 179.
[4] البرهان المؤيد ص 80.

عمرسعيدالحسني
08-20-2011, 10:00 PM
شعب الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب هب لي من الصالحين(. اللهم إني عبدك وابن عبدك وأمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك. أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حَزني، وذهاب همي.
هذا التوسل النبوي العظيم رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما قال عبد قط إذا أصابه هم وحزن اللهم..." وذكر التوسل. قال: "إلا أذهب الله عز وجل همه وأبدله مكان حزنه فرحا". قالوا يا رسول الله! ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات. قال: "أجل! ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن".
سؤاله صلى الله عليه وسلم الذي توسَّلَ فيه إلى ربه هو أن يجعل القرآن ربيع القلب، إذ على حياة القلب، وهي المقصودة بالكناية بالربيع حياة النبات، يتوقف تجدد الإيمان وزيادته. وسأل ربه عز وجل أن يجعل القرآن نور الصدر وجلاء الحزن وذهاب الهم. جلاء الحزن على الدنيا والهم على شؤون الدنيا لا الحزن النفيس والهم المتعلق بالله.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعلم منه أصحابُه الإيمان، ويتعلمه بعضهم من بعض، بالجلوس ساعة لذكر الله. لم تكن لديهم كتب غير القرآن المحفوظ في الصدور ينورها،المتغلغل في القلوب يحييها،المتلو في الصلوات وقرآن الفجر المشهود، تشهده الملائكة. إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تُليت عليهم آيات الله زادتهم إيمانا. لم تكن للعقل التفكيري المُنْصَبِّ على العالم الخارجي وساطة بينهم وبين نور القرآن. لم يكن لهذا العقل الدارس الفاحص الخبير في الاحتجاج واللَّجاج هذا السلطان الذي اكتسبه من بعد في حياة المسلمين. لذلك كانت القلوب ترقى إلى فَلَكِ الإحسان عن طريق ماهِدَةٍ، مهدتها سلامة الفطرة من العوائق الفكرية التي تنفي ولا تَشْفي، ومهدتها صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لا تُجارى ولا تعادل، ومهدها قربهم من القرآن قرب تعظيم وإجلال، ينفُذُ نوره بتعظيمهم لذكر الله وعكوفهم عليه إلى شغاف القلوب. كانت لديهم بهذا المهاد البواعث الجامعة. وفي عصرنا تتألب على طالبي الحق الصوارف المانعة. كانوا يتمايزون ويتعارفون بالتقوى التي في الصدور.
قال سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة، وأبرَّها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونقْل دينه. فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبَة!".
حفظهم الله من الجفاف الفكري وغلظة العاطفة التي أصابت الأمة بعد ذلك، وتميز بها الإسلام الحَرفي النصوصي والإسلام الفكري المعاصر. كان حب الله ورسوله، والحب في الله آصرتهم الجامعة. كان اتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى صحبة حميمة، ومحبة عميقة، لا مجرد تلق عن رسول أدى بطاقته وذهب بسلام. لا مجرد قائد رمزي عظيم أسس تاريخا مجيدا به وعليه تتأصل هُويَّتُنا. كان عبد الله بن عمر، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ برأس راحلته، في السفر، ويحوِّلها ويقول: لعل خُفًّا يقع على خُف. يقصد لعل خف راحلته يقع على موقع خف راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره الجهادية السابقة. قال الزبير بن بكار: "كان عبد الله بن عمر يتحفظ ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا غاب سأل من حضر عن قوله وفعله". هذا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيوية. فلما توفي كان عبد الله يتتبع آثاره في كل مسجد صلى فيه، وإذا وقف بعرفة وقف في الموقف الذي كان وقف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا التعلق القلبي، هذه الحياة القلبية، حياة الذاكرين الله كثيرا المتأسين برسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمادا حيويا بالحب المستهتر، غاب في عصرنا واغترب، وعز مطلبه على طالبي الحق. لا يقال لمن يحث على حب الله ورسوله، وعلى صحبة الأخيار، وعلى ذكر الله :هذا الرجل يقتفي أثر الصحابة، ويُحيي السنة، ويصفِّي منابع الإيمان. بل يقال: هذا صوفي بِدعي. عُملة الوقت الرائجة، ونقد الوقت الدائر في الأوساط المُبْرِئ للذمم، وبضاعة الوقت المطلوبة في السوق هي الفكر، والعقل التفكيري، والعلم الموثق المشدودة حِبَالُه إلى نصوص قال فلان وعقب فلان وجادل فلان.
في تصنيفي لشعب الإيمان أعطيت للأفعال الشرعية والأوامر الإلهية والنبوية الموجِّهةِ للصحبة والجماعة والذكر الصدارة غِلابا للتيار السطحي الفكري النصوصي. وأدرجت تحت خصلة "الذكر" ثلاث عشرة شعبة، أعطي للذكر مفهوما واسعا يشمل كل العبادات الموصولة الواصلة بين العبد وربه. هذه الشعب هي: لا إله إلا الله، ثم صلاة الفريضة، ثم النوافل، ثم تلاوة القرآن، ثم مداومة الذكر، ثم مجالس الإيمان، ثم التأسي بأذكار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الدعاء بآدابه السنية، ثم التأسي بالأدعية النبوية، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم التوبة والاستغفار، ثم الخوف والرجاء، ثم ذكر الموت وما بعده.
إن إحياء القلوب بالمنهاج النبوي الذي تربى عليه الصحابة رضي الله عنهم، والذي حافظ السادة الصوفية رضي الله عنهم على جوهره، هو المنجاة من دركات الهبوط والسفول التي تَرَدَّى بطلاب الحق فيها إسلام النصوص الموثقة وإسلام العقول المفكرة غير المتفكرة المنبَطِحَة على أرض المادة، ما ترمُق إلا أفقَ الفِكْر العالمي السائد الصائل بمكتشفاته ومخترعاته وأشيائه.
اِقرأ معي كلمات الداعية الكبير المعاصر المفكر الذي يقرأ القرآن بمُخ مؤثث أفخر تأثيث. ثم اقرأ معي كلمات رجالٍ نوَّر الله صدورهم بالقرآن وأحيى الله قلوبهم بحب الله ورسوله وبذكر الله.
قال صاحبنا الآنف الذكر، ولست أذكر اسمه لأن التشهير بواحد كاعتراض لبحر هائج بِدَلْو، قال: "سألت نفسي: هل للمسلمين "جهاز" فكري أو روحي أو سياسي يحسب أرباحهم وخسائرهم، ويشخص العلل، ويرصد التجارب، ويحصي النتائج؟".
القضية قضية أجهزة ورصد للتجارب، يقصد تجارب العقل المخترع، وإحصاء للنتائج. الهم التربوي غائب. فإن اهتَم بالتربية دل على عين الزلل.
قال: "ما الذي يوقظ القلب الغافي ويعيد إليه حرارة الحياة ونشاطها؟". أين ذكر الله في السؤال؟ لا جرم يكون الجواب تيها في تيه. قال: "إن تعهد الناشئة والكبار بما يوجه عواطفهم إلى الله جل جلاله شيء خطير. ولابد من إقامته على أسس فنية محترمة. وفي عصرنا هذا لابد من الاستعانة بعلم النفس، والاستعانة بما في الآداب الإنسانية الصادقة من تجارب وصور".
هذا كلام نقلته في فقرة سابقة، وأعيده لأحزَنَ وتحزَنَ معي على حال الدعاة، تداركنا الله وإياهم بلطفه، وأصلحنا وإياهم، وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. آمين.
وتحدَّثَ عن أذواق السادة الصوفية فلم يبدِّع ولم يكفِّر، لكنه صنع ما هو أدهى وأمر. سطَّح المسألة ونفى عنها جلال القلوب الطاهرة لتصبح هذه الأذواق "شارات اكتمال ثقافي عاطفي، فلا يمكن أن يحسها أهل البلادة والقصور. إن التألق طبيعة الشخصية المتقدة".
قال الشيخ عبد القادر، نسمة حياة! نكاد نختنق!: "عليكم بالإيمان، ثم بالإيقان، ثم الفناء والوجود بالله عز وجل لا بك ولا بغيرك .مع حفظ الحدود، مع إرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع إرضاء المتلو المسمـوع المقروء. لا كرامة لمن يقول غير هذا. هذا الذي في المصاحف والألواح كلام الله عز وجل طرف بيده وطرف بأيدينا عليك بالله ورسوله"[1].
وقال: "ارجع إلى قلوب الصديقين وسلهم. ارجع إلى قلوبهم فهي الصحيحة. لأن القلب إذا صح كان أقرب الأشياء إلى الله عز وجل. القلب إذا عمل بالكتاب والسنة قرُبَ، وإذا قرب علم وكان أقرب الأشياء إلى الله عز وجل"[2].
وقال: "كل من لم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم ويأخذ شريعته في يده والكتاب المنزل عليه في اليد الأخرى لا يصل في طريقه إلى الله عز وجل. يَهْلِكُ ويُهْلِكُ. يَضِلُّ ويُضِلُّ. هما دليلان إلى الحق عز وجل. القرآن دليلك إلى الحق عز وجل. والسنة دليلُك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم"[3]. نعم هما الدليل المعصوم، لكن أبفِكر الغافل عن الله، أم بظن المقلد القاسي القلب من عدم ذكر الله؟ إن هذا الميدان ميدان صدق ومحبة. وإرادة خالصة لوجه الله. لا كرامة لمن يُهلك الأمة يَسْحَبُها في هلكته، ويجرها إلى وهمه، ويُغَفِّلها عن الله ورسوله. هذا الإسلام الحرفي النصوصي المكفر، وهذا الإسلام الفكري المغفل بِدَعٌ حدثث. لا كرامة!
قال الشيخ عبد القادر: "لا تبتدع وتحدث في دين الله عز وجل شيئا لم يكن. اتبع الشاهدَين العدلين: الكتاب والسنة، فإنهما يوصلانك إلى ربك عز وجل. وأما إن كنت مبتدعا فشاهداك عقلك وهواك. فلا جرم يوصلانك إلى النار، ويلحقانك بفرعون وهامان وجنودهما"[4].
وقال الرفاعي رحمه الله: "المادة الكبرى كلمة تقولها وتصل، وهي آمنت بالله. فإذا آمنت به آمنت بكتابه وبرسوله وبكل ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم، وعملت بقوله تعالى: )وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا( (سورة الحشر، الآية: 7)، وعظَّمت أمر الله، ووحدت الله، ووقفت على الباب بسائح الدموع، وسجدت بالذل والخضوع، وعرفت إلى أين المصير والرجوع، وتهيأت بما يليق بمقام الملاقاة، وأخلصت في أعمالك كلها فصرت إخلاصا خالصا. وبعدها تليق بك المراتب، وتسِحُّ عليك سحب المواهب، وتعود عليك عوائد الكرم، وتمدُّ لك موائد النعم"[5].
اللهم عرفنا بك، وأخلص قلوبنا من شوائب الفكر المادي والهوى والشيطان لنذكرك كثيرا ونشكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا.
اللهم إنك جعلت محمدا رسولك حجة على الخلق، وجعل بعضُ الناس أنفسَهم الخشنةَ لم يلطفها حبك وحبه حجة على سنته، وجعلوا فكرهم دليلا متنكبين ضوء الهداية النبوية، ورحمة القرآن، وبشرى القرآن. اللهم فاجعل لأوليائك العارفين بك المحسنين المقربين المحبوبين دَوْلة ليقودوا موكب الإيمان وكتائب الإحسان. أخرجهم من غربتهم. آمين.
قال غريب يصف غرباء أمس:
لله تحـت قـبـاب العــز طـائفـة أخفـاهم في رداء الفـقــر إجـلالا
هم السلا طين في أطمـار مسكنـة جَـرُّوا علـى فلك الخضـراء أذيـالا
غُبْرٌ ملابسُهـم شُـمٌّ معـاطِسُهـم استعبـدوا من ملـوك الأرض أقيـالا
هـذي المكـارم لا قَعْبــانِ من لَبَن شيبـا بمـاء فعــادا بَـعْـدُ أبـوالا
هذي المناقب لا ثـوبان من عَــدَنٍ خيطـا قميصـا فعـادا بعد أسمـالا

وقال غريب آخر عن مثال من نسأل الله في إظهارهم:
بنفسي إذا نفسي أنابت وأصلحت غـريب جـرت مـن مُقلتيه غُـروب
إذا ذكـر المـولـى تنســم قلبُـه وإن غلـبـتـه النفـس كـاد يـذوب
أنـاخ بعِـليّـيــن رائــدُ ســره إلى حيث لا تمضي العقول يجـوبُ
أبـى اللـه أن تُدرى ذَخَائِرُهُ التي إلى شعبـهـم مـاء السمـاء يَصـوب
همُ حسنـات الدهـر عند كمـاله ولكـنـهـم عنـد الأنــام ذنــوب
محبتـهم فـرض ورؤيتهـم هُـدىً وللـديـن منـهـم ألسُـن وقـلــوب

وقلت:
أطــامعٌ أنتَ يوماً أنْ تكـــونَ لَهــم نِدًّا وتُكسى مِن الإحســان سِربَالاَ؟
صَحِّحْ إلى رَبِّكَ الرُّجعَى وتُبْ أسِفــاً طَهِّــرْ من الرِّجــسِ أرْداناً وأذْيــالاً
ثم اصْطحـبْ منْ بِذكــرِ الله بهجـتُهم واطــرحْ مِن الرُّفقـةِ العميـاءِ أسْمــالاً




[1] الفتح الرباني ص 111.
[2] المصدر السابق ص 253.
[3] المصدر السابق ص 117.
[4] المصدر السابق ص 192.
[5] البرهان المؤيد ص 67.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:25 PM
الصدق
المنزلة العظمى
النفاق والرياء
ستفترق أمتي...
الخلاف على الصوفية
العلماء المتلطفون
الحنابلة أهل الحديث والأشاعرة
إيمان الصوفية
كرامات الأولياء
آيات الرحمان
الاستدراج
شعب الإيمان

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:25 PM
المنزلة العظمى
بسم الله الرحمن الرحيم. )يا رب إن هؤلاء قوم لا يومنون. فاصفح عنهم وقل سلام. فسوف تعلمون(. اللهم إنِيَ أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق.
لا بد لطالب الحق من علم مسبق بما هو الحق. لذلك تتبَّعتُ في الفصل الأول من هذا الكتاب صورا من حياة علماءَ أكابرَ جاءوا بعد تحصيل العلم النظري يطلبون معرفة الله والطريق إليها عند الصالحين. وسبَّقت في الفصل الثاني التذكير بالنداء الموجه إلى الفطرة البشرية، يدعو الله عز وجل الإنسان لاقتحام العقبة. وسبَّقت في الفصل الثالث الشرط الثاني للسلوك وهو صحبة المُسَلِّك. وفي الفصل الرابع سبقت الشرط الثالث وهو الذكر والأوراد ومجالس الإيمان. كان هذا التسبيق ضروريا ليستفيد طالب الحق من العبرة بمن سبقه، وليسمع كلاما أصبح غريبا مُلْقىً في الأركان المهملة لغربة أهله في زمان طُوِيَ ملف التصوُّفِ، على ظهرهِ بالحرف الكبير: هذا ليس من الإسلام.
هذا العلم المسبق بالتاريخ وبالشروط "الموضوعية" أدعى أن يُدخل في رُوح السائل عن الحق، ذي الإلمام بدينه تَتعاوَرُهُ نيات الإقدام والإحجام، اهتماما جديدا وهما سديدا وحرصا بعد ذلك شديدا بمصيره وحظه من الله ومنزلته عنده.
لقيَ أولَ عهده بالدعوة وجوها خيرة دعته إلى التوبة فلبى وانخرط في جماعة وجد فيها حياة جديدة. ووُلد فيها ميلادا جديدا. علمته الجماعة مبادئ الإسلام مليًّا، لكنها لم تلبث أن دفعت به إلى معمعة الفكر والحركة ومُكايَدة العدو ومكابَدته. وهو لم يلبث أن فقد الهبَّة الأولى فقعد يتساءل ولا من مجيب عن سبب انْخناس إيمانه. وقته مليء بالأعمال، لا يمنعه من التخلي عنها إلا "التزامه" مع الجماعة وبيعته ومسؤولياته التنظيمية ومسلسل روابطه بها.
في هذا الفصل أُحدِّثُ طالب الحق العزيز عن الركن "الذاتي" والشرط الأول للسلوك، ألا وهو صدقه هو وطلبه ونيته. من أراد من الله حرث الدنيا آتاه منها، ومن أراد من الله حرث الآخرة زاد له في حرثه. ومن لا يدعو الله يغضب عليه الله، ومن لا يسأل الله لا يعطيه الله. وإرادة وجه الله خالصا فوق ما يطلبه عادة المسلمون. إرادة وجه الله، والصدق في طلبه، والسير إليه مطلب تستوفيه من يد القدر على يد اللقاء المقدَّر، فِطَرُ من خصهم الله بسابقة ولايته. وقد تكون نقطةُ البداية وقرعة اليقظة كتاباً يسألك مصنفه: هبْ أن الله جلت عظمته توَّج جهود العاملين للإسلام، وأنت منهم، بالتمكين في الأرض للجماعة التي نصرتَها، فما حظك أنت من عطائه. وما مرتبتك بين أوليائه؟ أعطاك ما سألت حين سعيت بالجهد الدائب الصابر لإقامة دولة الإسلام في الأرض، فأين أنت في معارج الإيمان والإحسان؟ كيف نسيت مصيرك أثناء الاشتغال بمصير المسلمين؟ إنما الأعمال بالنيات يا صاح، وإنما لكل امرئ ما نوى. فهل كانت هجرتك إلى الله ورسوله حقا أم كانت هجرتك إلى دنيا عاجلة وقفت في محطة ما من محطاتها؟ حتى دولة الإسلام إن نصرتها في غفلة عن الله دنيا في حقك، نصرت المسلمين لم تنصر الله. وإن الله ليؤيد هذا الدّين بالرجل الفاجر كما روى الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا. اللهم استخلصنا لنفسك.
فاتك تصحيح النية والصدق في الطلب والصواب في التوجه. وتلك هي المنزلة العظمى. لا يغنيك تألّق مصير الجماعة، ولا تمكين دين الله في الأرض، ولا فلاح من أفلح، ولا اختلاف من اختلف إن لم تتحقق لك أنت مع الله جل شأنه رابطة العبودية والمحبة والقربة لتكون من الذين إن تقربوا إليه شبرا تقرب إليهم باعا، وإن تقربوا إليه بالفرض والنفل صادقين صابرين منتظرين داعين راجين خائفين قربهم وكان سمعهم وبصرهم ويدهم ورجلهم. ويحك! إن لم تصحح القصد وتصدُقْ في الطلب قيل لك يوم يكلَّل هامُ الأمة بتاج الخلافة في الأرض: قم، فقد استوفيت حقك، ونلت ما كتب لك، وأُعْطيتَ سُؤْلك، لم تطلب الله يوما. ومن فاته الله فاته كل شيء. ويحك! طلبت منه النصر والجنة، ما طلبت قربه والنظر إلى وجهه! وما طلبت مقعد الصدق عنده مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ضاع عمرك!
ما هذه التساؤلات من شباب الإسلام، ولا من مجيب، إلا علائم الغموض والإبهام والريبة. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للإمام الحسن السبط رضي الله عنه وهو صبي هذا الحديث العظيم الذي حفظه الصبي ورواه: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة". أخرجه الترمذي بإسناد صحيح.
ما أحرى الشباب الإسلاميَّ بحفظ هذه الوصية لفظا وعملا ونية ليدخلوا مُدخل الصدق ويخرجوا مُخرج الصدق على خطى المصطفى المجتبى صلى الله عليه وسلم الذي لقنه الله تعالى: )وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً( (سورة الإسراء، الآية: 80). ما أحراهم باتباع ملة إبراهيم حنفاء، وهو العبد الصالح الذي سأل الله عز وجل قائلا: )وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ( (سورة الشعراء، الآية: 84). ولسان الصدق الذي طلبه أبونا إبراهيم عليه السلام هو أن يُثني عليه الآخرون ثناء حسنا بما كان لهم قدوة وسلفا صالحا. ما أحرى الشباب الإسلامي أن يَرْكَبَهم هَمُّ الله، وهمُّ مرْتَبتهم عند الله، وهمُّ اسمهم في الملكوت الأعلى. لا يفيد إلا في الدنيا ما تحمله من كنية واسم حركي. ما حظك من الله؟ ما قَدَمُكَ عنده؟. ) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ( (سورة يونس، الآية: 2). لا يفيدك مكانك في السلم التنظيمي إن لم تَسْمُ بك الهمة إلى مقعد الصدق عند المليك المقتدر سبحانه تُزاحم ثَمَّ الصديقين. )إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ( (سورة القمر، الآية: 55).
انظر رعاك الله فيم تدخل وكيف تخرج وأي لسان تطلب وأي قدم لك عند ربك وأي مقعد هو مقعدك. أمن المسلمين أنت أم من المؤمنين والمحسنين؟ أسألته يوما صادقا عارفا بما تطلب أن يلحقك بالصالحين؟ إلاّ تفعل فلست ممن يعنيهم كلامي، عمادك منقوض وكلامي عندك مرفوض.
قال الأستاذ القشيري رحمه الله : "الصدق عماد الأمر وبه تمامه، وفيه نظامه. وهو تالي درجة النبوة. قال الله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. وحسن أولئك رفيقا. ذلك الفضل من الله. وكفى بالله عليما) [1].
يا أخي! إن أردت أن يكون الله معك فالزم الصدق لأن الله مع الصادقين، كما جاء في القرآن الكريم. إن أردت أن ينصرك فانصره، إن أردت أن يذكرك فاذكره، إن أردت أن يستجيب لك فادعُه. هذه المعاملة معه سبحانه لا تثبت مع رياح الهوى العاصفة بالنفوس الخاوية، لذلك نصحك سبحانه حيث قال: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ( (سورة التوبة، الآية: 119). ولكل صدق مكان معلوم ونتائج معلومة. فصدق اللهجة أهله ناجون من شعبة واحدة من النفاق، وصدق العهد والوفاء به كذلك، والصادقون في مواجهة العدو وجهاده شهداء. وهكذا حتى تجد الصادقين الكاملين في الصدق، أبرموا مع الله عز وجل ميثاقا غليظا ليكونُن له عبيدا. أولئك المفردون السابقون. انحيازك إليهم يرفعك إلى المنزلة العظمى.
قال الإمام السهروردي رحمه الله بعد أن ذكر حديث إنما الأعمال بالنيات: "النية أول العمل، وبِحَسَبِها يكون العمل(...)، فإن دخوله (المريد) في طريقهم هجرة حاله ووقته.(...) وكل من كانت بدايته أحكم كانت نهايته أتم.(...) ومن لم يهتد إلى النية بنفسه يصحبُ من يعلمه حسن النية"[2].
لا إله إلا الله، أية حكمة تحت قوله: "من يعلمه حسن النية"! هناك أجيال من المسلمين طرق سمعَهم الحِسيَّ الفكري قول الله تعالى لنبيه: )وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ( (سورة الكهف، الآية: 28). لكن فطرتهم لم تسمعها، لم يعلمهم أحد هذه النية، لم يسألوا أهل الذكر.
وقال شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله: "(منزلة الصدق) هي منزلة القوم الأعظم. والطريق الأقوم الذي مَن لم يَسِرْ عليه فهو من المنقطعين الهالكين. وبه تميَّزَ أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجِنان من أهل النيران. وهو سيف الله في أرضه الذي ما وُضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرَعه. من صال به لم تُرَدَّ صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كِلْمَته. فهو روح الأعمال، ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال. وهو أساس بناء الدين، وعمود فُسْطاط اليقين، ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين"[3].
ويحك! أنت لم تلج الباب، ولم ترافق الأحباب! دخلت قاعات الانتظار متطفلا، وحرفت الكلِمَ عن مواضعه متأوّلا. ونسيت حظا مما ذكِّرت به، وتملقت المجد الدنيوي: "جميع أعمالك وأقوالك ومقاصدك دنية. القوم ليس في أعمالهم ملق. هم الفائزون، هم الموقنون الموحدون المخلصون الصابرون على بلاء الله عز وجل وآفاته، الشاكرون على نعمائه وكراماته. يذكرون بألسنتهم ثم بقلوبهم ثم بأسرارهم. إذا جاءتهم الأذايا من الخلق تبسموا في وجوههم. ملوك الدنيا عندهم معزولون. جميع من في الأرض عندهم موتى، عاجزون، مرضى، فقراء. الجنة بالإضافة إليهم كأنها خراب. النار بالإضافة إليهم مخمودة. لا أرض ولا سماء ولا ساكن فيهما. تتَّحد جهاتهم (أي جهات قصدهم) فتصير جهة واحدة. كانوا مع الدنيا وأهلها، ثم صاروا مع الأخرى وأهلها، ثم صاروا مع رب الدنيا والآخرة. التحقوا به وبالمحبين له. ساروا بقلوبهم حتى وصلوا إليه، وحصلوا الرفيق قبل الطريق. فتحوا الباب بينهم وبينه بذكرهم. ما زالوا يذكرونه حتى حط الذكر عنهم أوزارهم. فقدُهم مع غيره ووجودهم به. سمعوا قوله عز وجل: )فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ( (سورة البقرة، الآية: 152). فلازموا الذكر له طمعا في ذكره لهم. سمعوا قوله عز وجل في بعض ما تكلم به (من الحديث القدسي): "أنا جليس من ذكرني" فهجروا مجالس الخلق، وقنعوا بالذكر حتى تحصل لهم المجالسة له"[4].
ويحك! أنت ما فتحت الباب بينك وبينه تذكره وتناجيه، بل فتحت باب الخلق، وتِهت في دراسة "الكون الكبير"، وتعمقت في "فقه الواقع"، ونسيت الله. ونسيت سنة الله. لا جَرَمَ تحصل على ما هاجرت إليه. لا جرم تلتحق بالمناضلين من كل صنف وإن رفعت شعارات الإسلام. لم تلتحق بأحبائه. ما سمعت عنهم خبرا. ما عاهدته، ما وفيت، ما صدقت. كيف لك بالصدق إن لم تكن مع الصادقين!
قال محب صادق تَرَكَكَ وشأنك، شغله حب الله عنك:
أأحبـابي وصلتم أو هجـرتم فعبدكـمُ على حـفـظ الأمـانة
مقيـم لا يـزحـزحه عَـذولٌ ولا يثنـي مـعـنِّـفُـه عِنــانه
حملت لأجلكم ما ليس تقوى جبــال الشُّـم تـحملـه رَزَانَه
وحفـظ العهد ما وافاه حــر وطُـوِّقَـهُ فـتــىً إلا وزانـه
فدعه وحب من يهـوى وإلا فشــانك يا معـنِّـفـه وشـانه

وقال صَبٌّ مُهيَّم وجهته الله لا غيره، صادقا وفيا:
قبيـح على صـب يـذوب صبــابـة وتنظــر عينــاه لحســن ســواه
أيجمـلُ أن تهـوى هــواه وتـدّعـي سـواه وما في الكوـن يُعْشَـق إلا هـو
إذا كان من تهواه في الحسن واحـدا فكن واحدا في الحب إن كنت تهواه

وقال صادق يطمع في إيقاظ الراقدين:
الطُّرْق شتى وطُرْق الحق مفردة والسالكون طريق الحـق أفـراد
لا يُعرفون ولا تُدرى مقـاصدُهم فهم على مَهَل يمشـون قُصـادُ
والناس في غفلة عمـا يُراد بهم فجلهم عن سبيل الحق رُقـادُ

وقلت:
حَفظتُ العَهد ما خُنت الأمانه فَحِفـظ العهـدِ أصـلٌ للدِّيــانهْ
نذرتُ دَمي دفاعا عن حِماهَا ورَفضاً للخُنــوع والاستكـانَهْ
فهـا أنا ذا بِمُعْـتَـرَك المَنايا عَلِيَّ القــدْر مُرتفــعَ المَكــانهْ




[1] الرسالة ص 96-97.
[2] عوارف المعارف ص469 وما بعدها.
[3] مدارج السالكين ص 268.
[4] الشيخ عبد القادر في "الفتح الرباني" ص 22.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:25 PM
النفاق والرياء
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه. وأصلح لي في ذريتي. إني تبت إليك وإني من المسلمين(. اللهم إني أعوذ بك من البخل والجبن وفتنة الصَّدْر وعذاب القبر وسوء العمر.
ما دَرى طالب الحق ما هو الحق، ما عنده طلب وإن كان يردد مع المسلمين. الله غايتنا، ما علمه أحد حسن النية، ما تعلم الإيمان قبل القرآن، ما ذكر الله، ما جلس مع الذاكرين. وإنما غموض وإبهام وترك للمسألة الجوهرية، مسألة القلب، في زاوية المسلَّمة الملغاة.
تعوَّذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من "فتنة الصدر" وفتنة الصدر ما يعتريه من أمراض من جملتها، بل من أشدها فتكا، النفاق والرياء. وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المرء على دين خليله، وأوصانا أن ينظر أحدنا من يخالل. وعلمنا الله عز وجل أن بذكره تعالى تطمئن القلوب. وعلمنا رسوله الكريم أن الصدق طمأنينة وأن التقوى "ها هنا" وأشار إلى صدره الشريف. وعلمنا الله في كتابه العزيز أن )وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ( (سورة الزمر، الآية: 33).
واحد جاء بالصدق من عند الله تعالى، وهو الرسول منبع التقوى، وواحد صدق به واتبعه وأطاعه وأحبه حتى رفعه حبه إلى حب الله فأحبه الله وطهر قلبه.
بهذا الطبِّ النبوي استشفى الصحابة، وبه طهرت قلوبهم فتعلموا الإيمان قبل القرآن.
ذلك الطب النبوي، طب القلوب، أخبرتنا أجيال من الأكابر في هذه الأمة أنه لم يَضِعْ، وأنه يورَث. ومعاصرونا من علماء الفكر لا التفكر يتساءلون عن "الأجهزة الروحية" التي من شأنها أن تعطي المسلمين الإيمان. وكأن الأمر تركيب ميكانيكي تَحُل معضلاتِه "القواعد الفنية المحترمة"! والأجهزة الإدارية المتخصصة!.
أي طب وأية صيدلية يلزم المسلمين، ويلزم طالب الحق، ليَرتفع الطالب من حضيض عاميته وأعرابيته القلبية إلى قُلَّة خصوصيته. تقرأ في الكتب وصفا وتاريخا، فما يحصل لك من الكتب إلاّ علم بأحكامٍ من أحكام الحلال والحرام تحفظها لتطبقها إن قدرت. وما يحصل لك إلا اطلاع على أحوال مرضيَّة تحبها لنفسك العليلة، لكن أين الطبيب؟ وأنى للمصاب بالشفاء؟
ما يحصل لك من قراءة وصف الطريق وعوائقها، ومن قراءة خبر من سلكوا وفازوا بالله إلا توق وشوق إن تداركك الله بعنايته وأسمع أذن قلبك وفطرتك ما يَصِمُّ عنه غيرك إنكارا واستكبارا. وحسبي من هذا الكتاب أن أقرع سمعَك لعل الله يُسمِع من في القبور. حسبي أن أخبرك خبر صادق واثق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علَّم فأحسن التعليم جزاه الله خيرا، وأن أكابر الأمة من بعده من الصحابة والتابعين بإحسان أدوا الشهادة. وهذه شهادتي تقرأها لتنفُض يدك، إن رعاك الله برعايته، من كل شيء لتخرج من صحبة الكتب وقد طار بك الشوْق لتبحث عن من يعلمك "حسن النية" حتى تصح بدايتُك فيصح سيرُك وتستقيم وتقيم وجهك للدين حنيفا.
تصحيح البدايات يخلصك من الريبة ويوحد في نيتك المطلوب، ويوحد الطلب، ويقوِّم الوجهة. مرض النفاق يشعِّبُك ويُعَوِّصُك، وهو مرض عُضال. النافقاء هي جحر فار الصحراء المسمى يربوعاً يجعل لجحره بابين، ومن النافقاء أخذت كلمة النفاق لذي الوجهين، ذي البابين، لا صدق له، ولا طمأنينة، لا ثقة، لا قرار. لسانه مزدوج، ذمته مزدوجة، سلوكه مزدوج، لا وجهة له تعرف. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها. إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". رواه الشيخان وأصحاب السنن عن عبد الله بن عمرو. وفي رواية عوض "إذا اؤتمن خان" جاءت "إذا وعد أخلف".
من خصال المنافق الكذّاب التكذيب، ومن أفظع التكذيب التكذيب بيوم الدين. ومن أكثره غباوة الكذبُ على نفسه وإظهارها بما ليس فيها، وذلك الرياء. التكذيب بالآخرة يُبطل أصل الإيمان، والرياء يبطل أصل الأعمال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية. فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال. فيقول الله للقارئ: "ألم أعلِّمْكَ ما أنزلت على رسولي؟ قال بلى يا رب! قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وأطراف النهار. فيقول الله له. كذبت! وتقول له الملائكة: كذبت! ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ! وقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب المال فيقول الله: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال كنت أصل الرحم وأتصدق. فيقول الله له: كذبت! وتقول له الملائكة: كذبت! ويقول الله له: بل أردت أن يقال فلان جواد! فقيل ذلك. ثم يؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول فيما قتلت؟ فيقول أَمَرْتَ بالجهاد في سبيلك، فقاتلتُ حتى قتلت. فيقول الله له: كذبت! وتقول له الملائكة: كذبت! ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان جريء! فقد قيل ذلك". ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي (يقول الراوي أبو هريرة) فقال: "يا أبا هريرة! أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسعَّر بهم النار يوم القيامة".
روى الحديث مسلم في صحيحه والترمذي والنسائي. حدث أبو هريرة رضي الله عنه بهذا الحديث بعد أن نَشَغَ ثلاث مرات. ومعنى النشغ كما قال ابن الأثير رحمه الله : "الشهيق حتى يكاد يبلغ به الغشي" قال: "وإنما يفعله الإنسان أسفا على فائت وشوقا إلى ذاهب". ما كانت القلوب باردة هامدة، بل تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم حية مُضيئة متوثبة بحب الله ورسوله وبالشوق والذوق. وقلوب العارفين الطالبين الخاشعين لا تزال كذلك والحمد لله. وحظ الكاذبين من هذا الإخبار التكذيبُ، ومَباءَتُهم الرياء ليقال، وقد قيل. في رواية: اذهبوا به إلى النار. وقانا الله وإياك من الكذب والتكذيب والتخريب وإبطال الأعمال.
هذا مشهد عظيم أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشهد من )يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً. ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ. فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً( (سورة النبأ، الآيات: 38-39). تكلم القارئ المرائي والمقاتل المناضل والغني المتباهي بإذن، لكنهم لم يقولوا صوابا، فلم يقبل منهم، وأرداهم تزويرُهم. كانت نياتهم فاسدة، وأقوالهم كَاذبة، ويقدح في نية الصادقين أيضا مخالفة أقوالهم وأفعالهم للصواب. فمن شاء أن يتخذ إلى ربه مآبا، وعودة حميدة، ومقعد صدق عند مليك مقتدر، فعليه أن يتحرى الصدق والصواب. النيات الحسنة الخطأ لا تعطي الظمآن ريًّا، بل تميت من كان قبلها حيا. الفضيل بن عياض رضي الله عنه أحد زهاد هذه الأمة وصالحيها. سألوه: "ما أحسن العمل في قوله تعالى: )الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً( (سورة الملك، الآية: 2)؟ قال: "أحسنه أخلصه وأصوبه". قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: "إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة". ثم قرأ قول الله تعالى: )فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً( (سورة الكهف، الآية الأخيرة).
أين الوجهة الصواب، وكيف أخلص القصد يا رب! ادعه فهو الكفيل وحده عز وجل بالاستجابة.
قال ذو النون المصري رحمه الله: الإخلاص لا يتم إلا بالصدق فيه، والصبر عليه. والصدق لا يتم إلا بالإخلاص فيه والمداومة عليه. وقال أبو يعقوب السوسي من الصوفية الأخيار: متى شهد الصادقون في إخلاصهم الإخلاصَ احتاج إخلاصهم إلى إخلاص. أي متى أُعجبوا بإخلاص أنفسهم فقد وَهموا واحتاجوا لمراجعة رأيهم في أنفسهم ) فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى( (سورة النجم، الآية: 32).
أرأيت دقائق النظر في أمراض القلب، والخبرة بها. هم وصفوها بوصف الكتاب والسنة. وعند الوصف يقف الوراقون رافضين أو تاركين غير عابئين. ومن الدقة في محاسبة النفس والرجوع عليها ومحاصرتها على دروب النفاق والرياء تُعرف قيمة الرجال. أعاظم الرجال بعد الأنبياء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. إمام في مقدمة صفهم رضي الله عنهم عمر بن الخطاب أمير المؤمنين. بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ونزل القرآن بموافقته في ثلاثة مواقف، وكان وزير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب الصديق الأول، واختاره الصديق لخلافته، وأجمع المؤمنون على قبوله. ومع ذلك فهو يُسِرُّ إلى حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علمه المصطفى أسماء المنافقين مخاوِفَه المنبعثة من محاسبته لنفسه، فيقول: يا أخي يا حذيفة بالله عليك هل أنا من المنافقين؟.
هذا التدقيق على النفس هو عكس الرياء، هو إخلاص الإخلاص، هو الشفاء التام من النفاق والشقاق وسوء الأخلاق، هو أن لا ترى لنفسك مزية، ولا تعترف لها فيما بينك وبين الله بإخلاص. تتهمها أبدا. إذا فعلت، وأنّى لك يا حبيبي بلا طبيب حبيب! ألبسك الله رداء العافية القلبية، رداء الصدق والإخلاص.
قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: "ليس الشأن في خشونة ثيابك ومأكولك. الشأن في زهد قلبك. أول ما يلبس الصادق في لبسه الصوف على باطنه، ثم يتعدى على ظاهره. فيلبس سرُّه، ثم قلبه، ثم نفسه، ثم جوارحه. حتى إذا صار كله متخشنا جاءت يد الرأفة والرحمة والمنة فغيرت ما عليه تغييرا. يُخلع عنه ثياب السواد وينقله إلى ثياب الفرح. تُبدَّل النقمة إلى النعمة، والبغْضة إلى الفرحة، والخوف إلى الأمن، والبعد إلى القرب، والفقر إلى الغنى"[1].
يتكلم الشيخ مع من يلبس على ظاهره لباس الرياء، ويتزيى بزي الصالحين. تأمل تعبيره بلبس الصوف على الباطن تجده أحسن وصف لخشونة الصادق على نفسه خشونة أمثال عمر رضي الله عنه. بأي نفاق وبأي رياء وبأية جولات في أوحال "علم النفس"، وهو عصارة نفوس الكافرين الخبيثة، يريد بعضهم أن يطبِّب أمراض المسلمين! إنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
قال متفكر متذكر متحسر دامع المقلة باكي القلب:
تأخر النـاس والأبـدال قد سبقــوا ليس الطليق كمَـنْ دارت به الحَلَـقُ
والخلـق في الخلـق أمثـال مُسـاوية ولا مـمـيِّــز إلا الوصـف والخُـلُـقُ
هـل يستـوي متـأنٍّ فـي بطـالتـه وحـازمٌ نحـو بـاب القـرب منطلـق؟
القـوم أظمــأهم حــرٌّ فــأرَّقـهـم فـأنتـجَ الأمـنَ فيهـم ذلك الفَــرَقُ
شـدوا الحيازم واشتـدوا إلـى عَلَـم تاهت عن السعي في إدراكه الفِــرَقُ
هم العُكـوف على أبواب الله تَكْـرِمَة في الله إن صمـتـوا بالله إن نطقــوا
من كل أشعث ذي طمـرين تحسبـه سيفــا تَفَـرَّى عليه غِمْـدُه الخَـلَـقُ
وهل تشـين بيـاضَ الصبـح لِبْسَـتُـه معـاوِزَ الليـل وهو الأبيَـضُ اليَـقَـقُ
يقطِّــع الليـل تفكـيــرا وتَـذْكــرة والدمـع منـدفـق والقلـب محـتــرق
فجسمـه في بسـاط الأرض مُـرتَهَـنٌ وقلبـه في بسـاط الغيـب مخـتــرق
ففي الهـواجـر أحلـى وِرْدِهِ ظَـمَـأٌ وفي الديـاجيــر أهنــا نـومـه أرَقُ
سيمـاه دمـعٌ كَسَيْـح الوبـل تبعثـه جـوانح في رياض الشـوق تصطفـق
خـرق العـوائـد منهـم لسـت تُنكـره وكيـف ينكـر نـور الأنجـم الأُفُـقُ؟
يا من تشكـك جهـلا في كـرامـتهـم حقـق وصـدق بأن القـوم قد صدقـوا
العقــل جـوَّزهـا والشــرع أثبتهـا ومـا بِكـفِّــك إلا العِــيُّ والخَــرَقُ
قهقِــرْ فمـا لـك في ميـدانهـم أثـر وإن شكـكـت فهـذا اليـوم والطَّـلَـقُ
جـدّوا وقصَّـرتَ عن إدراك جِـدِّهِـمُ والكـيْـس والعجـز شيء ليـس يتفـق

وقلت:
لا يَستوي مَن بِعهدِ اللّه قد صدَقوا وَمَن جَـوانحـهُم بالغَــدر تَصطَفِــقُ
لاَ يَستوي القَاعدون النَّاعمون وَمَن بِهــمِّ أمَّتـهــم يُـذْكــيــهــمُ الأَرَقُ
لاَيستوي الصدق والبُرهــان يُثبتُه مـع النِّفــاقِ على حــافَــاتِه المَلَــقُ




[1] الفتح الرباني ص 19.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:26 PM
ستفترق أمتي...
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين(. اللهم إني أعوذ بك من يوم السوء، ومن ليلة السوء، ومن ساعة السوء، ومن صاحب السوء، ومن جار السوء في دار المقامة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين. والنصارى مثل ذلك. وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". أخرجه الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة بسند حسن صحيح.
حول هذا الحديث دار جدل طويل ولا يزال.فلما ظهرت الفِرَق بين المسلمين، استند العلماء على هذا الحديث ورواياته المختلفة لتعيين الفرق الثلاث والسبعين وتبديعها وتكفيرها، معتمدين على رواية بإسناد غريب للترمذي يقول فيها الحبيب صلى الله عليه وسلم في نهاية الحديث: "كلها في النار إلا واحدة". قالوا منْ هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي". وعند أبي داود: "وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة".
الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الإسلام والإيمان والإحسان، والذي بينه الله عز وجل من الفرق في كتابه العزيز هم أهل الكفر والشرك وأهل النفاق. فقد ذكر الله عز وجل في أول سورة البقرة المؤمنين الموقنين بالآخرة المفلحين في آية، وذكر الذين كفروا الذين ختم سبحانه على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم صم بكم عُمي فهم لا يسمعون في آيتين، وذكر المنافقين الذين في قلوبهم مرض في بضع عشرة آية.
فبوضع الحديث بإزاء القرآن ليبينه نفهم أن الفِرَقَ الهالكة الثنتين والسبعين فروع تاريخية للشرك والنفاق أخبر بفتنها الرسول صلى الله عليه وسلم وحذر منها. الختم على القلوب ومرض القلوب أصل كل الضلالات. ويكون إصلاح القلوب، والمحافظة على سلامتها الفطرية، وتطبيبها أصلا لكل هداية وفلاح.
هذا. ثم إن العلماء اهتموا بتعيين الفرق الضالة التي حادت عما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصول الاعتقاد أو أصول الشريعة العملية. تكلم عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط رحمهما الله وقالا: أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة. قال ابن المبارك : الجهمية ليسوا من أمة محمد. وقال طائفة من العلماء الحنابلة : الجهمية كفار فلا يدخلون في الثنتين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وهم الزنادقة.
الجهمية هم من أشد الفرق ضلالة، وهم أتباع الجهم بن صفوان الذين ينكرون الصفات التي أثبتها الله عز وجل لنفسه وأخبر عنها رسوله صلى الله عليه وسلم، ويقولون لعنهم الله : إن الله لا يرى ولا يتكلم، ولا يباين الخلق، ولا له علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا حياة. ويقولون بأن أهل الجنة لا يرون الله، وأن القرآن مخلوق. رادّين بذلك ما أجمعت عليه الأمة، وهم أهل السنة والجماعة حشرنا الله معهم.
ومن بعد العلماء الأوائل تكلم الإمام الأشعري رحمه الله في الفِرَق وعين منها في كتابه "مقالات الإسلاميين" خمساً وأربعين فرقة من فرق الشيعة، وستا وثلاثين فرقة من الخوارج، واثنتي عشرة فرقة من المرجئة، وعدَّد طوائف أخرى حتى بلغ بها أكثر من مائة فرقة.
أما ابن حزم فقد أضاف المعتزلة وعدهم إلى جانب الأربعة الأصلية: أهل السنة والشيعة والمرجئة والخوارج.
وعدد الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل" ستا وسبعين فرقة رَدها إلى ضابطٍ عامٍّ يبيِّنُ موضوع خلافها مع أهل السنة والجماعة. فذكر القاعدة الأولى من ضابطه وهي الخلاف في الصفات والتوحيد، ما بين مثبت لها ونافٍ، وما بين من يفصل بين صفات الذات والفعل، وما يجب لله تعالى وما يجوز وما يستحيل. وفي القاعدة الثانية ذكر الخلاف في القدر والعدل، والمتكلمين في القضاء والقدر والخير والشر والمقدور والمعلوم. وفي القاعدة الثالثة تعرض للوعد والوعيد والقائلين في الإيمان والتوبة والتكفير والإرجاء والتضليل والخلود في النار في حق مرتكب الكبائر. وذكر في القاعدة الرابعة الخلافات بين السمع والعقل والرسالة والإمامة والتحسين العقلي والتقبيح والصالح والأصلح والعصمة وشرائط الإمامة.
لا حاجة بنا أن نقف طويلا عند هذه الفرق البائد كثير منها. لكن نذكر أصول الخلاف الفكري الذي فصله الشهرستاني لأن المواضيع التي دار حولها الخلاف من طبيعة العقل المشترك الأصم الأبكم أن يضل فيها في كل عصر مثلما ضل عقل الأولين. ثم نرجع إلى أصل البلاء كله وهو ختم الله جلت عظمته القلوب، ومرضها. ومن مرضها أن تجد قوما في زماننا يتهمون كل مسلم لا يتطابق رأيه مع رأيهم أنه جهمي، وهو لم يسمع قط بما هي الجهمية ولا له نية ولا رأي ولا دراية بالخلاف في الصفات.
أول الفرق الضالة ظهوراً في الإسلام الخوارج، خرجوا من صف الإمام علي كرم الله وجهه بعد قضية التحكيم في حرب صفين. وما أدراك ما صفين، جرح لا يندمل! أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهورهم فقال: "يخرج في هذه الأمة، (ولم يقل منها)، قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حلوقهم، أو حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمِيَّة". الحديث رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري، ورواه غيره. وفي رواية للبخاري عن علي رضي الله عنه قال: "إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فوالله لأن أخرَّ من السماء أحبُّ إليَّ من أن أكذب عليه. وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيخرج قوم في آخر الزمان أحداثُ الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم،يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة".
مضى تاريخ قتال الإمام علي ومن بعده لهم، وبقي منهاجُهم المتجدد: شباب سفيهو الأحلام، أي خفيفو العقول، يقولون كلاما خيرا، ويصلون صلاة متقنة الأركان الظاهرة، ويقرأون القرآن لا يبلغ نور القرآن أبعدَ من حناجرهم. العقول كليلة،والقلوب مغلَّفة مريضة، هذه هي معادلة بعض طوائف الشباب المتسائل عن دينه ولا من مجيب. ولئن توقف العلماء الأولون في تكفير الخوارج الأولين، فإن قضية زماننا وما بعده هي ترشيد هؤلاء الشباب. ترشيدُهم آكدُ القضايا وإن هم استباحوا لأنفسهم تصرفات طائشةً. وإن "استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطإ في سفك دم مسلم واحد" كما يقول الإمام الغزالي في كتاب "التفرقة بين الإيمان والزندقة"[1].
الخلافة الثانية على منهاج النبوة هي مستقبل المسلمين، وإن تعامل العاملين للإسلام مع سواد الأمة وطوائفها وأحزابها السياسية وتعامل الجماعات الإسلامية فيما بينها إما أن يكون بالرفق الإسلامي والتؤدة والتفاهم فيحالفَه توفيقُ الله في الدنيا والسعادةُ للجميع في الآخرة. وإمَّا أن يكون على الأساليب العنيفة المبدِّعة المكفِّرة المتجهمة الخوارجية فذاك الضلال بعينه عافانا الله.
حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من داء الأمم، وهو المرض القلبي، فقال: "دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي الحالقة. أما إني لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين. والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تومنوا، ولا تومنوا حتى تحابوا. ألا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام فيما بينكم". رواه الترمذي عن الزبير وسنده جيد.
الإيمان حُب، وما في المسلمين من تحاسد وتباغض مرض دواؤه التحابُّ. وإن حب الله ورسوله، والحب في الله، والخلة في الله، والصحبة في الله، تثمر الرفق والشفقة على الخلق أجمعين. لا تمنع الذلةُ على المؤمنين من العزة على الكافرين. وما يحب الله عز وجل إلا من جمع بينهما.
ثائرة نارية لا بد من تسكينها. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالستر على المسلمين، وستر حتى المنافقين الذين كان يعرفهم ويعرف المسلمون بعضهم. وكم قال لعمرَ وغيره لما هموا بضرب المخالفين "أتريدون أن يتحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه!".
ذكر الإمام الشاطبي في كتاب الاعتصام "سببين لسَتْر المسلمين وتجنب تعيينهم بأسماء للطعن فيهم وتفريق شمل الأمة: السبب الأول أن الله تعالى ستر على هذه الأمة في الغالب، بينما كان عصاة بني إسرائيل إذا أذنب أحدهم ليلا أصبح وعلى بابه معصيته مكتوبة. السبب الثاني هو أن "للستر حكمة أخرى وهي أنها لو ظهرت مع أن أصحابها من الأمة لكان في ذلك داع إلى الفرقة وعدم الألفة التي أمر الله ورسوله بها".
نعم، لا بد من ذكر خطإ من أخطأ دون تعصب ولا تحامل لكيلا ترجع الخسارة على الأمة. وإن ممارسة ما يسمى بالنقد والنقد الذاتي في عصرنا ينبغي أن يكون مناصحة يضبطها الشرع وتلطِّفها المحبة وسلامة الصدر. قال الإمام الغزالي: "أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوامِّ بتعصب جماعة من جَهَلَة أهل الحق. أظهروا الحق في معرض التحدّي والإدلالِ، ونظروا إلى ضعَفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها، حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا أن الحروف التي نطقوا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة. ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء لما وجد مثل هذا الاعتقاد مستقرّاً في قلب مجنونٍ، فضلا عن قلب عاقل"[2].
قال الشاطبي: هذا ما قال، وهو الحق الذي تشهد به العوائد الجارية. فالواجب تسكين الثائرة ما قُدِر على ذلك والله أعلم.
قلت: قال الشيخ عبد القادر قدس الله سره: "أنت كدر بلا صفاء، خلق بلا خالق، دنيا بلا آخرة، باطل بلا حق، ظاهر بلا باطن، قول بلا عمل، عمل بلا إخلاص، إخلاص بلا إصابة السنة. إن الله عز وجل لا يقبل قولا بلا عمل، ولا عملا بلا إخلاص، ولا يقبل شيئا بالجملة غير موافق لكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.(...) إن حصل لك قَبول الخلق مع كذبك فما حصل لك قبول الحق عز وجل وهو العالم بما في القلوب. لا تُبَهْرِجْ، إن الناقد بصير. إن الله عز وجل ينظر إلى قلبك لا إلى صورتك، ينظر إلى ما وراء الثياب والجلود والعظام. ينظر إلى خلوتك لا إلى جلوتك. أما تستحي! جعلت منظر الخلق مزيَّنا ومنظر الحق منجَّسا! إن أردت الفلاح فتب من جميع ذنوبك، وأخلص في توبتك"[3].
قال تائب قاصد آوى إلى الله وأخلص قلبه له:
فحسبي أن آوي إلى الواحـد الفـرد فـإن ســواه لا يُعـيــد ولا يبــدي
هل الغاية القُصوى سوى الله وحـده وهل بعد نَيْل الحق نيل لذي قصد؟
يجل مقـام القُـدس عـن كـل وارد وإن كان كل النـاس يطمـع في الوِرْد
فـيـا راحـلا في بغيـة الحـق إنـه ينـاديك من قـرب وأنت علـى بُعـد
ومـن سطـع النــور المبـين أمـامه فمـا بالـه يبغيـه بالنـص والوَقْـدِ؟
أعنـدكَ أني لا أرى غـير خـالقـي ولولا قصور الخلق بُحتُ بما عنـدي
ومن لم يكـن للحـق أهــلا أضـره كإضرار عين الشمس بالأعين الرُّمْـد
فسبحـان من يبـدو إلينــا بذاتـه فنـدركــه من غـير رسـم ولا حـد
نــراه عيـانـا بالقـلــوب وإنــه لأقرب من حبـل الوريـد إلى العبـد
ويسـدي إلينـا أنعُمـا فات حصـرُها ولكـن تجليه لنا خيـرُ ما يُســدي
تنـزه عن أن يَسمُـوَ الفـكـر نحـوَه وجل عن التكييـفِ بالقَـبْـل والبَعـد

وقلت:
أتى بكَ لِلميــدان صِــدقٌ وَهمَّــةٌ أم القَصــدُ إظهــارُ المزيَّةِ والجِــدِّ
وفي القَلـبِ آفــاتُ النِّفــاق ورَيْنُــه وتَفْتِلُ حَبلَ المكر والغـدرِ والكيْدِ؟
ستُفضحُ في سَاح الصَّفــاء مع الأُلَى إلى اللّه قَامــوا بالجهــاد وبِالكَــدِّ




[1] كذا نقل عنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ج 12 ص 300.
[2] نقله عنه الشاطبي في "الاعتصام" ج 2 ص 230.
[3] الفتح الرباني ص 201.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:26 PM
الخلاف على الصوفية
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات، ولا تزد الظالمين إلا تبارا(. اللهم إني أعوذ بك من البخل والجبن وفتنة الصدر وعذاب القبر وسوء العُمر.
ينطلق المهزوم في ميدان المروءات، الفاشل في العمل، من هزيمته وفشله ليأتلف مع أضرابه المقهورين على رقعة الواقع، وينصِب حواجز الشك والتُّهمة، ويُنصِّب نفسه قاضيا محاسبا ليصادر العقائد، ويَدين النيات، ويوسِع العالمين طعنا في إخلاصهم، محتكرا الصدق لنفسه وحزبه، معمما الريبة فيمن ليس من سربه. هو الصواب مجسما، وقوله الحق مسلَّما مكرما، من باب تكريم المرء نفسه وتزكيتها على طريق القدح في غيره.
جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفيان بن عبد الله الثقفي فسأله: يا نبي الله! حدثني بأمر أعتصم به. فقال صلى الله عليه وسلم: "قل ربي الله ثم استقم". قال سفيان: قلت. يا رسول الله! ما أخوف ما تخاف علي؟ قال: فأخذ صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه وقال: "هذا". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
كان أهل الإيمان قبل نشوء الفرق يأخذون إيمانهم بعفويَّة "قل آمنت بالله ثم استقم" وبفطريتها. فلما انتشر الإسلام في الأعاجم دخلت الأفكار الوثنية والفلسفة، وامتدت رقعة دار الإسلام، وتناقضت الإرادات السياسية، وتقاتلت، واستعملت كل فرقة ما هو ثابت من النصوص، وصنعت منها ما يؤيد مقالتها، وشحذت سلاح العقل الفضولي، والعقل المتمرد. وتكلم الناس في الذات والصفات، وقست القلوب وأظلمت. فتن كقطع الليل المظلم، كان للسيف فيها جولات، وللكلمة وللقلم.
وعلى مرّ قرون الفتنة تأثّل في الأمة مخزون من البغضاء الخلافية، منه يستقي اليوم طائفة من المسلمين يسمون أنفسهم سَلَفية يرفعون راية قتالية اسمها ابن تيمية، ويحملون على هذا الكاهل مرارة الخلاف القديم، وعلى الكاهل الآخر هموم الحاضر. مُثقَلين مجهدين.
مركبة الإسلام المقلعة تجد أمامها نقاطا للمرور وشرطة وحسبة. لا فكاك، لا فكاك، حتى تدلي بشهادة البراءة من أوبئة الخلاف. يتفرس في وجهك شرطي المرور ليرى مخايل الاعتزال والبدعة والجهمية على وجهك. وقد لا يكتفي بالتفرس والتهمة والتبديع، فينزل إليك في فرقته بشوارع دمشق وعمان يروغُ عليك ضربا بالهراوات.
لا أحقر أحدا إن سميت القوم تيميين، وبحسْبِ المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم. لكن أريد أن يكون في كتابي هذا من التنبيه مثلُ ما فيه من التنويه، نصيحة راحل عن هذه الدار، باك على نفسه، حزين على ويلاتها، ضارع إلى ربه في المغفرة.
ابن تيمية عندي فحل من فحول العلماء، فذ من أفذاذ الفرسان. تصدى لمعركة جامعة، معركة على كل الواجهات. حاول أن يجمع أطراف الاجتهاد، وكانت له مقوماته. فتعرض لأهل العقل المنطقي والفلسفي ينتقدهم انتقاد الأنداد. وكان بين المحدثين حافظا حتى قيل : كل حديث لا يعرفه ابن تيمية ليس بحديث. وكان بين الفقهاء أصوليا فروعيا مجتهدا. وكان أمامَه واقع تميز بالسلطان المتخاصم مع القرآن، سلطان المماليك الذين يشجعون كل من يُثَبِّت ملكهم، ويقصدون للتبرك والدعاء كل من اشتهر بالصلاح والتقوى. فراجت في السوق المملوكية بدع وخرافات.وكانت لشيخ الإسلام واجهات أخرى قاتل فيها، منها واجهة الروافض الذين لم تنس الأمة ضلوعهم مع التتار في دخول بغداد، ومنها واجهة الهجوم التتاري المتواصل.
فارس قاتل على كل الواجهات، شجاع واسع الأفق. سَعَةُ اهتماماته وغزارة علمه، ومضاؤه في العمل تؤهله بحق أن يصنَّف مع عظماء مجددي هذه الأمة. واستمرار اجتهاده وتلاحمه مع الواقع عقودا من السنين منذ حداثة سنه جعل من مواقفه المكتوبة بقلمه والمسجلة في تاريخه الحافل مجموعة من المقالات منها الصواب الذي استقر عليه، ومنها الناقص الذي كتبه ناقصا في وقت وكمله في وقت آخر، ومنها السهو الذي نُقل إلينا على حاله، ومنها الخطأ الذي صوبه فيما بعد، ومنها الخطأ الذي أصر عليه كما يُصر المجتهد الصادق ويؤجر على اجتهاده.
ومنها فوق كل شيء ما هو راجع إلى شذوذ الرجل وتفرده من بين الحنابلة، وهم أهل الحديث والمواقف المشرفة المعارضة، بآراء خرج فيها على الإجماع.
فيأتي في زماننا رجال قرأوا كتب ابن تيمية وابن عبد الوهاب رحمهما الله، لم يقرأوا غيرها. ويتبنَّون جملة واحدة مجموع مقالات العالم الفذ المجدد الشاذ أحيانا دونما اعتبار لظروف الرجل.سماء مجردة عن أرضية التاريخ البشري، وعن طبيعة الجدل بين الأقران المتعاصرين، وعن اعوجاج النيات والمقالات في حُمَّى الخلاف وأتونِ المناظرات والمحاكمات التي عقدت للرجل الفذ، يقاتله جمهور الفقهاء والصوفية والأمراء متضافرين متآزرين، حتى سجنوه مرات واضطهدوه، فمات رحمه الله في الحفرة.
نبذوا علم الرجل الواسع، لم يحتفظوا منه إلا بنصوص خاصة منتقاة بعناية لتكون منهجية قتالية. قاتل هو بدَعا حية، وهم يقاتلون أوهام البدعة. لم يبق مجال لتفصيل البدع والدينُ مخترق من أقصاه إلى أقصاه. البدع منكر ناتِئٌ خارج من بساط كلُّه معروف. البدعة حنظلة وشوكة وسط زرع صالح. أما والمجتمعات الإسلامية أصبح فيها المنكر هو المعروف وهو الأصل، والمعروف حالات خاصة غريبة! أمَّا والحقل كله شوك وحنظل فما بالك تصب جامَّ غضبك على القمحة المسكينة نبتت في بيئة حنظلية شوكية! اسقها وتعهدها وأصلح لها التربة، لا تُحرقها بنفَسك الملتهب.
اتخذوا شذوذ الرجل الفردي منهاجا فظلموه وظلموا أنفسهم، لا سيما عندما يضربون صفحا عن كتابات الرجل في السلوك ليحتفظوا بمقالاته الحربية يُسعِّرون بها الخلاف على الصوفية.
قال الشيخ الدكتور سعيد رمضان البوطي (أرجع إلى كلمته الصادعة)، وهو من خاض مع التيميين معارك ساخنة يعرفهم المعرفة التامة: "الحقيقة التي لا ريب فيها أن ابن تيمية رحمه الله قد ظُلم من قِبل هؤلاء الناس. لقد ظُلم من قِبلهم مرتين. المرة الأولى أنهم نسبوا إليه، بسبب جهلهم أو بسبب أغراضهم التي يتأبّطونها، ما لم يَقُلْه وما لم يخْطُر منه على بال. فقد صوروا منه عدوا للتصوف، وهو من أبرز المنافحين عنه والداعين إليه، والقائلين بوجوب الانخراط في منهجه التربوي على كل مسلم. والمرة الثانية أنهم صبغوه بذلك في تصوُّر كثير من الناس، بل حتى العلماء الباحثين السطحيين، بصبغة المنكر لهذا الذي ثبت أنه من جوهر الإسلام ولُبابه، والمنقِّصِ لكل من سار في هذا الطريق وسلَّك الناس في طريق تزكية النفس. حتى غدَا اسم ابن تيمية عند عامة الناس رمزا لمحاربة هذا السبيل الإسلامي القويم. مع أن الرجل كان، كما قد ظهر لنا من الرجوع إلى أقواله وواقع ترجمته، على النقيض من ذلك. أما إنكاره للبدع التي علقت به والانحرافات التي أدخلت عليه، وما ظهر من اهتمام بالغ له في شأنها، فإنه لا يدل في الحقيقة إلا على مبلغ تعلقه بالتصوف الحقيقي السليم وعلى مدى غيرته عليه أن يُدَنَّس بشيء من الزَّغْل والبدع والأباطيل"[1].
كان شيخ الإسلام عالما متفردا شديد الشكيمة، حتى أخص أحبائه وتلامذته كانوا يعرفون ذلك ويكرهونه له، لكن شخصية الرجل القوية وهيبته في نفوسهم منعت من أن يحوِّلوه إلى شيء من الاعتدال. لا أريد أن أُفيض في ذكر معاركه مع الشيخ الإمام تقي الدين السبكي فيما سمي بـ "مسائل ابن تيمية" وما اتُّهم به وأُلزِم من القول بالتجسيم، وما أُخِذ عليه من الاجتهاد الشاذ في الفقهيات، وما تنابز به مع خصومه الأشاعرة هو يسميهم جهمية وهم يسمونه وأصحابه حشوية. آخذ من الحنابلة أنفسهم شهادة ليضع كل ذي لُب واستقامة الأمور في نصابها والرجل في نسبيته الزمانية المكانية الظرفية الخلافية.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في ترجمة عِماد الدين الواسطي الذي كان يعظم ابن تيمية تعظيما كبيرا: "كان (أي الواسطي) هو وجماعة من أصحابه ربما أنكروا من الشيخ كلامه في بعض الأئمة الأكابر الأعيان، وفي أهل التخلي والانقطاع (يقصد الصوفية) ونحو ذلك. وكان الشيخ رحمه الله لا يقصد بذلك إلا الخير والانتصار للحق. وطوائف من أئمة أهل الحديث وحفاظهم وفقهائهم كانوا يحبون الشيخ ويعظمونه. ولم يكونوا يحبون له التوغل مع أهل الكلام ولا الفلاسفة، كما هو طريق أهل الحديث المتقدمين كالشافعي وأحمد(...). وكذلك كثير من العلماء من الفقهاء والمحدثين والصالحين، كرهوا له التفرد ببعض شذوذ المسائل التي أنكرها السلف على من شذ بها حتى إن بعض قضاة العدل من أصحابنا (الحنابلة) منعه من الإفتاء ببعض ذلك"[2].
ثم ينقل ابن رجب عن الذهبي قوله: "ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية. واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يُسبق إليها. وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا. وجسر عليها هو". جسارة ابن تيمية له لا عليه إن شاء الله الغفور الرحيم. فالرجل كان مع جسارته في الاجتهاد "دائم الابتهال، كثير الاستغاثة والاستعانة بالله، قوي التوكل ثابت الجأش" كما قال الذهبي تلميذه الجسور. رحم الله الجميع وهدى التلامذة الحرفيين لما فيه الخير.
شاهَدَ القَرنانِ السابع والثامن نهضة حديثية، من شيوخ الحفاظ فيها الإمام التقي السبكي خصْمُ ابن تيمية. سمع منه الحديث الجهابذةُ المزي والذهبي والبَرْزالي، ثم "جرهم" إليه الحافظ ابن تيمية في معركته. ومع هذا فهم جميعا كانوا أهل فضل وبَقوا أهل فضل. والذهبي اللامع في سماء الحفاظ والنقاد لم ينس شيخه السبكي ولم يتنكر له. وقد قال فيه: "الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء(...) كان صادقا ثبْتا خيراً دَيِّنا متواضعا حسن السمت من أوعية العلم"[3].
وقال فيه شعرا:
لِيَهْـنَ المنـبـر الأمَـوِيّ لـمـا علاه الحـاكم البحـر التقـي
شيوخ العصر أحفظهم جميعا وأخطبهـم وأقضـاهـم علـيُّ

وقال الهائم في ذكر ربه:
ومـا الـرب إلا حـاضـرٌ غيـر غـائـب وإن طـاح ذو الإلحـاد في هوة الجَحْدِ
إذا مــا تبــدى نــوره لـقـلــوبنــا محـا كـل ظـل للضــلالـة ممـتــدِّ
فلــولاه كـنــا هــائميـن بِمَهـمَــهٍ مـن الشك في ليل من الجهـل مُسْـوَدِّ
وليس بحـي مـن يـرى الحـق باطــلا ولكنـه من ظلمـة الجهــل في لحـد
أرى العـارفين السـابقين إلـى المَـدَى كثيــرين في المعنـى قليليـن في العـد
ونحـن أنـاس طـهــر الحـق ســرّنـا ففي الله ما نخفـي وفي الله ما نُبـدي
فإن كنت لا ترضى سوى الحق مطلبـا فيمِّمــه من بـاب التجــرد والزهــد
فمـا يستـفــاد الفــوْزُ دون مشقــة ولا تجتـنـى الراحـات إلا من الكــد
خـلـوت بنفسـي كـي تتـم سعـادتي فأجني ثمـار الفـوز من منبـت الجـد
ومـا أنا وَحْـدي حـين أٌعـرضُ عنـكم ولكن معي من ليـس يتـركني وحـدي

وقلت:
تَقـدَّم بِعــزْم تَقــدَّم بِصــدق وَوفِّ لِـربِّــك عـهــداً بـرِمْ
فَــربُّــك، جَـــلَّ، تأذَّن أن يَفـوزَ الوَفيُّ قَضـى أو غَنِــمْ
قَضى نَحبَهُ في حِيـاض المَنُون أوِ النَّصــرُ تـوَّجــهُ فَسـلِــمْ




[1] مجلة "منار الإسلام" رمضان 1408 ص 103.
[2] طبقات الحنابلة لابن رجب ج 2 ص 394.
[3] نقل ذلك ابن السبكي في "طبقات الشافعية" ج 6 ص 150.
[4] نفس المصدر ص 157.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:27 PM
العلماء المتلطفون
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم(. اللهم إني أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده. ومن همزات الشياطين وأن يحضرون.
قرأنا من حديث للبخاري أن الإمام عليا رضي الله عنه قال: "إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأن أخِرَّ من السماء أحبُّ إلي من أن أكذب عليه. وإن حدثتكم فيما بيني وبينكم فالحرب خُدعة".
معنى كلام هذا الإمام العظيم أنَّ نقل الثقة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يحتمل أدنى هوادة في الصدق والتحري، أما حديث الرجل من تلقاء نفسه لعرض آرائه واجتهاده ففيه مجال للخطإ والمحاولة والإبلاغ الذي يتأثر بعوامل النفس وانفعالاتها وظروفها في مواجهة رأي الآخر.
قال سيد العلماء وسيد اللطفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخذ مع ربه عز وجل عهدا ويعلمنا درسا في أمر بشريِّتنا ونقصها: "اللهم إني أتخذ عندك عهداً لن تخلفنيه. فإنما أنا بشر! فأي المؤمنين آذيته، شتمته، لعنته، جلدته، فاجعلها صلاة عليه، وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة". أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وأخرج أبو داود عن عمرو بن مرة أن حذيفة بن اليمان وسلمانا الفارسيَّ كانا بالمدائن على عهد أمير المرمنين عمر، وأن حذيفة كان يحدث الناس ببعض ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأناس من أصحابه في الغضب، فزجره سلمان وقال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب فيقول لناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضى. أمَا تنتهي حتى تُورِث رجالا حب رجال، ورجالا بغض رجال، وحتى توقع اختلافا وفرقة!؟" وذكره بعد ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن بشريته وغضبه البشري وعهده مع الله في القضية بلفظ قريب من لفظ البخاري ومسلم.
يتعصب التيميون والوهابيون، أصلحهم الله، ويرفعون الرجال إلى سماء العصمة أو يخفِضونهم إلى حضيض الشيطنة، ما عندهم ميزان للاعتدال. رسخت في قلوب العوام رواسبُ الخلاف والشجار. هؤلاء يكفرون الشيعة عامة لأن ابن تيمية في زمانه ومكانه وغضبته سماهم روافض. ولو تريَّث المكفرون وتثبتوا لعلموا أن الرفض من ذلك الجانب هو الوليد الهجين اللعين للمقت الأموي الذي فرض على الخطباء في مساجد المسلمين في طول البلاد والعرض سب الإمام الطاهر علي بن أبي طالب لمدة ستين سنة قبل أن يوقف اللعنة الصالح التقي عمر بن عبد العزيز.
غضب بغضب، وبشرية ناقصة، وعناد ومعاندة، وجدل يتحدى فيه الخصم خصمه، وحرب تسلُّ فيها السيوف العضبة والألسنة المسمومة. فمتى يُرجى منكم تلطُّف بهذه الأمة يا من تقررون من وراء كرّاساتكم العتيقة، ومن فوق كراسيكم الآمنة أمن القاعدين!
كان ابن تيمية بطلا، كان فارس كل ميدان. خاض معركة مرج الصفر التي وقعت في رمضان سنة 702 تحت راية الملك الناصر محمد بن قلاوون ضد التتار. وقال لبعض أمراء الجيش: "يا فلان! أوقفني موقف الموت! قال الأمير: "فسُقْتهُ إلى مقابلة العدو، وهم منحدرون كالسيل، تلوح أسلحتهم من تحت الغُبار المنعقد عليهم. فرفع طرفه إلى السماء، وأشخص بصره، وحرك شفتيه طويلا (قلت: يذكر الله كما أُمِرَ المؤمنون إن لقوا فئة العدو). ثم انبعث وأقدم على القتال. وقد شوهد في هذه الموقعة ومعه أخوه يصيحان بصوت مرتفع، يحرِّضان الناس على القتال، ويحذرانهم من الفرار"[1]. ما موقفكم أنتم من تتار زمانكم؟ يا خزيَكم!
هذا البطل كان يستطيع أن يُلجم غضبه وأن يتلطف. كان في المماليك مقدَّم بارز اسمه بَيْبَرس الجاشنكير، وهو غير بيبرس الكبير صاحب واقعة عين جالوت المجيدة. وقد تسلطن الجاشنكير فيما بعد. وكان الجاشنكير يتغالى في حب شيخ صوفي اسمه نصر المنبجي. وكان لهذا الشيخ سيرة ومحاسن جمة[2]. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني الإمام: "ارتفع ذكره في دولة الجاشنكير لأنه كان يعتقده ولا يخالف أمره.(…). وكان يحط على ابن تيمية (ينتقده ويلومه ويوبخ) من أجل حطه على ابن عربي.(…). قال الذهبي: جلست مع الشيخ (نصر) بزاويته، وأعجبني سَمْتُه وعبادته. قلَّ أن ترى العيون مثله"[3]. وينقل ابن حجر شهادة الشيخ ابن عطاء الله، وهو ألد خصوم ابن تيمية، في الشيخ نصر فيقول: "الشيخ نصر حجة لنا على إبليس. يعني أنه لو ادعى أنه لم يبق على الأرض قائم بالله لقلت: كذبت يا إبليس، هذا الشيخ نصر بهذه الصفات!".
يمثل الشيخ نصر إذن حصنا منيعا متدرعا بالسلطان بعد تدرعه بالتقوى والصلاح.كفى ابن تيمية شجاعة أن يجهر برأيه في ابن عربي وفي بدع المتصوفة في عصر تحمي فيه الدولة المملوكية مملكة الدراويش بما فيهم من صادقين ومن "صوفية الحقائق" و"صوفية الأرزاق" و"صوفية الزي" حسب تعبير الشيخ نفسه. ومع خلاف الشيخ نصر له على طول الخط، و"حطه" عليه، فإن بطلنا الفارس تلطف للشيخ غاية التلطف، وكتب إليه رسالة مطولة يعرض فيها رأيه وأفكاره، وكأن لهجة الخطاب تحمل رسالة ثانية من وراء السطور، رسالة اعتذار عَمَّا فَرَطَ.
قال ابن تيمية البشر الغضوب العالم المتلطف: "من أحمد ابن تيمية إلى الشيخ العارف القدوة السالك الناسك أبي الفتح نصر فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه، ونصره على شياطين الإنس والجن في جهره وإخفائه، ونهج به الطريقة المحمدية الموافقة لشرعته، وكشف به الحقيقة الدينية المميَّزة بين خلقه وطاعته وإرادته ومحبته"[4].
وقال: "وبعد فإن الله تعالى أنعم على الشيخ، وأنعم به نعمة باطنة وظاهرة في الدين والدنيا، وجعل له عند خاصة المسلمين الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا منزلة عليَّة، ومودة إلهية، لما منحه الله تعالى به من حسن المعرفة والقصد".
وختم يقول داعيا: "الشيخ أيّد الله تعالى به الإسلام، ونفع المسلمين ببركة أنفاسه، وحُسْن مقاصده، ونور قلبه".
نجد عند العالمين الجليلين ابن تيمية وابن القيم تلطفا آخر في معالجة قضية حساسة جدا في تاريخ الحنابلة، هي قضية شيخ الإسلام أبى إسماعيل الهِروي صاحب كتاب "منازل السائرين". كان أبو إسماعيل محدثا حنبليا صوفيا. وكان بينه وبين الأشاعرة حروب في أول عهد الاصطدام بين الأشاعرة وأهل الحديث، وكان الأشاعرة، وهم الأغلبية الساحقة من الأمة، يرمونه بالتشبيه. ثم إن كتابه "منازل السائرين" يشتمل على مقالات هي من قبيل الشطح الصرف. لذلك كان ابن تيمية "يرمي أبا إسماعيل بالعظائم بسبب هذا الكتاب ويقول : إنه مشتمل على الاتحاد" كما قال الذهبي[5]. وكان ابن تيمية يميل إلى الهروي مع ذلك. فكانت مشكلة عويصة واجهت الحنابلة، وفي مقدمتهم ابن تيمية، أن يكون حنبلي محدث يكتب مثل ما كتب الهروي. فالتمس ابن تيمية لصاحبه في المذهب الأعذار، وتلطف للخصوم فقرَّعه أحيانا.
وكرّس ابن القيم جهودا كبيرة لشرح كتاب الهروي في مؤلفه "مدارج السالكين" كل ذلك لغسل أوْضار الخصومة ما بين أشاعرة صوفية هم الأغلبية وبين محدثين لهم "قدر مشترك" ولبعضهم، مثل الهروي، سهم وافر من التصوف.
قال ابن تيمية: "وأما أبو اسماعيل الأنصاري صاحب "منازل السائرين" فليس في كلامه شيء من الحلول العام. لكن في كلامه شيء من الحلول الخاص في حق العبد العارف الواصل إلى ما سماه هو "مقام التوحيد"[6].
ويلتمس ابن تيمية عفا الله عنا وعنه العذر للقائلين بالحلول الخاص المعاذير فيقول: "وقد يقع بعض من غلب عليه الحال في نوع من الحلول أو الاتحاد، فإن الاتحاد فيه حق وباطل".
العبارات تسرق. وتعالى الله أن يحل في شيء أو يحل فيه شيء. وتعالى أن يتحد بشيء أو يتحد به شيء. وغلبة الحال و"السكر" حق يفقد معه الذاكر السالك عقله ووجوده. ونعوذ بالله من الحَوْرِ بعد الكَوْرِ.
ومن يقرأ الجزء الثاني من فتاوي ابن تيمية ير العجب العُجاب، والخوض العميق الذي أخطأ معه من أخطأ وأصاب من أصاب.
قال ابن تيمية في معرض تكفير الحلاج: "وكلام صاحب منازل السائرين وأمثاله يشير إلى هذا (البَوح بسر التوحيد)، وتوحيده (الهروي) الذي قال فيه:
ما وَحـد الواحـد من واحـد إذ مـن وحــده جــاحـد
توحيد من يخبـر عن نعتـه عـارية أبطـلهـا الواحــد
تـوحيـده إيـاه تـوحيـده ونعـتُ من ينعتـه لاحِــدُ

قال: فإن حقيقة قول هؤلاء أن الموحِّد هو الموَحَّد، وأنَّ الناطق بالتوحيد على لسان العبد هو الحق، وأن لا يوحِّد إلا نفسه"[7].
لكنه عفا الله عنه لم يقل لماذا يعذر الهروي ويوصف بَوْحُه وشطحُه بأنه "حلول خاص" مقبول، ويكفر الحلاج وابن عربي لنفس المقالة.
وينبري ابن القيم ليدافع عن الهروي فيقول: "وحاشا شيخ الإسلام (الهروي) من إلحاد أهل الاتحاد، وإن كانت عبارته موهمة، بل مفهمة ذلك"[8].
بين تأويل العبارات "الموهمة" وإدانة العبارات "المفهمة" وقعت خصومات، وسالت دماء. وأنت تقول: إن أمر الأمة لا يصلح إلا بإعادة تلك الخصومات إلى الحياة، واختراع خصومات جديدة! وتقول إن البشر ليسوا بشرا، وأن الغضب والتعصب والعناد والتحدي والتحدي المضاد من عالم الشياطين لا من عالم بني آدم الخطائين التوابين!
ويتلطف ابن القيم للرأي الآخر فيقول: "شيخ الإسلام (الهروي) حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه. وكل من عدا المعصوم صلى الله عليه وسلم فمأخوذ من قوله ومتروك"[9]. ماذا قال المعصوم صلى الله عليه وسلم عن بشريته وغضبه؟ يا معشر المقلدين!
هذه دعوة للتدارك والتوبة والعمل بدل التمشدق والتكلف والتعصب والتمَعْقُل. قال الشيخ عبد القادر قدس الله روحه: "عن قريب تصلون نارا حامية إن لم تتداركوا وتتوبوا وتعتذروا. عليكم بالاتباع من غير ابتداع. عليكم بمذهب السلف الصالح. امشوا في الجادة المستقيمة: لا تشبيه ولا تعطيل، بل اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من غير تكليف ولا تطبُّع ولا تمشدق ولا تمعقل. يسعكم ما وسع من كان قبلكم. ويحك تحفظ القرآن ولا تعمل به؟ تحفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تعمل بها؟ فلأي شيء تفعل ذلك؟ تأمر الناس وأنت لا تفعل، وتنهاهم وأنت لا تنتهي!"[10].
الجدل عند قوم أحلى وأغلى من العمل. يتفرغ أحدهم ليستعرض الناس أمامه، من مضى منهم ومن هو حاضر، في طابورَين هو قرر قسمتهما ملوّحاً باسم فلان وفلان، مُخْتفيا تحت رداء من مضوا ولقوا الله بأعمالهم، وليس له من خِيارهم ولا عِيارهم قسمة، ولا من علمهم مُسكة. طابور المهتدين حزبه، وطابور الهالكين من لا يخضع ويسمع ويتبع. نفوسهم لم تهذب بصحبة، ولا ذكرت الله، ولا حزنت على بلواها، بل ولا علمت بما هي مبتلاة به. ألا هل من تلطف أيها الناس!
قال رجلٌ رجُلٌ، وكأنه يخاطب أصحاب الافتتان بالعالم الواحد المعصوم:
صــدِّق بأحــوال الرجــال ومـا تلقــوا مـن فــوائــد
وإذا هَــوِيـتَ شفــوفَـهــم فاسلك سبيلـهــمُ وجــاهـد
فـــوراء ذلك لـــذة يعتــابهــا من لـم يشــاهـد
صحـت كرامــات الــرجــ ــال بنقــل أصحـاب المَسـاند
مـا نــائــم مــلء الجــفــ ــون كقــائم لله ســاجــد
هــل يسـتــوي هــذا وذا ما نـاقـص حــالا كــزائــد
يــا راقــدا فــي ليـلــه وإذا تـنـبــه فهــو راقِــد
أتَرَكْــتَ جمـهــور الأئــمـ ــة واقتــديـت بقـول واحـد؟
نظــر لعمــرك فــاســد يـقضي بأن القلـب فـاســد
فوقــوع مــا هــو ممـكــن للقــوم من خــرق العـوائــد
شـهــد الوفــاق لـهم بهـا فـدع الخلاف ولا تجـاحـد

قيل هذا الكلام لجاحد كرامات الأولياء، وقلت لجاحد الولاية من أصلها:
الطُـفْ بِهـمْ لا تَبْتَـئِــسْ إنْ قالَ خَصمٌ أو مُعـانِد
مَـات الرِّجـالُ ومــا بقِي مِـن أوليــاءِ اللّه وَاحــدْ
وقِـفَنْ علـى بَاب الكَريم بِكامـلِ الصِّدق وجَـاهِدْ




[1] العقود الدرية لابن عبد الهادي ص177.
[2] شذرات الذهب ج 6 ص 52.
[3] الدرر الكامنة ج 5 ص 165.
[4] الفتاوي ج 2 ص 452 وما بعدها.
[5] نقله عنه السبكي في "الطبقات" ج 3 ص117.
[6] الفتاوي ج 5 ص485.
[7] الفتاوي ج8 ص 317.
[8] مدارج السالكين ج 1 ص 149.
[9] نفس المصدر ج2 ص 37.
[10] الفتح الرباني ص 47.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:27 PM
الحنابلة أهل الحديث والأشاعرة
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك. وأرنا مناسكنا. وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم(. لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله وتبارك الله رب العرش العظيم. والحمد لله رب العالمين.
ظهر بعد عصر التابعين وتابعيهم الكذبُ، واختفى في العامة الحُثَالَةِ حسب التعبير النبوي ذلك الصدق الفطري الذي وصفه الله تعالى بقوله: )رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا( (سورة آل عمران، الآية: 193). خرجت طوائف مبتدعة أَجْفَل منها الصادقون، وتبرءوا منها منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم. لم يكن من رأي السلف الصالح في الصدر الأول من الإسلام أن يناظروا أحدا في الدين ولا أن يجلسوا للجدل، بل كانوا يقاطعونهم ويبغضونهم ويرون أن طريقهم مسلك مظلم يوشك من اقترب منهم أن يتوغل فيه فلا يهتدي بعدها. وكان السلف الصالح شديد المقت للمجادلين في الدين، خاصة القدرية. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهو كان عالما مجتهدا قبل أن يلي "الخلافة": "ينبغي أن نتقدم إليهم فيما أحدثوا من القدَر، فإن كفوا وإلا استُلَّت ألسنتهم من أقفيتهم استلالا". وقال: "من جعل دينه غرَضا للخصومات أكثر التنقل". وكثرة التنقل في عبارته تعني التحول في العقيدة والاضطراب فيها والزيغ مسايرة للمجادل المخاصم.
فما جاء القرن الخامس حتى طم الجدل في الدين، وعمت الخصومة فيه، وقل أمثال الإمام أحمد بن حنبل الذي قاوم المعتزلة المعزَّزين بسلطان المامون والمعتصم العباسيين، وتحمل الأذى والشدة في الدين في قضية قول الإسلام الرسمي المعتزلي بخلق القرآن، أكره على هذه المقالة الشائنة البائنة علماء الأمة بالنار والحديد.
في القرن الرابع ظهرت البدع أيما ظهور،وعلا نجم الفلاسفة والملاحدة الزنادقة حتى أصبحت البدعة رائجة رواجا. أصبحت نقدَ الوقت وعُملته. وفي مواجهة هذا الطاغوت الفكري، الموازي المساير للطاغوتية في الحكم، ظهر المتكلمون المجادلون عن الحق بالبرهان العقلي والدليل. عم في الناس التيار العقلاني لما استعجمت الحياة العامة تحت سيوف بني بويه والسلاجقة، واستعجمت الألسن والقلوب. وغلا المتكلمون غلوا شديدا وأسرفوا حتى كفروا الزنادقة بحق وكفروا معهم العامة من المسلمين، "وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا، ولم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حررناها فهو كافر"[1].
ويقول أبو حامد: "من ظن أن مَدْرَك الإيمان الكلامُ والأدلةُ المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد. لا! بل الإيمان نور يقذفه الله في قلب عبده عطية وهدية من عِنْده، تارة بتنبيه من الباطن لا يمكن التعبير عنه، وتارة بسبب رؤيا المنام، وتارة بمشاهدة حال رجل متدين وسراية نوره إليه عند مجالسته وصحبته.(...)، فقد جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاحدا منكرا، فلما وقع بصره على طلعته البهية فرآها تتلأْلأُ منها أنوار النبوة قال : والله ما هذا بوجه كذاب!".
في القرن الرابع عقب القرون الثلاثة الفاضلة ظهر رجل من عظماء الأمة اسمه أبو الحسن الأشعري. عاش أربعين سنة مع المعتزلة القدرية يصوغ الأقيسة ويستدل بالاستقراء والتماثل، ويبني "القضية الكبرى" على الصغرى حتى أصبح واحدا من ألمع تلامذة الجبائي، أحد زعمائهم. ثم اهتدى، وبه اقتدى من بعده جمهورُ علماء الملة، خلا طائفة من الحنابلة أهل الحديث أشهرهم ابن تيمية ومدرسته. حتى الإمام الغزالي لم يخرج عن المذهب الأشعري إلا في مسائل قليلة كفره من أجلها بعض الأشاعرة المتعصبين.
كان لا بد من إقامة سدٍّ عقلي أمام هجوم العقلانية الفلسفية الزندقية لحماية الدين والدفاع عن المعتقدات التي نقلها عن السلف أجيال من العلماء عانوا الأمرَّيْنِ من اضطهاد الحكام واستعجام العصر. وأكثر ما كان نفعُ الصياغة الأشعرية والماتوريدية لخاصة العلماء المتفرغين للجدل ولعامة المسلمين الذين يسمعون المقالات البدعية الفلسفية فيحارون، فيجيئون العالم المتكلم ليكشف عنهم غمة الشك. أما من اشتد مِراسُهم من المبتدعة والزنادقة فجلوس المتكلم المجادل معهم يغذي غرورهم ويزيدهم تمسكا بضلالتهم.
دافع أبو الحسن الأشعري، ومثله الإمام أبو المنصور الماتريدي مع خلاف يسير، عن ما جاء من عقائد في الكتاب والسنة بكل وسائل الإقناع العقلي وإلزام الخصم بالحجة العقلية والنقلية. وسلك في مسائل الصفات مسلكا وسطا بين الجهمية والمعتزلة المعطلين وبين المشبهة والحشوية المجسمين. كما سلك في "أفعال العباد" مسلكا وسطا بين المعتزلة الذين يقولون بخلود مرتكب الكبيرة في النار وبين المرجئة الذين يقولون بأن الإخلاص لله لا تضر معه كبيرة.
استعمل الأشعري، وكان من السادة الصوفية كما قال ابن السبكي، أسلحة المتكلمين المعتزلة العقلية وأسلحة أهل الحديث النقلية وبين جوانحه قلب ذاكر وإرادة ومحبة. غَلب على علمه العقلُ من حيث غلب القلبُ على علم الغزالي. وكانت الموازنة بين الإرادة الصوفية والعقل الكلامي والنقل القرآني الحديثي عند ابن تيمية في تركيبة أخرى غلب عليها طابع النقل، وحاول صاحبها أن يثبت للناس ما كان هو يعيشه في خاصة إيمانه من أن العقل الرجيح يطابق النقل الصحيح والذوق السليم.
متكلم صوفي تلميذ للحفاظ، وصوفي كبير متكلم على حظ غير كبير من النقل، وحافظ ناظر على "قدر مشترك" مع الصوفية. الأشعري والغزالي وابن تيمية رحمهم الله أعلام نيرة في سماء الإسلام.
كل منهم نافح عن الدين، وبارز طوائف الفلاسفة والمناطقة (باستثناء أبي حامد الذي عيب عليه تشبثه بالقياس المنطقي) وطوائف القرامطة والباطنية والروافض وسائر أهل الأهواء والنِّحل الفاسدة. من هذه الطوائف من لا يقطعه النقل، فسلّوا عليه صوارم العقل والبرهان. وجدير بمن أمسك في يده حساما صدئا أن تتصدَّأَ يداه. فالغزالي لاموه على قوله باتخاذ المنطق وقياسه الصوري الأرسطي منهاجا. والأشعري رماه ابن حزم وابن تيمية وغيرهما بأنه من الجبرية الزائغين. وابن تيمية لما توغل في جدال الفلاسفة والمناطقة اضطر أن يتناول من حيث تناولوا فقال مقالة في قدم العالم لم يقلها أحد من أهل الاستقامة.
مستند الحنابلة أهل الحديث في تبديعهم للأشعري والأشاعرة أن الأشعري يؤول في الصفات.حتى أن ابن تيمية صنف الأشاعرة في الصف الخامس من أهل الزيغ، مع الباطنية المعطلة، والفلاسفة، والاتحادية القائلين بوحدة الوجود، والمعتزلة المنكرين لصفات المعاني.
إذا علمنا أن جمهور علماء الأمة، منذ القرن الرابع، على مذهب الأشعري في الدفاع عن العقائد تبين لنا خطورة القول بزيغ الأشعرية. يقول سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام: "إن المالكية والشافعية والحنفية وفضلاء الحنابلة أشعريون"[2].
ويقول المحدث الحافظ ابن عساكر: "هل من الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية إلا موافق للأشعري، ومنتسب إليه، وراض بحميد سعيه في دين الله، مُثْنٍ بكثرة العلم عليه، غير شرذمة قليلة تُضْمِر التشبيه وتعادي كل موحد يعتقد التنزيه، وتضاهي قول المعتزلة في ذمه، وتباهي بإظهار جهلها بجانب سعة علمه؟"[3].
برز ابن تيمية من بين الحنابلة الذين انضمت قلوبهم على كَمَدِ فتنة الإمام الجليل أحمد بن حنبل وتعذيبه وجلده على يد المامون والمعتصم.ونبغ ببيانه وقوة عارضته ومتانة شخصيته. فكان كنقطة بيان وإعلان في أوج المشاغبة الحنبلية المستديمة في وجه السلطان ومن معه من جمهرة فقهاء المذاهب الفقهية الأخرى. يجمع هذه المذاهب في نظر أهل الحديث الحنابلة إجماعُها على الأشعرية الماتوريدية في العقائد، وشبه إجماعها على التصوف من حيث كونه السلوك الأخلاقي الروحي الضروري لكل طالب للحق.
وطفق الفريقان من أهل الحق، الحنابلة من جهة، ما خلا ابن الجوزي المؤول، وسائر العلماء من جهة أخرى، يختصمون في أخبار الصفات، وفي الاستواء على العرش وحقيقته، وهل تثبت الصفات بما تثبت به الذات أو بشيء زائد، وهل النص المروي بخَبر الآحاد تثبت به عقيدة، وهل تُحمل الأخبار الصفاتية على الحس أو على المجاز،وهل نؤول بعض تلك الأخبار أو كلَّها لنعرف كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، ولنعرف كيف يأتي الله عز وجل إلى عبده هرولة إذا جاء العبد إليه يمشي، وهل القول بالجهة في حق الباري جل وعلا يُلزم القول بالجسمية أم أن اشتراك الحق سبحانه في الصفة مع العبد اشتراك في الاسم لا في الحقيقة.
في قضية التشبيه والتنزيه قضى علماء الأمة زمانا في الجدل والخصومة. لكل فريق من أهل الحق، ما بين صوفية أشاعرة وفقهاء مناظرين ومحدثين أثريين، خيارُه وعيارُه، وحظه من العقل والنقل والإرادة. سفينة الأمة اختلف على مقادتها ربابنَة متَعَددو الوجهات والنيات والقدرات.كل يدعو إلى اجتهاده ومَبْلَغ علمه، مخلصا مصيبا مرة مخطئا أخرى،ولم يخل الجو أبدا من أصحاب النعرات والنفاق والتعصب والمسابقة إلى الرئاسات والمِنَح والمناصب بالتزلف إلى الحاكم السائر برياح هواه. البشرية لم تتعطل، والشيطنة الجنية والإنسية لم تُعزل.
أنماط من التفكير، وألوان من المذهبيات، واختلاف في الأهداف والأساليب. انتقضت عروة الحكم بعد ثلاثين سنة من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانفرطت ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، وذات البَيْن الحالقة للدين، حبّاتُ العقد الإسلامي، وانفرطت جامعة الإيمان السمحة التي جاء بها الوحي بغياب وازع السلطان.اشتغل السلطان العاض، الذي يمثل في تاريخ الإسلام بدعة أعظم بدعة، بحرب القرآن وأهل القرآن. وأعانه هؤلاء على أنفسهم بالخصام والتراشق.
أفنبقى، ونحن على أعتاب الخلافة الثانية إن شاء الله، أسرى التجربة الخلافية التي خاضتها الأمة ؟ من أين نبدأ ؟ وما السبيل إلى إيمان لا إله إلا الله، وعصمة "قل ربي الله ثم استقم" وفلاح )رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا( ؟(سورة آل عمران، الآية: 193)
قال صادق جلت بوارق عزيمته ظلام الجهل والفتنة:
ورَكْـبٍ سَـرَوْا والليـل ملـقٍ رِوَاقـه على كـلِّ مُـغْـبَــرِّ المطـالـع قـاتِـمِ
حدوا عزمات ضـاقت الأرض دونها فصـار سُـراهم في ظهـور العــزائـم
تُـريهـم نجــوم الليل ما يبتغـونـه على عـاتق الشِّعْـرى وهـام النعـائـم

وقال حي ذاكر بين أموات غافلين:
للـه في الخـلـق أسـرار وأنــوار ويصطـفي الله من يرضى ويختار
لا تحـقِـرن فقـيـرا إن مررت به فـقد يـكـون له حـظ ومـقــدار
والمـرء بالنفـس لا باللَّبس تعـرفه قد يخلَـقُ الغِمْـدُ والهنـديُّ بَتَّـار
والتِّبر كالترب قد تخفى مكـانته حَتى يخلصه بالسبـك مِسـمــار
ورب أشعث ذي طمرين مجتهد لـه على الله فـي الإقسـام إبـرارُ

وقال معتقد بالهداية والصحبة لا بترتيب الأدلة:
أسـفـا لأيـام وإخـوان مضـوا ومنـازل فـارقـتـهـا مـغـلـوبـا
يا ليت قلبي جمرة من بُعـدهم يا ليت عيشـي بعدهم مـقلـوبـا
طالبت بعـدهم الزمـان بمثلهـم فأجابني: هيهات، لا مطلوبـا

وقلت:
لِلّهِ بِالله سَــارَ الصَّــادقــونَ إلـى وَعـدٍ وثيـقٍ لِمن قـد خصَّـهُ الله
لاَ ريبَ عنـدهُم في عِــزِّ مَطلبِهم سَـاروا عَلى دَربهمْ والموعِدُ الله
تَحـدوهُمْ لِلمعــالي هِمةٌ سَمقت ومَا يشــاءونَ إلاَّ ما شــاءهُ الله




[1] أبو حامد الغزالي في كتاب "فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة" ص 79 وما بعدها.
[2] طبقات السبكي ج 2 ص 259

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:29 PM
إيمان الصوفية
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار(. يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.
في محيط النقل لا خارجه كان لكل من الفقهاء الأشاعرة والمحدثين الحنابلة والصوفية الذاكرين "تنقلات"، حسب تعبير عمر بن عبد العزيز، حسب ما عند كل من نبضات قلبية وقدرات عقلية. لم يكن أحد من المعترضين على الصوفية يعترض على أصل التصوف، بل كان الكل يعتبر الصوفية جزءا لا يتجزأ من أهل السنة والجماعة. ولا كان الحنابلة المحدثون يعدون الأشاعرة فرقة خارجة عن أهل السنة والجماعة كما يفعل بعض قراء ابن تيمية في زماننا. فرغم خلاف ابن تيمية الشديد للأشاعرة وجولاته معهم، كان يحصر الخلاف في ثلاث مسائل يعدهن أمهات الخلاف : وصف الله بالعلو على العرش، ومسألة القرآن، ومسألة تأويل الصفات. كان هو في مسألة الاستواء على العرش يشير إلى الجهة فيلزمه الخصوم باعتقاد التحيز المُلزم للتجسيم. ومسألة خلق القرآن كانت من الرواسب الاعتزالية، لا يقول بخلق القرآن أحد من الأشاعرة إلا إن دخل الجدل في اللفظ والكتابة. أما في تأويل الصفات فيحمل ابن تيمية حملاته الشعواء، ويحكي قول أعداء الأشاعرة فيهم، متبنيا مقالات السوء. قال: "يقولون إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة، والأشاعرة مخانيث المعتزلة. وقال يحيى بن عمار: المعتزلة الجهمية الذكور، والأشاعرة الجهمية الإناث"[1].
كان له تفصيل ما بين "الأشاعرة الجهمية" الذين فيهم بقايا من التفكير الاعتزالي وبين الأشاعرة الأشاعرة الخُلص. هؤلاء عنده ناجون. يقول: "وأما من قال منهم (الأشاعرة) بكتاب "الإبانة" الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة. لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة"[2].
وهنا ندخل إلى إيمان الصوفية. من كان من العارفين المفتوح عليهم لا ينتمي إلى الأشعري ولا إلى غيره. ذلك يعلمه الله اقتضاء لوعده الكريم: ) وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( (سورة البقرة، الآية: 282). وعقيدة الشيخ عبد القادر قدس الله روحه كما كتبها في "الغنية" لم تلق عند ابن تيمية الحافظ إلا القَبول التام، كما لا تلقى عند الأشاعرة إلا القبول التام، لمّا تنزهت عن الألفاظ الفكرية الكلامية المفرقة الخصومية.
علماء أكابر آخرون، ممن لهم "قدر مشترك" مع الصوفية وتلمذة وصحبة لا يرون في صياغة الأشعري أي تناقض أو تباعد مع العقيدة السنية. يقول سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام بعد أن كتب عقيدته محررة: "ولا يخرج عن هذا الاعتقاد مَلَك مقرب ولا نبي مرسل، ولا أحد من أهل الملل إلا من خذله الله فاتبع هواه وعصى مولاه. أولئك قوم قد غمرهم ذلُّ الحجاب، وطردوا عن الباب، وبعُدوا عن ذلك الجناب. وحق لمن حجب في الدنيا عن إجلاله ومعرفته أن يحجب في الآخرة عن كرامة رؤيته:
ارْضَ لمن غاب عنك غيبته فـذاك ذنـب عقــابه فيـه

ثم قال: "فهذا إجمالٌ من اعتقاد الأشعري رحمه الله تعالى واعتقاد السلف وأهل الطريقة والحقيقة، نِسْبَتُهُ إلى التفصيل الواضح كنسبة القطرة إلى البحر الطافح".
يعرفه الباحث من جنسه وسـائر النـاس له منكـر

انتهى كلامه[3].
كتب عز الدين كلامه قبل أن تطلُع بارقة ابن تيمية. (توفي رحمه الله وابن تيمية في صباه الأول)، وقبل أن يشهر ابن تيمية سلاح "لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة". سلطان العلماء في زمانه ارتكب هذه "البدعة" وشهد أن اعتقاد الأشعري هو اعتقاد أهل السنة واعتقاد أهل الطريقة. معناه أن الصوفية هم أهل سنة، وأهل السنة هم الأشاعرة والصوفية. خارج السياج الحنبلي، قبل ابن تيمية وبعده، كان الصوفية والمتكلمون من أهل السنة ومنهم الأشاعرة يُعتبرون هم أئمة التوحيد. قال البغدادي في أوائل القرن الخامس: "الجنيد شيخ الصوفية وإمام الموحدين له في التوحيد رسالة على شرط المتكلمين وعبارة الصوفية. ثم بعدهم شيخ النظر وإمام الآفاق في الجدل والتحقيق أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري الذي صار شجاً في حلوق القدرية والنجارية والجهمية والجسمية والروافض والخوارج. وقد ملأت كتبه الدنيا. وما رُزق أحد من المتكلمين من التَّبَع ما قد رزق، لأن جميع أهل الحديث، وكل من لم يتمعزل من أهل الرأي على مذهبه"[4].
رحم الله البغدادي، لو استثنى من أهل الحديث الأئمة جماعة الأفاضل الحنابلة الذين كانوا قبل ابن تيمية أقلية متحركة غير ذات شأن. لو استثناهم! وأنى له أن يعرف أن الأشعري الذي كان شجاً في حلوق الطوائف الضالة سيصبح اسمه يوما رمزا للبدعة عند طائفة من المتوترين!
خاض الأستاذ القشيري الصوفي الأشعري معارك حامية دفاعا عن الاعتقاد الأشعري قبل ابن تيمية، معارك حمل فيها على صولجان الحاكم ومظاهرات الحنابلة بمسبحة المربي وخُطَبِ العالم الجليل من على منبره.
اعتقاد الصوفية العارفين وتلامذتهم هو التفويض، يُمضون ما أخبر الله به عن نفسِه ورسولُه كما جاء، لا يسألون ولا يؤولون. لكن إذا نبع مُعاند لجأ من كان منهم مبتلى بمعاشرة الخلق إلى أسلحة الأشعري الجدلية ليدافع عن الحق ويحرِّر عقائد العامة من المسلمين.
عقيدتهم التفويضية عبَّر عنها واحد من أجلة السلف الإمام الشافعي حيث قال رَضي الله عنه: "آمنت بالله وبما جاء عن الله بمراد الله. وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم".
تعلم الإمام العظيم الشافعي من الصوفية أن لا يضيع الوقت فيما لا يعني، وتعلم منهم الاشتغال بالحق عن الباطل. قال رحمه الله: "صحبت الصوفية فما انتفعت منهم إلا بكلمتين: سمعتهم يقولون: الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل". قال شيخ الإسلام ابن القيم الحنبلي بعد أن أورد كلمة الشافعي: "يا لهما من كلمتين ما أنفعهما وأجمعهما وأدلهما على علو همة قائلهما ويقظته! ويكفي في هذا ثناء الشافعي على طائفة هذا قدر كلماتهم"[5].
العالم الظريف المتلطف ابن القيم تقرأ ما بين سطوره أسى عميقا على الوحشة التي أحدثها الاضطراب الحنبلي والقتال التيمي في صفوف أهل الحق من محدثين وصوفية وفقهاء أشاعرة. لا يألو جهداً في تقريب الشقة. واقرأ على هامش نصه هذا عن تمجيد الصوفية بواسطة شهادة الشافعي تعليق "محقق" الكتاب لترى كيف يحمل الوهابيون التيميون في عصرنا مشاعل الإحراق والفراق.
كان الصوفية على مذهب مالك رضي الله عنه حين سئل عن قوله تعالى: "الرحمن على العرش استوى" كيف استوى؟ فأطرق مالك حتى علَته الرُّحَضاءُ، ثم قال: "الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". ثم أمر بطرد السائل. في زمانه رضي الله عنه كان السائلون هذه الأسئلة البدعية أفرادا، ومن بعده صارت الأسئلة البدعية الشاكة المشككة طوفانا. صارت طاعونا. صارت كلمة العصر ومقالته وهاجسَه. لهذا اجتمع أهل الحق على سفينة الأشعري ينقذون بها الأمة من الغرق، وأخذوا من صيدليته وطبه علاجا، ومن كلامه حجة.
كان الصوفية المتحررون من التقليد، العارفون، أكثر الناس تمسكا بالكتاب والسنة. ومنهم يتعلم التلامذة الإخلاص المطلق لله ورسوله، وصدقَ الاتباع لله ورسوله. من زعم الانتساب إلى الطائفة فمعيار صدقه وإخلاصه وصوابه مقدار ما عنده من حرمة للقرآن والسنة. قال ذو النون المصري رحمه الله: "من علامة المحب لله متابعة حبيب الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأوامره". وقال الجنيد: "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقال: "من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لايقتدى به في هذا الأمر لأنَّ علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة". وقال: "مذهبنا هذا مشيد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقال أبو عثمان الحيري: "الصحبة مع الله بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة والصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته ولزوم ظاهر العلم". وقال: "من أمَّر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة. قال الله تعالى ) وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا( (سورة النور، الآية: 54)".
كلام العارفين بالله في الاعتصام كثير. أولئك سجِّلوا في زمام الأولياء، وفتح الله أقفال نفوسهم وعين قلوبهم فعرفوا يقينا أنَّ ظاهر ما نطق به الكتاب ونطقت به السنة مطابق لما تكتشفه أنوار القلوب يوم ينورها الله فضلا يتفضل به على الذاكرين. أما من ركبه هواه، وأُوغِرَ صدره على العالمين، وتوترت علاقاته بالمسلمين لفساد علاقته بالله، فبأي عقل وبأي إرادة، وفي أيِّ إطار، وبأي عيار يبدع المسلمين ويتكلم في عقائد الأولياء؟
أنت الخبير بما تنزل الهمم وتهبط المدارك وتقسو القلوب من ترك ذكر الله. أنت الخبير إن كنت من الذاكرين. وإن لم تكن فاسمع عسى ينفعك الله بالسمع.
قال ابن حجر الهيثمي رحمه الله: "حاش لله ومعاذ الله أن يُظن بأحد من الصوفية المذكورين في رسالة القشيري وعوارف المعارف وغيرهما من كتب الأئمة الجامعين بين علماء الظاهر والباطن شيء مما يخالف عقيدة أهل السنة والجماعة"[6].
وقال الشاطبي رحمه الله: "يُفهم شأن المنقطعين إلى الله فيما امتازوا به من نِحلتهم المعروفة (التصوف). فإن الذي يظهر لبادي الرأي منهم أنهم التزموا أمورا لا توجد عند العامة، ولا هي مما يلزمهُم شرعا. فيظن الظان أنهم شددوا على أنفسهم، وتكلفوا مالم يكلَّفوا، ودخلوا على غير مدخل أهل الشريعة. وحاش لله! ما كانوا ليفعلوا ذلك وقد بنوا نحلتهم على اتباع السنة. وهم باتفاق أهل السنة صفوة الله من الخليقة"[7].
الصوفية صفوة الله، أولياء الله، معهم جوهر الإسلام ولُب الإيمان، وطريقهم طريق العرفان. فبأي ظن التقطته من كتب الخلاف تأتي أنْتَ لتحكم ببدعة هؤلاء وأولئك! قم! لا ناقة لك ولا جَمل في هذا السوق! فضولك وتطفلك وسطحيتك وجُرأتك على حُرَم الله مُرْديات ستقضي عليك. ستعلم غدا يوم لاتَ حين مناص من قضى عمره في البطالة، ومن اشتغل بالباطل عن الحق، ومن أثث حياته بفراش الشك، وزينها بحُلِيِّ التهمة، وألبسها لباس الزور!
قال الإمام الشافعي ينزل السفيه منزلته:
ومنزلة السـفيـه من الفـقيـه كمنـزلة الفـقـيـه من السفـيـه
فهـذا زاهـد في قـرب هـذا وهـذا فيـه أزهــد منـه فيـه
إذا غلب الشـقـاء على سفيه تـقطـع في مخـالفة الفـقـيـه

وقال يفوض الأمر لمن له الأمر سبحانه:
ما شـئت كـان وإن لم أشــأ وما شـئت إن لم تشـأ لم يَكُـنْ
خلقـت العبــاد لما قد علمـتَ ففي العلم يجري الفتى والمُسِـن
فمنهـم شقـي ومنهـم سـعيــد ومنهـم قبيـح ومنهـم حَسَــن
على ذا منَنْـتَ وهـذا خـذلـت وذاك أعـنـت وذا لـم تُـعِــن

وقال فقيه عارف غير سفيه:
عبــاد الله سـادات كــرام لهم في الخير إن لاح انبعـاثُ
عـلا منهم نحـول واصفـرار وإخبــات وأطمــار رِثــاث
فهم للناس في الدنيـا أمـانٌ من الأمر المخـوف وهم غياث
أبـانوا صحبـة الدنيـا وقالـوا طـلاقـك في شـريعتنـا ثـلاث

وقال فقيه يحذر السفهاء من لذة ساعة في نشوة الجدل:
تفنى اللذاذة ممن نـال صفوتها من الحـرام ويبقى الإثم والعـار
تبقى عـواقب سـوء في مَغبَّتها لا خير في لذة مـن بعدها النـار

وقلت:
أتَزعمُ أنَّ قصـدكَ مستقيـمٌ وما يقوَى لِهمَّتـك انبعــاثُ
وَترفلُ في مظـاهرَ كـاذبـاتٍ وديـنُكَ ثـوبُه مُــزَقٌ رِثـاثُ
وبيتُك في النِّفـاق لهُ عِمــاد وزُورُ الموبقــاتِ لهُ أثــاثُ




[1] الفتاوي ج 6 ص 359.
[2] نفس المصدر والصفحة.
[3] طبقات السبكي ج 5 ص 87.
[4] أصول الدين ص 309.
[5] مدارج السالكين ج 3 ص 129.
[6] الفتاوي الحديثية ص 233.
[7] الموافقات ج 4 ص 158.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:29 PM
إيمان الصوفية
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار(. يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.
في محيط النقل لا خارجه كان لكل من الفقهاء الأشاعرة والمحدثين الحنابلة والصوفية الذاكرين "تنقلات"، حسب تعبير عمر بن عبد العزيز، حسب ما عند كل من نبضات قلبية وقدرات عقلية. لم يكن أحد من المعترضين على الصوفية يعترض على أصل التصوف، بل كان الكل يعتبر الصوفية جزءا لا يتجزأ من أهل السنة والجماعة. ولا كان الحنابلة المحدثون يعدون الأشاعرة فرقة خارجة عن أهل السنة والجماعة كما يفعل بعض قراء ابن تيمية في زماننا. فرغم خلاف ابن تيمية الشديد للأشاعرة وجولاته معهم، كان يحصر الخلاف في ثلاث مسائل يعدهن أمهات الخلاف : وصف الله بالعلو على العرش، ومسألة القرآن، ومسألة تأويل الصفات. كان هو في مسألة الاستواء على العرش يشير إلى الجهة فيلزمه الخصوم باعتقاد التحيز المُلزم للتجسيم. ومسألة خلق القرآن كانت من الرواسب الاعتزالية، لا يقول بخلق القرآن أحد من الأشاعرة إلا إن دخل الجدل في اللفظ والكتابة. أما في تأويل الصفات فيحمل ابن تيمية حملاته الشعواء، ويحكي قول أعداء الأشاعرة فيهم، متبنيا مقالات السوء. قال: "يقولون إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة، والأشاعرة مخانيث المعتزلة. وقال يحيى بن عمار: المعتزلة الجهمية الذكور، والأشاعرة الجهمية الإناث"[1].
كان له تفصيل ما بين "الأشاعرة الجهمية" الذين فيهم بقايا من التفكير الاعتزالي وبين الأشاعرة الأشاعرة الخُلص. هؤلاء عنده ناجون. يقول: "وأما من قال منهم (الأشاعرة) بكتاب "الإبانة" الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة. لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة"[2].
وهنا ندخل إلى إيمان الصوفية. من كان من العارفين المفتوح عليهم لا ينتمي إلى الأشعري ولا إلى غيره. ذلك يعلمه الله اقتضاء لوعده الكريم: ) وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( (سورة البقرة، الآية: 282). وعقيدة الشيخ عبد القادر قدس الله روحه كما كتبها في "الغنية" لم تلق عند ابن تيمية الحافظ إلا القَبول التام، كما لا تلقى عند الأشاعرة إلا القبول التام، لمّا تنزهت عن الألفاظ الفكرية الكلامية المفرقة الخصومية.
علماء أكابر آخرون، ممن لهم "قدر مشترك" مع الصوفية وتلمذة وصحبة لا يرون في صياغة الأشعري أي تناقض أو تباعد مع العقيدة السنية. يقول سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام بعد أن كتب عقيدته محررة: "ولا يخرج عن هذا الاعتقاد مَلَك مقرب ولا نبي مرسل، ولا أحد من أهل الملل إلا من خذله الله فاتبع هواه وعصى مولاه. أولئك قوم قد غمرهم ذلُّ الحجاب، وطردوا عن الباب، وبعُدوا عن ذلك الجناب. وحق لمن حجب في الدنيا عن إجلاله ومعرفته أن يحجب في الآخرة عن كرامة رؤيته:
ارْضَ لمن غاب عنك غيبته فـذاك ذنـب عقــابه فيـه

ثم قال: "فهذا إجمالٌ من اعتقاد الأشعري رحمه الله تعالى واعتقاد السلف وأهل الطريقة والحقيقة، نِسْبَتُهُ إلى التفصيل الواضح كنسبة القطرة إلى البحر الطافح".
يعرفه الباحث من جنسه وسـائر النـاس له منكـر

انتهى كلامه[3].
كتب عز الدين كلامه قبل أن تطلُع بارقة ابن تيمية. (توفي رحمه الله وابن تيمية في صباه الأول)، وقبل أن يشهر ابن تيمية سلاح "لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة". سلطان العلماء في زمانه ارتكب هذه "البدعة" وشهد أن اعتقاد الأشعري هو اعتقاد أهل السنة واعتقاد أهل الطريقة. معناه أن الصوفية هم أهل سنة، وأهل السنة هم الأشاعرة والصوفية. خارج السياج الحنبلي، قبل ابن تيمية وبعده، كان الصوفية والمتكلمون من أهل السنة ومنهم الأشاعرة يُعتبرون هم أئمة التوحيد. قال البغدادي في أوائل القرن الخامس: "الجنيد شيخ الصوفية وإمام الموحدين له في التوحيد رسالة على شرط المتكلمين وعبارة الصوفية. ثم بعدهم شيخ النظر وإمام الآفاق في الجدل والتحقيق أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري الذي صار شجاً في حلوق القدرية والنجارية والجهمية والجسمية والروافض والخوارج. وقد ملأت كتبه الدنيا. وما رُزق أحد من المتكلمين من التَّبَع ما قد رزق، لأن جميع أهل الحديث، وكل من لم يتمعزل من أهل الرأي على مذهبه"[4].
رحم الله البغدادي، لو استثنى من أهل الحديث الأئمة جماعة الأفاضل الحنابلة الذين كانوا قبل ابن تيمية أقلية متحركة غير ذات شأن. لو استثناهم! وأنى له أن يعرف أن الأشعري الذي كان شجاً في حلوق الطوائف الضالة سيصبح اسمه يوما رمزا للبدعة عند طائفة من المتوترين!
خاض الأستاذ القشيري الصوفي الأشعري معارك حامية دفاعا عن الاعتقاد الأشعري قبل ابن تيمية، معارك حمل فيها على صولجان الحاكم ومظاهرات الحنابلة بمسبحة المربي وخُطَبِ العالم الجليل من على منبره.
اعتقاد الصوفية العارفين وتلامذتهم هو التفويض، يُمضون ما أخبر الله به عن نفسِه ورسولُه كما جاء، لا يسألون ولا يؤولون. لكن إذا نبع مُعاند لجأ من كان منهم مبتلى بمعاشرة الخلق إلى أسلحة الأشعري الجدلية ليدافع عن الحق ويحرِّر عقائد العامة من المسلمين.
عقيدتهم التفويضية عبَّر عنها واحد من أجلة السلف الإمام الشافعي حيث قال رَضي الله عنه: "آمنت بالله وبما جاء عن الله بمراد الله. وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم".
تعلم الإمام العظيم الشافعي من الصوفية أن لا يضيع الوقت فيما لا يعني، وتعلم منهم الاشتغال بالحق عن الباطل. قال رحمه الله: "صحبت الصوفية فما انتفعت منهم إلا بكلمتين: سمعتهم يقولون: الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل". قال شيخ الإسلام ابن القيم الحنبلي بعد أن أورد كلمة الشافعي: "يا لهما من كلمتين ما أنفعهما وأجمعهما وأدلهما على علو همة قائلهما ويقظته! ويكفي في هذا ثناء الشافعي على طائفة هذا قدر كلماتهم"[5].
العالم الظريف المتلطف ابن القيم تقرأ ما بين سطوره أسى عميقا على الوحشة التي أحدثها الاضطراب الحنبلي والقتال التيمي في صفوف أهل الحق من محدثين وصوفية وفقهاء أشاعرة. لا يألو جهداً في تقريب الشقة. واقرأ على هامش نصه هذا عن تمجيد الصوفية بواسطة شهادة الشافعي تعليق "محقق" الكتاب لترى كيف يحمل الوهابيون التيميون في عصرنا مشاعل الإحراق والفراق.
كان الصوفية على مذهب مالك رضي الله عنه حين سئل عن قوله تعالى: "الرحمن على العرش استوى" كيف استوى؟ فأطرق مالك حتى علَته الرُّحَضاءُ، ثم قال: "الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". ثم أمر بطرد السائل. في زمانه رضي الله عنه كان السائلون هذه الأسئلة البدعية أفرادا، ومن بعده صارت الأسئلة البدعية الشاكة المشككة طوفانا. صارت طاعونا. صارت كلمة العصر ومقالته وهاجسَه. لهذا اجتمع أهل الحق على سفينة الأشعري ينقذون بها الأمة من الغرق، وأخذوا من صيدليته وطبه علاجا، ومن كلامه حجة.
كان الصوفية المتحررون من التقليد، العارفون، أكثر الناس تمسكا بالكتاب والسنة. ومنهم يتعلم التلامذة الإخلاص المطلق لله ورسوله، وصدقَ الاتباع لله ورسوله. من زعم الانتساب إلى الطائفة فمعيار صدقه وإخلاصه وصوابه مقدار ما عنده من حرمة للقرآن والسنة. قال ذو النون المصري رحمه الله: "من علامة المحب لله متابعة حبيب الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأوامره". وقال الجنيد: "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقال: "من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لايقتدى به في هذا الأمر لأنَّ علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة". وقال: "مذهبنا هذا مشيد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقال أبو عثمان الحيري: "الصحبة مع الله بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة والصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته ولزوم ظاهر العلم". وقال: "من أمَّر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة. قال الله تعالى ) وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا( (سورة النور، الآية: 54)".
كلام العارفين بالله في الاعتصام كثير. أولئك سجِّلوا في زمام الأولياء، وفتح الله أقفال نفوسهم وعين قلوبهم فعرفوا يقينا أنَّ ظاهر ما نطق به الكتاب ونطقت به السنة مطابق لما تكتشفه أنوار القلوب يوم ينورها الله فضلا يتفضل به على الذاكرين. أما من ركبه هواه، وأُوغِرَ صدره على العالمين، وتوترت علاقاته بالمسلمين لفساد علاقته بالله، فبأي عقل وبأي إرادة، وفي أيِّ إطار، وبأي عيار يبدع المسلمين ويتكلم في عقائد الأولياء؟
أنت الخبير بما تنزل الهمم وتهبط المدارك وتقسو القلوب من ترك ذكر الله. أنت الخبير إن كنت من الذاكرين. وإن لم تكن فاسمع عسى ينفعك الله بالسمع.
قال ابن حجر الهيثمي رحمه الله: "حاش لله ومعاذ الله أن يُظن بأحد من الصوفية المذكورين في رسالة القشيري وعوارف المعارف وغيرهما من كتب الأئمة الجامعين بين علماء الظاهر والباطن شيء مما يخالف عقيدة أهل السنة والجماعة"[6].
وقال الشاطبي رحمه الله: "يُفهم شأن المنقطعين إلى الله فيما امتازوا به من نِحلتهم المعروفة (التصوف). فإن الذي يظهر لبادي الرأي منهم أنهم التزموا أمورا لا توجد عند العامة، ولا هي مما يلزمهُم شرعا. فيظن الظان أنهم شددوا على أنفسهم، وتكلفوا مالم يكلَّفوا، ودخلوا على غير مدخل أهل الشريعة. وحاش لله! ما كانوا ليفعلوا ذلك وقد بنوا نحلتهم على اتباع السنة. وهم باتفاق أهل السنة صفوة الله من الخليقة"[7].
الصوفية صفوة الله، أولياء الله، معهم جوهر الإسلام ولُب الإيمان، وطريقهم طريق العرفان. فبأي ظن التقطته من كتب الخلاف تأتي أنْتَ لتحكم ببدعة هؤلاء وأولئك! قم! لا ناقة لك ولا جَمل في هذا السوق! فضولك وتطفلك وسطحيتك وجُرأتك على حُرَم الله مُرْديات ستقضي عليك. ستعلم غدا يوم لاتَ حين مناص من قضى عمره في البطالة، ومن اشتغل بالباطل عن الحق، ومن أثث حياته بفراش الشك، وزينها بحُلِيِّ التهمة، وألبسها لباس الزور!
قال الإمام الشافعي ينزل السفيه منزلته:
ومنزلة السـفيـه من الفـقيـه كمنـزلة الفـقـيـه من السفـيـه
فهـذا زاهـد في قـرب هـذا وهـذا فيـه أزهــد منـه فيـه
إذا غلب الشـقـاء على سفيه تـقطـع في مخـالفة الفـقـيـه

وقال يفوض الأمر لمن له الأمر سبحانه:
ما شـئت كـان وإن لم أشــأ وما شـئت إن لم تشـأ لم يَكُـنْ
خلقـت العبــاد لما قد علمـتَ ففي العلم يجري الفتى والمُسِـن
فمنهـم شقـي ومنهـم سـعيــد ومنهـم قبيـح ومنهـم حَسَــن
على ذا منَنْـتَ وهـذا خـذلـت وذاك أعـنـت وذا لـم تُـعِــن

وقال فقيه عارف غير سفيه:
عبــاد الله سـادات كــرام لهم في الخير إن لاح انبعـاثُ
عـلا منهم نحـول واصفـرار وإخبــات وأطمــار رِثــاث
فهم للناس في الدنيـا أمـانٌ من الأمر المخـوف وهم غياث
أبـانوا صحبـة الدنيـا وقالـوا طـلاقـك في شـريعتنـا ثـلاث

وقال فقيه يحذر السفهاء من لذة ساعة في نشوة الجدل:
تفنى اللذاذة ممن نـال صفوتها من الحـرام ويبقى الإثم والعـار
تبقى عـواقب سـوء في مَغبَّتها لا خير في لذة مـن بعدها النـار

وقلت:
أتَزعمُ أنَّ قصـدكَ مستقيـمٌ وما يقوَى لِهمَّتـك انبعــاثُ
وَترفلُ في مظـاهرَ كـاذبـاتٍ وديـنُكَ ثـوبُه مُــزَقٌ رِثـاثُ
وبيتُك في النِّفـاق لهُ عِمــاد وزُورُ الموبقــاتِ لهُ أثــاثُ




[1] الفتاوي ج 6 ص 359.
[2] نفس المصدر والصفحة.
[3] طبقات السبكي ج 5 ص 87.
[4] أصول الدين ص 309.
[5] مدارج السالكين ج 3 ص 129.
[6] الفتاوي الحديثية ص 233.
[7] الموافقات ج 4 ص 158.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:29 PM
كرامات الأولياء
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين(. الله، الله ربي لا أشرك به شيئا.
المعجزة للنبي والكرامة للولي. المعجزة هي "كل أمر خارق للعادة يظهر على يد مدعي النبوة عند تحدي المنكرين له، على وجه يبين صدق دعواه". هكذا عرفها علماؤنا. أما الكرامة فخارقة يظهرها الله على يد عبد مستقيم. أما إذا ظهرت الخارقة على يد كافر فاسق فهي ما يسمى بالاستدْراج.
روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثلُه آمن عليه البشر. وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي. فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة".
المعجزة آية صدق النبي، يصحب ظهورَها تحدي المنكرين وجُحودُهم للنبي، وتأتي المعجزة بِبيانها لتعضد مقالة النبي. وأعظم معجزات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن، تحدَّى الله عز وجل العرب والعجم والجن والإنس أن يأتوا بعشر سور من مثله، بل بسورة واحدة فعجزوا. القرآن معجزة خالدة إلى يوم القيامة، شاهدة بصدق الدعوة المحمدية، متجددة بتجدد تلاوته وحلاوته وإخباره بالمغيبات والأكوان وأسرار النفس البشرية. وما أوتيه النبيون قبل البعثة المحمدية آيات خارقة تبهر الحاضرين فيومنون بالنبي ويصدقونه في زمانهم ثم تنتهي.
ولقد أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات الكونية الكثير، حتى عد العلماء نحو ألف معجزة مثل انشقاق القمر، والمعراج والإسراء، وتكثير الطعام، وتسبيح الحصا، وإبراء المرضى، ونبع الماء من بين الأصابع الكريمة، والإخبار بما كان وما يكون. وواجب المسلم أن يصدق بالمعجزات.
كما أن أصلا من أصول أهل السنة والجماعة التصديقُ بكرامة الأولياء، لايكذب بالكرامة إلا جاحد معاند، أو جاهل بدينه. والكرامات أنواع منها المكاشفات، والقدرة والتأثير في الكون، وهو ما يسميه أهل الله التصريف، أو الفعل بالهمة.
وقد كان للصحابة رضي الله عنهم كرامات كثيرة روتها لنا الأخبار الصحيحة. منها تكثير طعام أضياف أبي بكر الصديق، ومنها نزول الملائكة على أسيد بن حضير رضي الله عنه مثل السُّرُج عند قراءته سورة الكهف، ومنها تسليم الملائكة على عمران بن حصين ومصافحتُهم له، ومنها تسبيح الصحفة التي كان يأكل منها أبو الدرداء وسلمان، ومنها السراج الذي ظهر وأنار طريق عباد بن بشر وأسيد بن حضير في ليلة مظلمة، ومنها إتيان خبيب بن عدي بالعنب من الغيب عندما كان أسيرا بمكة في يد المشركين. وغير هذا كثير.
وكان للتابعين رضي الله عنهم كرامات كثيرة. غير أن ظهور الكرامات في هذه الأمة تكاثر في العهود التالية حتى أصبح "مثل المطر" حسب تعبير ابن تيمية. ذلك أن المعجزة والكرامة مؤيدات من الله عز وجل لعباده تدفعهم إلى الإيمان وتقويهم. كان إيمان أهل القرون الفاضلة الأولى قويا فكانت الكرامات فيهم لا داعي لها، فلما ضعف إيمان الأجيال اللاحقة، وأظلمت القلوب، وعميت البصائر لِفُشُوِّ البدع والضلالات أظهر الله على يد أوليائه من الكرامات ما لا يعد ولا يحصى. الكرامة تأييد من الله عز وجل للعبد الصالح الذي ظهرت على يده وتأييد لمن شهده. أما الولي الراسخ الكامل فلا يحتاج إلى ظهور الخوارق ليزداد إيمانا.
سئل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ما سبب قلة كرامات الصحابة بالإضافة إلى ما جاء بعدهم من الأولياء فأجاب بأن أولئك كان إيمانهم قويا فما احتاجوا إلى زيادة يقوى بها إيمانهم. وغيرهم ضعيف الإيمان في عصره فاحتيج إلى تقويته بإظهار الكرامة. ومثله قول الإمام السهروردي: "وخرق العادة إنما يكاشَف به لموضع ضَعْف يقين المكاشَف رحمة من الله تعالى لعباده العبّاد ثوابا معجلا، فوق هؤلاء قوم ارتفعت الحجب عن قلوبهم".
يتوق الطالب الضعيف إلى آية تظْهَر له ليتيقن من أمره، وقد يدعو ربه في ذلك فيبتلى بالإجابة أو بعدمها. يبتلى بالإجابة لأن الكرامة، وهي عطاء، قد تُلهي عن المُعطي فتكون سببا لتوقف السالك وحجابا له عن ربه. ويبتلى بعدم الإجابة ليعلم الله من يخافه بالغيب.
العبودية تقتضي من طالب الحق مريد وجه الله أن يعبد ربه ويتقرب إليه وهو في غاية الاعتراف بالضعف والتبري من الحول والقوة.طلب الكرامة يقدح في نية السالك، لأن ظهورها على يده يُكسبه سمعة وصولة، وقد تعجبه نفسه فيتهاون في الاستقامة التي هي الكرامة الكبرى.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله المشركون الآيات والخوارق فيجيب بما يعلِّمه الله من آداب العبودية. )قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ( (سورة الأنعام، الآية: 50). )وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً( (سورة الإسراء، الآيات: 90-93). )يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي( (سورة الأعراف، الآية: 187).
المعجزة والكرامة لحظة استثنائية في حياة النبي والولي، ما هي الأصل. الأصل إثبات الأسباب التي جعلها الله في الكون. ولو شاء الله لأنزل ملائكة رسلا، ولو شاء لأنزل من السماء آية فظلت أعناق البشر لها خاضعين. فالدعوة يبلغها نبي، أو يرعاها ويجددها ولي، مناطٌ للامتحان الإلهي الذي يميز به سبحانه الخبيث من الطيب. قاعدة الامتحان العادةُ لا خرقها. وقد جهّل الله سبحانه المشركين ووصفهم بالظلم، والظلم هو وضع الأشياء في غير مواضعها، لما قالوا: )مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً( (سورة الفرقان، الآيتان: 7-8).
وقد خيِّر النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا فاختار أن يكون نبيا عبدا بقاء على أصل العبودية. وعرض عليه ملك الجبال، بأمر من الله تعالى، عند رجوعه من الطائف أن يطبق الأخشبين على مشركي مكة فامتنع. وكان عليه الصلاة والسلام مستجاب الدعوة، فلو شاء لقضيت حوائجه دون سبب ظاهر، لكنه صلى الله عليه وسلم كان يشبع ويجوع، وينتصر جنوده تارة ويُهزمون أخرى، وينتظر اكتمال العناصر السببية ليبدأ حركته، ويدبر حسب مجاري العادة ليكون قدوة للمسلمين في التعبد بما وضعه الله من ناموس في الكون. لم يضعه سبحانه عبثا ليتخطاه الناس، ولا يرفعه لحظة من لحظات تاريخ البشر إلا ليكون استثناء الرفع تأكيدا لأصل الإثبات.
الأصل تكسُّب العباد، ومعاناتهم للحاجة والضرورة، وتحملهم لضروب الامتحان والبلاء والقهر المفروض على بني البشر أجمعين. لو كان خرق العادة قاعدة ولم يكن رخصة واستثناء لبطلت الرسالة وبطل العمل وبطل الجهاد وبطلت الحكمة التي من أجلها خلق الله الدنيا والآخرة، والسماء والأرض،والموت والحياة.
الكرامات التي تظهر على يد الأولياء أنواع.منها ما هو من قبيل العلم والمكاشفة "بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره، وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره يقظة ومناما. وتارة بأن يعلم ما لا يعلمه غيره وحيا وإلهاما، أو إنزالَ علم ضروري، أو فراسةً صادقة، ويُسمى كشفا ومكاشفة أي كشف له عنه"[1].
هذا كلام ابن تيمية رحمه الله، وله القدم الراسخ في هذه الأمور واطلاع واسع، ومشاركة فعلية، فقد كان من المكاشفين كما سنقرأ إن شاء الله في فصل مقبل. ومعذور ابن الجوزي الذي قال عن المكاشفة إنها "كلام فارغ". وهل يشهد الإنسان الزور إن لم يكن معه من التصديق ما يتلقى به الشهادات المتواترة؟
ومن أنواع الكرامة ما هو من "باب القدرة" كما يقول ابن تيمية: "وهو التأثير، وقد يكون همة وصدقا ودعوة مستجـابة. وقد يكون من فعل الله الذي لا تأثير له فيه بحال، مثل هلاك عدوه بغير أثر منه كقوله: "من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة" و"إني لأثْأر لأوليائي كما يثأَر الليث الحرِبُ". ومثل تذليل النفوس له ومحبتها إياه"[2].
قال أبو علي الجوزجانيّ: "كن طالب الاستقامة لا طالب الكرامة. فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة".
قال الإمام السهروردي: "وهذا الذي ذكره الجوزجاني أصل كبير في الباب، وسر غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلب. وذلك أن المجتهدين والمتعبدين سمعوا بسِيَر الصالحين المتقدمين وما مُنحوا به من الكرامات وخوارق العادات، فأبداً نفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئا من ذلك. ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب، متهِما لنفسه في صحة عمله حيث لم يُكشف بشيء من ذلك. ولو علموا سر ذلك لهان عليهم الأمر فيه. فيعلم أن الله سبحانه وتعالى قد يفتح على بعض المجتهدين الصادقين من ذلك بابا. والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقينا فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا والخروج من دواعي الهوى. وقد يكون بعض عباده يكاشف بِصِرْفِ اليقين، ويُرفع عن قلبه الحجاب.ومن كوشف بصِرف اليقين استغنى بذلك عن رؤية خرق العادات، لأن المراد منها كان حصول اليقين، وقد حصل اليقين. فلو كوشف هذا المرزوق صِرف اليقين بشيء من ذلك ما ازداد يقينا"[3].
يخاف الكمل من الأولياء أن تظهر عليهم الخوارق غِيرةً على جناب الحق سبحانه أن تُنسَبَ القدرة إلى أحد غيره. الكمال في العبودية، ومظهرها ضعف العبد وفقره وانقهاره. إلا أن يكون لله عز وجل حكمة في إظهار الخوارق على يد الكامل من حيث لا يطلب، فذلك لا يقدح في رتبته.
قال الإمام الرفاعي قدس الله روحه: "أيْ أخي! أخاف عليك من الفرح بالكرامة وإظهارها. الأولياء يستترون من الكرامة كاستتار المرأة من دم الحيض. أي أخي! الكرامة عزيزة بالنسبة إلى المُكرِم، ليست بشيء بالنسبة لنا. لأن هذا الإكرام لما ورد من باب الكريم عظُم وعزَّ، وتلقته القلوب بالإجلال. ولما تحول لفظ النسبة إلى العبد هان الأمر، واستتر الكامل من هذه النسبة التي تَحَوَّلَ أمرها من باب قديم إلى باب حادث خيفة استحسان النسبة الثانية، فإن قبولها سم قاتل. كلنا عار إلا من كساه، كلنا جائع إلا من أطعمه، كلنا ضال إلا من هداه، ليس للعاقل إلا قرع باب الكريم في الشدة والرخاء"[4].
قال مصدق بكرامات الرجال ومقاماتهم:
لا ينكـر الخَـرْق للمعتـاد ذو بصـر بالعقل والشرع للأبـدال في البشـر
والطـيُّ للأرض معـلــوم تواتـره والنص في ذاك في الفـرقـان والأثـر
وعـرش بلقـيـس برهـان يـدل بـه على سـواه رجـال الفكـر والنظـر
والطي قد جـاء للدجـال مشتهـرا يطوي البسيطـة في أشيـاعه الفُجُـر
هـذا وحـالتـه كـفـر ومـعصـيـة فكيف حال رجال الفكر والحـذر؟
فسـلِّم الأمـر تخفـى عنـك غـايتـه من لم يَـرِدْ ليْس يدري لذة الصـدَرِ
إن لم تعاين مقـامات سمعـت بها فـلا أقـل مـن التصـديـق بالخـبـر

وقلت:
سَـلامٌ على نُـزْلِ الكــرام أحبَّتي يُوَفُّون في البأساءِ والخوفُ جاثمُ
توعَّـدهمْ بالفَتـكِ جمـعٌ مُجَـمَّـع وقالـةُ سوءٍ حــولهــمْ تتعــاظـمُ
فــزادهُــمُ اللهُ اليقــينَ كــرامـة وَباءَ بِما رجَّــى عــدوٌّ وَلائــمُ




[1] فتاوي ابن تيمية ج 11 ص 313.
[2] نفس المصدر ص 314.
[3] عوارف المعارف ج 1 ص 241.
[4] البرهان المؤيد ص 33.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:30 PM
آيات الرحمان
بسم الله الرحمن الرحيم. )سمعنا وأطعنا. غفرانك ربنا وإليك المصير(. الله، الله ربنا لا نشرك به شيئا.
يعامل المولى القدير الحكيم عباده في هذه الدنيا بناموس الابتلاء، فيخضع العباد جميعا لنفس السببية. وفي حالات استثنائية تسبق رحمته سبحانه إلى عباده المضطرين فيعاملهم بالقدرة التي لا تتقيد. قال الله تعالى: )وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ. بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ( (سورة آل عمران، الآيات: 123-126). وقال عز من قائل: )إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ( (سورة الأنفال، الآية: 9).
بذل أولياء الله بجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم الجُهد في إعداد ما استطاعوا من قوة، وصبروا واتقوا. لكن العدو جاء مفاجئا بعدده المتفوق، فالتفت الأحباب إلى الأسباب القائمة، وقارنوا عددهم القليل وعُدَدَهم بما جاء به العدو، فثبت الله أقدامهم بما شاهدوه من أعداد الملائكة، يبشرهم بنزولها الرسول الكريم، وتقاتل معهم، وتطير رؤوس المشركين بسيوف "الرجال البيض على الخيل البلق"، معجزة للنبي وكرامة لأولياء الله أصحاب رسول الله.
بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة حربه" كما رواه البخاري عن ابن عباس. ورأى ابن عباس وسعد بن أبي وقاص وغيرهما رجالا عليهم ثياب بيض يقاتلون أشد القتال.
في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الجهاد نشاطا مستمرا، وكان النصر حليف جند الله في الجملة على وتيرة تتعاقب فيها "الحكمة" الإلهية المدبِّرة و"القدرة" الاستثنائية.كانت الكرامات والمعجزات ظواهر شائعة دون أن يؤدي شيوعها إلى إخلال بواجب إعداد القوة. كانت تثبيتا من الله وتذكيرا بأن النصر من عنده سبحانه وحده، بسبب أو بخرق السبب.
قُتل عامر بن فهيرة يوم بئر مَعونة فدعا الله قبل موته أن لا يتصرف المشركون في جسده بعد موته فحمته الدَّبر، وهي الزنابير، ولم يقدر عليه المشركون. وضل سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقه فلقيه الأسد، فأخبره أنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصحبه الأسد وهداه الطريق. وكان البراء بن مالك مستجاب الدعوة، فأقسم على الله يوم القادسية أن ينصر الله المسلمين وأن يجعله أول شهيد، فكان ما طلب. وحاصر خالد بن الوليد حصنا، فشرطوا عليه أن يسلموا له الحصن إن شرب السم، فشربه ولم يضره. وأخرجوا أجساد شهداء أحد بعد أربعين سنة فوجدوها لم تَبْلَ. قال أبو هريرة: دعا العلاء بن الحضرمي فنزل المطر في الصحراء. ودعا فمشينا فوق الماء. ومات فدفناه، وبعد قليل فتحنا عليه فلم نجده في قبره. وقبض رجل من تراب سعد بن معاذ فوجده مسكا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :سبحان الله، سبحان الله، حتى عُرف ذلك في وجهه. وقطع الجيش الإسلامي نهر دجلة أثناء فيضانه يحملهم الماء تخوضه خيلهم، فهرب الفرس ذُعراً.
كان جهادهم قربة عظيمة زكاها الله عز وجل بظهور الكرامات على أيديهم. واقرأ كتاب "صفة الصفوة" ففيه الكثير من الأمثلة نقلها عالمنا ابن الجوزي الذي يومن ببعض الغيب وينكر المكاشفة رحمه الله.
فلما انحدر المسلمون في أودية الفتنة،وتطاول عليهم الأمد،تقلصت الكرامات وانزوت مع أولياء الله المعتزلين عن المجتمع، لتبقى تأكيدا إلهيا على أن هذا الدين حق، ولتكون ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ويشاء الله عز وجل في زماننا هذا أن يعود الجهاد إلى الظهور، وأن تعود معه الكرامات ظواهر شائعةً، ليثبت الله قلوب جنده السائرين عن اطلاع وثقة نحو الخلافة الثانية على منهاج النبوة. هذه هي كرامات المجاهدين الأفعان بشرى لنا ولتطمئن قلوبنا أننا على الدرب المُنير سائرون.
كانت معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرامات أصحابه وأمته من بعده مصابيح مضيئة متألقة بالثقة واليقين انجلت بها قتامة الكفر الجاهلي وكآبة البشر الدابّين في الأرض بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. وها هي ذه كرامات المجاهدين في أفغانستان[1]. تجلو عَن الأمة غَيمةً مظلمة كانت قد خيمت على العقول والقلوب، ألا وهي غيمة جحود الغيب، والتقليل من شأنه، وتأويل التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية والقرآن والحديث بما يماثل ويطابق التفسير الوضعي الفلسفي، "العلمي" في زعمه. قبل نحو قرن من الزمان استقبل الاستكبار البريطاني في مصرِ الأزهرِ، مصرِ العلم والعلماء، الشيخَ محمداً عبده رحمه الله إثر عودته من فرنسا، وإثر عودته من ثورية الأفغاني رحمه الله. حمل الشيخ محمد عبده مسؤولية "إصلاح" الأزهر. وكان الأزهر ولا يزال محتاجا لإصلاح إسلامي. كان "إصلاح" عبده والمراغي وفريد وجدي الذي كان رئيس تحرير مجلة "نور الإسلام" الأزهرية إصلاحا يناسب نوايا الاستعمار، ويناسب عقولا أفرغت من نور الإيمان فولت وجهها شطر الحضارة الغالبة المادية "العلمية". كانت لكلمة "علم" صولة عاتية على تلك العقول. وما "العلم" عندها إلا ما قرره العقل الأوربي المعادي للدين المجادل في الوحي المكذب بيوم الدين. وهكذا فسر محمد عبده غفر الله لنا وله النبوءة بأنها فطرة يفطر عليها بعض الناس ليرشدوا غيرهم إلى الخير، أنزل الأنبياء عليهم السلام منزلة النمل والنحل. وفسر الطير الأبابيل والحجارة من سجيل بأنها نوع من مرض الجذري، وفسر الجن بأنهم نوع من المكروبات. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
جاء تجديد الإمام البنا رضي الله عنه وثقافة إسلام العبقرية والقيادة والحضارة طاغية عاتية. لم تضمحل تلك الثقافة السطحية المسطحة الكافرة بالغيب، المحروم أهلها من الفلاح الذي لا يناله إلا المؤمنون بالغيب، كل الغيب. لم تضمحل ولم تغب، ولا تزال كتب عبده وكتب فريد وجدي وكتب حسنين هيكل يعاد طبعها. سرت هذه الثقافة الزنيمة في العقل المسلم سريان الأوبئة السرطانية. ومنذ عشرين سنة قررت إذاعة اليهود من تل أبيب إذاعة دروس من كتاب محمد حسنين هيكل في السيرة النبوية، ذلك الكتاب الذي يفتخر فيه صاحبه بأنه لا يعتمد الحديث حتى وَلَوْ رواه البخاري تمشيا مع "الطريقة العلمية". ناهيك بكتاب يزكيه اليهود ويبثونه ويشجعونه!
جاءنا مدد الله وغياثه في آيات الرحمان في جهاد الأفغان. وهذا عنوان كتاب ألفه الدكتور عبد الله عزام، عزم الله له وجزاه أفضل المثوبة.
يقول عبد الله عزام عن القصص التي أوردها في كتابه: "أما الرجال الذين رَوَوْا معظم القصص فإني أظن والله أعلم، أن البخاري لو كان حيا لكانوا من أسانيده"[2].
ونحن نورد بعض كرامات الجهاد الأفغاني كما رواها العالم المجاهد المشارك في الخندق وفي كل الواجهات عبد الله عزام، سردا متتابعا.
قال حدثني عمر حنيف، وهو قائد عسكري مجاهد أنه لم ينظر شهيدا واحدا متغير الجسم أو منتن الرائحة. وأنه لم ير شهيداً واحداً نهشته الكلاب رغم أنها تأكل الشيوعيين. وأنه كشف عن اثني عشر قبرا بنفسه بعد سنتين أو ثلاث ولم يجد جسداً واحدا متغير الرائحة. وأنه رأى شهداء بعد أكثر من سنة جروحهم حية تنزف دما.
وروى أمثلة كثيرة لشهداء أُخرجوا من قبورهم رائحتهم رائحة المسك. وروى قصة رجل اسمه "ابن جنة جل" استُشهِد، فجاء أبوه وقال: يا بني، إن كنت شهيدا فأرني آية! فإذا بالشهيد يرفع يده ويسلم على أبيه مصافحا والده مدة ربع ساعة.
وروى قصة الشهيد عمر يعقوب الذي بقي ماسكا رشاشته ولم يطلقها إلا بعد أن قالوا له: نحن إخوانك. وقصة مولوي أرسلان الذي يخافه الروس لشجاعته وبلائه. قال أرسلان: كانت معنا قذيفة واحدة مع مضاد واحد للدبابات. فصلينا ودعونا الله أن تصيبهم هذه القذيفة. وكان مقابلَنا مائة دبابة وآلية. فضربنا القذيفة، فإذا بها تصيب السيارة التي تحمل الذخيرة والمتفجرات، فتفجرت ودمرت خمسا وثمانين دبابة وناقلة وآلية. وقال أرسلان: نحن نعرف أن الطيارات ستهاجمنا قبل وصولها، وذلك عن طريق الطيور التي تأتي وتحوم فوق معسكرنا قبل وصول الطائرات. فعندما نراها نستعد لهجوم الطائرات. بل رأى أرسلان الطيور تدافع عن المجاهدين. ورآها غيره عدد من المجاهدين نقل المؤلف شهادتهم.
كان مع المجاهدين في أول الجهاد بنادق فردية عتيقة، كانت هي غاية ما استطاعوا إعداده من قوة. فأنزل الله قدرته على تلك النيات الصادقة المخلصة. قال أرسلان: كنا في مكان اسمه شاطري، عددُنا خمسة وعشرون مجاهدا. هاجَمَنا ألفان من العدو، ودارت بيننا معركة. وبعد أربع ساعات هُزِم الشيوعيون وقتل منهم سبعون أو ثمانون، وأسرنا ستة وعشرين شخصا. قلنا للأسرى لماذا هزمتم؟ فقالوا كانت المدافع والرشاشات الأمريكية تقصفنا من الجهات الأربع. قال أرسلان: ولم يكن معنا لا رشاش ولا مدفع، إنما هي بنادق فردية، وكنا في جهة واحدة.
قال أرسلان: في مكان اسمه "أرجون 23" هاجَمْنا الشيوعيين، فقتلنا خمسمائة وأسرنا ثلاثة وثمانين.فقلنا لهم ما سبب هزيمتكم ولم تقتلوا منا سوى شهيد واحد؟ قال الأسرى: "كنتم تركبون على الخيل، فعندما نطلق عليها تفر ولا تصاب". ولم يكن مع المجاهدين فرس واحد.
وأسرد الآن بعض العناوين: الذخيرة لا تنفد، الدبابة تمر على جسد مجاهد فيبقى حيا، العقارب مع المجاهدين، النور يصعد من جسد الشهيد، كل خيام المجاهدين تصاب إلا خيمة السلاح، كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.
دعا أخو الشهيد "مياجد" ربه أن يريه آية ليطمئن أن أخاه شهيد حقا، فسقطت إليه باقة ورد لا نظير لها في الدنيا، ثم اختفت في الصباح. وكان النُّعَاس يغشى المجاهدين أشد ما يكونون توتُّراً. وكذلك كان يغشى المجاهدين الأولين: قال تعالى: )إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ( (سورة الأنفال، الآية: 11).
ويعد المؤلف كرامات كثيرة رواها الثقات بالتواتر عن حفظ الله للمجاهدين، وعن نبع الماء لهم في الأماكن الجرداء، وعن امتداد الضباب ليخفيهم عن الطيارات، وعن انفجار دبابات العدو دون أن يستعمل المجاهدون سلاحا مضادّاً.
هذه آيات الرحمان في جهاد الأفغان، جاء بها الله العزيز الحكيم ليكبِت اتجاها إلى المادية الكافرة بالغيب. وحدُّ ما بين الخرافية التي عاشت عليها أجيال من المسلمين في عصور الانحطاط وما بين الإيمان بالغيْب وظهور الخوارق أن الخرافية استرسال في الخيال والأحلام بينما تمثل الكرامة تظهر على يد الأتقياء حافزا على العمل، وبرهان صدق، وعربون صواب.
قال صادق يتقرب إلى الله بالأعمال لا بالتشبيه الكاذب بالرجال:
أوصـاف أهل الصـلاح واضحة فاحرِص عليها عسـاك تدركهـا
قـوم لهـم في الضلـوع أفئـدة أُوارُ نـار الضلـوع تـسـبِـكُـهـا
مـن كـل مُـستقـدِم تعـارضـه أوهــام أطمــاعه فيمـلـكـهـا
ومـن يـكـن مثـلـه فـهِـمَّـتُـه تـرى المعـالي وليس يـتـركـهـا
مُـنْـصَـلِـتٌ زانـه تـنـسـكــه في فـئـة زانهــا تنـسـكـهـا
يرسـل في الـبـر نفـسـه فـإذا رامت سوى البر فهْوَ يمسـكـها
فـهـاك آثــارَهم فــإن لهـا مَـآثـرا بالتـقــى تَـمسُّـكـهـا
يا طـامع النفـس في لَحـاقهمُ وهمـة النـفـس لا تُـحـركـهـا
أعمـالهـم بالقـبـول صـاعـدة وأنت تهـوِي فكيـف تدركـهـا

وقلت:
جِهادُ أفغانستان شـرَّفنــا مَيــزهُ اللهُ القــادرُ المَلكُ
ليوثُ أفغانستــانَ رافَقهُم نصرُ الكرامةِ أينمـا سلكُوا
مَن فاتهمْ قطُّ مِن عنــايتهِ سُبحانهُ نفحةٌ فَقَـدْ هلكُوا




[1] يا حسرة على العباد ! ما فعلت القبلية بعد الكرامات الزكية ! وتبقى للعبرة ذكرى الكرامات, وللإتعاظ آثار الفتنة. والله على كل شيء حسيب.
[2] آيات الرحمان في جهاد الأفغان الطبعة الأولى ص 100.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:30 PM
الاستدراج
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا لا تواخذنا إن نسينا أو أخطأنا(. لا إله إلا الله العظيم الحليم. لا إله إلا الله رب العرش العظيم. لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم.
آصَف بن برخيا اسم الرجل الذي أحضر لسليمان عليه السلام عرش الملكة بلقيس. كان عبدا صالحا يعرف اسم الله الأعظم، استخدم بركته في خدمة نبي الله لغرض ديني فاستحق الثناء من الله عز وجل.وعبد آخر مخذول اسمه بَلَعَم بن باعوراء تعلم اسم الله الأكبر ودعا به على نبي الله موسى عليه السلام فأخزاه الله، وجعله مثلا سيئا يُتلى في القرآن. قال تعالى: )وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث( (سورة الأعراف، الآية: 176). بعد بضع آيات يقول تعالى: )وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ( (سورة الأعراف، الآية: 180). الإلحاد في أسمائه تعالى هو الميل بها والانحراف عنها، إما بتأويل الصفات الإلهية تأويلا معطلا، وإما بذكر الأسماء الحسنى ابتغاء قضاء حوائج دنيا.
الإلحاد في أسماء الله بالمعنيين انحراف وميل إلى السُّفل وإلى الدناءة والهَلَكة. وكما أن المعجزات والكرامات معالم ودلائل على مراقي الأنبياء والأولياء، فالاستدراج، وهو ظهور الخوارق على يد الملحدين في أسمائه تعالى أمثال بلعم، دليل على مقت الله. قال تعالى في إثر الحديث عن بلعم وعن الإلحاد في الأسماء الحسنى: )وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ( (سورة الأعراف، الآيات: 182-183). قال ابن كثير: "معناه أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووُجوهَ المعاش في الدنيا حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، كما قال تعالى: )فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( (سورة الأنعام، الآيات: 44-45).
البرخيون، أصحاب الكرامات يسخرونها بالحق في الحق، أولياء مهتدون، والبلعميون مخذولون مستدرجون، ابتلاهم الله بظهور الخوارق على يدهم فزلَّت أقدامهم وأبلسوا. وإن لله عز وجل أبواب فتح لأوليائه، تخرج إليهم الهداية من باب (إنا فتحنا لك)، وله عز وجل أبواب فتح على المستدرجين، تخرج عليهم البلية من باب )فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ(. بين فتحنا لك وفتحنا عليهم تكمن حكمة الله البالغة التي يتقابل فيها النظراء في المظهر النقضاء في المخبر. مع المفتوح لهم من أهل النور الأولياء خوارق، ومع المفتوح عليهم من أهل الظلام خوارق. هؤلاء مُبعَدون ملعونون، وأولئك مقربون محبوبون.
قال الإمام الرفاعي قدس الله سره: "أي بني! اعلم أن الله تعالى ربما يزين أعداءه بلباس أصفيائه وأوليائه حتى إنهم يغترون بصفاء الأوقات، ويحسبون أنهم من أهل الولاية. فهذا من الله لهم استدراج"[1].
مخالفة الخوارق للشريعة في أهدافها وما ترمي إليه هي الدليل على أنَّها من قبيل الاستدراج. وهي عندئذ إما شيطانية من أعمال الجن، وإما نفسية من مظاهر المَلكات الخارقة التي تكتسب بالرياضة، أو يُظهرها الله فيمن شاء ابتداء وابتلاء بلا رياضة ولا تعمل. الكرامات إلهية ملكية قلبية، والاستدراجات شيطانية نفسية شهوانية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو يتكلم في الموضوع كلام خبير مجرب مطلع: "الخارق كشفا كان أو تأثيرا، إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين كان من الأعمال الصالحة المأمور بها دينا وشرعا. إما واجب وإما مستحب. وإن حصل به أمر مباح كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي الشكر. وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه كان سببا للعذاب أو البغض، كقصة الذي أوتي الآيات فانسلخ منها: بلعم بن باعوراء. لكن قد يكون صاحبها معذورا لاجتهادٍ أو تقليد، أو نقص عقل أو علم، أو غَلَبة حال، أو عجز أو ضرورة.(...).
قال: "والنهي قد يعود إلى سبب الخارق، وقد يعود إلى مقصوده. فالأول مثل أن يدعوَ الله للظالم بالإعانة، ويعينَه بهمته كخفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوي الأحوال"[2].
من قوله: "خُفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوي الأحوال" يتبين لأهل هذا الفن ما عند الرجل من خبرة دقيقة بموضوعه. فإن من الذاكرين والمجاذيب وأصحاب الخوارق طائفة لا تتقيد في طلبها من الله بقيد. وقد يدعو أصحاب الأحوال بنصر العدو، وقد يقفون بهمتهم المتيقظة بجانب الظلمة ضد المُصلحين من أمثال ابن تيمية. وإن سألت أيها الأخ الكريم : لماذا؟ فجوابك في قوله تعالى: ) إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ( (سورة الأعراف، الآية: 183).
ويغتر العامة ممن لا خبرة لهم بأن مَكر الله خيرٌ وكيده متين بالخوارق والتصرفات والتأثير بالهمة التي تظهر على من يكون شيطانيا محضا أو مستدرَجا بلعميا أو متريضا نفسيا. قال شيخ الإسلام: "وتجد كثيرا من هؤلاء ( المغترين ) عُمدتُهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه قد صدر منه مكاشفة في بعض الأمور، أو بعض التصرفات الخارقة للعادة، مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها، أو يمشي على الماء أحيانا، أو يملأ إبريقا من الهواء، أو يُنفق بعض الأحيان من الغَيب، أو يختفي أحيانا عن أعين الناس، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه جاءه فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما سُرق لهم، أو بحال غائب لهم أو مريض"[3].
إن الظواهر الخارقة، ما بين شيطانية جنية وما بين نفسية رياضية، تملأ حيزا واسعا من حياة الناس في عصرنا، وحيزا أوسع من اهتماماتهم وعقائدهم. فالمصابون بالجنون الذين اعتدى عليهم جني، يعمل في حرفته الإجرامية مفردا أو مع عصابة شيطانية منظمة، يُهرعون إلى العرافين والعرافات للاستشفاء، فيسقطون في الأحضان الشيطانية سقوطا كليا. وقد كان ابن تيمية رحمه الله خبيرا بصرع الجن وقهرهم، صرعُهم بالقرآن والذكر سنة وعمل صالح ودفاع عن المظلومين، والتفاوض معهم في ردهات العرافين بِدْعة وغواية وتورط فظيع، ولا يزداد الجن العادي إلا عدوانا.
منذ نحو مائة سنة ظهرت في أوربا حفلات ما يسمى باستحضار الأرواح. وشاعت هذه البدعة وذاعت، واشتغل بممارستها ودراستها هواة متخصصون وبحاثون. وما هي إلا لعبة عصرية من ألاعيب شياطين الجن، يوهم القرينُ الشيطاني ورثَة الميت "المستحضر" أنه هو روح ميتهم ويُدلي إليهم بما يعرفه من حال الميت من دقائق وأسرار فيقنعهم ببراهين واقعية أنه هو، حتى أنه ليكتب لهم خطا مثل خطه، أو ينشدهم شعرا مثل شعره كما وقع في مصر في سنة 1949 من تاريخ النصارى، حين أملى قرين جني على امرأة تسمى بديعة قصائد طنانة هي أشبه شيء بشعر شوقي رحمه الله. والمرأة لا ثقافة معها ولا معرفة بالشِّعر.
وجود القرين الجني الذي يعيش مع كل آدمي عمرَه، يلازمه ويطلع على كل أحواله ثم يموت الآدمي ويعيش الجني قرونا بعده، يفسر جانبا كبيرا من النشاط الشيطاني الذي يُقعد الناس في الشرق والغرْب إلى الموائد الدَّقاقة يستمعون إلى "الوسيط" وهو يترجم لهم كلام "الروح" المتسكعة، أو يحسبون النَّقرات ويجمعون الحروف ليتلقوا "برقية عالم الغيب" في إخراج مثير يتقنه الشياطين دائما.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا ديننا: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة". قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياي! ولكن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بحق". رواه أحمد ومسلم عن عبد الله بن مسعود.
أخطرُ من لعب القرناء بالمستدرجين من كل صنف، وأخطر من الرهبنة النصرانية، دعوة "الروحانية" الهندية الهندوسية. عرفت هذه الهَوَسِية مدّا واسعا وشهرة عالمية بما يظهره رهبانها المتزهدون من خوارق عجيبةٍ، وبما يبعثونه في نفوس الغرب المادي المتعطش للروحانية من آمالٍ في نعمة الهدوء النفسي والطمأنينة التي تصبو إليها الفطرة البشرية، والتي لا تحصل إلا بذكر الله بعد الدخول في الإسلام وتعلم الإيمان.
ظهر في القرن الماضي في الهند مجدد كبير لديانتهم الوثنية اسمه "راما كرشنا". قال عنه غاندي: "إنه مَثَلٌ للعقيدة الحية الساطعة التي تحمل في طياتها العَوْن والقوة لآلاف من الرجال والنساء لولاه لظلوا محرومين من النور الروحي".
يدعو راما كرشنا وغاندي في أثره وأشياعه من بعده إلى توحيد الأديان، لأن كل الأديان العظمى في زعمهم تنتهي، بواسطة طرق متباينة، إلى إله واحد.
هذه الدعوة الظلمانية فتح الله على أتباعها من يوكيين ومتزهدين أبواب كل شيء مما يحيِّر العقول ويبهر الناظرين. ومع بضاعة الاستدراج الخارقة يقدم دعاة راما كرشنا، الذي أصبح اسمه هُتافا عاليا في شوارع العواصم العالمية، طَبَقاً مسموما، هو طبق وحدة الوجود الوثنية. قال كرشنا: "اختر لنفسك أي اسم، واختر من صور الله وأشكاله وألوانه أية صورة وأي شكل وأي لون، واعبد الله فهو في كل شيء".
إلى جانب "الروحانية" الهندية، والحفلات القرينية، والزار، والسحر، والعرافة، يبدو وكأنَّهُ لعبُ أطفال ما وُلع به الغربيون في أمريكا وأوروبا، وما تخصص فيه الروس الملاحدة أنفسهم، من أبحاث في "الباراسيكولوجيا" و"التلباتي" و"التلكنزيا" وغيرها من الظواهر التي لا يحصيها العد نوعا ولا كما. يهتم الغرب، ويتسابق مع روسيا، لمعرفة الأسباب الخفية وراء انتقال الأشياء من مكان إلى آخر دون أن يَمَسَّها أحد، وانفتاح النوافذ، وانطفاء الأضواء، وظهور أشباح في أماكن معينة، وارتفاع أشخاص في الهواء، وقراءة بعض الناس بأصابع اليد بدل العين، وقراءة بعض الناس أفكار الآخرين، والتنويم المغناطيسي، ورؤية الخفايا، وسمع ما لا يمكن للإنسان العادي أن يسمعه، ورهافة الحواس حتى إنها لتدرك ما لا تدركه إلا الآلات الإلكترونية، والنبوغ المبكر الخارق عند أطفال يحسُبون أسرع من الحاسوبات الإلكترونية ويدخلون الجامعة في الخامسة من العمر، وتحدُّثُ بعض الناس بلغات ميتة أو حية دون سابق تعلم، والصحون الطائرة إلخ.
فتح الله أبواب كل شيء على الملحدين في أسمائه، المستدرجين إلى حيث يعلم هو وحده. العقلانية المخترعة المنظّمة تحاول أن تُحكم قبضتها على ما يستعصي قبضه ويستحيل. معاهد للبحث العلمي المتخصص، وجبال من المعطيات، وإحصائيات تتراكم، ومناهج تكتشف وتُصَوِّب. والقوم جادون كل الجد في أبحاثهم، ينفقون على مشاريع هذه العلوم، التي يستحدثون لتسميتها قاموسا جديدا، بسخاء، رجاء أن يسبقوا إلى سرّ يمكن استعماله، يعطي تفوقا استراتيجيا.
قال سام بهمته إلى منازل المكرمين مع أهل النور:
كـم في البـرية من سـام بهمتـه إلى معـالم أهـل الفضـل والدين
وفي البواطـن أنـوار تلـوح لهم على الأسـرَّة في كـل الأحـايين
هم الذين إذا عـاينت ظاهـرهم عـاينت ظـاهر أقـوام مسـاكـين
غرائب العلم تجنى من تقرُّبهم فيمـا تنـاقـل أربـاب الدّواويـن
زَجَّوْا بفـقـرهم أنفـاس عمـرهم خيرُ المسـير على خير القوانين
فلا المطاعمُ تُجنى في مسـاكنهم ولا الدرهمُ تُخْـبَـا في الهمـايين
ويبـعثـون إذا قـام العبـاد مـعا مع المسيـح لتـنـويـه وتعيـيـن
لا يُسـألـون وقد عفَّـت أكفُّهـم من القبـور لدار الخُـرَّدِ العـيـن

وقلت:
أهلُ الوِلايةِ أهـلُ السَّبــق والقُــرب حَبــاهمُ اللّه بالتخصيصِ والنَّسبِ
السـابِقــونَ هُــمُ والمفلحــونَ هم فازوا بنيـل عظيم القَصدِ والأربِ
تلــوحُ أنــوارُهمْ سيمــاءَ صِدقهم والأدعيـاءُ كِسـافٌ سَـافِلُو الرُّتَبِ




[1] حالة أهل الحقيقة مع الله ص 145-146.
[2] الفتاوي ج 11 ص 319.
[3] الفرقان ص 61.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:31 PM
شعب الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا(. الله، الله ربي لا أشرك به شيئا.
الكينونة مع الصادقين التي حرض عليها القرآن الكريم هي مُدخل الصدق إلى سكة السلوك. هي الطابع على جواز السفر بمداد التقوى. قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ( (سورة التوبة، الآية: 120). الله تعالى صادق في كلامه، صادق في وعده، صادق في أمره ونهيه، والمبلغون عنه من رسل وأمناء صادقون. )قُلْ صَدَقَ اللّهُ( (سورة آل عمران، الآية: 95). )وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ( (سورة الزمر، الآية: 33). فما يمنعك من التماس الطريق إلى الله في معيّتهم لتعرف سابقتك عند الله إلا نُحُولُ الإيمان وضُمورُ التقوى وتقلُّص الهمة. إن الله عز وجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغ المؤمنين كافة بالبشرى العظيمة حيث قال: ) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ( (سورة يونس، الآية: 2). ثم نوع لك أسلوب الخطاب والتشويق فوصف لك منزل الصادقين في قوله عز من قائل: )إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ( (سورة القمر، الآيات: 54-55).
خطاب مفتوح مشرق، ما يمنعك من الاستجابة له والهبَّةِ على ندائه، واليقظة والإسراع والتلبية إلا وجودُ عوائق في نفسك، في عقلك، في معدنك، في سابقتك. وتسمع أولياء الله يسألونك: ما اسمك في عالم الملكوت؟ يلخصون لك التشويق القرآني والتبشير لعلك تفهم وتغضب وتغار من تبكيت الأمثال من بني البشر إن كان وعد الله وبشارة رسول الله لا يكفيان لإيقاظك وبعثك.
وقفنا في هذا الفصل عند العوائق المانعة الحاجزة المثقلة عن السير. وقفنا عند المحطة السفلى والانحطاط الأرذل: النفاق. وقرأنا أن الصحبة هي المفتاح للخروج من قفص الريبة إلى طمأنينة الصدق.ما دمت تصحب مرتابين في أنفسهم، شاكين في وعد ربهم وبشارة نبيهم فمن أين يأتيك هاجس طلب الله، ثم رائد إرادة الله، ثم باعث التوجه إلى الله، ثم دافع السير إلى الله؟ من أين يأتيك الإخلاص إن لم تعاشر مخلصين ؟ من أين تهب عليك نسائم القرب إن كانت تقصِفُ راياتِ إرادتك أوهام المترددين، وتصكُّ سمعَ فطرتك نياتهم الواهية، ومقالاتهم الخالية؟
الصدق هو المنزلة العظمى،ويستخلص الله عز وجل الصادقين من مهاوي الخطإ وسواحق الضلال، يشفع لهم صدقهم هنا كما يشفع لهم هناك في الدار الآخرة. )قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ( (سورة المائدة، الآية: 121).
إن كانت أرضية إيمانك متينة فحريٌّ أن يكون أساس بنائك وطيدا، وأن تعلوَ غُرُفاته آمنة شامخة.لا تدع خلاف المختلفين ينحط بك إلى دركات التنابز بالألقاب. تلطف للناس، ودع عنك الوسواس الخناس. تلق من الله عز وجل ومن رسوله بالرضى والقبول والتسليم ما جاءك من خبر الذات والأسماء، لا يتعثر عقلك في مطالب الاستدلال ولا تتنكر لفطرتك التي تسمع آيات الله فتخضع وتخشع. كن بقلبك مع ربك تذكُرُه، كن مع آياته فيك لا مع الأكوان ومن فيها. الإيمانَ الإيمانَ! الإحسانَ الإحسانَ! الإيقانَ ببرهان العقل في مجالات العقل، ينضوي العقل وبرهانه في نور الجَنان. واسأل الله أن يفتح لك لا عليك.
ركائز الإيمان في خصلة الصدق عددتها في تصنيفي لشعب الإيمان إحدى عشرة ركيزة: الإيمان بالله عز وجل وبغيبه، وهي تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله التي ينطق بها لسان المسلم وينعقد عليها قلب المؤمن فتكون هي قوَّتَه، منها طعامه وشرابه. الإيمان بالغيب يتضمن الإيمان بالملائكة والكتب والرسل والقدر خيره وشره. ثم ركيزة الإيمان باليوم الآخر، ثم النية والإخلاص، ثم الصدق، ثم النصيحة، ثم الأمانة والوفاء بالعهد، ثم سلامة القلب، ثم الهجرة إلى الله ورسوله، ثم نصرتهما، ثم الشجاعة، ثم تصديق الرؤيا الصالحة وهي عاجل بشرى المؤمن ووَحي الله المنامي لعباده الصالحين كرامةً من أجلِّ الكرامات.
هذه الصفحات وصفت الصدق وركائزَه، وقد يكون العلم بما هو الصدق خطوةً فكرية. ولكن من أين لنا حال الصدق وحقيقته إن كان "نقد الوقت"، أي العملة الرائجة، هو مزيج من الإسلام السياسي والإسلام الثقافي والإسلام السطحي الذي يفكر ولا يتفكر؟
إن طبيعة الجماعات الإسلامية المنفتحة على كل وارد، القابلة للعابد وغير العابد،أن يجتمع في ثكناتها وأجهزتها مخزون فكري يحصل من مساهمة الكل، وأن ينصب على كل عضو ضغط إجْمالي هو حصيلة تضاغط الكل، وأن تتناصر الجهود أو تتخاذل أو تتناقض من جراء تفاوت المدارك، وتباين المشارب، وتباعد مرمى الهمم، ومأخذ هؤلاء وأولئك من النقل والعقل والإرادة. المفاهيم عائمة، لا سيما مفاهيم الصحبة والجماعة والذكر والصدق.
طلب الكمال، والطموح إلى الولاية، وإرادة القرب من الله، وصدق طلب وجه الله قضايا ضائعة، ضائع من له بها علم واطلاع، أو شوق وتوق. غطى على هذه المعاني النفيسة والمطالب الرئيسة الإسلام الثقافي النضالي الملتحم بالواقع التحاما يوميا، من محاضرة لمحاضرة، ومن جريدة لمجلة، ومن كتاب لكتاب. وأنت قد فرغت من تصنيف نفسك في المربَّع السلفي أو الإخواني أو صنفوك وعنفوك.
حجبت مدرسة المعرفة، وجماعة الانتماء، وإرادة القيادة ومهام التنظيم مطمَح الإيمان ومرتقى الإحسان. ضَغْطٌ موروث من خلافيات أمس، وضغط متوالد من أحمال اليوم. والنية التي هي رأس السهم، وبُراق الترقي لا تخلُص للهجرة إلى الله ورسوله والظن الحسن بالله، وتصديق الله، والصدق مع الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه". متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
هذا الحديث العظيم الذي يعدُّه العلماء ركنا من أركان الدين ينبغي أن نستَعْمله امتحانا لنياتنا وسط الجماعة. فإن تضافرت الأسئلة الصادقة المُلتهبة رغبة في الله من كل جانب في الجماعة، وتكاثرت، وأسمَعت، يوشك أن تتحول روح الجماعة، إن وجدت مصحوبا خليلا كاملا أو مصحوبين، من عدم الاكتراث بالكمال الروحي وطلبه، إلى سماع، إلى اهتمام، إلى إرادة، إلى عزم، إلى همة متلهفة يحيى بها وعليها أهل السابقة الذين يذكرون الله فيذكرهم الله، ويصدقونه فيصدقهم، ويحبونه فيحبهم، ويتقربون إليه بالفرض والنفل مع نية حاضرة، وَارِدَةٍ عليه سبحانه صادِرة. والهجرة إلى الله ورسوله سنة ماضية إلى يوم القيامة. انتهى عهد الهجرة من مكة الأوثان إلى مدينة القرآن، وبقي الجهاد والنية، كما قال عبد الله بن عمر: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية".
هاك صفحة رائعة من صفحات العلم بالهجرة إلى الله ورسوله والوصف، يتضمن نداء صادقٍ وامق، بلغ الله هذا النداء آذانا واعية، وفِطرا إلى كمالها ساعية. قال الإمام عبد القادر رحمه الله: "المرائي ثوبه نظيف وقلبه نَجِس. يزهد في المباحات ويكسل عن الاكتساب، وياكل بدينه ولا يتورع جملة. ياكل الحرام الصريح. يُخفي أمره على العوام ولا يخفى أمره على الخواص (أصحاب الكشف). كل زهده وطاعته على ظاهره. ظاهره عامر وباطنه خراب. ويلك! طاعة الله عز وجل بالقلب لا بالقالب وحده. كل هذه الأشياء تتعلق بالقلوب والأسرار والمعاني. تعرَّ مما أنت فيه حتى آخُذَ لك من الحق عز وجل كسوة لا تبلى. اخلع أنت حتى يكسُوَكَ هو.اخلع ثياب توانيك في حقوق الله عز وجل. اخلع ثياب وقوفك مع الخلق وشركك بهم. اخلع ثياب الشهوات والرعونات والعُجْب والنِّفاق، وحبِّك للقبول عند الخلق، وإقبالهم عليك. وعطاياهم لك. اخلع ثياب الدنيا والبس ثياب الآخرة. انخلع من حولك وقوتك ووجودك، واستطرح بين يدي الحق عز وجل بلا حول ولا قوة ولا وقوف مع سبب، ولا شرك بشيء من المخلوقات.
"فإذا فعلت هذا رأيت ألطافه حواليك تأتيكَ، رحمتَه تجمعك، ونعمتَه ومنَّتَه تكسوك وتضمك إليها. اهرُبْ إليه، انقطع إليه عريانا بلا أنت ولا غيرك. سر إليه منقطعا منفصلا عن غيره.سر إليه متفرقا مفارقا حتى يجمعك ويوصلك بتقوى ظاهرك وباطنك(...).
"من أفنى الخلقَ بيد توحيده، وأفنى الدنيا بيد زهده، وأفنى ما سوى ربه بيد الرغبة فقد استكمل الصلاح والنجاح، وحظِيَ بخير الدنيا والآخرة. عليكم بإماتة نفوسكم وأهويتكم وشياطينكم قبل أن تموتوا. عليكم بالموت الخاص قبل الموت العام.
"يا قوم! أجيبوا، فإني داعي الله عز وجل، أدعوكم إلى بابه وطاعته، لا أدعوكم إلى نفسي. المنافق ليس يدعو الخلق إلى الله عز وجل. هو داع إلى نفسه. هو طالب الحظوظ والقَبول، طالب الدنيا.
"يا جاهل! تترك سماع هذا الكلام وتقعد في صومعتك مع نفسك وهواك! تحتاج أولا إلى صحبة الشيوخ وقتل النفس والطبع وما سوى المولى عز وجل. تلزم دُورَهم، أعني الشيوخ، ثم بعد ذلك تنفرد عنهم وتلزم صومعتك وحدك مع الحق عز وجل.
"فإذا تمَّ هذا لك صرت دواء للخلق، هاديا مهديا بإذن الحق عز وجل. أنت لسانك ورِع وقلبك فاجر! لسانك يحمد الله عز وجل وقلبك يعترض عليه! ظاهرك مسلم وباطنك كافر! ظاهرك موحد وباطنك مشرك! زهدُكَ على ظاهرك، دينك على ظاهرك، وباطنك خراب كبياض على بيْت الماء، وقفلٍ على مزبلة! إذا كنت هكذا خيم الشيطان على قلبك وجعله مسكنا له. المؤمن يبتدىء بعمارة باطنه ثم يشتغل بعمارة ظاهره"[1].
كل كلامه رحمه الله يفسر "إنما الأعمال بالنيات".
وقال الإمام الرفاعي رحمه الله: "أي سادة! إياكم والدجالية! إياكم والشيطانية! إياكم والطرق التي تقود إلى كلا الوصفين! أخجلوا الشيطان بخالص الإيمان! خربوا بِيَع الدجل بيد الصدق"[2].
قال ولي ورد ووصل فناداك من هناك وأدلى لك بشهادته:
للأولـيـاء منــاقـب مشـهــورة فاشهـد بها حق الشهـادة واقطـع
ورد الكتــاب بهـا وسنـة أحمـد فاشدد يديك على الحسام الأقطـع
خـرق العــوائـد ممكـن لا سيمـا في حـق أصحـاب المقـام الأرفـع
قـوم فـرائـضـهـم ومنـدوبــاتـهـم منهـم بمـرأىً لا يغيـب ومسمـع
قطعـوا الظـلام تـأمـلا وتمـلـمـلا وعيـونهم تُجـري عيـون الأدمـع
وتســارعوا نحــو المـدى ووراءهـم مـنـي ومنـك كـوادِنٌ لم تُســرع
وردوا بحــار مـواهـب مخـتــومـة عن غـيرهم وحُـرِمْـتَ رِيَّ المَشْـرَع
لو كـنت مثـلهـم لـنـلـت منـالهـم لكـن نزعـت خـلاف ذاك المنـزع
أتقيـس نفسـك يا جبـان بِـمِقْــدَم أتقيس نفسـك يا عَصِيُّ بِمِطْـوع؟!
ومن المحال مع التفــاوت أن يُرى ماضي الجنان مع الجبـان بموضع
لا تسمــوَنّ وفي الـفـعـال مَحَطَّــةً سبقـوك أيـام البطـالـة فـارجـع!
قسَمٌ يخص بها السـريـع إلى التُّقـى لو كنـت مـن أصحـابهـم لم تمنـع
إن لم تُعـأيـن في البطـالة مفلحــا أصِـخْ بقلبـك قبـل أذنـك واسمـع

وقلت:
أتَقيـسُ نَفْسَــك بالأُلَى نالوا المُنى عِند المَليـك وأنــتَ لاهٍ أقطــعُ
لَبَّوْا نــداءَ المُرسلـينَ وصـدَّقــوا ببشائر الحُسنَى لهم وتسـارعُوا
وعَبِثْـتَ أيــامَ البِطــالـة لاعبــا مِن كُلِّ شيطــانٍ غــويٍّ تَسْمــعُ




[1] الفتح الرباني ص 44-45.
[2] البرهان المؤيد ص 58.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:31 PM
البذل
الذئبان الجائعان
الزهد والورع
التوكل
الشكر والبذل
البِـر
العدل
التقلل والترف
التواضع
طلاق الدنيا والآخرة
الفقر إلى الله عز وجل
شعب الإيمان

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:32 PM
الذئبان الجائعان
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) .(حسبي الله. لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم(.
في الفصول السابقة كنا نرمق طالب الحق من وجهة صلته بالله حين يذكره ويدعوه ويستغفره ويحبه ويتقرب إليه، وحين يصحب من يدله على الله ويتحبب إليه ويستمع إليه ليتعلم الإيمان قلبُه من قلبِه، وحين يصدق في نيته ويخلص ويخطو خطاه على سواء الصواب.
في هذا الفصل والفصول اللاحقة نعتبر طالب الحق وهو يصارع النوازع النفسية الاجتماعية التي تكدّر صفوه وتٌعَوِّصُ سيره وتغلبه على وجهه، يريد هو الله وتريده الدنيا والنفس والشيطان لغير الله.
نعرف صدق السالك من بذله للدنيا، أي من إعطائه ما في يده من جاه ومال ابتذالا للدنيا واستهانة بها في جنب الآخرة ثم في جنب الله. نعرف صدقه من إخلاصه وتقواه ومجانبته المباهاة في طلب العلم. نعرف صدقه من إخلاص عمله بمقتضى علمه، نعرفه من سمته، من تؤدته، من اقتصاده، من جهاده.
في شوط البذل يطلع علينا وجهان من وجوه الشر يَتَلَمَّظانِ لسفك مروءة السالك وخلُقه ودينه. وجهان لغرائز مغروزة في بشريتنا تفتح طلعتُها المُخزية إلى السقوط هُوّاتٍ، وتتراءى مع مثيلاتها في الآخرين من حولنا، من صديق وعدو ومنافس، فيكوِّنُ تجاورُها وتحاوُرُها وتعاملها منظر النفاق الاجتماعي، والتحاسد، والشح، والرياء، والتظالم، والتسلط.
قال طبيب القلوب وحبيب علام الغيوب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ذئبان جائعان أُرسِلا في زريبةِ غَنَمٍ بأفسد لها من الحرص على المال والحسب في دين المسلم". رواه عن كعب بن مالك رضي الله عنه الإمام أحمد والترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه .
غريزتا حب المال والحرص على جمعه وحب الجاه والرئاسة جماع الشرور الاجتماعية. من منْبَعهما في عمق جذور النفس البشرية الفردية تجري آفة الغِنَى الحرام والحُكم الحرام. والتمثيل النبوي، على نبينا الصلاة والسلام، لتكالب الوحشين على دين المسلم حين يستيقظان فيه ويعتُوان عليه يعطي صورة بالمواجهة والمقابلة لفتكهما بدنيا المحرومين والمظلومين والمحقورين. فمال المعدُوِّ عليهم من الناس وشرفُهم هما القيمة الدنيوية التي سطا عليها الذئب البشري ففسد دينه. فإن ساد في الناس التعامل بالمثل والتسارُع والتنافُس على المال والسلطان، وهو قمة الحسب والجاه، فسدت دنيا الجميع، وفسد دين الجميع، وخسر الجميع الدنيا والآخرة.
تجنَّب الزهاد من هذه الأمة والصوفية الصادقون الشراسة الذئبية باعتزال الغابة الاجتماعية السياسية وتركوها لضواري العدوان والسلطان العاض والجبري منذ سطو الفئة الباغية الأموية وانقلابها. ولم يَسْلَم عالم الزهاد والصوفية من ملاحقةِ ذئبيَّة الحرص على المال والحسب، بل سرعان ما تقمص الذئبان الجائعان الحيّان في نفوس البشر الزيَّ الصوفي، وتكلما بلغة الصلاح، واصطنعا السمعة والكرامة والحُرمة. وجمع قوم المال، وقعد قوم في صدور المجالس تحيط بهم هالة العظمة، أدعياءَ ذئاباً.
في أفق الخلافة الثانية على المنهاج النبوي نستبصر التربية النبوية من زاوية طب القلوب. وإنك تستطيع أن تؤلف حزبا قويا، وتثور على الظلم باسم الإسلام، وتقتل التضامن الوحشي بين ذئبي المال والسلطان في غيرك، وتكسر صرحه. لكن إن تصديت للحكم، وسقطت الدولة بين يديك وما معك رجال قهروا ذئبيتهم النفسية، وهذبوها، وصعّدوها في أعمال بنّاءة، فلن تكون ثورتك الإسلامية، اسما ونية في أول المسار، إلا تجربة أخرى للصراع الدائم بين النفوس البشرية المائلة مع الهوى، المُلحدة المائلة عن الله.
إذا كان تهذيب النفس وترويضها على الزهد في الدنيا أصلا من أصول التربية الإيمانية الإحسانية وشرطا من شروطها في خاصة الفرد المؤمن الذي نفض يده من كل شيء ليتفرغ لطلب الله في رفقة محدودة بعيدا عن المجتمع، فإن مشروطيَّتها آكدُ، وتحقيقها أبعد منالا، في حق المؤمنين العاملين جماعة، القائمين جماعة، لإحقاق الحق وإظهار دين الله. إن لم يُبطل القائمون الباطل في نفوسهم فلن يستطيعوا إبطاله في غيرهم. وإنَّ بناء النفس وتحصين النفس وتزكية النفس بإخراج حب الدنيا جملة وتفصيلا من القلب لهو البناء. وما يزكيها إلا الله، وما يُفلح في استئصال الجرثومة الذئبية إلا من ذكر الله.
إذا كان الصحابة رضي الله عنهم غير منَزَّهين عن تسلط الهوى عليهم، وهم النموذجُ، فما تقول فيمن قنعوا من الدين بإسلام فكري أجوف؟ ما نزه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه حين خوفهم إفساد الذئبين الجائعين، بل خصَّص وعيَّن وحذَّر فقال لهم يوما وقد جاءهم رزق غزير بعد طول انتظار: "والله ما الفقر أخشى عليكم. ولكني أخشى عليكم أن تُبْسَط الدنيا عليكم كما بُسِطَت على من كان قبلكم فتنافسوها (أي فتتنافسوها) كما تنافَسوها وتُهلككم كما أهلكتهم". رواه الشيخان والترمذي عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه.
ولم يطلب المصطفى المجتبى الطاهر المطهَّر صلى الله عليه وسلم المستحيل منا. لم يطلب القضاء الجذري على الذئبية فينا، إنما خاف تحوُّل القط الأليف المهذب الذي يجد في الحلال المشروع المضبوط المزموم مجاله الحيوي إلى نمر كاسر يَحْطِم الحدود ويكسر القيود. ثم إنه صلى الله عليه وسلم أعطانا نعتا من نعوت الأنفس الزكية التي اقتحمت العقبة إلى أعلى ولم تنجرف مع السيل الهابط.نَعَتَ لنا مطلبا عاليا نوظف فيه حدتنا الحسدية وعنادنا الحرصيَّ. قال صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين : رجلٍ آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق". أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود. وأخرجا من حديث عبد الله بن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا حسد إلا في اثنتين. رجلٍ آتاه الله القرآن فقام به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وأطراف النهار".
الحرص على الدين والعلم، والقرآن قوام الدين والعلم، ثم الحرص على المال والكسب، وهما القوام المادي الضروري للدين والعلم والقرآن جميعا، باعث مشروع معترف به موضوعةٌ له النعوت ليسير في ركاب المؤمن، وركاب جماعة المؤمنين، السائرين إلى ربهم من الدنيا إلى الآخرة، عَبْرَ الدنيا. ما في ديننا تعطيل ولا رهْبنة. وإن السلوك الجهادِيَّ الملائم لإعادة الخلافة الضائعة لا مكان فيه لزهادة متعفِّفةٍ هاربة. كيف والعالم من حولنا ضجة واحدة، عالية صاخبة، تعوي فيها ذئاب الرأسمالية ودبَبَةُ الاشتراكية!
خير الآخرة يفوتنا إن كانت الهمم الفردية والاهتمام الجماعي غاصت في مستنقع التنافس الرديء على الرئاسة الدنيوية. أما إن صعَّدنا التنافس إلى الآخرة فنِعِمَّا هي وهي خير. ومن سُبُل التنافس في الآخرة ونعيمها ومراتبها التسابق إلى إصلاح دنيا الأمة بكل جهد وبكل بذل. لا يحب الله العلو في الأرض لأنه فساد، ويحب العلو في الآخرة ويحث عليه. قال تعالى : )وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ( (سورة المطففين، الآية: 26). وقال الإمام الحسن البصري: "إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة". وقال وهيب: "إذا استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل". وقال محمد بن يوسف الأصبهاني العابد: "لو أن رجلا سمع برجل أو عرف رجلا أطوع لله منه كان ينبغي له أن يحزنه ذلك". وقال غيره: "لو أن رجلا سمع برجل أو عرف رجلا أطوع لله منه فانصدع قلبه لم يكن ذلك بعَجَب". قال رجل لمالك بن دينار: "رأيت في المنام مناديا ينادي: أيها الناس؟ الرحيلَ الرحيلَ! فما رأيت أحدا ارتحل إلا محمد بن واسع". فصاح مالك وغُشي عليه.
من سبقك في درجات الآخرة فاتك بدائم أبدي، فأي شيء من متاع الدنيا ومالها وحسبها تبيع به آخرتك أو تُسقِط به قَدرك هناك بعرةٌ لا قيمة لها.
قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: "عليكم بالتوبة والاستغفار والحياء منه سبحانه. اخلعوا ثياب الوقاحة عليه، تجنبوا حرام الدنيا وشبهاتها، ثم تجنبوا مباحاتها بهوى وشهوة، لأن تناولكم بالهوى والشهوة يشغلكم عن الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدنيا سجن المؤمن". كيف يفرح المسجون في سجنه؟ما يفرح! لكنه بِشْرُه في وجهه وحزنه في قلبه. بِشْرُهُ على ظاهره والآفات تقطعه من حيث باطنُه وخلوتُه ومعناه. جراحاته معصبَّة من تحت ثيابه، يُغطِّي جراحاته بقميص تبسُّمه. ولهذا يباهي به ربه الملائكة. شجاع في دولة دين الله عز وجل وسرِّه. مازالوا يصبرون مع الله عز وجل ويتجرعون مرارة أقداره حتى أحبهم"[1].
وقال الإمام الرفاعي رحمه الله: "يا ولدي! إن ملكت عقلا حقيقيا ما ملت إلى الدنيا وإن مالت لك، لأنها خائنة كذابة تضحك على أهلها. من مال عنها سلم منها، ومن مال إليها بُلِيَ فيها. وفي الحديث "حب الدنيا رأس كل خطيئة". فكما أن حبها رأس كل خطيئة فكذلك بُغضها والإعراض عنها رأس كل حسنة. هي كالحية، لَيِّنٌ لمسُها، قاتل سمها. لذاتها سريعة الزوال، وأيامها تمضي كالخيال. فاشغل نفسك فيها بتقوى الله، ولا تغفل عن ذكره تعالى ذرة واحدة. وإن طرقك طارق الغفلة فاستغفر الله، وارجع لباب الملاحظة، واذكر الله، واستح منه. راقبه في الخلوات والجلوات، واحمده واشكره على الفقر والغنى"[2].
حب الدنيا خطيئة كبرى في حق المؤمن، وبُغضها حسنة. وفي سلم القيم الدوابية الحضارية المادية حب الحياة علامة صحة وعافية.
اللهم إنا نسألك السلامة من كل بلية.
قال حكماء من هذه الأمة:
ومن ينفـق الأيـام في جمـع مالــه مخـافة فقــر فالذي فعـل الفَـقْــر

* * *
إذا كنت في الدنيا عن الخير عاجزا فما أنت في يـوم القيـامة صـانــع؟

* * *
لا تغبطـنَّ أخا حرص علـى سَعَــة وانظــر إليه بعيـن المـاقـت القـالي
إن الحـريص لمشغــول بثـروتــه عن السـرور بمـا يحـوي من المـال

* * *
يا جـامعا مـانعا والدهــر يرمقــه مـفـكــرا أيَّ بـاب منـه يـغـلـقـه
جمعـت مالا ففكـر هل جمعـت له يا جـامـع المـال أيـامــا تفـرقـه
المــال عنــدك مخــزون لـوارثـه ما المـال مـالك إلا يـوم تُـنـفـقــه
إن القـنـاعة من يحـلل بسـاحتهـا لم يـلـق في ظـلـهـا همـا يــؤرقـه

* * *
أيهــا المُـتعِـب جهــدا نـفـســه يـطلـب الدنيـا حـريصـا جـاهــدا
لا لك الـدنـيــا ولا أنـت لهـا لهـا فاجـعــل الهمَّـيــن همـا واحــدا

* * *
أمـران مفـتـرقـان لسـت تـراهمـا يتـشــوفـان لخـلـطــة وتـلاقـى
طلب المعـاد مع الريـاسـة والعُـلـى فــدع الذي يفـنـى لمـا هـو بـاقي

وقال عبد لله تحرر من رِبْقة العبودية لغيره فأصبح سيداً:
ياليتني صرت شيئا من غـير شـيء أُعَـدُّ
أصبحت للكـل مولى لأنـنـي لـك عـبـد
وفي الفــؤاد أمــور مـا تُسـتطـاع تُعَـد
لكـن كتمـان حـالي أحـق بي وأسَــدُّ

وقلت:
لـقِّنـوا الأجيــالَ آياتِ الجهــادْ علِّمــوهـمْ سَــوْمَ بــذْلِ المُهَــجِ
داوِ دَاء الجُبنِ من مَصْلِ العنــادْ واغتسل من وَصْمِ شُـح سَمِـجِ
ما يُلقـاها سِـوى الغُــرِّ الشِّـدادْ هُمْ مــلاذٌ في المَحَــجِّ الحَــرجِ




[1] الفتح الرباني ص 171.
[2] البرهان المؤيد.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:32 PM
الذئبان الجائعان
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) .(حسبي الله. لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم(.
في الفصول السابقة كنا نرمق طالب الحق من وجهة صلته بالله حين يذكره ويدعوه ويستغفره ويحبه ويتقرب إليه، وحين يصحب من يدله على الله ويتحبب إليه ويستمع إليه ليتعلم الإيمان قلبُه من قلبِه، وحين يصدق في نيته ويخلص ويخطو خطاه على سواء الصواب.
في هذا الفصل والفصول اللاحقة نعتبر طالب الحق وهو يصارع النوازع النفسية الاجتماعية التي تكدّر صفوه وتٌعَوِّصُ سيره وتغلبه على وجهه، يريد هو الله وتريده الدنيا والنفس والشيطان لغير الله.
نعرف صدق السالك من بذله للدنيا، أي من إعطائه ما في يده من جاه ومال ابتذالا للدنيا واستهانة بها في جنب الآخرة ثم في جنب الله. نعرف صدقه من إخلاصه وتقواه ومجانبته المباهاة في طلب العلم. نعرف صدقه من إخلاص عمله بمقتضى علمه، نعرفه من سمته، من تؤدته، من اقتصاده، من جهاده.
في شوط البذل يطلع علينا وجهان من وجوه الشر يَتَلَمَّظانِ لسفك مروءة السالك وخلُقه ودينه. وجهان لغرائز مغروزة في بشريتنا تفتح طلعتُها المُخزية إلى السقوط هُوّاتٍ، وتتراءى مع مثيلاتها في الآخرين من حولنا، من صديق وعدو ومنافس، فيكوِّنُ تجاورُها وتحاوُرُها وتعاملها منظر النفاق الاجتماعي، والتحاسد، والشح، والرياء، والتظالم، والتسلط.
قال طبيب القلوب وحبيب علام الغيوب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ذئبان جائعان أُرسِلا في زريبةِ غَنَمٍ بأفسد لها من الحرص على المال والحسب في دين المسلم". رواه عن كعب بن مالك رضي الله عنه الإمام أحمد والترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه .
غريزتا حب المال والحرص على جمعه وحب الجاه والرئاسة جماع الشرور الاجتماعية. من منْبَعهما في عمق جذور النفس البشرية الفردية تجري آفة الغِنَى الحرام والحُكم الحرام. والتمثيل النبوي، على نبينا الصلاة والسلام، لتكالب الوحشين على دين المسلم حين يستيقظان فيه ويعتُوان عليه يعطي صورة بالمواجهة والمقابلة لفتكهما بدنيا المحرومين والمظلومين والمحقورين. فمال المعدُوِّ عليهم من الناس وشرفُهم هما القيمة الدنيوية التي سطا عليها الذئب البشري ففسد دينه. فإن ساد في الناس التعامل بالمثل والتسارُع والتنافُس على المال والسلطان، وهو قمة الحسب والجاه، فسدت دنيا الجميع، وفسد دين الجميع، وخسر الجميع الدنيا والآخرة.
تجنَّب الزهاد من هذه الأمة والصوفية الصادقون الشراسة الذئبية باعتزال الغابة الاجتماعية السياسية وتركوها لضواري العدوان والسلطان العاض والجبري منذ سطو الفئة الباغية الأموية وانقلابها. ولم يَسْلَم عالم الزهاد والصوفية من ملاحقةِ ذئبيَّة الحرص على المال والحسب، بل سرعان ما تقمص الذئبان الجائعان الحيّان في نفوس البشر الزيَّ الصوفي، وتكلما بلغة الصلاح، واصطنعا السمعة والكرامة والحُرمة. وجمع قوم المال، وقعد قوم في صدور المجالس تحيط بهم هالة العظمة، أدعياءَ ذئاباً.
في أفق الخلافة الثانية على المنهاج النبوي نستبصر التربية النبوية من زاوية طب القلوب. وإنك تستطيع أن تؤلف حزبا قويا، وتثور على الظلم باسم الإسلام، وتقتل التضامن الوحشي بين ذئبي المال والسلطان في غيرك، وتكسر صرحه. لكن إن تصديت للحكم، وسقطت الدولة بين يديك وما معك رجال قهروا ذئبيتهم النفسية، وهذبوها، وصعّدوها في أعمال بنّاءة، فلن تكون ثورتك الإسلامية، اسما ونية في أول المسار، إلا تجربة أخرى للصراع الدائم بين النفوس البشرية المائلة مع الهوى، المُلحدة المائلة عن الله.
إذا كان تهذيب النفس وترويضها على الزهد في الدنيا أصلا من أصول التربية الإيمانية الإحسانية وشرطا من شروطها في خاصة الفرد المؤمن الذي نفض يده من كل شيء ليتفرغ لطلب الله في رفقة محدودة بعيدا عن المجتمع، فإن مشروطيَّتها آكدُ، وتحقيقها أبعد منالا، في حق المؤمنين العاملين جماعة، القائمين جماعة، لإحقاق الحق وإظهار دين الله. إن لم يُبطل القائمون الباطل في نفوسهم فلن يستطيعوا إبطاله في غيرهم. وإنَّ بناء النفس وتحصين النفس وتزكية النفس بإخراج حب الدنيا جملة وتفصيلا من القلب لهو البناء. وما يزكيها إلا الله، وما يُفلح في استئصال الجرثومة الذئبية إلا من ذكر الله.
إذا كان الصحابة رضي الله عنهم غير منَزَّهين عن تسلط الهوى عليهم، وهم النموذجُ، فما تقول فيمن قنعوا من الدين بإسلام فكري أجوف؟ ما نزه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه حين خوفهم إفساد الذئبين الجائعين، بل خصَّص وعيَّن وحذَّر فقال لهم يوما وقد جاءهم رزق غزير بعد طول انتظار: "والله ما الفقر أخشى عليكم. ولكني أخشى عليكم أن تُبْسَط الدنيا عليكم كما بُسِطَت على من كان قبلكم فتنافسوها (أي فتتنافسوها) كما تنافَسوها وتُهلككم كما أهلكتهم". رواه الشيخان والترمذي عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه.
ولم يطلب المصطفى المجتبى الطاهر المطهَّر صلى الله عليه وسلم المستحيل منا. لم يطلب القضاء الجذري على الذئبية فينا، إنما خاف تحوُّل القط الأليف المهذب الذي يجد في الحلال المشروع المضبوط المزموم مجاله الحيوي إلى نمر كاسر يَحْطِم الحدود ويكسر القيود. ثم إنه صلى الله عليه وسلم أعطانا نعتا من نعوت الأنفس الزكية التي اقتحمت العقبة إلى أعلى ولم تنجرف مع السيل الهابط.نَعَتَ لنا مطلبا عاليا نوظف فيه حدتنا الحسدية وعنادنا الحرصيَّ. قال صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين : رجلٍ آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق". أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود. وأخرجا من حديث عبد الله بن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا حسد إلا في اثنتين. رجلٍ آتاه الله القرآن فقام به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وأطراف النهار".
الحرص على الدين والعلم، والقرآن قوام الدين والعلم، ثم الحرص على المال والكسب، وهما القوام المادي الضروري للدين والعلم والقرآن جميعا، باعث مشروع معترف به موضوعةٌ له النعوت ليسير في ركاب المؤمن، وركاب جماعة المؤمنين، السائرين إلى ربهم من الدنيا إلى الآخرة، عَبْرَ الدنيا. ما في ديننا تعطيل ولا رهْبنة. وإن السلوك الجهادِيَّ الملائم لإعادة الخلافة الضائعة لا مكان فيه لزهادة متعفِّفةٍ هاربة. كيف والعالم من حولنا ضجة واحدة، عالية صاخبة، تعوي فيها ذئاب الرأسمالية ودبَبَةُ الاشتراكية!
خير الآخرة يفوتنا إن كانت الهمم الفردية والاهتمام الجماعي غاصت في مستنقع التنافس الرديء على الرئاسة الدنيوية. أما إن صعَّدنا التنافس إلى الآخرة فنِعِمَّا هي وهي خير. ومن سُبُل التنافس في الآخرة ونعيمها ومراتبها التسابق إلى إصلاح دنيا الأمة بكل جهد وبكل بذل. لا يحب الله العلو في الأرض لأنه فساد، ويحب العلو في الآخرة ويحث عليه. قال تعالى : )وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ( (سورة المطففين، الآية: 26). وقال الإمام الحسن البصري: "إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة". وقال وهيب: "إذا استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل". وقال محمد بن يوسف الأصبهاني العابد: "لو أن رجلا سمع برجل أو عرف رجلا أطوع لله منه كان ينبغي له أن يحزنه ذلك". وقال غيره: "لو أن رجلا سمع برجل أو عرف رجلا أطوع لله منه فانصدع قلبه لم يكن ذلك بعَجَب". قال رجل لمالك بن دينار: "رأيت في المنام مناديا ينادي: أيها الناس؟ الرحيلَ الرحيلَ! فما رأيت أحدا ارتحل إلا محمد بن واسع". فصاح مالك وغُشي عليه.
من سبقك في درجات الآخرة فاتك بدائم أبدي، فأي شيء من متاع الدنيا ومالها وحسبها تبيع به آخرتك أو تُسقِط به قَدرك هناك بعرةٌ لا قيمة لها.
قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: "عليكم بالتوبة والاستغفار والحياء منه سبحانه. اخلعوا ثياب الوقاحة عليه، تجنبوا حرام الدنيا وشبهاتها، ثم تجنبوا مباحاتها بهوى وشهوة، لأن تناولكم بالهوى والشهوة يشغلكم عن الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدنيا سجن المؤمن". كيف يفرح المسجون في سجنه؟ما يفرح! لكنه بِشْرُه في وجهه وحزنه في قلبه. بِشْرُهُ على ظاهره والآفات تقطعه من حيث باطنُه وخلوتُه ومعناه. جراحاته معصبَّة من تحت ثيابه، يُغطِّي جراحاته بقميص تبسُّمه. ولهذا يباهي به ربه الملائكة. شجاع في دولة دين الله عز وجل وسرِّه. مازالوا يصبرون مع الله عز وجل ويتجرعون مرارة أقداره حتى أحبهم"[1].
وقال الإمام الرفاعي رحمه الله: "يا ولدي! إن ملكت عقلا حقيقيا ما ملت إلى الدنيا وإن مالت لك، لأنها خائنة كذابة تضحك على أهلها. من مال عنها سلم منها، ومن مال إليها بُلِيَ فيها. وفي الحديث "حب الدنيا رأس كل خطيئة". فكما أن حبها رأس كل خطيئة فكذلك بُغضها والإعراض عنها رأس كل حسنة. هي كالحية، لَيِّنٌ لمسُها، قاتل سمها. لذاتها سريعة الزوال، وأيامها تمضي كالخيال. فاشغل نفسك فيها بتقوى الله، ولا تغفل عن ذكره تعالى ذرة واحدة. وإن طرقك طارق الغفلة فاستغفر الله، وارجع لباب الملاحظة، واذكر الله، واستح منه. راقبه في الخلوات والجلوات، واحمده واشكره على الفقر والغنى"[2].
حب الدنيا خطيئة كبرى في حق المؤمن، وبُغضها حسنة. وفي سلم القيم الدوابية الحضارية المادية حب الحياة علامة صحة وعافية.
اللهم إنا نسألك السلامة من كل بلية.
قال حكماء من هذه الأمة:
ومن ينفـق الأيـام في جمـع مالــه مخـافة فقــر فالذي فعـل الفَـقْــر

* * *
إذا كنت في الدنيا عن الخير عاجزا فما أنت في يـوم القيـامة صـانــع؟

* * *
لا تغبطـنَّ أخا حرص علـى سَعَــة وانظــر إليه بعيـن المـاقـت القـالي
إن الحـريص لمشغــول بثـروتــه عن السـرور بمـا يحـوي من المـال

* * *
يا جـامعا مـانعا والدهــر يرمقــه مـفـكــرا أيَّ بـاب منـه يـغـلـقـه
جمعـت مالا ففكـر هل جمعـت له يا جـامـع المـال أيـامــا تفـرقـه
المــال عنــدك مخــزون لـوارثـه ما المـال مـالك إلا يـوم تُـنـفـقــه
إن القـنـاعة من يحـلل بسـاحتهـا لم يـلـق في ظـلـهـا همـا يــؤرقـه

* * *
أيهــا المُـتعِـب جهــدا نـفـســه يـطلـب الدنيـا حـريصـا جـاهــدا
لا لك الـدنـيــا ولا أنـت لهـا لهـا فاجـعــل الهمَّـيــن همـا واحــدا

* * *
أمـران مفـتـرقـان لسـت تـراهمـا يتـشــوفـان لخـلـطــة وتـلاقـى
طلب المعـاد مع الريـاسـة والعُـلـى فــدع الذي يفـنـى لمـا هـو بـاقي

وقال عبد لله تحرر من رِبْقة العبودية لغيره فأصبح سيداً:
ياليتني صرت شيئا من غـير شـيء أُعَـدُّ
أصبحت للكـل مولى لأنـنـي لـك عـبـد
وفي الفــؤاد أمــور مـا تُسـتطـاع تُعَـد
لكـن كتمـان حـالي أحـق بي وأسَــدُّ

وقلت:
لـقِّنـوا الأجيــالَ آياتِ الجهــادْ علِّمــوهـمْ سَــوْمَ بــذْلِ المُهَــجِ
داوِ دَاء الجُبنِ من مَصْلِ العنــادْ واغتسل من وَصْمِ شُـح سَمِـجِ
ما يُلقـاها سِـوى الغُــرِّ الشِّـدادْ هُمْ مــلاذٌ في المَحَــجِّ الحَــرجِ




[1] الفتح الرباني ص 171.
[2] البرهان المؤيد.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:32 PM
الزهد والورع
بسم الله الرحمن الرحيم. )واعف عنا واغفر لنا وارحمنا. أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين(. أسألك بلا إله إلا أنت رب السماوات السبع ورب العرش الكريم. وأسألك بلا إله إلا أنت رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهن إنك على كل شيء قدير.
جاع ذئب الحرص على المال فافترس ذمة المؤمن ونشر الفقر في حظيرة الآمنين المستضعفين. وجاع ذئب حب الرئاسة فتظالم الناسُ وتحاكموا إلى الطاغوت. الظلم كفر والبؤس كاد أن يكون كفرا. واجتماعهما التاريخي وتحالفهما في مُرَكَّب الاستكبار الطبقي ظلمات بعضها فوق بعض. ولا يكون الزهد في مفهومه الفردي السلبي الكفِّي القناعي الأخلاقي كفُؤاً لقتال الاستكبار وجلاء ظلماته.
زهد المؤمن الذي يكف يده عن الحرام والشبهات ويتقلل من المباحات، وورع المؤمن الذي يغُضّ طرفه عن المحارم ويحتاط لدينه في دقائق الأمور أخلاقُ المؤمن الضعيف إن بقي هذا الزاهد الورِع بمعزل عما تفعله الذئاب الجائعة وتتآمر فيه وتتعاون عليه.
ويكون زهد الزاهد وورع الورع الذي يكبَح نفسه ويملكها ويُصعِّد نزواتها إيمانا قويا وقاعدة صلبة للجهاد إن تَمَتَّنَتْ روابطُ القوة الزهدية في أخلاقية جماعية حتى صارت معروفا يغير منكرا، ودعوة تُسند دولة، ودولة تقوِّض دعائم الباطل وتحق حق العدل والإحسان.
ومن قواعد امتلاك النفس وقهر الغرائز والعزوف القلبي عن الدنيا ينطلق طالب الحق وسط جند الله وحزبه من الجهاد الإيجابي لامتلاك وسائل الدنيا، ووسائل القوة في الدنيا، ووسائل الكفاية في الدنيا، والعزة، والمَنَعة، والثروة، والسلاح، والاقتصاد المزدهر، والتكنولوجيا الصناعية، والزراعة المغذية، والسبق في المنافسة لدى الأسواق العالمية.
لم يكن زهد الصحابة عمادُ الدعوة النبوية والخلافة الأولى زهدَ دروشة وهروب. كان زُهدُهم عملا فعالا، كان جهادا متواصلا يبذلون النفس والنفيس في سبيل الله. عاشوا زهدهم يوم أسلموا لله عز وجل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبروا معه لأذى قريش الشديد. عاشوه يوم هاجروا معه مخلفين وراءهم الأهل والولد والدار والمال، مخلفين العشيرة، وكانت العشيرةُ في المجتمع الجاهلي هي الأمن وهي الشرفُ وهي الحسب وهي ضمان الحياة. زهدوا في الدنيا كلها وهاجروا إلى الله ورسوله، مع الله ورسوله، )إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا( (سورة التوبة، الآية: 40). عاشه الأنصار يوم آووا إخوانهم )وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ( (سورة الحشر، الآية: 9). عاشوا زهدهم في الحياة الدنيا في بدر وأحد وفتح مكة وغزوة العسرة وسائر المشاهد الشريفة. عاشوه من بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر الصديق حين قاتلوا أهل الردة على الزكاة وهي الحد الأدنى الواجب من البذل. عاشوه في خلافة عمر في القادسية واليرموك وسائر المواقف العفيفة المنيفة.
زهاد في الدنيا جميعا،بالجملة والتفصيل، مجاهدون وقّافون عند أمر الله تعالى ونهيه ووعده ونصيحته إذ يقول: )مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ( (سورة النحل، الآية: 96). وإذ يقول: )بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى( (سورة الأعلى، الآية: 17). وإذ يضرب الأمثال الكثيرة للدنيا وزوالها، ويصف الآخرة ونعيمها، وينادي عباده للتقرب إليه وإيثاره وإيثار رسوله على أنفسهم. وإن أخلاقية القرآن التي رُبوا عليها كلُّها تزهيد في الدنيا وتحبيب لما عند الله ثم تحبيب لله ولحب الله ولقرب الله ولذكر الله. ولَذكر الله أكبر.
وأستغفر الله، ما عندي من الاستهانة بزهاد الأمة الذين جاءوا من بعد عهد الخلافة الأولى شيء، وما وصفت زهد القاعدين عن الجهاد بأنه إيمان ضعيف إلا مقارنة بالنموذج الكامل النبوي الصحابي الذي ينبغي أن يكون نُصب أعيننا، قريبا منا، لا تحجبنا عنه زهادة الهاربين بدينهم المتخفّين به. نريده لمستقبل الخلافة الثانية إن شاء الله زهداً ساكناً في الأعماق لا شقشقة طافحة على الأوراق تمجد "الدراسة الواعية للكون الكبير".
وما كان زهاد المسلمين الصادقون والصوفية الكرام أصحاب كلام وخصام. خاصموا الدنيا وعزفت نفوسهم عنها، أمسكَ الزهادَ شوقُهم إلى ما عند الله، وأمسكَ الصوفيةَ السالكين شوقُهم إلى الله عن التهافت على الدنيا، وضبَطَهم ذكرُ الله وصحبةُ أهل الله عن التهالك فيها، وأرسى قواعدَهم رسوخُ الإيمان بالغيب عن التطاوح في حَمأة الصراع الذئبي على المال والحسب. كانوا ورعين زاهدين، ازدهرت مواجيدهم الزهدية الورعية في باقات من طيِّب الكلام ومُخْلَصه وصائبه، ما أحرانا أن نتأمله تفصيلا لنتجاوزه من بعدُ جُملة مرتفعين إلى القمة النبوية القرآنية الصحابية.
وما يعقلها إلا العالمون، وما يستهين بمقامات الرجال إلا القلوب المتمزِّجة والنيات المتعوِّجة. وما يستطيع اللحاق بالرعيل الأول إلا من كان له بصحبة العارفين بالله شمل ملموم، وعن غير ذكر الله فمٌ مكْموم، وقلب مهموم، وهوىً في غير الله ورسوله مهزوم.
قال الإمام الجنيد: سمعت سريّاً يقول: "إن الله عز وجل سلب الدنيا عن أوليائه، وحماها عن أصفيائه، وأخرجها من قلوب أهل وداده، لأنه لم يرضها لهم".
وقال الجنيد رضي الله عنه: "الزهد خلوُّ القلب عما ليس في اليد". وقال عبد الله بن المبارك المحدث المجاهد مؤلف كتاب "الزهد": "الزهد هو الثقة بالله مع حب الفقر". ولنفهم كلمة شيخ مشايخ الحديث عبد الله بن المبارك هذه ينبغي أن نعلم أنه رضي الله عنه كان يتجر ويجمع المال الغزير، فيحج عاما ويحج معه طائفة من الفقراء على نفقته، ويغزو عاما.
سأل رُويم الصوفي شيخه الجنيد عن الزهد فقال: "الزهد استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب".
وعن الورع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: "يا أبا هريرة! كن ورعاً تكن أعبد الناس. وكن قَنِعاً تكن أشكر الناس. وأحبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا. وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما. وأقِلَّ الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب". رواه ابن ماجة عن أبي هريرة بإسناد حسن.
قال الأستاذ القشيري: "الورع ترك الشبهات". وقال يحيى بن معاذ: "الورع على وجهين. ورع الظاهر وهو أن لا تتحرك إلا لله تعالى، وورع الباطن وهو أن لا يدخل قلبك سواه تعالى". وقال أبو هريرة رضي الله عنه: "جُلساء الله تعالى غداً أهل الورع والزهد".
كان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أزهد الناس. قال: "الزهد ثلاثة أوجه: الأول ترك الحرام وهو زهد العوام. والثاني ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص. والثالث ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين".
كان إمام المحدثين أحمد بن حنبل رضي الله عنه مثالا حيا لزهد العارفين، انطوى في زهده العالي زهد العوام والخواص، واشتهر بالزهد حتى أصبح يُقصَد للفتوى في السلوك الزهدي العرفاني كما يقصد للفتوى في الفقه والحديث. سُئل مرة عن مسألة في الورع فقال: "أستغفر الله! لا يحل لي أن أتكلم في الورع وأنا آكل من غلة بغداد. لو كان بِشر صلح أن يجيبك عنه، فإنه كان لا ياكل من غلة بغداد ولا من طعام السواد. مثل بِشر يصلح أن يتكلم في الورع".
رحم الله أحمد! زاد على العلم والتقوى والزهد والورع التواضع الجم. كان بشر الحافي صوفيا زاهدا يقول: "ما من أحد خالط لحمَه ودمَه ومُشاشَه (أي مخ عظامه) حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرى النار". كان حب بشر لله ورسوله هذا الحب العميق المحيط الحاكم صارِفَه عن الالتفات إلى الدنيا، وازِعه عن الشبهات. وكان سواد العراق، وهو أرضها الفلاحية، لم يقسمها عمر أمير المؤمنين كما يقسم الفيء، فَبَقِيَتْ ملكا عاما للمسلمين يتورع أمثال بشر عن أكل طعامه لشبهة الحقوق العامة التي اغتالها الملوك الأمويون ثم العباسيون.
جاءت أخت بشر الورعة إلى الإمام أحمد تستفتيه، قالت: إنا نغزل على سطوح بيوتنا، فتمر بنا مشاعل الظاهرية، ويقع الشعاع علينا. أفيجوز لنا الغزل في شعاعها. فقال أحمد: من أنت عافاك الله تعالى؟ فقالت: أخت بشر. فبكى أحمد وقال: من بيتكم يخرج الورع الصادق، لا تغزلي في شعاعها. رحمهم الله، كان شعاع الظلمة المغتصبين الساطين أذىً يتجنبونه بعد أن عزَّ وجود حكامٍ مثل عمر بن عبد العزيز الذي كان يُطفئ شمعة الإمارة حين يكلمه الوارد عليه في شأن خاص، وقبض على مشامِه لما جاءه مسك من الغنائم مخافة أن ينتفع بريحه من دون المسلمين.
قال الإمام الشيخ عبد القادر رحمه الله ورضي عنه: "يا غلام هذا الزهد ليس هو صنعة تتعلمها. ليس هو شيئا تأخذه بيدك وترميه. بل هو خَطَوات أولها النظر في وجه الدنيا، فتراها كما هي على صورتها عند من تقدم من الأنبياء والرسل وعند الأولياء والأبدال الذين لم يَخْلُ منهم زمان. إنما تصح رؤيتك لها باتباع من تقدم في الأقوال والأفعال. إذا تبعتهم رأيت ما رأوا. وإذا كنت على أثر القوم قولا وفعلا، خلوة وجَلوَة، علما وعملا، صورة ومعنى، تصوم كصيامهم، وتصلي كصلاتهم، وتأخذ كأخذهم، وتترك كتركهم، فحينئذ يعطيك الله نوراً ترى به نفسك وغيرك، يبيِّن لك عيوبك وعيوب الخلق، فتزهد في نَفْسِك وفي الخلق أجمع. فإذا صح لك ذلك جاءت أنوار القرب إلى قلبك، صِرْتَ مؤمنا موقنا عارفا عالما. فترى الأشياء على صوَرها ومعانيها. ترى الدنيا كما رآها من تقدم من الزاهدين المعرضين. تراها في صورة عجوز شوهاءَ قبيحة المنظر. فهي عند هؤلاء القوم على هذه الصفة، وعند الملوك كالعروس المَجْلِيَّة في أحسن صورة. هي عند القوم حقيرة ذليلة، يُحرقون شعرها ويَخرقون ثيابها، ويخمِشون وجهها ويأخذون أقسامهم في صحبة الآخرة. يا غلام! إذا صح لك الزهد في الدنيا فازهد في اختيارك وفي الخلقِ"[1].
وقال زاهد في الدنيا، ثاوٍ فيها ببَدنه، راحل عنها بقلبه:
أيهـا المعجـب فَخْــرا بمقــاصيـر الـبيــوت
إنمـا الدنـيــا محــل لـقـيــام وقـنــوت
وغـدا تـنــزل لحـداً ضيقـا بعـد التخـوت
بين أقــوام سكــوت نـاطقـات في الصمـوت
فارْض في الدنيا بثـوب ومـن العـيـش بقــوت
واتخذ بيتـا ضعيـفــا مثـل بيـتِ العنكبــوتِ
ثم قل: يا نـفـس هـذا بيـت مـثـواكِ فمـوتي

وقال بشر الحافي إمام الورعين:
قَطْـع الليـالي مع الأيــام في خَـلَـق والنــوم تحـت رُواق الهـم والقَـلــق
أحـرى وأجـدَرُ بي من أن يُقـال غـدا إني التمسـت الغِنى من كـف مُختلِـق
قالوا: رضيت بذا؟ قلت القنوع غِنىً لـيـس الغنى كـثـرة الأمـوال والـوَرِقِ
رضيـت بالله في عُسـري وفي يُسُـري فلـسـت أسـلك إلا واضـح الـطــرق

وقال رفيع الهمة، عاف الدنيا واستقذرها واستبشعها وخرق ثوبها وخمش وجهها:
إذا لـم أتـرك المـاء اتـقــاء تركت لكـثـرة الشركـاء فيه
إذا وقع الذبـاب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجـتنبُ الأسـودُ وُرودَ ماء إذا كان الـكلاب وَلَـغْنَ فيه

وقلت:
عِـشْ للأغــاني والغَــزلْ عَبـْــداً لِلَــهــوكَ لَــمْ تـزلْ
عَيــشٌ خـفـيــضٌ ناعــمٌ ومنــوَّعـــات للمَــلَلْ
ما أنــتَ مــن صِنــف الر جالِ تمــوتُ في ظلِّ الأسَلْ




[1] الفتح الرباني ص 136.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:33 PM
التوكل
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة. إنك أنت الوهاب(. لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم. والحمد لله رب العالمين. إني أعوذ بك من شر عبادك.
يفتح معتزلة هذا الزمان وعقلانيوهم واشتراكيوهم محاكمة الغزالي لما جناه، في زعمهم، على العقل العربي الإسلامي لمّا دعا إلى التوكل وزرع بدعوته بذور الخمول الفكري والانحطاط. نرى أولا ما قال الغزالي عن التوكل بإيجاز ثم نرجع إلى الموضوع إن شاء الله.
تكلم الإمام الكبير أولا في فصل طويل في "الإحياء" عن التوكل من حيث كون التوحيد أصلا للتوكل. وتكلم عن توحيد النفاق وهو توحيد من يشهدون باللسان شهادة الحق وقلوبهم مطوية على ما يعلمه الله، وعن توحيد العامة من المسلمين، وعن توحيد الخاصة من المؤمنين، وعن توحيد خاصة الخاصة أهل الكشف والشهود الذين ينكشف لقلوبهم أن لا فاعل إلا الله فلا ينظرون إلى غير الله بل يكون خوفهم من الله، ورجاؤهم إليه، وثقتهم به، واتكالهم عليه. "فأنه الفاعل على الانفراد دون غيره، وما سواه مسخرُون لا استقلال لهم"[1].
وتكلم بعد ذلك عن حال التوكل ودرجاته. فذكر أن الدرجة الأولى للمتوكل هي "أن يكون حاله في حق الله تعالى والثقة بكفالته وعنايته كحاله في الثقة بالوكيل". والدرجة الثانية "أن يكون حاله مع الله تعالى كحال الطفل مع أمه لا يعرف غيرها ولا يفزع إلى أحد سواها". والدرجة الثالثة "أن يكون بين يدي الله تعالى في حركاته وسكناته مثل الميت ين يدي غاسله(...) يرى نفسه ميتا تحركه القدرة الأزلية"[2].
قال القضاة المتَّهِمون: إن جناية الغزالي على العقل العربي الإسلامي جناية قاتلة لأنه شرع نبذ الأسباب ورفْض العمل وانتظار الرزق أن يجيء من السماء. وفي تيار هذه العقلانية القدَرِية المتمسحة بالفكر الاعتزالي، المجددة له، ينجرف بعض الكتاب الإسلاميين والمحسوبين على الإسلام ليسجلوا في سجل المحاكمة شهادتهم المتهِمة للغزالي والصوفية بأنهم جبرية يعطلون الأسباب، وبأن طوائف منهم كانوا يعيشون على الاسترزاق من صدقات الناس، وأنهم كانوا طفيليات في المجتمع، وبقي فكرهم كالحشرة الضارة في عقل الأمة.
لا أنفي أنه كان من "صوفية الأرزاق" أقوام دفعتهم الفاقة والحاجة إلى سكنى الخانقاهات والزوايا أكثر مما دفعهم حب الله. ولا حديث لي مع القدرية الذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون لأصف لهم مقامات أهل التوكل من الصادقين الذين يتعاملون مع الله عز وجل باعتمادهم على التوكل والدعاء في جلب الرزق أكثر من اعتمادهم على أسباب الكسب المشروعة حتى إن بعضهم يقتحم الصحاري بلا زاد ولا ماء فيعامله ربه اللطيف الخبير بأن يخرق له العادة ويرزقه، وهو الرزاق لا غيره، من الغيب.
حديثي مع طالبي الإحسان والعدل لأحدثهم أن الله عز وجل يرزق من يشاء بأسباب ظاهرة وبغير أسباب. ومن عطل الأسباب الموضوعة في الكون فهو ناقص مغرور أو أشعث أغبر معذور. من آكد الأسباب وأجداها وأنفعها الدعاء والتوكل مقرونَيْن بالجُهد البشري المنظم المتتلمذ لنظام الكون، المستفيد من التجربة والخبرة واحترام نواميس الله الكونية كلها. التوكل والدعاء سببان قلبيان يُضافان إلى الأسباب العقلية الجوارحية الحركية فيعطيان لعملية الكسب البشري في حياة المؤمن وحياة الأمة بُعدها الإيماني الإحساني.
قال الإمام سهل بن عبد الله، وهو عالم الصوفية: "ليس مع الإيمان أسباب، إنما الأسباب في الإسلام". يعني رحمه الله أن الإسلام، وهو ظاهر الدين، يقابل الأسباب الظاهرة، بينما يقابل الإيمان، وهو باطن الدين، التوكل وهو عمل القلب.
وقال أبو طالب المكي رحمه الله: "اعلم أن الله عز وجل ذو قدرة وحكمة، فأظهر أشياء عن وصف القُدرة، وأجْرى أشياء عن معاني الحكمة. فلا يُسقِط المتوكل ما أثبت من حكمته لأجل ما شهد هو من قدرته"[3].
التوكل على الله دينٌ من أعلى مقامات الدين، فإن أسقط بعض المنتسبين للتصوف الحكمة لما شهدوا في كشفهم عجائب القدرة،واستقلال القدرة الإلهية عن الأسباب، فقد هربوا من شرك الأسباب نُفورا ليستقروا في رُخصة المعذورين، وليسوا حجة ولا قدوة. القدوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا". رواه الترمذي والحاكم وصححاه من حديث عمر رضي الله عنه.
هو صلى الله عليه وسلم كان سيد المتوكلين، وضرب مثلا برزق الطير. الطيرتغدو وتروح، لولا غدوها ونشاطها في البحث والسعي والحركة حتى الرواح ما رُزقت. سعيها الدائب مثالٌ ضربه صلى الله عليه وسلم، وضرب مثلا باحترامه هو للأسباب، تأتي المعجزة في لحظات استثنائية لتؤكد القاعدة لا لتبطلَها. كان صلى الله عليه وسلم مع الحكمة الإلهية قولا وعملا وإقرارا ووصية وضرب مثل. ما كان في سلوكه الشريف رائحةُ دروشة ولا جبريةٌ قاعدةٌ.
من قمة الجهاد النبوي الصحابي الخلافي (نسبة إلى الخلافة لا إلى الخلاف) نزلت الأمة إلى الحضيض. وفي زماننا حركة، موفقة إن شاء الله، رجاءً ودعاءً وتوكلا، للصعود من حضيض الغثائية إلى الخلافة الثانية. لا نريد أن يكون إيمانُنا وإسلامنا الْتِقَاطِيّاً نَتَنَاوَلُه، بنقد أو بغير نقد، من يد الأشتات والشتات الذي آل إليه عقل المسلمين وقلبهم وكيانهم الاجتماعي والسياسي بعد أن انقسموا ثلاثا وسبعين فرقة.
ليس الذنبُ ذنبَ العقل، ولا ذنب للغزالي الذي دافع عن العقيدة التوحيدية في وجه طوفان الفلسفة الإلحادية والزيغ القدري الذي وقف ضده من قبلُ إمام الحديث أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
الآفة الكلية، عقدة العقد وبؤرة الفساد والإفساد، هي طغيان السلطان وحاشية السلطان على القرآن وعلى أهل القرآن. انفرط عقد الأمة كما أخبر من قبل الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم حين قال: "لتُنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة". رواه الإمام أحمد والطبراني عن أبي أمامة الباهلي. وحصدت سيوف بني أمية الباغِيَةُ خيرة الصحابة حين قتلوا الحسين سيد شباب أهل الجنة، وقتلوا علماء المدينة، وسفكوا دماء القائمين من أهل البيت، وسبوا الإمام عليا ستين سنة من على منابر المسلمين المقهورة. أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه حين قال لعبد الله بن عمرو: "كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس مَرِجَتْ عهودهم وأماناتهم واختلفوا فكانوا هكذا" وشبك بين أصابعه الشريفة. قال عبد الله: فبمَ تامرني؟ قال: "عليك بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، وإياك وعوامَّهم". رواه الترمذي وصححه وأبو داود عن عبد الله بن عمرو.
قال القاضي عياض: "حثالة كل شيء رُذالته".
حكم المسلمين أرذال الناس، وتولتهم بعد السيوف العربية الأموية السيوف الخراسانية الفارسية العباسية، ثم السيوف الديلمية والتركية السلجوقية، ثم السيوف المملوكية وهلم جرا.
في ظل السيف ظهرت الفرق البدعية، وهي بدع جزئية ولدت ونشأت وترعرعت وازدهرت في رعاية البدعة الكبرى، بدعة فساد الحكم، وتشبث علماء المسلمين، ومنهم الغزالي، بما بقي من عُرى الإسلام، كلٌّ يدافع عن حوزة من حوزات الإسلام وعن حرمة من حرمه.
خيَّم مُناخ استبدادي على الأمة ولا يزال يخيم، وتداخل العقل المسلم بعضه في بعض وتقلص كما تداخل كيان المسلمين المعنوي بعضه في بعض رغم الانتشار السطحي الجغرافي للدولة - الشوكة الإسلامية.
حُثالة أمس واليوم، على وزن فُعالة بضم الفاء، والأمة العددية غثاء كغثاء السيل، فُعال بالصيغة المرضية، والمرض مرض قلبي عقلي سياسي اقتصادي كلي. لا بُرءَ له يُرجى إلا بالصعود الإيماني الإحساني إلى جنب القرآن بِتَمَثُّل النموذج النبوي وطرحِ النماذج الهابطة لنجد العافيةَ من الحثالية والغثائية معا.
لا يزال بعض الإسلاميين، كثير منهم بكل أسف، يُشيدون بالنموذج العباسي الأموي. وذاك ارتكاس فكري يماثل في عصرنا ارتكاس مفهوم التوكل في تواكلية عاجزة بليدة.
اصطنع المعتصم العباسي، جلادُ الإمام أحمد، جيشا من الترك، حُثالة من العساكر المرتزقة ليتحرر استبداده من دالَّة الفرس المؤسسين لدولة آبائه ونفوذهم. ما لبث العساكر من بعده أن قتلوا خمسة "خلفاء" في خمس سنوات، كان آخرهم موتا المهتدي الذي حاول التخلص من الوُصفان الترك الذي كانوا يلعبون بالدولة الإسلامية، يقتلون ويسجنون ويشرِّدون ويأمرون وينهون. قال الشاعر يصف "الخلفاء" اللُّعَب الدُّمى:
خليفة في قفـص بين وصيف وبُغا
يقـول ما قالا له كما تقـول البَبَّغـا

وقال البحتري:
لله در عـصــابـة تــركـيــة ردوا نـوائـب دهـرهـم بالسيـف
قتلـوا الخليفـة أحمـد بن محمـد وكسوا جميع الناس ثوب الخـوف
وطغـوا فأصبـح ملـكـنـا متقسـمـا وإمـامنـا فيه شـبـيـه الضـيـف

جمع المهتدي بني هاشم وحدثهم بأنه ينوي قتل القائدين "وصيف" و"بغا" ليفعل كما فعل عمر بن عبد العزيز ويحمل الناس على سيرة الرسول وأهل بيته والخلفاء الراشدين. قالوا له وهم أدرى بالحال: "إن الرسول كان مع قوم زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة، كأبي بكر وعمر وعثمان (لاحظ أن عليا لم يذكر للمنافسة بين العلوية والعباسية)، وأنت إنما رجالك ما بين تركي وخزري وفرغاني ومغربي وغير ذلك من أنواع الأعاجم. لا يعلمون ما يجب عليهم من أمر آخرتهم. وإنما غرضُهم ما استعجلوه من هذه الدنيا. فكيف تحملهم على ما ذكرت من الواضحة؟"[4].
حتى الطبقة الحاكمة العباسية كانت تعرف ما هي المؤهلات التي يجب أن تتوفر فيمن يريد حمل الناس على الواضحة. زهد الصحابة رضي الله عنهم في الدنيا ورغبتهم في الآخرة وحبهم لله وتوكلهم عليه هي المزايا الكلية المفقودة لا الكفاءة العقلية وحدها التي يُتهم الغزالي بتضييعها.
غرَّد السيفُ على رقاب المسلمين بعد ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقا لقوله: "الخلافة ثلاثون سنة ثم تكون ملكا". رواه أبو داود والترمذي وابن حبان والإمام أحمد وغيرهم بسند صحيح عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. واضطرب تحت السيف ما في الصدور من نيات، وما في الرؤوس من أدمغة، وما في الأرض من أرزاق. واحتمى علماء الملّة، من محدثين وفقهاء وصوفية، في مواقف دفاعية، تخلّوا عن بعض المواقع ليتشبثوا بخنادقهم وسط الفتنة العارمة القاتلة التي عبر عن دائها الوبيل الملك بن الملك عبد الملك بن مروان حين خطب في المدينة سنة خمس وسبعين فقال: "إني لن أداوي أمراض هذه الأمة بغير السيف(...) والله لا يامرني أحد بعد مَقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه". حسبنا الله ونعم الوكيل.
قال من لم تلهه الدنيا عن أجله:
إن يكـن مني دَنا أجلي آه يـا ذلي ويـا خجـلـي
مُـتُّ من ذل على قدمي مُطـرقا بالرأس من زَللي
لو بذلت الروح مجتهدا ونفيت النـوم عن مُقَـلي
كُنت بالتقصيـر معتـرفا خـائفا من خيبة الأمـل
إن يكـن للعبـد سـابقـة سبقت في الأعصـر الأُوَلِ
لم يكن في النادمين غدا نافعي علـمي ولا عمـلي

وقال ذاكر لربه بين غافلين:
فنسيـان ذكـر الله مـوت قـلـوبهم وأجسـامهم قبـل القـبـور قـبـور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليـس لهـم حتى النشـور نشـور

وقال ذاكر لله يريدون تغفيله لينتقل إليهم:
يُراد من القلب نسـيانكـم وتأبى الطـباع على الناقل

وقلت:
إنْ تَرُمْ يومـاً لِمكــرُمَة تَرفَـعَ الرَّأسَ بِلا وَجَــلِ
فَاطَّرِحْ أعذارَ طـائـفةٍ تَخِذُوا عِلماً بِلاَ عَمَـلِ
وابْــذُلِ الرُّوحَ بمُعـتَـرَك دَاخِلَ الصَّفِّ ولا تَمِـلِ




[1] الإحياء ج 4 ص 213.
[2] المصدر السابق ص 225.
[3] قوت القلوب ج 2 ص 19.
[4] المسعودي في مروج الذه

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:34 PM
الشكر والبذل
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه. إن الله لا يخلف الميعاد(. الله أكبر الله أكبر، الله أعز من خلقه جميعا، الله أعز مما أخاف وأحذر. أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو الممسك السماوات السبع أن يقعن على الأرض إلا بإذنه. اللهم كن لي جارا من شرهم، جل ثناؤك وعز جارك وتبارك اسمك ولا إله غيرك.
ينتظر العالم الآن، والنموذج الغربي الجاهلي يفقد من غلوائه تنخُرُه أمراض الجاهلية، بروزَ مجتمع أخوي رفيق بالإنسان، صديق للإنسان، يرقى بالإنسان من وعي المقطوع عن الله وعن اليوم الآخر إلى كرامته الآدمية. المجتمعات البشرية المتقدمة صناعة وحضارة القائمة اليوم مرتبطة برباط القانون الجاف، الضامن بمسطرته ومؤسساته، المرنة في الديمقراطيات الشديدة في الاستبداديات، استقرار التعايش على الحد الأدنى من تحمل الناس بعضهم بعضا. لم يبق إلا في المجتمعات البدائية والمتخلفة حضاريا بقايا من المحبة والعطف والرحمة. ونثراتٌ هنا وهناك في المجتمعات المصنعة من البذل والعطاء تتمثل في جمعيات الإحسان.
ما بعث الله الرسل لإصلاح دنيا الناس وانتهى الأمر، لكن بعَثهم لدعوة الخلق إلى مأدبة الآخرة. وما أمر به الله على لسان رسله من إصلاح دنيا المجتمعات البشرية فالقصدُ منه إصلاح آخرة كل فرد فرد من المؤمنين والمؤمنات ساهم بإخلاص وصدق وعطاء وإحسان في إكرام خلق الله، وإطعام خلق الله، وإيثار خلق الله بذات اليد وذات النفس.
نُذَكِّرُ بهذا لكي لا نتيه مع إسلام البديل الحضاري الذي يعرف نفسه منقذا أرضيا للبشرية من مخالب الحضارة المادية، وكأنك حين تقرأ في كتب كثير من الإسلاميين المنغمسين في معركة المواجهة تقرأ عن مذهب أرضي لا صلة له بالله إلا صلة قانونية مبدأها وغايتها "الحاكمية"، ولا صلة لها بالآخرة، ولا فرق فيه بين المسلمين وغيرهم إلا أن المسلمين يقرأون القرآن ويطيعون الله في حدود «تَدَيُّن" لا يُدرى له قَبْلٌ ولا بعدٌ.
يأتي المجتمع الأخوي الذي تنْشُدُه البشرية ويملك الإسلام سر إقامته، وقواعد بنائه، ومخطط نشره، ونصائح المحافظة عليه هديةً إلهية ثانوية تتفرع عن الهدية العظمى هدية الهداية والسعادة الأبدية في الدار الآخرة. تتفرع عنها وتكملها، بل تكون فضيلةُ المحسن إلى خلق الله في الدنيا قربة سعادية عظيمة في الأخرى.
يُفرَض في المجتمعات البشرية القانونية احترامُ الغير، وبذلُ الجهد في صالح المجموع، وأداء الضرائب، ومراعاة حرية الآخرين، فرضا إجباريا من خارج، بسلطان الإرادة الجماعية المتجسدة في صيغ قانونية. على الأساس القانوني والعلاقات القانونية تُشيَّدُ أركان المجتمع.
في المجتمع الإسلامي تكون القاعدة هي الرحمة والمحبة والأخوة والعطاء احتسابا لوجه الله، وتقديما مرجوَّ الفائدة، مضمونَها إن كان إخلاص وصدق، ليوم فِيه ) تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً( (سورة آل عمران، الآية: 30). ثم تأتي في المرتبة الثانية فرائضُ الشرع وضوابطه وحدوده لتنظم الفَيضَ الأخوي، وليزع وازع سلطان الشرع من سلوك الذين لم يوقوا شح أنفسهم ما لم يَزَعْهُ القرآن .
هذه القلوب الإنسانية عليها أقفالها، لا تفتح تلك الأقفال إلا بالإسلام ومجالسة الإخوان وتعلم الإيمان وتدبر القرآن وصحبة الله ورسوله والمؤمنين العارجة إلى مقامات الإحسان. من انفَتحت له بهداية التوبة نافذة الإسلام انحلت عقدة من عقد قلبه، ثم يُفتح له باب الإيمان فيُشرف على طمأنينة الذكر والصدق فينحل قفل الحرص على المال والرئاسة، ويَشغلُه حب الله ورسوله والشوق إلى لقائه عن توافه الدنيا وشهواتها فيزهد ويتوكل ويبذل. ثم يُفتح له أفُق الإحسان فيطلق الدنيا جميعا، يُفْرغُها من قلبه، فلا يفرح بعدها إلا بالله، ولا يعمل إلا لله، شكرا لله، وتقربا إلى الله، ويقينا أن مردَّنا إلى الله. شغلته بهجة الإحداق فيما كُشف له من عالم الملكوت عن زينة الحياة الدنيا، وهبت عليه أرواح الأشواق إلى الملك الوهاب فانفتح القفل الأخير، قفل شح النفس، فانبسطت يده بالعطاء وكان من المفلحين، نافذ التدبير، مُصيب التقدير، موفّقاً مرزوقا.
ليس الكرم الأصيل، كرم ذوي المروءات، كالتكرم. وليس البذل المنبعث عن الإيمان والإحسان كعطاء الشحيح النفس الحديث النعمة. ترقى المؤمن المحسن في خدمة مولاه فحرَّرَهُ سيدهُ من رقِّ الدنيا ووعده هوادج الكرامة فهو لا يستميله الغنى والجاه. علم أن المنعم سبحانه رزاق في الدنيا والآخرة، وعلم أن الدنيا لا تساوي عند الكريم العلي الحكيم سبحانه جناح بعوضة، فهو لا يقيم لها وزنا إلا من حيث كون العمل فيها، والكسب، والبذل، والزكاة، والصدقة، والجهد والجهاد، والعبادة جَميعا واسطةٌ لنيل خير الآخرة ودرجات الوجوه الناضرة الناظرة.
في المجتمع الأخوي الإسلامي يتعايش المؤمنون المحسنون والمسلمون والناس أجمعون في ظل دين يقرر ويعلم ويربي على أن لا خير إلا خير الآخرة، وأن السعادة ليست الاستهلاكَ غَيْرَ المحدود، ونهب اللذات من حلٍّ وحرام، واقتناص الوسائل من عيون شبكة القانون لإرضاء الشهوات. يعلم ديننا ويلقن ويربي على أن النعمة الإلهية التي اختص الله الحليم الكريم بها من آمن به وصدق رسله وعمل في رحلة الدنيا الوجيزة صالحاً نعمة جُلَّى هي نعمة الخلود في دار المقامة في رضى الله والنظر إلى الله. هذه النعمة العظمى تهونُ بالقياس إليها كلُّ قيم الأرض، ويتبارى أهل الإيمان والإحسان، ويتبعهم الناس طوعا بوازع القرآن أو كرها بوازع السلطان، في بذل ذات اليد شكرا لله، وتلك المرتبة العليا، أو تجارة مع الله الذي يجزي الحسنة عشر أمثالها، وهذا يقبله الله حلما وكرما ومنا. ويضاعف سبحانه لمن يشاء. أيُّ كرم أجل من كرمه تبارك اسمه، النعم منه إليه، خلقك وأعطاك ورزقك ثم استقرضك واشترى منك! ماذا عندك من كِفاءٍ لفضله إلا أن تصرف العمر شكرا! ومتى تقضي شكر نعمة الخلق ونعمة الهداية، ونعمة الإسلام، ونعمة الإيمان، ونعمة الإحسان، وسائر النعم التفصيلية!
المؤمنون المحسنون الشاكرون قليل من العباد. والعاملون الباذلون شكرا قليل. قال تعالى: )عْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ( (سورة سبأ، الآية: 13). ذلك أن صفوة الخلق وحدهم تتصف صلتهم بالله عز وجل بالشفافية الإحسانية فلا تَشوب معاملتَهم معه شوائبُ الشرك بالأسباب، ولا تكدرها رغائب حب الدنيا، ولا تحجبها ظلمات التوكل على غيره، واعتبار أي خير سوى خيره. وقد قال شيخ الإسلام أبو اسماعيل الهروي: "اجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم أن التصوف هو الخلُق. وجميع الكلام فيه يدور على قطب واحِدٍ. هو بذل المعروف وكف الأذى".
قال الله عز وجل فيما رواه عنه رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "يا ابن آدم! أَنفقْ أُنفِقْ عليك!". الحديث رواه الشيخان عن أبي هريرة.
هذا الخطاب العُلْوِيُّ موجه للصفوة من العباد الأحرار من رق الأرض والأكوان عباد الرحمان. أما غيرهم من أهل الإسلام والإيمان فيُدعون إلى البذل من باب الوعد والوعيد. قال أبو ذر: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: "هم الأخسرون وربِّ الكعبة!" قال فجئت حتى جلست، فلم أتَقارَّ أن قمت فقُلت: يا رسول الله! فداك أبي وأمي من هم؟ قال: "هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا. من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله. وقليل ما هم، ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها، وتطَؤُه بأظلافها. كلما نفِدَت أخراها عادت عليه أولاها حتى يُقضى بين الناس". رواه الشيخان عن أبي ذر.
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشكر من أحسن إلينا من الناس أدَباً وتأليفا للقلوب وتشجيعا لمن يحب المحمدة أن يسمعها، وعبادةً وتذكيراً بالمنعم الحقيقي سبحانه. قال صلى الله عليه وسلم: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس". رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطمع فيما عند الناس وعن سؤال الناس، وأمر بالتكسب الشريف كيلا يكون ثمن الكفالة الاجتماعية في المجتمع الإسلامي الأخوي، مجتمع العدل والإحسان، إِراقة ماء الوجه وذلَّ المسألة وهوانَ التطفل. قال صلى الله عليه وسلم: "لأن يحتطب أحدكم حُزمةً على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه". رواه الشيخان عن أبي هريرة.
وقال الإمام ابن عطاء الله في حكمه: "ما بَسَقت أغصان ذل إلا على بذر طمع". الطمع في الله كالشكر لله هو المحمود. قال راجي الله:
حـرام علـى مـن وحــد الله ربَّـه وأفـرده أن يَـجْـتَـدي أحـداً رِفْـدا
ويا صاحبي قف بي مع الحق وقفة أموت بها وجـدا وأحيى بهـا وَجْـدا
وقل لملـوك الأرض تَجْـهَـدُ جهـدها فـذا الملك ملك لا يُبـاع ولا يُهـدى

هذا الطامع في ربه، الذي تخطت آماله البلاد والعباد ليحُط الرحال على باب الملك الكريم الجواد سبحانه، منحه الملك الوهاب مُلكاً لا مطمع فيه لملوك الأرض وكبراء الدنيا ولو جهدوا، مُلكاً ما هو من الدنيا، وما الآخرة إلا قاعدته الحسية، ملكاً هو القرب من الله، هو مقعد الصدق عند الله، هو النظر إلى الله، لا إله إلا الله.
قال الإمام الشيخ عبد القادر رفعه الله في مقعد الصدق: "يا غلام! خطوتان وقد وصلت! خطوة عن الدنيا وخطوة عن الآخرة. خطوة عن نفسك، وخطوة عن الخلق. اترك هذا الظاهر، وقد وصلت إلى الباطن. بداية ثم نهاية. ابتدئ أنت والتمام على الله عز وجل. منك البداية ومن الله عز وجل النهاية. خذ المِرَّ والزنبيل (أي الحبل والقفة كما يعمل العامل بالفاس في انتظار من يشغِّله) واقعد على باب العمل، حتى إذا طُلِبْتَ تكون قريبا من المستعمل.لا تقعد على فراشك وتحت لِحافك ومن وراء أغلاق، ثم تطلب العمل والاستعمال. أدْنِ قلبك من الذكر، وذكِّره يوم النشور، تفكر في القبور الدوارس، تفكر كيف يحشُر الحق عز وجل جميع الخلق ويقيمهم بين يديه. إذا دمت على هذا التفكر زالت قساوة قلبك، وصفا من كدره. إذا كان البناء على أساس ثبت ورسخ، وإذا لم يكن على أساس تعجَّل وقوعه. إذا بنيت حالك على أحكام الحكم الظاهر لا يقدر أحد من الخلق على نقضه. وإذا لم تبنه على ذلك لا يثبت لك حال، ولا تصل إلى مقام. ولا تزال قلوب الصديقين تمقتك وتتمنّى أن لا تراك.
"ويحك يا جاهل! الدين لعب هو! تنميس هو! لا ولا كرامة لقَفاك يا مُتَنَمِّس!(...) يا جهال! خالطوا العلماء واخدموهم وتعلموا منهم. العلم يوخذ من أفواه الرجال. جالسوا العلماء بحسن الأدب وترك الاعتراض عليهم، وطلب الفائدة منهم، لينالكم من علومهم، وتعود عليكم بركاتُهم، وتشملكم فوائدهم. جالسوا العارفين بالصمت، وجالسوا الزاهدين بالرغبة فيهم. العارف هو في كل ساعة أقرب إلى الله عز وجل مما كان في الساعة التي قبلها. في كل ساعة يتجدد خشوعه لربه عز وجل وذله له. يخشع من حاضر لا من غائب. زيادة خشوعه على قدر زيادة قربه من ربه عز وجل. زيادة خرَسِه على قدر زيادة مشاهدته"[1].
قال شاكر لربه، يُعدِّد آلاءه عليه ويرجو المزيد:
وكم رُمت أمراً خِـرْتَ لي في انصرافه فقـد كنـت بـي منّـي أبـرَّ وأرحمـا
عـزمت على أن لا أحـس بخاطـري على القلـب إلا كنـت أنت المقـدمـا
وأن لا تـراني عنـدما قـد نهيـتـنـي وإن كـان في نفسـي أثـيـرا مُقـدَّمـا
وما كنـت أدري كيف يصبـر واحـد ولا كـيـف يسلـو بعـدمـا قد تتيّمـا
فأنقـذتني بالجـود من غَمْـرَة الردى وعلمـت قلبـي الصبـر حتـى تعلمـا
ولـو لم تخلصـنـي بجـودك لم أجـد إلى سـلـوة حتـى القـيـامـة سُلـمـا

وقال سليم الفطرة مطبوع على الجود:
تعـاتبني في الجـود والجـود شيمتي ومـالـي بإبــدال الطبــاع زعيـم
ولم أر مـثـل الجـود، أمّا حـديثـه فحـلــو وأمـا حُـبــه فـقــديـم
أرى الـناس خـلاّن الجـواد ولا أرى بـخيـلا له في العـالمـيــن حمـيـم
ولا خيـر فـيمـن لا يُعـاش بعيـشـه ولـو أنـه فــوق السِّمــاك مُـقـيـم
ذرينـي فـإن البخـل عـار بأهـلـه وما ضـر مثـلي أن يقـال عـديـم
وكيف يخاف الفقـر أو يُحْرَمَ الغنىُ كـريـم ورب الـعـالمـيـن كـريـم!

وقلت:
مَازالَ باسْم العَـدل يهتــفُ مَعشــرٌ حَملـوا شعــاراتٍ لَهــنَّ عَــويــلُ
من مَعهــدِ الإلحــاد غُــذُّوا صِبيَـةً وسُقوا شرابَ الكُفـر وَهْو مُحيــلُ
قُمْ للدَّعيِّ اطرُدهُ مِن ســاحِ الوَغى فلِنسْــلِ جُنــد اللّه أنـت سَليــلُ




[1] الفتح الرباني ص 228-229.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:35 PM
البِـر
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار. الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار(. اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم كن لنا جارا من شر عبادك وأحزابهم وأشياعهم من الجن والإنس أن يفرطوا علينا أو أن يطغَوْا. عز جارك، وجل ثناؤك ولا إله غَيرك.
نعرِّف البر بتعريف الله جل جلاله إذ يقول: )لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ( (سورة البقرة، الآية: 177).
ونعرف البر بتعريف رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "البر حسن الخلق" الحديث رواه مسلم والترمذي.
مجموع الفرقان والبيان يعطينا أن البرَ مخالقَة طوائف الناس من ذوي القربىوالمحتاجين بأخلاق البذل والإكرام ببواعث الإيمان والإحسان وفضائل الصدق والتقوى. البر سلوك متماسك، أخلاقي ديني اقتصادي اجتماعي، في البأساء والضراء وحين البأس، باعثُهُ الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين. البر تخلص من الشح بإيتاء المال، رغم حب المال تلك المحبة الهامشية التي تبقى عالقة بجوانب نفس المؤمن، لا تتلاشى وتضمحل إلا في نفس المحسنين الذين سكن حب الله والتوكل على الله كيانهم حتى لم يعد فيها مكان لحب غَيره.
من النبْع القلبي، نَبع البر العميق الشامل الجيَّاش، لا من ضوابط القانون، يُملي إيمان المؤمن على المؤمن وإحسان المحسن على المحسن فريضة العطاء في سبيل الله، من زكاة محدودة وصدقة سمحاء. وعلى أركان البر، لا على بنود القانون يتأسس التكافل الاجتماعي في المجتمع الإسلامي الأخوي، وفي تعامل المسلمين مع الناس أجمعين، إذ لا حدود للبر تحبِسهُ عن الوفاء بحق الضعيف والمحتاج من إنسان وطير ودابة.
هذا ذكر للمثال الإسلامي ووصفٌ لما يجب أن يكون، نتشوف لأخلاقية العدل والإحسان في دولة القرآن. أما واقعنا الحالي، واقع خصومة السلطان مع القرآن، فالبِر كلمة تقال ووعظ يسمع. ويتسلى المسلمون الغيورون بعرض المبادئ الإسلامية، المهجورة عمليا الغريبة، ليفاخروا العالم المتحضر الديمقراطي القانوني بأن الإسلام سبق إلى الفضائل العليا بكذا وكذا قرناً. في مقارنة الوحْي المنزَّل بقانون البشر بأْساءُ وضراء شديدان، وهجر المسلمين لدينهم، وغياب البر من بينهم، أشد. وهذاك من هذا.
الانبعاث الإسلامي والحمد لله في مراحل اليقظة، والاكتمال الإيماني والإحساني الذي يؤسس البر مشروع تربوي ترعاه عناية الله على يد الربانيين من الدعاة. وشؤون الأمة في قضايا العدل والبر، مثل شؤونها السياسية، يجب أن تتعهدها الدعوة منذ هذه المراحل الأولى بالتنظير والتطبيق وتهييء النماذج المتعددة حتى إذا تمكنت الدعوة من الدولة، ومكن الله للأبرارِ في الأرض، تركبت العلاقات في دولة القرآن على تركيبة لا تستوعب فيها الدولة الدعوة، ولا يستأثر فيها وازع السلطان بالأمر والنهي في جليل الأمر وحقيره.
كأن من طبع الدولة المركزية الحديثة أن تطغى السلطة القانونية، وإداراتها ومكاتبها وإحصاءاتها وأجهزتها المنتشرة،على الحياة كافة حتى تصل إلى النموذج المتقدم في هذا المضمار الاجتماعي،نموذج الدولة الكافلة في دُوَلِ اسكندنافيا.في مثل هذا المجتمع البالغ التنظيم المغرِق في القانونية تفقد المبادرة الفردية والمنظمات الاجتماعية الخاصة كل داع لوجودها.وكأن المجتمع القانوني الكفالي انقلب رأساً على عقب فأصبحت الدولة هي القاعدة، وهي الأم، وهي الكل، والناس من تحتها أرقام في الحضانة، وتحت الرعاية الإدارية التي لا اسم لها ولا لون ولا وجه.
في دولة القرآن ينبغي لوازع السلطان، لا سيما في المراحل الانتقالية أثناء ترويض الأجهزة الموروثة، أن يتولى العلاقات الخارجية وكل شأن من شؤون الأمة يتطلب تخصصا دقيقا وتمويلا ضخما وأمنا عاما وقوة محشودة. ويُعهد للبر المنظم الفردي مسؤولية كفالة الإنسان في حاجاته الصحية، والتعليمية، والتربوية، والعاطفية الإحسانية، والمادية الطارئة، والاجتماعية، والترفيهية.
وبالتدريج يعاد الوضع بين الدعوة والدولة، وبين المجتمع والإدارة، وبين البر الإحساني والقهر السلطاني إلى نصابه، فيكون الناس الأحرار المنبعثون بالإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين هم القاعدة، وهم الرقابة على الدولة المتحكمون فيها، لهم الوصاية على الدولة وليس للدولة عليهم الوصاية. وليس خنوع الناس تحت مطارق السلطان أهونَ ما نرث من تاريخ الحكم العاض والجبري الذي عالج أمراض الأمة طيلة أربعة عشر قرنا بالسيف.
نحمل معنا، معشر الأمة، جرثومة الخضوع الخائف للسطان ولو جار، لا ندري لِمَ صبر السلف الصالح على الجَوْر، ولِمَ استظهروا به وبشوكته المـدافعة عن بيضة الإسلام ووحدته. ونتحمل بتقليد نظام الدولة الحديثة وِزراً جديداً هو وِزر مركزيتها وقانونيتها وأخطبوطيتها. عاملان، موروث ومحدث، كلاهما عدوٌّ للبر، قاتل للبر، قاطع لما أمر الله به أن يوصل من وشائج العدل والإحسان.
القانون، دولة القانون، سلطة القانون، حقوق الإنسان، التعايش السلمي، الحرية، حق الحياة، المساواة، العدالة، العمل، احترام الشخصية، حق المعارضة، حق اللجوء السياسي، حق التعليم، حق الملكية، تحديد الملكية، تأميم الملكية، الحرية الدينية، الصحة، الوقاية، الترفيه، العطلة، المرافق الاجتماعية، وحماية البيئة، والنضال من أجل السلام العالمي. هذه شعارات العصر ومطالب الإنسان، ومتعلقات القانون، ومسؤولية الدولة، ورهان السياسة، وشغل المؤسسات المحلية والدولية العالمية.
يتصدّى الأبرار المحسنون لبناء دولة القرآن، وتوحيد الأمة تحت راية الخلافة الثانية، في عالم انجرفت تربة المروءة والعطف والحنان من بين عناصر مجتماعته، فما هي إلا كالصخور والأحجار العارية تتقعقع اصطداما ونزاعا. بقايا قليلة من الكرم الإنساني والتضامن الأُسَرِي في العالم المتخلف صناعيا، وبقايا من البر الإيماني والمكارمة والتذمم بين المسلمين، وبقايا نداء الفطرة في العالم المصنع يتمثل في التجمعات غير الحكومية وفي النداء بحقوق الإنسان. أصبح شعار "حقوق الإنسان" آخر غصن أخضر حي يانع تتشبت به الإنسانية الغارقة في أوحال الكفر والجحود والنفاق والحضارة المادية الاستهلاكية.
هذه الحضارة المتآكلةُ من أحشائها، المستظهرةُ بقوة العلوم والصناعة والتنظيم تعلمت الحكمة من التاريخ ونوائبه، فكيانها الاجتماعي السياسي الاقتصادي الدولي مستمسك بالقانون يتقي به الكارثة النووية، ويتقي به الاضطرابات، ويتقي به أيضا، خُبثاً ومكرا، الاستجابةَ لمطالب المستضعفين في الأرض وحقوقهم في الإنصاف، وفي الكرامة ووالاستقلال، والاستمتاع بخيرات الأرض، وبضمان نظام اقتصادي عالمي عادل لا تميل كفته في صالح الأغنياء الأقوياء ذئاب الأرض المستَكبِرين فيها.
واجب الأبرار الأحرار أن يلبوا نداء المحتاج والمستضعف والصادق أينما كان، وأن يغرسوا في تربة المسلمين ثم في تربة الناس أجمعين شجرة البر الباسقة ليستمسك بها كل ملهوف، وأن يمدوا يد التعاون والتعاطف والتنافس في خير الإنسانية للحُشاشة الفاضلة من المروآت والشهامة المنادية بحقوق الإنسان وحقوق المستضعفين، إلى أن يطوَّق أخطبوط الاستكبار وتُكْسَر بيضة القانون المجحف. واجب الأبرار أن يشمل برهم، وهم في طريق الخلافة الثـانية، كل بَرٍّ وفاجر في حدود قوله تعالى: )لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ( (سورة الممتحنة، الآية: 8).
حق الله وحق أنفسنا أولا ثم يعم برنا العالمين. فإنه "من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه" الحديث رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة.
الله يحب المقسطين العادلين مع الخلق أجمع، والله في عون العبد ما دام العبدفي عون أخيه، درجة فوق درجة: أعلى العون عون المؤمن ثم عون المسلم، ثم عون كل محتاج وإغاثة كل ملهوف ونصرة كل مظلوم.
والبر المنزلُ به الكتاب والسنة أبواب: بر الوالدين، بر الأولاد والأقرباء، بر اليتيم، بر الزوجة، السعي على الأرملة والمسكين، بر الشيوخ والعجائز، بر العطية الكبيرة والهدية الرمزية، بر البشاشة،بر حسن الخلق، بر إماطة الأذى عن الطريق. وإنه على كل سُلامى من الناس صدقة، العدل بين اثنين صدقة، وتُعين الرجل في شأن خاص صدقة، وترفع معه متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، كما جاء في الصحيح. هذه آفاق البر الفسيحة وذُراه العالية. والسلام على من اتبع الهدى.
قال الإمام الشيخ عبد القادر: "الدنيا حجاب عن الآخرة والآخرة حجاب عن رب الدنيا والآخرة. كل مخلوق حجاب عن الخالق عز وجل(...). لا تلتفت إلى الخلق ولا إلى الدنيا ولا إلى ما سوى الحق عز وجل حتى تأتي إلى باب الحق عز وجل بأقدام سِرِّك وصحة زهدك فيما سواه، عُريانا عن الكل، متحيرا فيه، مستغيثا إليه، مستعينا به، ناظراً إلى سابقته وعلمه. فإذا تحقق وصول قلبك وسرك، ودخلا عليه، وقرَّبك وأدناك وحياك، وولاك على القلوب وأمَّرك عليها، وجعلك طبيبا، فحينئذ(...) تأكل أقسامك من الدنيا والآخرة وأنت على بابه وهما قائمتان خادمتان. لا تأكل قَسْمَك من الدنيا وهي قاعدة وأنت قائم، بل كلْها على باب الملك وأنت قاعد وهي قائمة، والطبق على رأسها تخدُم من هو واقف على باب الحق عز وجل، وتُذِل من هو واقف ببابها"[1].
ما في كلام الإمام تناقض يا عباد الله مع السعي للرزق وضرورة التكسب، والاسترزاق من باب الأسباب، وهو باب من أبواب المَلِكِ، باب شريف عفيف إن لم تكن الدنيا أكبر هم الواقف وغاية رغبته ومنتهى علمه وساكن فؤاده. الزهد الحق كفُّ القلب عن حب الدنيا، والبر عطاء )إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ( (سورة الإنسان، الآية: 9) لا إله إلا الله.
قال من قدم من عاجلته لآجلته:
خـذ من حيـاتك للممـات الآتـي وبَـدَارِ مـا دام الزمـان مُـواتـي
لا تغتـرر فهـي السـراب بقيعـة قـد خـودِع المـاضـي بـه والآتي
يا مـن يـؤمـل واعظـا ومـذكـرا يـومـا ليـوقـظـه مـن الغفــلات
هلا اعتبـرت ويالها مـن عبـرة! بمـدافـن الآبــاء والأمّــاتِ!
قـف بالبقـيـع ونـادِ في عـرصاتِه فَـلَـكَـمْ به من جـيـرة وَلِـداتِ
درجـوا ولست بخالـد من بعدهم متمـيـزا عنهـم بـوصـف حيـاة
والله ما اسْـتَهْلَلْـتَ حيّـا صارخا إلا وأنـت تُـعـد فـي الأمــوات
لا فوتَ عن دَرْك الحِمام لهارب والنـاس صرعى مَـعْـرَك الآفـات
كيـف الحيـاة لـدارج متكـلـف سِنَـةَ الكَرَى بمـدارج الحيّـات!
أسفـا علينـا معشـر الأمـوات لا ننـفـك عن شغـل بهـاك وهـات
ويغـرنا لَـمْع السـراب فنـغتـدي في غـفـلـة عـن هــاذم اللـذات
والله مـا نصـح امـرأً من غشـه والحـق ليس بخـافت المشـكــاة

وقلت:
احمِلْ لِواءَ العدلِ وانشــرْ صَوتـهُ في صفِّ أهلِ العـدلِ والإحســانِ
كُنْ رحمةً للخلقِ واصنــعْ لِلوَرى خَيرَ الصَّنائِعِ، والضَّعيــفُ العَـاني
قَــاتلْ لِتُنصِفَــهُ أثــيراً ظــالمـاً إنْ لا تقــمْ كنـتَ الأثيــمَ الجــانِي




[1] الفتح الرباني ص 97-98.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:35 PM
العدل
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين(. اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك.
في قراءة الحديث القدسي في التظالم وفي تعداد مِنن الوهاب سبحانه على عباده كان العلماء الأتقياء يجثون على الركب إجلالا لما يتلون ويسمعون عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما روى عن الله تبارك وتعالى: "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا. يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضَري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، إنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المِخْيَطُ إذا أدْخِل البحر. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثم أوفّيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه!" هذه رواية لمسلم والحديث رواه أيضا الترمذي بنحوه.
هذا الخطاب الجليل تخضع له هامات الأحرار الأبرار إكباراً وشكرا وامتثالا. ويكمِّل النهيَ الإلهي الكريم المتلطف عن التظالم الزجرُ القارع الموجه لكافة المؤمنين في شأن القعود عن نصرة المظلومين في قوله تعالى: )وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً. الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً( (سورة النساء، الآيات: 74-75).
إن مناخ العبودية لغير الله عز وجل خيَّم على جمهور الأمة منذ علت سيوف الحكم الجائر الرقاب منذ عهد بني أمية.وإن إطلاق سراح المسلمين من هذه الربقة الرذيلة مطلب من أول مطالب جند الله، وأمر يجب أن يسبق إلى تنفيذه أحباب الله. وإن الله لا يحب الظالمين، ولا يهدي كيد الخائنين، ويحب المحسنين، ومن أوثق عرى الإحسان العدل. والعدل عكس الظلم والجَوْر والحكم الجبري.
قال الله تعالى: )إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ( (سورة النحل، الآية: 90). العدل يسير مع الإحسان ومع البر، وعكسه، وهو الظلم،يسير في ركابه الفحشاء والمنكر والبغي. وكلَّ هذه الآفات الاجتماعية السياسية الأخلاقية أُمِرْنا أن نقاتل. قال المفسرون في معنى العدل والإحسان:
العدل لا إله إلا الله والإحسان أداء الفرائض. وقيل العدل الفرض والإحسان النافلة. وقيل العدل استواء العلانية والسريرة والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية. وقيل العدل الإنصاف والإحسان التفضل.
كان السادة الصوفية يسمون حكام الجَوْر ظَلَمة، لا يسمّونهم غير ذلك، ثم ينصرفون إلى أورادهم. ويجتهد السادة المفسرون في كشف أوجه المعاني يودِعونها بطون الكتب، والقلوبُ كمِدَةٌ من إفلات الواقع وتفسخه وانتقاضه. في يوم الصحوة هذا، وغد الخلافة الثانية، القضية قضية العدل بمعنى طرد الظلمة الحاكمين بغير رضى الأمة، وبمعنى جعل الأمر شورى بين المسلمين الأحرار الأبرار، وبمعنى القضاء على الأَثَرَة والطبقية والذئبية الجشعة التي تسود مجتمعاتنا فتسمح لأولياء الشيطان، سراق السلطان، وأعوانهم باحتجان أموال المسلمين واللعب بها وترك سواد الأمة المستضعفة تخوض غمرات الفقر والذل والتحقير. هذا مطلب إحساني إيماني يريد جهادا على كل الواجهات. ويوتي الله، إن شاء الله، من تصدى له بالنية والإخلاص والإرادة والهمة والذكر ودوام الطلب و"الوقوف على باب الملك" ما آتى الأولين من فضله. أورادُنا ذكر ودعاؤنا الليل وأطراف النهار، فالذكر والدعاء سَبَبُنا السماوي. وسَبَبُنا الأرضي، في السلوك الجهادي، وِرْدُ إعداد القوة، وورد تقويض خيمة الباطل، وورد إقامة دولة القرآن، ودولة العدل والإحسان.
إن البر عطاء طَوْعي. وإيتاء للمال والخدمة لوجه الله، وفتوَّة وإيثار، وأخلاق كبار. ولا شك أن في الأمة مروآت عالية، وقلوبا بالتقوى صافية، يكون باعث البر مُحركَها للمشاركة في حمل هموم المستضعفين، ويدفعها حب الله إلى جانب الحق والعدل لتقاتل أولياء الشياطين. لكن العدل المفروض بقوة السلطان هو لغة الواقع الذي تفهمه وتُصيخُ إليه الآذان الصماء عن الدعوة الإحسانية. هو لغة الشرع، لغة القرآن، تصير فصيحة وضيحة يوم يَحمِل السيفَ أهل القرآن.
معاذ الله أن يكون قصدُنا استبدال جَوْر بجوْر، وظلم بظلم، وإكراه بإكراه! الأمة لن تحيى حياة الكرامة الآدمية ما لم يكن أمرها شورى بينها، بحرية يلزم أن تتعلم حسنَ استعمالها بحضور جند الله جماعة موحدة أو جماعات متعاونة، وأن تتعلم إدارتها، وأن تتعلم حرفَها ومعناها ونحوها وصرفها.
الحرية التي تتحلب لها أفواه المستضعفين المحرومين في الأرض والعدل المشهود المفقود تمثله في خيالهم الجائع النماذج الديمقراطية والاشتراكية في العالم. "كاد الفقر أن يكون كفراً" كما قال الإمام علي كرم الله وجهه، والفقر والظلم كفران، يكادان، يعاني منهما المستضعفون في الأرض، وجمهورُهم من المسلمين، ويرزَحون تحت نيرِهما، ويحِنّون إلى التحرر منهما. هات لي حرية، أية حرية عملية، لا تطعمني آمالا ومبادئ مثالية! هات لي عدل الخبز اليومي، عدل العمل، عدل الأجر على العمل، وعدلا ينقذ طفلي المريض، وعدلا يعطيني سكنا أخرج من كوخ البؤس! هات لي حرية الكرامة وعدل الكفاية! ثم اسألني بعد ذلك ما شئت.
إنه لتَحَدٍّ كبير، ملح حالٌّ غيرُ مؤجّل، يطلقه في وجه العاملين للإسلام واقع الأمة البئيس بقدر ما هو واجب فرضه الله رب العزة رب العباد الذي لا يحب الظالمين ويأمر بأنه )لاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ( (سورة البقرة، الآية: 193).
المال والسلطان، السلطان والمال، في تعاطف وتآلف، في تضامن شيطاني يُسمِّن الطغاة، ويأكل لحوم الضعاف، ويمتص دماء العجاف. ظاهرة الملإ المستكبر ظاهرة شيطانية جاهلية ما لبثت بعد ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عادت للظهور، وهي الآن في ديار الإسلام أكثر ما تكون شراسة. قلعها من أصولها هدفٌ يلتقي عليه الإسلاميون وكل ذي غيرة من المسلمين، فإلى صف الجهاد في سبيل الله والمستضعفين ندعو ذوي الغيرة والنصرة لإسقاط الظلم وقتله ودفنه، ثم بناء القاعدة المادية للعدل، وهي الرخاء بالجهد، والقسمة بالإنصاف، والتنمية بالمشاركة، والحكم بالشورى، والإدارة بالكفاءة، والعزة بالله عز وجل لا بغيره، والكل بالإسلام والإيمان والعدل والإحسان.
كان الصوفية الأخيار، والعلماء الأبرار، يأخذون قبلنا برخصة الانعزال وخيارِ مُزايَلَة الفتنة ومنابذتها حفاظا على وحدة المسلمين وتطبيقا للأحاديث النبوية الكثيرة الموصية بطاعة السلطان ولو جار. تلك أمة قد خلت، وسنة الله تعالى جارية إلى الخلافة الثانية، والأخذ بعزائم الجهاد لدحض حجج الصادّين عن سبيل الله وتقويض بنيانهم هو نقد الوقت وكلمة الساعة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلُف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يومرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وخطب أبو بكر، حواريُّ رسول الله ونصيره وخليفته، فحمد الله وأثنى عليه وقال: "يا أيها الناس! إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ( (سورة المائدة، الآية: 107) وإنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يَدَيْه أوشك أن يعمهم الله بعقاب". رواه الترمذي وأبو داود بإسناد جيد عن قيس بن أبي حازم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يَفتح باب العدل في القسمة بلا حدود: "من كان معه فضل ظهر (أي دابة زائدة عن حاجته) فَلْيَعُد به على من لا ظهر له. ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له". قال الراوي أبو سعيد الخدري: وذكر من أصناف المال ما ذكره، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه.
وهكذا رأي خليفة رسول الله أمير المؤمنين عمر حيث قال: "والله الذي لا إله إلا هو ما أحد إلا وله في هذا المال (مال المسلمين) حق، أُعْطِيَهُ أو مُنِعَه. وما أحد أحق به من أحد إلا عبد مملوك. وما أنا فيه إلا كأحدكم. ولكنا على منازلنا من كتاب الله عز وجل وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته في الإسلام. والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظُّه من هذا المال وهو مكانه قبل أن يُحَمَّرَ وجهه (أي خجلا من ذل المسألة)".
ورأى عمر صواب أمرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببذل الفضول من كل أصناف المال، بذلا واجبا بوازع السلطان، موافقا لفهم أبي سعيد والصحابة رضي الله عنهم حيث قال وهو خليفة في آخر عهده رضي الله عنه: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول الأغنياء فرددتها على الفقراء".
ورأى أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه صواب القسمة العادلة حيث قال: "إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عَرَوْا وجَهِدوا فيمنع من الأغنياء".
إن الجهاد لاسترداد السلطان من يد الغاصبين إخوان الشياطين فريضة، وبواسطة السلطان الشوري، وهو عدل الحكم، يفرض عدل القسمة لنصل الخلافة الثانية بالأولى، على فهم واسع لصواب الأمر النبوي، وفهم رأي الصحابة الأخيار، وفهم عمل الحواريين الخلفاء الراشدين واجتهادهم.
قال أبو العتاهية الشاعر رحمه الله بعد أن تاب وتزهد:
خانك الطرف الطمــوح أيهـا القلــب الجمــوح
لدواعـي الخيــر والشــ ــر دُنـــوٌّ ونُــزوح
هــل لمطلــوب بذنــب تــوبــة منـه نـصــوح
كيـف إصـلاح قـلــوب إنمــا هــن قُــروح
أحســن اللـه بـنــا أن الخطــايـا لا تـفــوح
فإذا المـسـتــور مـنــا بيـن ثــوبيـه فـضــوح
كـم رأينــا من عـزيــز طُــويـت منه الكشــوح
صــاح منـه بـرحيــل صــائح الدهــرالصبــوح
موت بعــض النــاس في الأرض على بعض فُتوح
سيصـيــر المــرء يـومــا جســدا مـا فيــه روح
بين عيـنَــي كــل حـي عَـلَــم المــوت يـلــوح
كلنــا في غفـلـــة والمــ ــوت يغــدو ويــروحح
لبنــي الدنيــا مـن الدنــ ــيا غُبــوق وصُبــوح
رُحْـن في الوشــي وأصبحــ ــن عليهــن المُســوح
كــل نَطّــاح مـن الدهــ ــر له يــوما نَطــوح
نُـحْ على نفـســك يـا مســ ــكينُ إن كنـت تنــوح
لَـتمــوتَــن وإن عُمِّــ ــرتَ ما عُمـــر نــوح

وقُلت:
للّه قُمنــا بِالقسـطِ قُمنــا قُمنا شهوداً بِالعــدل جِينَا
القِسط عدلٌ والعـدْلُ دِين والعــدْلُ أمــرُ الإله فينَــا
العــدلُ والإحســانُ دِيـنٌ نحــنُ نُلبِّــي إذا نُــودينَـ

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:36 PM
التقلل والترف
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين(. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من البخل والجبن، وأعوذ بك من غلبة الدَّين وقهر الرجال.
الترف هو "التوسع في النعمة" كما قال الراغب الأصفهاني رحمه الله. وأضيف بأنه التوسع في النعمة المُفضي إلى الفسق والفساد والإفساد. المترفون فِئَةٌ مغضوب عليها في القرآن. قال الله عز وجل: )وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً( (سورة الإسراء، الآية: 16). أمرناها بالأمر القدَري لا بالأمر الشرعي، لأن الترف المُدَمِّر فحشاء، والله لا يامر بالفحشاء.
المترفون إخوان المستكبرين وحلفاؤهم، وغالبا ما يجتمع الاستكبار والترف في عشيرة، أو عصبية، أو طغمة عسكرية، أو أسرة مالكة، أو حزب وحيد. في عصرنا ما تشاء من نماذج الفسق الترفي والظلم الاستكباري، بل هما مضافان إلى الكفر والردة والخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين.
كلمة "تقلل" أستعملها لتقابل كلمة "ترف" القرآنية كما يقابل الإسلام الكفر، وكما يقابل العدل الظلم، والإحسان الطغيان والشورى الملأ.
نطرُق باب الجود الإلهي ليَفتَح لنا سِكة الدولة الإسلامية وسنة الخلافة النبوية الثانية في وقت فتح الله على الحضارة المادية أبواب كل شيء. في وقت صُبَّ فيه البلاء بالأشياء صبا على البشرية: وفرةٌ لا حدود لها من جانب وفقر مدقع هو حظ المستضعفين في الأرض. تنمية بلا حدود. نهبٌ أهوَجُ لخيرات الأرض ومواردها وتبذير لما لا يُعوَّض منها، وكلها لا تعوض، في دوامة الإنتاج والاستهلاك، الاستهلاك للإنتاج. لا تدور عجلة المعامل ومختبرات الاختراع، ومالية الدولة، وتوازن الاقتصاد العالمي، وموازين المدفوعات والمبادلات، وحساب التجارة، وعافية النقد،واستقرار العالم إلا على وتيرة الإنتاج والاستهلاك في دورة محمومة حُداؤُها الشيطاني الإشهار والدعاية بالكلمة والصورة، بالكذب والصدق.
)فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( (سورة الأنعام، الآية: 45). هكذا مَكْرُربك! هكذا أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد! أخذتهم قدرتُه بَسرّاء الحضارة المصنَّعة المفتوحة الأبواب صبّا بلائيا وافراً، وأخذتنا، في جملة المستضعفين في الأرض، بضراء التخلف والعجز والفقر والتبعية في ضروريات الغذاء، وضروريات التمويل، وضروريات العلوم، وضروريات التكنولوجيا، وضروريات الخبرة، وضروريات السوق لمنتجاتنا الهزيلة، وضروريات المساعدة الفنية، وضروريات الوحدة اللازمة ليكون لنا حجم في العالم، واستقلال، ووزن، ومال وحضارة.
قدرُ الله وبلاؤُه. العالم كله في قبضته، والبأسُ بأسُه، والأخذ أخذه. ثم تظالم العباد وقد دعوا دعوة الرفق والهداية أن لا يتظالموا، وزجروا عن الظلم وعن الترف. مستكبروهم ومستكبرونا، مترفوهم ومترفونا، تحالف أولئك مع هؤلاء هو السبب في تنحيتنا على هامش مجتمع الوفرة والإنتاج والرفاهية والوَجد والغنى والقوة.
لا نقصد بوصف الترف وعاهته، وإخلاله بتوازن العالم، وتهديده للسلام العالمي، وسحقه للشطر الأكبر من الإنسانية إلا مساهمة في "ذم الدنيا" كما عقد الغزالي في إحيائه فصلا طويلا لذم الدنيا من وجهة نظر السالك إلى الله الفردِ في القرن الخامس الذي كان الفتح الإلهي فيه للناس وعلى الناس غير ما هو الآن.
بل أقصد، بعد الذم، التأكيد على ضرورة محاربة الظلم والترف وما يعشش في ثنايا المجتمع المحقور المذل المفقر من بلايا تهدد السلام في العالم والسلام الاجتماعي في كل قطر قطر. نذم الترف و"الدنيا" لا لنهرب من "الدنيا"، بل لنخوض غمرات الجهاد ليقوم في الأرض العدل، والكفاية، والأخوة بين الناس، يشمل برنا كل ذي كبد رطبة في الأرض.
ثم أقول مستعينا بالله العلي القدير:إنها لُجَّة لابد من خوضها، وامتحان لا مفر منه، ورجولة لا عوض عنها. ضرورة حيوية الموتُ المحقق لأمتنا من دونها، أن نتحرر من رِبقة الحكم الجائر، وأن نَبنيَ القاعدة المادية للعدل والبر بالتصنيع، والإنتاج، ودخول السوق العالمية، وامتلاك زمام العلوم والتكنولوجيا، والسبق إليها، والتسلح الدفاعي على أعلى مستوى. كل ذلك ضروري لحياتنا المادية، وبقائنا كأمة، ووحدتنا، وقوتنا على حمل رسالة الله إلى العالم المفتون أيّا ما كان بلاء الله لنا وعليه.
هرب السادة الصوفية بدينهم من فتنة الدنيا بالعزلة، وكانوا في موقف ضرورة، ففاتهم البر وفاتهم الجهاد. قال الأستاذ القشيري: "كل مريد بقي في قلبه لشيء من الدنيا مقدار وخطر فاسم الإرادة له مجاز(...)، لأن قصد المريد في حذف العلائق الخروج منها (من الدنيا) لا السعي في أعمال البر"[1]. وقال الإمام عبد القادر قدس الله سره: "ينبغي للفقير أن تكون شفقتُه على فقره كشفقة الغني على غناه. فكما أن الغني يفعل كل شيء ويجتهد حتى لا يزول غناه، فكذلك ينبغي للفقير أن يفعل مثل ذلك حتى لا يزول فقرُه، فلا يسأل الله عز وجل زوال فقره إلى غناه"[2].
إذا كنت وحدك في خلوة همُّك نفسك ومصيرُك ومقامُك عند الله فلا تُبالِ. أما إذا كان هم مصيرك ومقامك لا ينفك عن هم الأمة ومصيرها فما في المسلك الصوفي بهذا الصدد لك من أسوة. هم رضي الله عنهم خاضوا بلاء العزلة والصمت ودوام الصوم والمراقبة والذكر، ونحن معشر السالكين على محجة الجهاد، بلاؤنا بإطعام الجائع ودعوة الغافل، ورفع الصوت غضبا لله، ومخالطة الناس، وتنظيمهم في صف الجهاد، مع دوام ذكر الله، والاستمساك بحبل الله، والاعتصام به لتوحيد الأمة بعد طرد المستكبرين والمترفين من سدة السلطان. وبلاء الحاجة والفاقة والتخلف، فإننا كالأيتام في مأدبة اللئام الحضارية الوفرية، باعث مادي مضايق مُلح قابض على الحلقوم يجرنا بسلاسل الضرورة للوحدة وما تقتضيه ونقتضيه من التصنيع والفاعلية في الأرض.
على المدَى البعيد يجب أن يكون لنا أفق إسلامي، وهدف إسلامي، للحفظ العام من آفة الترف. التحفظ الفردي والزهد والورع روح المسألة لا ريب، وكم من دروس وفِيَّة، وأحوال سنية للسادة الصوفية في هذا المضمار. لكن الحفظ العام للأمة من آفة الترف وما تهدد به رَجعته من عودة الاستكبار، والانتكاس والارتكاس، لا يضمنه إلا التقلل المنهاجي المبرمج، المدْرَج في منهاج التربية، ومنهاج الاقتصاد، ومنهاج الدولة، ومنهاج الأخذ والعطاء، ومنهاج النفقة اليومية، ومنهاج السوق، ومنهاج الحياة الدنيا جميعا. نفعل ذلك متى قدرنا، متى أقدرنا من له القدرة سبحانه، فإنه لا حول ولا قوة إلا به. وإنَّ للتكنولوجيا لجِماحا، هي القائدة السائقة الحاكمة. وإن لدورة الإنتاج والاستهلاك لمنطقا متلاحقا، وإن لبلاء الله وقدره لَحَتمية لأمر هو بالغه سبحانه.
التقلل تحكّم إرادي في الاقتصاد ومصارف الأموال وموارد الدولة. التقلل انضباط لا تخضع له إلا مقهورةً أغلبيةُ النفوس البشرية النهمة بِنَهَم البطن ونهم الفرج ونهم الفَخفخة ونهم التكاثر في زينة الحياة الدنيا.
التقلل زينة الله والطيبات من الرزق نتناولها من يد المنة الإلهية بالشكر والورع في حدود الحلال والحرام والمباح والمكروه.
التقلل غير القلة. إذ القلة فقدٌ يلهي عن الله. القلة فقر هو أخو الكفر. وقد تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القلة فقال: "اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلَّة والذلَّة. وأعوذ بك من أن أظلم أو أُظلم". رواه أبو داود والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة بإسناد حسن.
التقلل سنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا". أخرجه الشيخان عن أبي هريرة. والقوت ما يكفي دون زيادة .
التقلل إمساك على زمام النفس لكيلا تجتلبها المغريات. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد هذه المنزلة، أوصى بالتقلل حتى يكتفي المؤمن في خاصة نفسه بمثل زاد الراكب، فكان صحابته مثالا للزهد والتعفف والبَذَاذَةِ التي هي من الإيمان كما جاء في الحديث. البذاذة عكس الترفه في الزينة.
التقلل تضييق إرادي على النفس في الكماليات لا في الضروريات، ليوفر العبد من ماله ومن نفقته، ما به يصل الرحم ويحمل الكَلَّ ويعين على نوائب الحق ويصطنع عند الله عوائدَ البِر.
وإن التوفير والاقتصاد في النفقة لواجب جهادي على كل مؤمن ومؤمنة في ظل دولة القرآن لجمع رأس المال الضخم الذي تحتاجه الأمة للتصنيع.
التقلل غير الشح، هو خلق محمود، وتعبير عن الهمة العالية، همة العابرين لمنازل الدنيا يحدوهم الشوق إلى ما عند الله. التقلل عدل وبر واعتدال وعطاء من النفس بواسطة العطاء من النفقة. هو اقتصاد قوله تعالى: )وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً( (سورة الإسراء، الآية: 29). هو نظام قوله تعالى: )كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ( (سورة الأعراف، الآية: 29). ويدمِّر سبحانه وتعالى الفاسقين المترفين.
التقلل إيثار للمحتاج بالفضل مما عندك، فإن لم يكن لك فضل فاعمل واتعب واكسب لتعود ببرك وإيثارك على من لا قدرة له على الكسب. حبُّ المساكين كان دعوةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حب لا معنى له إن كان حبا عذريّا، لا معنى له إلا بالبذل من الفضل، لا معنى له إلا بالبر والمواساة.
قال واعظ وقد سأله سائل: كيف أُخرج حب الدنيا من قلبي؟ فقال:
لمـن طَـلـل أُســائلـه مُعـطَّـلَــةٌ مـنــازلُــه
غـداة رأيـتـه تـنـعِـي أعــالـيَـه أسـافـلـُـه
وكنــت أراه مـأهـولا ولـكـن بــاد آهـلُـه
وكل لاعتســاف الـدهــ ــر مُـعْـرَضَـةٌ مَقاتِـلُــه
ومـا مـن مَـسْـلَـكٍ إلا وريب الدهـر شـاملـه
فيصـرع من يُصـارعـه وينضُـلُ من ينـاضـلُـه
ينـاــزل من يَـهُـم بـه وأحيــانـا يُخــاتـلُـه
وأحيــانـا يـؤخــره وتـارات يـعــاجـلـه
كـفـاك به إذا نـزلَـتْ على قـوم كَـلاكِــلُـه
يخاف النـاس صـولـتـه ويُـرجَـى منـه نـائـلُـه
ويثـني عِـطـفَـه مـرحـا وتُـعجـبـه شـمـائـلـه
فـلمــا أن أتــاه الحــ ــق ولّـى عـنـه بـاطـلُـه
فـغـمـض عـيـنــه للمــ ــوت واسترخت مفـاصلُه

وقلت:
صَريــعٌ في سَبيــل الله أدَّى حـقَّــه ومَــضــى
وَغِــرٌّ شـبَّ في تــرف وفي شَهَــواتـه رَكَـضــا
فمَنْ تَبْغي أخَا الإسـلام أنْ تُضحِي لهُ عِوَضــاً؟




[1] الرسالة ص 184.
[2] الغنية ج 2 ص 172.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:36 PM
التقلل والترف
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين(. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من البخل والجبن، وأعوذ بك من غلبة الدَّين وقهر الرجال.
الترف هو "التوسع في النعمة" كما قال الراغب الأصفهاني رحمه الله. وأضيف بأنه التوسع في النعمة المُفضي إلى الفسق والفساد والإفساد. المترفون فِئَةٌ مغضوب عليها في القرآن. قال الله عز وجل: )وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً( (سورة الإسراء، الآية: 16). أمرناها بالأمر القدَري لا بالأمر الشرعي، لأن الترف المُدَمِّر فحشاء، والله لا يامر بالفحشاء.
المترفون إخوان المستكبرين وحلفاؤهم، وغالبا ما يجتمع الاستكبار والترف في عشيرة، أو عصبية، أو طغمة عسكرية، أو أسرة مالكة، أو حزب وحيد. في عصرنا ما تشاء من نماذج الفسق الترفي والظلم الاستكباري، بل هما مضافان إلى الكفر والردة والخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين.
كلمة "تقلل" أستعملها لتقابل كلمة "ترف" القرآنية كما يقابل الإسلام الكفر، وكما يقابل العدل الظلم، والإحسان الطغيان والشورى الملأ.
نطرُق باب الجود الإلهي ليَفتَح لنا سِكة الدولة الإسلامية وسنة الخلافة النبوية الثانية في وقت فتح الله على الحضارة المادية أبواب كل شيء. في وقت صُبَّ فيه البلاء بالأشياء صبا على البشرية: وفرةٌ لا حدود لها من جانب وفقر مدقع هو حظ المستضعفين في الأرض. تنمية بلا حدود. نهبٌ أهوَجُ لخيرات الأرض ومواردها وتبذير لما لا يُعوَّض منها، وكلها لا تعوض، في دوامة الإنتاج والاستهلاك، الاستهلاك للإنتاج. لا تدور عجلة المعامل ومختبرات الاختراع، ومالية الدولة، وتوازن الاقتصاد العالمي، وموازين المدفوعات والمبادلات، وحساب التجارة، وعافية النقد،واستقرار العالم إلا على وتيرة الإنتاج والاستهلاك في دورة محمومة حُداؤُها الشيطاني الإشهار والدعاية بالكلمة والصورة، بالكذب والصدق.
)فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( (سورة الأنعام، الآية: 45). هكذا مَكْرُربك! هكذا أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد! أخذتهم قدرتُه بَسرّاء الحضارة المصنَّعة المفتوحة الأبواب صبّا بلائيا وافراً، وأخذتنا، في جملة المستضعفين في الأرض، بضراء التخلف والعجز والفقر والتبعية في ضروريات الغذاء، وضروريات التمويل، وضروريات العلوم، وضروريات التكنولوجيا، وضروريات الخبرة، وضروريات السوق لمنتجاتنا الهزيلة، وضروريات المساعدة الفنية، وضروريات الوحدة اللازمة ليكون لنا حجم في العالم، واستقلال، ووزن، ومال وحضارة.
قدرُ الله وبلاؤُه. العالم كله في قبضته، والبأسُ بأسُه، والأخذ أخذه. ثم تظالم العباد وقد دعوا دعوة الرفق والهداية أن لا يتظالموا، وزجروا عن الظلم وعن الترف. مستكبروهم ومستكبرونا، مترفوهم ومترفونا، تحالف أولئك مع هؤلاء هو السبب في تنحيتنا على هامش مجتمع الوفرة والإنتاج والرفاهية والوَجد والغنى والقوة.
لا نقصد بوصف الترف وعاهته، وإخلاله بتوازن العالم، وتهديده للسلام العالمي، وسحقه للشطر الأكبر من الإنسانية إلا مساهمة في "ذم الدنيا" كما عقد الغزالي في إحيائه فصلا طويلا لذم الدنيا من وجهة نظر السالك إلى الله الفردِ في القرن الخامس الذي كان الفتح الإلهي فيه للناس وعلى الناس غير ما هو الآن.
بل أقصد، بعد الذم، التأكيد على ضرورة محاربة الظلم والترف وما يعشش في ثنايا المجتمع المحقور المذل المفقر من بلايا تهدد السلام في العالم والسلام الاجتماعي في كل قطر قطر. نذم الترف و"الدنيا" لا لنهرب من "الدنيا"، بل لنخوض غمرات الجهاد ليقوم في الأرض العدل، والكفاية، والأخوة بين الناس، يشمل برنا كل ذي كبد رطبة في الأرض.
ثم أقول مستعينا بالله العلي القدير:إنها لُجَّة لابد من خوضها، وامتحان لا مفر منه، ورجولة لا عوض عنها. ضرورة حيوية الموتُ المحقق لأمتنا من دونها، أن نتحرر من رِبقة الحكم الجائر، وأن نَبنيَ القاعدة المادية للعدل والبر بالتصنيع، والإنتاج، ودخول السوق العالمية، وامتلاك زمام العلوم والتكنولوجيا، والسبق إليها، والتسلح الدفاعي على أعلى مستوى. كل ذلك ضروري لحياتنا المادية، وبقائنا كأمة، ووحدتنا، وقوتنا على حمل رسالة الله إلى العالم المفتون أيّا ما كان بلاء الله لنا وعليه.
هرب السادة الصوفية بدينهم من فتنة الدنيا بالعزلة، وكانوا في موقف ضرورة، ففاتهم البر وفاتهم الجهاد. قال الأستاذ القشيري: "كل مريد بقي في قلبه لشيء من الدنيا مقدار وخطر فاسم الإرادة له مجاز(...)، لأن قصد المريد في حذف العلائق الخروج منها (من الدنيا) لا السعي في أعمال البر"[1]. وقال الإمام عبد القادر قدس الله سره: "ينبغي للفقير أن تكون شفقتُه على فقره كشفقة الغني على غناه. فكما أن الغني يفعل كل شيء ويجتهد حتى لا يزول غناه، فكذلك ينبغي للفقير أن يفعل مثل ذلك حتى لا يزول فقرُه، فلا يسأل الله عز وجل زوال فقره إلى غناه"[2].
إذا كنت وحدك في خلوة همُّك نفسك ومصيرُك ومقامُك عند الله فلا تُبالِ. أما إذا كان هم مصيرك ومقامك لا ينفك عن هم الأمة ومصيرها فما في المسلك الصوفي بهذا الصدد لك من أسوة. هم رضي الله عنهم خاضوا بلاء العزلة والصمت ودوام الصوم والمراقبة والذكر، ونحن معشر السالكين على محجة الجهاد، بلاؤنا بإطعام الجائع ودعوة الغافل، ورفع الصوت غضبا لله، ومخالطة الناس، وتنظيمهم في صف الجهاد، مع دوام ذكر الله، والاستمساك بحبل الله، والاعتصام به لتوحيد الأمة بعد طرد المستكبرين والمترفين من سدة السلطان. وبلاء الحاجة والفاقة والتخلف، فإننا كالأيتام في مأدبة اللئام الحضارية الوفرية، باعث مادي مضايق مُلح قابض على الحلقوم يجرنا بسلاسل الضرورة للوحدة وما تقتضيه ونقتضيه من التصنيع والفاعلية في الأرض.
على المدَى البعيد يجب أن يكون لنا أفق إسلامي، وهدف إسلامي، للحفظ العام من آفة الترف. التحفظ الفردي والزهد والورع روح المسألة لا ريب، وكم من دروس وفِيَّة، وأحوال سنية للسادة الصوفية في هذا المضمار. لكن الحفظ العام للأمة من آفة الترف وما تهدد به رَجعته من عودة الاستكبار، والانتكاس والارتكاس، لا يضمنه إلا التقلل المنهاجي المبرمج، المدْرَج في منهاج التربية، ومنهاج الاقتصاد، ومنهاج الدولة، ومنهاج الأخذ والعطاء، ومنهاج النفقة اليومية، ومنهاج السوق، ومنهاج الحياة الدنيا جميعا. نفعل ذلك متى قدرنا، متى أقدرنا من له القدرة سبحانه، فإنه لا حول ولا قوة إلا به. وإنَّ للتكنولوجيا لجِماحا، هي القائدة السائقة الحاكمة. وإن لدورة الإنتاج والاستهلاك لمنطقا متلاحقا، وإن لبلاء الله وقدره لَحَتمية لأمر هو بالغه سبحانه.
التقلل تحكّم إرادي في الاقتصاد ومصارف الأموال وموارد الدولة. التقلل انضباط لا تخضع له إلا مقهورةً أغلبيةُ النفوس البشرية النهمة بِنَهَم البطن ونهم الفرج ونهم الفَخفخة ونهم التكاثر في زينة الحياة الدنيا.
التقلل زينة الله والطيبات من الرزق نتناولها من يد المنة الإلهية بالشكر والورع في حدود الحلال والحرام والمباح والمكروه.
التقلل غير القلة. إذ القلة فقدٌ يلهي عن الله. القلة فقر هو أخو الكفر. وقد تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القلة فقال: "اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلَّة والذلَّة. وأعوذ بك من أن أظلم أو أُظلم". رواه أبو داود والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة بإسناد حسن.
التقلل سنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا". أخرجه الشيخان عن أبي هريرة. والقوت ما يكفي دون زيادة .
التقلل إمساك على زمام النفس لكيلا تجتلبها المغريات. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد هذه المنزلة، أوصى بالتقلل حتى يكتفي المؤمن في خاصة نفسه بمثل زاد الراكب، فكان صحابته مثالا للزهد والتعفف والبَذَاذَةِ التي هي من الإيمان كما جاء في الحديث. البذاذة عكس الترفه في الزينة.
التقلل تضييق إرادي على النفس في الكماليات لا في الضروريات، ليوفر العبد من ماله ومن نفقته، ما به يصل الرحم ويحمل الكَلَّ ويعين على نوائب الحق ويصطنع عند الله عوائدَ البِر.
وإن التوفير والاقتصاد في النفقة لواجب جهادي على كل مؤمن ومؤمنة في ظل دولة القرآن لجمع رأس المال الضخم الذي تحتاجه الأمة للتصنيع.
التقلل غير الشح، هو خلق محمود، وتعبير عن الهمة العالية، همة العابرين لمنازل الدنيا يحدوهم الشوق إلى ما عند الله. التقلل عدل وبر واعتدال وعطاء من النفس بواسطة العطاء من النفقة. هو اقتصاد قوله تعالى: )وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً( (سورة الإسراء، الآية: 29). هو نظام قوله تعالى: )كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ( (سورة الأعراف، الآية: 29). ويدمِّر سبحانه وتعالى الفاسقين المترفين.
التقلل إيثار للمحتاج بالفضل مما عندك، فإن لم يكن لك فضل فاعمل واتعب واكسب لتعود ببرك وإيثارك على من لا قدرة له على الكسب. حبُّ المساكين كان دعوةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حب لا معنى له إن كان حبا عذريّا، لا معنى له إلا بالبذل من الفضل، لا معنى له إلا بالبر والمواساة.
قال واعظ وقد سأله سائل: كيف أُخرج حب الدنيا من قلبي؟ فقال:
لمـن طَـلـل أُســائلـه مُعـطَّـلَــةٌ مـنــازلُــه
غـداة رأيـتـه تـنـعِـي أعــالـيَـه أسـافـلـُـه
وكنــت أراه مـأهـولا ولـكـن بــاد آهـلُـه
وكل لاعتســاف الـدهــ ــر مُـعْـرَضَـةٌ مَقاتِـلُــه
ومـا مـن مَـسْـلَـكٍ إلا وريب الدهـر شـاملـه
فيصـرع من يُصـارعـه وينضُـلُ من ينـاضـلُـه
ينـاــزل من يَـهُـم بـه وأحيــانـا يُخــاتـلُـه
وأحيــانـا يـؤخــره وتـارات يـعــاجـلـه
كـفـاك به إذا نـزلَـتْ على قـوم كَـلاكِــلُـه
يخاف النـاس صـولـتـه ويُـرجَـى منـه نـائـلُـه
ويثـني عِـطـفَـه مـرحـا وتُـعجـبـه شـمـائـلـه
فـلمــا أن أتــاه الحــ ــق ولّـى عـنـه بـاطـلُـه
فـغـمـض عـيـنــه للمــ ــوت واسترخت مفـاصلُه

وقلت:
صَريــعٌ في سَبيــل الله أدَّى حـقَّــه ومَــضــى
وَغِــرٌّ شـبَّ في تــرف وفي شَهَــواتـه رَكَـضــا
فمَنْ تَبْغي أخَا الإسـلام أنْ تُضحِي لهُ عِوَضــاً؟




[1] الرسالة ص 184.
[2] الغنية ج 2 ص 172.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:37 PM
التواضع
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك، فقنا عذاب النار(. اللهم مالك الملك توتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب. رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما. تعطي منهما كما تشاء وتمنع من تشاء. ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة سواك.
إن بذل النفس في ساحة القتال، دفعة واحدة، بِحال صدق في ساعة صدق، قربة يبلغ الله بها المجاهد في سبيله درجة الشهادة، وهي درجة عظيمة عند العظيم الكريم. أعظم منها درجة الصديقية التي تقتضي بذلا للنفس في عمر طويل. بذلها بتهذيبها، وصقلها، وكفها عن محارم الله، وزجرها عن حماه، وقمعها، وردعها، وتوبيخها في جنب الله، وحملها على طاعته، وخضوعها لجلاله، وخشوعها لهيبته، وتَضَعُّفها أمام قوته، وتواضعها لقدرته، ورضاها بقضائه وقدره، وصبرها على بلائه، وخوفها من بطشه، ورجائها في عفوه، وشوقها للقائه، ورقتها لخلقه، وذلتها على المؤمنين، وعزتها على الكافرين، وعدائها للشياطين وإخوان الشياطين.
كل أولئك مظاهرُ لتزكيتها التزكية المحمودة المندوب إليها في قوله تعالى: )قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى( (سورة الأعلى، الآيات: 14-15). مظاهر لكسرها وثَنْيِها من غُلُوائها وكبريائها لكيلا تكون من الذين يزكون أنفسهم بالرياء ولا من المستكبرين الذين لا يحبهم الله.
أبناء الدنيا يبذلون دينهم، مع حقارتهم، ليتزلفوا لمستكبري الأرض المزاحمين للألوهية في تفردها بالعظمة والكبرياء. أولئك مَقْصومٌ ظهرهم جميعا، سواء في ذلك المتذلل للجبارين والجبارون أنفسهم. قال الله عز وجل في الحديث القدسي: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري. فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار". رواه أبو داود عن أبي هريرة. ولفظ مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته".
أبناء الدنيا الذين اتخذوا إلههم هواهم وعبدوا أنفسهم ونصبوها للعبادة كالأصنام، وتكبروا على خلق الله، وظلموا وأترفوا فيما أترفوا فيه هم حطب جهنم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر". الحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
أهل الجنة اللينون الذين يحبهم الله. اللينون لا عن مهانة وذلة نعوذ بالله، فإن الله عز وجل أخبرنا بأنه ضرب الذلة والمسكة على بني إسرائيل، ورسوله صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من الذلة والقلة. لكن الموطأون أكنافا الذين قال الله تعالى عنهم: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( (سورة المائدة، الآية: 56).
لاحظ قوله تعالى: "أذلة على المؤمنين". على حرف استعلاء، فالمؤمن حين يلين لإخوانه ويتواضع لهم يعطي من ذات نفسه عن طوع لا عن إكراه ولا عن خوف.
وإن الجمع في شخصية المؤمن بين طرفي الذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين لمن أهم بواطن التربية وأدقها.لأن المؤمن الضعيف يميل به ضَعفه إلى طبع الاستكانة والسكون بينما يصول المستكبر ويَجول. رحم الله عمر بن الخطاب حين خفق بالدرة رجلا رآه منكوس الرأس مُتماوِتا، قال له: "أماتك الله! أَمَتَّ علينا ديننا!".
أهل الجنة "كل ضعيف متضعِّف لو أقسم على الله لأبرّه" كما جاء في الحديث النبوي الذي أخرجاه في الصحيحين عن حارثه بن وهب. المُحَبُّون عند الله هم المتواضعون لله، يرفعهم الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تواضع لله رفعه الله". أخرجه الحافظ أبو نعيم في الحلية بإسناد حسن. ولا يدخل الجنة "الجوَّاظ ولا الجَعْظَرِيُّ" كما روى أبو داود عن نفس حارثة مرفوعا بإسناد صحيح. وانظر حكمة استعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذين اللفظين المنفرين العاتيين: الجواظ هو المَنوعُ للخير السمين المختال، والجعظري الفظ الغليظ.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لينا على المؤمنين، لينا لهم برحمة من الله الرحمن الرحيم. لم يكن فظا غليظ القلب. وقد من الله عليه بهذا الخلق العظيم في قوله: )فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ( (سورة آل عمران، الآية: 159). كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مهيبا، وكانت هيبته تنخلع لها قلوب الجاحدين وتتطامنُ لها قلوب المؤمنين. ذات مرة غلبت رجلا هذه الهيبة التي خلعها رب العزة والكبرياء سبحانه على عبده حُلَّة ربانية، فتلعثم الرجل، فقال الرؤوف الرحيم صلى الله عليه سلم: "إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد". رواه الحاكم من حديث جرير وصححه. وقال عبد الله بن عباس: سمعت عمر بن الخطاب يقول على المنبر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تُطروني كما أطْرَتْ النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله". أخرجه البخاري.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أصحابه عن إطْراء بعضِهم بعضا في وجهه ويقول: "ويحك قطعت عنق صاحبك!" ذكره مسلم وغيره. لأن الإطراء إذا ألِفَته النفس ومالت إليه تعاظم عندها شأن ذاتها. والمقصود من الشرع تزكيتها عن الغرور لا التغرير بها.
لهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "رحم الله امرَأً أهدى إلي عيوبي". ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يَحْثون التراب فِعلاً في وجوه المداحين والمتملقين كما جاء الأمر بذلك في الحديث النبوي.
من تواضع أبي بكر الصديق رضي الله عنه وخوفه من ربه عز وجل أنه قال: "وددت أن أكون خضراء تأكلني الدواب". ومن تواضع عمر رضي الله عنه وبذاذته أنه، وهو أمير المؤمنين، كان يلبس ثوبا عليه اثنتا عشرة رقعة. ومن تواضعه وسياسته لنفسه وإلجامه إيّاها أنه جمع الناس في المسجد فخطب يقول: "أيها الناس! لقد رأيتُني وأنا أرعى على خالات لي من بني مخزوم. فكنت أستعذِبُ لهن الماء، فيقبضن لي القبضة من التمر أو الزبيب". ثم نزل فسأله عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ما أردت إلى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: ويحك يا ابن عوف! خلوت بنفسي فقالت لي أنت أمير المؤمنين! وليس بينك وبين الله أحد! فمن ذا أفضل منك؟ فأردت أن أعَرِّفها قدرها. ولما قدم الشام بعد فتحها عرضت له مَخَاضَةٌ في النهر، فنزل عن بعيره، ونزع خفيه فأمسكها بيده، وخاض الماء ومعه بعيره. فقال له أبو عبيدة: لقد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الأرض! يعني أن أهل الشام ألفوا عجرفة الروم وأُبَّهتهم، فهم لا يتوقعون من رئيس دولة أن يتصرف بهذه البساطة. فما كان من عمر إلا أن صَكَّ في صدر أبي عبيدة قائد جيش المسلمين وقال: أوه. لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة! إنكم كنتم أذلَّ الناس وأحقر الناس وأقل الناس. فأعزكم الله بالإسلام. فمهما تطلبوا العزة بغيره يُذِلّكم الله.
كان هذا حالَ الصحابة المجاهدين رضيَ الله عنهم. أما السادة العارفون بالله من الصوفية فقد كان تواضع الكثيرين منهم مضربَ الأمثال. بعض المنتسبين للتصوف انزلقوا في الدروشة والمسكنة، وبعض النصابين باسم التصوف لبَّسوا على الناس بتواضع كاذب، هو الرياء أقبح الرياء.
قال الإمام أحمد الرفاعي عن نفسه: "المخلوق ضَعف، عجز، فقر، حاجة، عدم محض"[1]. ومن كشف الله له حقيقة نفسه يرها معدن النقص كله والعجز والضعف. قال رحمه الله: "أي سادة! تفرقت الطوائف شِيَعا، وحُمَيْد. تصغير أحمد يعني نفسه. بقي مع أهل الذل والانكسار، والمسكنة والاضطرار"[2].
وقال رحمه الله: "أي سادة! أنا لست بشيخ! لستُ بمقدم على هذا الجمع! لست بواعظ! لست بمعلم! حُشِرتُ مع فرعون وهامان إن خطر لي أني شيخ على أحد من خلق الله،إلا أن يتغمدني الله برحمته فأكون كآحاد المسلمين"[3]. وقال لرجل سأله الدعاء: "اقتد بالقرآن، اتبع آثار السلف! إيش أنا حتى أدعو لك. ما مَثلي إلا كمثَل ناموسة على الحائط لا قدر لها"[4]. وقال: "بَذَلت نفسي، ولم أترك طريقا إلا سلكته، وعرفت صحته بصدق النية والمجاهدة، فلم أجد أقرب وأوضح وأحب من العمل بالسنة المحمدية، والتخلق بخلق أهل الذل والانكسار، والحيرة والافتقار"[5].
ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الإشارة إلى فضل الله عليه في مثل قوله: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر". الحديث رواه الترمذي عن أبي سعيد بإسناد حسن.
وكذلك قال الرفاعي: "علكيم بنا! صحبتنا ترياق مجرب، والبعد عنا سم قاتل"[6]. وقال: "خُذ مني علم الذَّوق! خذ مني علم الشوق! أين أنت مني يا أخا الحجاب. كشف لي عن قلبك!"[7]. وقال الشيخ عبد القادر: "إني صبرت ورأيت عاقبة الصبر محمودة. مُتُّ، ثم أحياني، ثم أماتني. وغبت ثم أوجدني من غيبتي. هلكتُ معه، ملكتُ معه. جاهدت نفسي في ترك الاختيار والإرادة حتى حصل لي ذلك، فصار القدر يقودني، والمنة تنصرني، والفعل يحركني، والغيرة تعصمني، والإرادة تطيعني، والسابقة تقدمني، والله عز وجل يرفعني"[8]. وقال: "يا غلام! مرادي أنت لا أنا! أن تتغير أنت لا أنا! أنا عَبَرْتُ وإنما وَدَدْتُني لأجلك كي تتعلق بي حتى تَعْبُرَ بالعجلة"[9].
وقبل الشيخين الإمامين كتب حجة الإسلام أبو حامد الغزالي يدل على نفسه ويشير إليها في رسالة وجهها إلى شهاب الإسلام الوزير يرشده إلى معالجة القلوب وطبها. قال: "يمكن له (مريض القلب) أن يدخل في حماية طبيب يعرف علاج القلب ولا يكون مريضا. وطبيب كهذا عَزَّ وجودُه في هذا العصر. وفلان (يعني نفسه) من جملة أطباء القلب وأرباب القلوب"[10].
كان شيخ الإسلام ابن تيمية، في حالات هدوئه، غاية في التواضع. قال ابن القيم رحمه الله: "ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك (أي من الخشوع والانكسار) أمرا لم أشاهده من غيره. وكان يقول: ما لي شيء! وما منّي شيء! ولا فِيَّ شيء! وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت:
أنا المكَدِّى وابن المُكدي وهكذا كان أبي وجَـدّي

(المكدي: المتسول)
قال: وكان إذا أُثْنِِي عليه في وجهه يقول: والله إنّي إلى الآن أجدّد إسلامي كل وقت. وما أسلمت بعد إسلاما جيدا! وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه:
إني الـفـقـيــر إلـى رب البـريـات أنا المسكـين فـي مجمـوع حـالاتي
أنا الظلــوم لنفسـي وهـي ظـالمتـي والخيـر إن ياتـنـا من عنده يَـاتـي
لا أستطيـع لنفسي جـلب مـنفـعـة ولا عـن النفـس لي دفـعَ المضـرات
وليـس لي دونـه مـولـىً يـدبِّـرنـي ولا شـفـيـع إذا حـاطت خطيئـاتي
إلا بـإذن مـن الرحمـان خـالقـنــا إلى الشفيـع كـما قد جـاء في الآيـات
ولسـت أملـك شيئــا دونـه أبــدا ولا شــريـكٌ أنـا في بعـض ذرات
ولا ظهيــر له كـي يسـتـعـيـن بـه كـمـا يكــون لأربــاب الولايـات
والـفـقــر لي وصـف ذات لازم أبـدا كمـا الغـنى أبـدا وصـف لـه ذاتي
وهذه الحـال حـال الخلـق أجمعهـم وكـلـهــم عنــده عبــد لـه آتـي
فمـن بغى مطـلبا من غـيـر خـالقـه فهـو الظلوم الجهول المشـرك العاتي
والحمـد لله مـلء الكـون أجـمـعـه ما كان منه ومـا من بعـدُ قد يـاتي

لعل شيخ الإسلام كتب الأبيات في السجن الذي مات فيه، فهي وصية تواضع وذلة وخضوع، أرجو أن يقرأها قراءة القلب أفاضلٌ يُكبرون مثلما نُكبر الرجل الكبير.
وأنشد التلميذُ المجيد شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله المؤرخ الصفدِيَّ من نظمه يلوم نفسه، اسم ابن القيم محمد بن أبي بكر. قال:
بـنَـيُّ أبـي بكـر كـثيــر ذنـوبـه فليس على من نـال من عِرضه إثم
بـنـي أبـي بكـر جهــول بنفسـه جهـول بأمـر الله أنَّـى له العلم!
بـنـي أبـي بكــر غـدا متـصَـدِّرا يُـعـلـم علمـا وهـو ليـس له عـلـم
بـنـي أبـي بكـر عــدا متـمنـيــا وِصـال المـعـالـي والذنـوب لـه هـم
بـنـي أبـي بكـر يـروم تـرقـيـا إلـى جنـة المـأوى وليـس له عـزم
بـنـي أبي بكر يرى الغُنمَ في الذي يـزول ويفنى والـذي تركـه الغُـنـم
بـنـي أبـي بكـر لقد خـاب سعيُه إذا لم يكن في الصـالحات له سهم
بـنـي أبـي بكـر كمـا قـال ربـه هَـلوع كنود وصفه الجهـل والظلـم
بـنـي أبـي بكـر وأمثـالـه غـدوا بـفـتـواهمُ هـذي الخـليـقـة تـأتـم
وليس لهـم في العلم بـاع ولا التقى ولا الزهـد والدنيـا لديهم هي الهم
فوالله لو أن الصحـابـة شـاهـدوا أفاضِلَهم قالوا: هُمُ الصم والبكـم!

وقلت:
لَكَ الصَّوْلاتُ والجَــوْلاتُ في صنــع الأبـاطِـيــل
وَتـَــرتــاحُ إذا تُـمـسِــي بِــرفْـقــةِ رُتَّــعٍ مِيــلِ
فَـهـلاَّ صِــرتَ مِنّــا فـي عِــدادِ خِــيرةِ الجيــلِ!




[1] البرهان المؤيد ص 33.
[2] المصدر السابق ص 34.
[3] المصدر السابق ص 32.
[4] المصدر السابق ص 59.
[5] المصدر السابق ص62-63.
[6] المصدر السابق ص 43.
[7] المصدر السابق ص 42.
[8] الفتح الرباني ص 176.
[9] المصدر السابق ص 40.
[10] رسائل حجة الإسلام ص 888.
[11] مدارج السالكين ص 524-525.
[12] فوات الوفيات ج 3 ص 693.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:37 PM
التواضع
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك، فقنا عذاب النار(. اللهم مالك الملك توتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب. رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما. تعطي منهما كما تشاء وتمنع من تشاء. ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة سواك.
إن بذل النفس في ساحة القتال، دفعة واحدة، بِحال صدق في ساعة صدق، قربة يبلغ الله بها المجاهد في سبيله درجة الشهادة، وهي درجة عظيمة عند العظيم الكريم. أعظم منها درجة الصديقية التي تقتضي بذلا للنفس في عمر طويل. بذلها بتهذيبها، وصقلها، وكفها عن محارم الله، وزجرها عن حماه، وقمعها، وردعها، وتوبيخها في جنب الله، وحملها على طاعته، وخضوعها لجلاله، وخشوعها لهيبته، وتَضَعُّفها أمام قوته، وتواضعها لقدرته، ورضاها بقضائه وقدره، وصبرها على بلائه، وخوفها من بطشه، ورجائها في عفوه، وشوقها للقائه، ورقتها لخلقه، وذلتها على المؤمنين، وعزتها على الكافرين، وعدائها للشياطين وإخوان الشياطين.
كل أولئك مظاهرُ لتزكيتها التزكية المحمودة المندوب إليها في قوله تعالى: )قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى( (سورة الأعلى، الآيات: 14-15). مظاهر لكسرها وثَنْيِها من غُلُوائها وكبريائها لكيلا تكون من الذين يزكون أنفسهم بالرياء ولا من المستكبرين الذين لا يحبهم الله.
أبناء الدنيا يبذلون دينهم، مع حقارتهم، ليتزلفوا لمستكبري الأرض المزاحمين للألوهية في تفردها بالعظمة والكبرياء. أولئك مَقْصومٌ ظهرهم جميعا، سواء في ذلك المتذلل للجبارين والجبارون أنفسهم. قال الله عز وجل في الحديث القدسي: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري. فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار". رواه أبو داود عن أبي هريرة. ولفظ مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته".
أبناء الدنيا الذين اتخذوا إلههم هواهم وعبدوا أنفسهم ونصبوها للعبادة كالأصنام، وتكبروا على خلق الله، وظلموا وأترفوا فيما أترفوا فيه هم حطب جهنم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر". الحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
أهل الجنة اللينون الذين يحبهم الله. اللينون لا عن مهانة وذلة نعوذ بالله، فإن الله عز وجل أخبرنا بأنه ضرب الذلة والمسكة على بني إسرائيل، ورسوله صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من الذلة والقلة. لكن الموطأون أكنافا الذين قال الله تعالى عنهم: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( (سورة المائدة، الآية: 56).
لاحظ قوله تعالى: "أذلة على المؤمنين". على حرف استعلاء، فالمؤمن حين يلين لإخوانه ويتواضع لهم يعطي من ذات نفسه عن طوع لا عن إكراه ولا عن خوف.
وإن الجمع في شخصية المؤمن بين طرفي الذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين لمن أهم بواطن التربية وأدقها.لأن المؤمن الضعيف يميل به ضَعفه إلى طبع الاستكانة والسكون بينما يصول المستكبر ويَجول. رحم الله عمر بن الخطاب حين خفق بالدرة رجلا رآه منكوس الرأس مُتماوِتا، قال له: "أماتك الله! أَمَتَّ علينا ديننا!".
أهل الجنة "كل ضعيف متضعِّف لو أقسم على الله لأبرّه" كما جاء في الحديث النبوي الذي أخرجاه في الصحيحين عن حارثه بن وهب. المُحَبُّون عند الله هم المتواضعون لله، يرفعهم الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تواضع لله رفعه الله". أخرجه الحافظ أبو نعيم في الحلية بإسناد حسن. ولا يدخل الجنة "الجوَّاظ ولا الجَعْظَرِيُّ" كما روى أبو داود عن نفس حارثة مرفوعا بإسناد صحيح. وانظر حكمة استعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذين اللفظين المنفرين العاتيين: الجواظ هو المَنوعُ للخير السمين المختال، والجعظري الفظ الغليظ.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لينا على المؤمنين، لينا لهم برحمة من الله الرحمن الرحيم. لم يكن فظا غليظ القلب. وقد من الله عليه بهذا الخلق العظيم في قوله: )فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ( (سورة آل عمران، الآية: 159). كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مهيبا، وكانت هيبته تنخلع لها قلوب الجاحدين وتتطامنُ لها قلوب المؤمنين. ذات مرة غلبت رجلا هذه الهيبة التي خلعها رب العزة والكبرياء سبحانه على عبده حُلَّة ربانية، فتلعثم الرجل، فقال الرؤوف الرحيم صلى الله عليه سلم: "إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد". رواه الحاكم من حديث جرير وصححه. وقال عبد الله بن عباس: سمعت عمر بن الخطاب يقول على المنبر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تُطروني كما أطْرَتْ النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله". أخرجه البخاري.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أصحابه عن إطْراء بعضِهم بعضا في وجهه ويقول: "ويحك قطعت عنق صاحبك!" ذكره مسلم وغيره. لأن الإطراء إذا ألِفَته النفس ومالت إليه تعاظم عندها شأن ذاتها. والمقصود من الشرع تزكيتها عن الغرور لا التغرير بها.
لهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "رحم الله امرَأً أهدى إلي عيوبي". ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يَحْثون التراب فِعلاً في وجوه المداحين والمتملقين كما جاء الأمر بذلك في الحديث النبوي.
من تواضع أبي بكر الصديق رضي الله عنه وخوفه من ربه عز وجل أنه قال: "وددت أن أكون خضراء تأكلني الدواب". ومن تواضع عمر رضي الله عنه وبذاذته أنه، وهو أمير المؤمنين، كان يلبس ثوبا عليه اثنتا عشرة رقعة. ومن تواضعه وسياسته لنفسه وإلجامه إيّاها أنه جمع الناس في المسجد فخطب يقول: "أيها الناس! لقد رأيتُني وأنا أرعى على خالات لي من بني مخزوم. فكنت أستعذِبُ لهن الماء، فيقبضن لي القبضة من التمر أو الزبيب". ثم نزل فسأله عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ما أردت إلى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: ويحك يا ابن عوف! خلوت بنفسي فقالت لي أنت أمير المؤمنين! وليس بينك وبين الله أحد! فمن ذا أفضل منك؟ فأردت أن أعَرِّفها قدرها. ولما قدم الشام بعد فتحها عرضت له مَخَاضَةٌ في النهر، فنزل عن بعيره، ونزع خفيه فأمسكها بيده، وخاض الماء ومعه بعيره. فقال له أبو عبيدة: لقد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الأرض! يعني أن أهل الشام ألفوا عجرفة الروم وأُبَّهتهم، فهم لا يتوقعون من رئيس دولة أن يتصرف بهذه البساطة. فما كان من عمر إلا أن صَكَّ في صدر أبي عبيدة قائد جيش المسلمين وقال: أوه. لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة! إنكم كنتم أذلَّ الناس وأحقر الناس وأقل الناس. فأعزكم الله بالإسلام. فمهما تطلبوا العزة بغيره يُذِلّكم الله.
كان هذا حالَ الصحابة المجاهدين رضيَ الله عنهم. أما السادة العارفون بالله من الصوفية فقد كان تواضع الكثيرين منهم مضربَ الأمثال. بعض المنتسبين للتصوف انزلقوا في الدروشة والمسكنة، وبعض النصابين باسم التصوف لبَّسوا على الناس بتواضع كاذب، هو الرياء أقبح الرياء.
قال الإمام أحمد الرفاعي عن نفسه: "المخلوق ضَعف، عجز، فقر، حاجة، عدم محض"[1]. ومن كشف الله له حقيقة نفسه يرها معدن النقص كله والعجز والضعف. قال رحمه الله: "أي سادة! تفرقت الطوائف شِيَعا، وحُمَيْد. تصغير أحمد يعني نفسه. بقي مع أهل الذل والانكسار، والمسكنة والاضطرار"[2].
وقال رحمه الله: "أي سادة! أنا لست بشيخ! لستُ بمقدم على هذا الجمع! لست بواعظ! لست بمعلم! حُشِرتُ مع فرعون وهامان إن خطر لي أني شيخ على أحد من خلق الله،إلا أن يتغمدني الله برحمته فأكون كآحاد المسلمين"[3]. وقال لرجل سأله الدعاء: "اقتد بالقرآن، اتبع آثار السلف! إيش أنا حتى أدعو لك. ما مَثلي إلا كمثَل ناموسة على الحائط لا قدر لها"[4]. وقال: "بَذَلت نفسي، ولم أترك طريقا إلا سلكته، وعرفت صحته بصدق النية والمجاهدة، فلم أجد أقرب وأوضح وأحب من العمل بالسنة المحمدية، والتخلق بخلق أهل الذل والانكسار، والحيرة والافتقار"[5].
ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الإشارة إلى فضل الله عليه في مثل قوله: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر". الحديث رواه الترمذي عن أبي سعيد بإسناد حسن.
وكذلك قال الرفاعي: "علكيم بنا! صحبتنا ترياق مجرب، والبعد عنا سم قاتل"[6]. وقال: "خُذ مني علم الذَّوق! خذ مني علم الشوق! أين أنت مني يا أخا الحجاب. كشف لي عن قلبك!"[7]. وقال الشيخ عبد القادر: "إني صبرت ورأيت عاقبة الصبر محمودة. مُتُّ، ثم أحياني، ثم أماتني. وغبت ثم أوجدني من غيبتي. هلكتُ معه، ملكتُ معه. جاهدت نفسي في ترك الاختيار والإرادة حتى حصل لي ذلك، فصار القدر يقودني، والمنة تنصرني، والفعل يحركني، والغيرة تعصمني، والإرادة تطيعني، والسابقة تقدمني، والله عز وجل يرفعني"[8]. وقال: "يا غلام! مرادي أنت لا أنا! أن تتغير أنت لا أنا! أنا عَبَرْتُ وإنما وَدَدْتُني لأجلك كي تتعلق بي حتى تَعْبُرَ بالعجلة"[9].
وقبل الشيخين الإمامين كتب حجة الإسلام أبو حامد الغزالي يدل على نفسه ويشير إليها في رسالة وجهها إلى شهاب الإسلام الوزير يرشده إلى معالجة القلوب وطبها. قال: "يمكن له (مريض القلب) أن يدخل في حماية طبيب يعرف علاج القلب ولا يكون مريضا. وطبيب كهذا عَزَّ وجودُه في هذا العصر. وفلان (يعني نفسه) من جملة أطباء القلب وأرباب القلوب"[10].
كان شيخ الإسلام ابن تيمية، في حالات هدوئه، غاية في التواضع. قال ابن القيم رحمه الله: "ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك (أي من الخشوع والانكسار) أمرا لم أشاهده من غيره. وكان يقول: ما لي شيء! وما منّي شيء! ولا فِيَّ شيء! وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت:
أنا المكَدِّى وابن المُكدي وهكذا كان أبي وجَـدّي

(المكدي: المتسول)
قال: وكان إذا أُثْنِِي عليه في وجهه يقول: والله إنّي إلى الآن أجدّد إسلامي كل وقت. وما أسلمت بعد إسلاما جيدا! وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه:
إني الـفـقـيــر إلـى رب البـريـات أنا المسكـين فـي مجمـوع حـالاتي
أنا الظلــوم لنفسـي وهـي ظـالمتـي والخيـر إن ياتـنـا من عنده يَـاتـي
لا أستطيـع لنفسي جـلب مـنفـعـة ولا عـن النفـس لي دفـعَ المضـرات
وليـس لي دونـه مـولـىً يـدبِّـرنـي ولا شـفـيـع إذا حـاطت خطيئـاتي
إلا بـإذن مـن الرحمـان خـالقـنــا إلى الشفيـع كـما قد جـاء في الآيـات
ولسـت أملـك شيئــا دونـه أبــدا ولا شــريـكٌ أنـا في بعـض ذرات
ولا ظهيــر له كـي يسـتـعـيـن بـه كـمـا يكــون لأربــاب الولايـات
والـفـقــر لي وصـف ذات لازم أبـدا كمـا الغـنى أبـدا وصـف لـه ذاتي
وهذه الحـال حـال الخلـق أجمعهـم وكـلـهــم عنــده عبــد لـه آتـي
فمـن بغى مطـلبا من غـيـر خـالقـه فهـو الظلوم الجهول المشـرك العاتي
والحمـد لله مـلء الكـون أجـمـعـه ما كان منه ومـا من بعـدُ قد يـاتي

لعل شيخ الإسلام كتب الأبيات في السجن الذي مات فيه، فهي وصية تواضع وذلة وخضوع، أرجو أن يقرأها قراءة القلب أفاضلٌ يُكبرون مثلما نُكبر الرجل الكبير.
وأنشد التلميذُ المجيد شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله المؤرخ الصفدِيَّ من نظمه يلوم نفسه، اسم ابن القيم محمد بن أبي بكر. قال:
بـنَـيُّ أبـي بكـر كـثيــر ذنـوبـه فليس على من نـال من عِرضه إثم
بـنـي أبـي بكـر جهــول بنفسـه جهـول بأمـر الله أنَّـى له العلم!
بـنـي أبـي بكــر غـدا متـصَـدِّرا يُـعـلـم علمـا وهـو ليـس له عـلـم
بـنـي أبـي بكـر عــدا متـمنـيــا وِصـال المـعـالـي والذنـوب لـه هـم
بـنـي أبـي بكـر يـروم تـرقـيـا إلـى جنـة المـأوى وليـس له عـزم
بـنـي أبي بكر يرى الغُنمَ في الذي يـزول ويفنى والـذي تركـه الغُـنـم
بـنـي أبـي بكـر لقد خـاب سعيُه إذا لم يكن في الصـالحات له سهم
بـنـي أبـي بكـر كمـا قـال ربـه هَـلوع كنود وصفه الجهـل والظلـم
بـنـي أبـي بكـر وأمثـالـه غـدوا بـفـتـواهمُ هـذي الخـليـقـة تـأتـم
وليس لهـم في العلم بـاع ولا التقى ولا الزهـد والدنيـا لديهم هي الهم
فوالله لو أن الصحـابـة شـاهـدوا أفاضِلَهم قالوا: هُمُ الصم والبكـم!

وقلت:
لَكَ الصَّوْلاتُ والجَــوْلاتُ في صنــع الأبـاطِـيــل
وَتـَــرتــاحُ إذا تُـمـسِــي بِــرفْـقــةِ رُتَّــعٍ مِيــلِ
فَـهـلاَّ صِــرتَ مِنّــا فـي عِــدادِ خِــيرةِ الجيــلِ!




[1] البرهان المؤيد ص 33.
[2] المصدر السابق ص 34.
[3] المصدر السابق ص 32.
[4] المصدر السابق ص 59.
[5] المصدر السابق ص62-63.
[6] المصدر السابق ص 43.
[7] المصدر السابق ص 42.
[8] الفتح الرباني ص 176.
[9] المصدر السابق ص 40.
[10] رسائل حجة الإسلام ص 888.
[11] مدارج السالكين ص 524-525.
[12] فوات الوفيات ج 3 ص 693.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:37 PM
طلاق الدنيا والآخرة
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته. وما للظالمين من أنصار(. اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدا ما أبقيتني، وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني.
تلا المؤمن قول الله تبارك وتعالى: ) وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى( (سورة طه، الآية: 131)، فزاده القرآن إيمانا وزادته الآية توكلا. وتلا قوله عز وجل: )وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى( (سورة طه، الآية: 127)، فازداد خوفا من بطش ربه. وتلا قوله سبحانه: )وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى( (سورة القصص، الآية: 60)، فازداد رجاؤه فيما عند الله. وتلا قوله جلت حكمته: )وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى( (سورة الأعلى، الآية: 17)، فطلق الدنيا الفانية إيثارا لما يبقى على ما يفنى. ثم سمع بالسمع القلبي سمع الفطرة قول العزيز الحكيم: )وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى( (سورة طه، الآية: 73)، فطلق الدنيا والآخرة جميعا شوقا إلى ربه وإيثارا للخالق الرزاق رب الدنيا والآخرة على ما سواه.
عبارةٌ يكثر أن نقرأها في كلام الأكابر مثل الشيخ عبد القادر يتحدث فيها عن طلاق الدنيا والآخرة يجب أن نَقْدُرها قدرها لكيلا يتوهم متوهم أن بالقوم رضي الله عنهم استخفافا بأمر الآخرة. كيف والله عز وجل خوفنا من عذابها وجمَّل لنا ثوابها ونعيمها! نَفس المؤمن والمحسن تخاف أشد الخوف مما خوف منه الله تعالى، وترجو ما رجّى فيه.نفس العارف تخاف النار وتحب النعيم كأشد ما يكون الخوف والحب، فهو عبد لله. لكن قلبه لا يلتفت إلى الدار دون الجار، لا يحلو له نعيم في الدنيا والآخرة مع مجرّد فكرة أن يحجب عن الله عز وجل. هو في الدنيا والآخرة جسم ونفس وقلب وروح، وسر وخفِيُّ وأخفى، حسب اصطلاح العارفين، ولكل من أكوانه لذتها ونعيمُها وأشواقها دنيا وأخرى. وقد يغلب الحال بعض الصوفية أحيانا فيترجم لسانه عن القلب والروح والسر بما يوهم المقطوع مع نفسه من المحجوبين أن الناطق لا يكترث بشيء مما عظمه الله من عمل الدنيا وقُرَبها وجزاء الآخرة ونعيمها وعقابها، كما قالت رابعة:
ليس لي في الجنان والنار رأي أنا لا أبتغي بحبي بديلا

قال الإمام عبد القادر قدس الله روحه: "الدنيا سوق عن قريب ينغلق. أغلقوا أبواب رؤية الخلق وافتحوا أبواب رؤية الحق عز وجل. أغلقوا أبواب الاكتساب والأسباب في حال صفاء القلوب وقرب السر فيما يخصكم لا فيما يعم غيركم من الأهل والأتباع. فليكن الكسب لغيركم، والنفع لغيركم، والتحصيل لغيركم. واطلبوا ما يخصكم من لطيف فضله، وأقعدوا أنفسكم مع الدنيا، وقلوبكم مع الأخرى، وأسراركم مع المولى.إنك تعلم ما نريد"[1].
وقال: "الزاهدون يأكلون في الجنة، والعارفون يأكلون عنده وهم في الدنيا. والمحِبون لا يأكلون في الدنيا ولا في الآخرة. طعامُهُم وشرابهم أُنسهم وقربُهم من ربهم عز وجل ونظرهم إليه. باعوا الدنيا بالآخرة، ثم باعوا الآخرة بربهم عز وجل رب الدنيا والآخرة. الصادقون في محبته باعوا الدنيا والآخرة بوجهه، وأرادوه دون غيره. فلما تمَّ البيع والشراء غلب الكرم فرد عليهم الدنيا والآخرة موهبةً، وأمرهم بتناولهما. فأخذوهما بمجرد الأمر، مع الشِّبع، بل مع التخمة والغنى عنهما. فعلوا ذلك موافقة للقدر، وحسن أدب مع القَدر. قبلوا وأخذوا وهم يقولون: "وإنك لتعلم ما نريد". تعلم أن قد رضينا بك دون غيرك. ورضينا بالجوع والعطش والعُرْي والذل والمهانة، وأن نكون على بابك مطروحين. لمّا رضوا بذلك، وقرّروا مع نفوسهم الطمأنينة عليه نظر إليهم نظرَ الرحمة، فأعزّهم بعد ذلهم، وأغناهم بعد فقرهم، ومنحهم وقرَّبهم منه دنيا وآخرة. المؤمن يزهد في الدنيا فيزيل الزهدُ وسخ باطنه ودَرَنَه وكَدَرَه. فتأتي الآخرةُ فتسكُن قلبه، ثم تأتي يد الغيرة فتزيلها عن قلبه، وتعلمه أنها حجاب عن قرب الحق عز وجل. فحينئذ يترك الاشتغال بالخلق في الجملة، ويمتثل أوامر الشرع، ويحفظ حدوده المشتركة بينه وبين العوام. تنفتح عينا بصيرته، فيبصر عيوب نفسه وعيوب المخلوقات، فلا يسكن إلا إلى ربه عز وجل، ولا يسمع من غيره، ولا يعقِل عن غيره، ولا يسكُن إلى غير وعده، ولا يخاف من غير وعيده. يترك الشغل بغيره ويشتغل به. فإذا تم هذا فهو فيما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"[2].
الانقلاع عن الدنيا وعن شهواتها، والزهد في متاعها المادي من أموال وزينة، والترفع عن طلب الرئاسات، والتواضع، والتقلل، والتوكل،مقامات يبلغها السالك الصوفي بالمجاهدة والذكر، ويبلغها السالك المجاهد بالثبات في الصف مع كثرة الذكر، ويدركها الاثنان بصحبة من تخطى الدنيا ولم يقف مع الآخرة إلا نفسُه الفرحةُ بما عند الله، والروح في أشواقها إلى الله، والسر في مناجاته مع الله.
قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله: "طلقت الدنيا ثلاثا بتّاً لا رجعة لي فيها. وصرت إلى ربي وحدي. وناديته بالاستعانة. إلهي أدعوك دعاء من لم يبق له غيرك. فلما عرف صدق الدعاء من قلبي واليأْس من نفسي كان أولُ ما ورد علي من إجابة هذا الدعاء أن أنساني نفسي بالكلية، ونصب الخلائق بين يدَيَّ مع إعراضي عنهم". ولما كثر على أبي يزيد الزُّوار يتبركون به ويقتدون، قال:
يا ليتني صرت شيئا من غير شيء أُعَدُّ
أصبحت للكل مولى لأنني لك عبد
وفي الفؤاد أمور ما تُستطاع تُعَد
لكن كتمان حالي أحقُّ بي وأسَدُّ

رحم الله العارفين من السادة الصوفية، هربوا من الدنيا بأجسامهم ونفوسهم وقلوبهم وأرواحهم جميعا. والسادة السادة الأنبياء والرسل وكبار الصحابة أعطوا لكل مقام حقه. قدمُهم في الدنيا راسخة ثابتة لأنها دار عمل وجهاد، وقدمهم في الآخرة راسخة لأنها دار المعاد، وأرواحهم وأسرارهم مع الله عز وجل هنا وهناك. سبقوا الزاهدين الهاربين بالثبات في المواقف، ولم يسبقهم أحد، وسبحان الله، في القرب من الله. العذر الذي تذرع به الزاهدون الصوفية للهروب من الفتنة لا يقوم أبدا كفاءً للموقف الإيجابي، موقف من واجهوا الجاهلية، وقاتلوا الفتنة. صدقُ طلب السادة الصوفية، وسابقة كلٍّ عند الله الملك الوهاب، بلغهم المقامات العليا، وزاد الغنيُّ الكريمُ الرسلَ والأصحاب والحواريين والإخوان في آخر الزمان مع الصدق توفيقا أعلى. لستُ أقصد بالإخوان كل من هب ودب والتحى وقال "أنا"، بل أقصد إخوان الرسول صلى الله عليه وسلم الذين اشتاق إلى رؤيتهم كما جاء في الصحيح.
عند الموت يكون العبد لا في الدنيا ولا في الآخرة. عند الموت يُكشف غطاء المحتضر فينكمش الكافر على نفسه ويقول: )رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ( (سورة المؤمنون، الآية: 100)، ويفرح المؤمن بما وُعد، ويطير العارف إلى مُراده، وتظهر ميزةُ الكُمَّل من الرُسل والحواريين، لا تشغلهم دار عن دار، ولا ينقص من شغلهم الروحي السري بالله شغلهم القلبي بالآخرة التي فيها معادهم، ولا شغلهم بالدنيا التي منها زادهم من العمل الصالح والجهاد.
رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال لرفيق له: أين تذهب؟ قال: أذهب إلى السوق. قال أبو هريرة: إن استطعت أن تشتري لي الموت فافعل، فإنه طال شوقي إلى ربي، وإن الموت أحب إلى من شرب الماء البارد للعطشان. ولما حضر بلالاً الموت قال: "واطرباه! غدا ألقى الأحبة محمدا وصحبه". ولما حضرت معاذا الوفاة قال: "اللهم إني قد كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك. اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لظَمإ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر". ولما احتضر سلمان بكى وقال: "ما أبكي جزعا على الدنيا، ولكن عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون بُلغةُ أحَدنا من الدنيا كزاد راكب". فلما نظروا في تَرِكة سلمان رضي الله عنه وجدوا قيمة ما ترك لا تعدو بضعة عشر درهما.
هذه لحظات انتقال عامة الصحابة رضي الله عنهم: فراق للدنيا بلا جزع، بل باطمئنان وفرح.
أما الأسوة العظمى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان آخرُ أيام حياته في الدنيا الاشتغال بتجهيز الجيش مع أسامة إلى الشام، فلما اشتد به المرض وعالجته سكرات الموت، وكانت شديدة عليه لتتأسى به أمته، اشتغل بتنصيب أبي بكر إماما للصلاة، يتفقد هل نُفِّذ أمره بهذا الصدد كلما أفاق من غشياته. وكان آخرَ وصاياهُ صلى الله عليه وسلم بالصلاة وبالنساء ومِلْكِ اليمين. وكان آخر كلامه صلى الله عليه وسلم: "اللهم الرفيق الأعلى"، وقوله تعالى: ) مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ( (سورة النساء، الآية: 68).
كانت لحظاتِ ثباتٍ، واهتمام بأمر الأمة، وجهاد، وتعليم. ثم طلبَ الرفيق الأعلى من أحباب الله انتظاراً ليوم الشفاعة ولواء الحمد.
ولما احتُضر الصديق رضي الله عنه كان آخر شُغله في الدنيا وصيتُه بالخلافة من بعده لعمر بعد عهد حافل بجهاد أهل الردة. وكان مما قاله قبل موته فيما رواه سعيد بن المسيب: "اللهم إنك دَبَّرْتَ الأمور وجعلت مصيرَها إليك، فأحيني بعد الموت حياة طيبة، وقربني إليك زُلْفَى. اللهم من أصبح وأمسى ثقتُه ورجاؤه غيرُك فأنت ثقتي ورجائي. ولا حول ولا قوة إلا بالله".
ولما طُعن عمر بن الخطاب اشتغل بتدبير الشورى من بعده، لم يشغله ما كان يعانيه من الجراح عن دنيا الأمة، ولا شغلته هموم الآخرة عن هم الأمة، ولا شغله كل ذلك عن هم الله. كمال في كمال. عن ابن عباس أن عليا رضي الله عنه لما توفي عمر ترحم عليه وخاطبه قائلا: "ما خلَّفتَ أحدا أحب إلي أن ألقى الله بعمله منك. وايْمُ الله! إن كنت لأظن ليجعلك الله مع صاحبيك! وذلك أني كنت كثيراً ما أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر. فإني كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما".
ولما طعن أمير المؤمنين عثمان كان آخر كلامه: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. اللهم إنى أستعديك عليهم، وأستعينك على جميع أموري، وأسألك الصبر على ما ابتليتني".
ولما طعن الإمام علي كرم الله وجهه قال: "فزت وربِّ الكعبة!" ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض. وقال قبيل الرحيل: )لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ( (سورة الصافات، الآية: 61).
ودخل الإمام الحسين بن علي على أخيه الإمام الحسن عند الاحتضار فقال له: "مالك تجزع. إنك تَقْدَم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى علي بن أبي طالب وهما أبواك، وعلى خديجة وفاطمة وهما أماك، وعلى حمزة وجعفر وهما عماك". فقال: "يا أخي. أَقْدَمُ على أمر لم أقدم على مثله".
وخطب الإمام الحسين لما نزل به البلاء في كربلاء فكان من خطبته قوله: "ألا ترون الحق لا يُعمل به، والباطل لا يُتناهى عنه. ليرغب المؤمن في لقاء الله تعالى. وإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا جرُما"[3].
أما الصوفية العارفون فلم تكن لهم علائق مع الدنيا، فطاروا مع نَسمة الموت خافقين. حضرت الوفاة الإمام حسنا البصري رضي الله عنه فكانوا يلقنونه الشهادة، ففتح عينيه وقال: "إلى متى تدعونني إليه. وأنا محترق به منذ عشرين سنة؟". وبكت رابعة العدوية عند الموت وضحكت، فسألوها عن بكائها وضحكها فقالت: "أما بكائي فمن مفارقتي الذكر آناء ليلي ونهاري. وأما ضحكي فمن سروري بلقائه". وقال أبو سعيد الخراز عند الوفاة:
حنين قلوب العارفين إلى الذكر وتَذْكارهم وقت المناجاة للسرِّ
أُديرَت كؤوس للمنايا عليهم فأغفَوْا عن الدنيا كإغفاء ذي سُكر
همُ ما همُ جوّالة بمُعَسكَر به أهل ودِّ الله كالأنجم الزُّهر
فأجسامهم في الأرض قتلى بحبه وأرواحهم في الحُجْبِ نحو العلا تسري
فما عرَّسوا إلا بقرب حبيبهم وما عرجوا من مس بؤس ولا ضر

وقال عبد الله بن المبارك يذم الذين ماتت قلوبهم من سموم جيفة الحياة الدنيا، وباعوا نفوسهم بيعَ خسارة:
رأيت الذنوب تُميت القلوب وقد يورث الذلَّ إدمانُها
وترك الذنوب حياة القلوب وخيرٌ لنفسك عصيانُها
وهل أفسد الدينَ إلاّ الملوكُ وأحبار سوء ورهبانها
وباعوا النفوس ولم يربحوا ولم يَغْلُ في البيع أثمانها
فقد رتع القوم في جيفة يَبينُ لذي اللب خسرانها

وقال الإمام الشافعي يخبر عن طعم الدنيا:
ومن يذق الدنيا فإني طعِمتها وسيق إلينا عذبُها وعذابُها
فلم أرها إلا غروراً وباطلا كما لاح في ظهر الفلاة سرابُها
وما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلابٌ همُّهُنَّ اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها
فطوبى لنفس أولعت قَعْرَ دارها مغلَّقة الأبواب مرخىً حجابها

وقال متحدثا عن أسلوبه في حفظ دينه وصون نفسه من منازعة كلاب الدنيا، الذئاب الجائعة حرصا على المال والسلطان:
أمتُّ مطامعي فأرحْتُ نفسي فإن النفس ما طمِعت تَهونُ
وأحييت القُنوعَ وكان مَيْتا ففي إحيائه عِرضٌ مصون
إذا طَمَعٌ يحُل بقلب عبد عَلَتْه مهانة وعلاه هونُ

وقال:
إن لله عبادا فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفِتنا
نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجَّةً واتخذوا صالح الأعمال فيها سفُنا

وقال وهو على فراش الموت:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت رجائي نحو عفوك سُلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوُك أعظما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منة وتكرما

وقلت:
إن أوْهى النَّسج نَسجُ العنكبُوت تَخِذَتْ مَسكَنها بَين البيُوتْ
وكذاكَ الظُّلمُ فيمَا بَيننا يَتلاشى إنْ نهضْنا لِنموتْ
أوْ نُقيمَ العَدلَ في دَولَتهِ رَافعينَ الصَّوتَ في وسْطِ الصُّمُوتْ




[1] الفتح الرباني ص 185.
[2] الفتح الرباني ص 185.
[3] استفدت هذه النقول من كتاب "الإحياء" ج 4 ص 405-408.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:38 PM
الفقر إلى الله عز وجل
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا(. اللهم بديع السماوات والأرض ذَا الجلال والإكرام والعزة التي لا تُرام، أسألك يا الله يا رحمان بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني، وارزقني أن أتْلُوَه على النحو الذي يرضيك عني.
من سنة الله عز وجل مع أحبائه أن يبتليهم بالشدة ويمتحنهم بالأزمان حتى يحصل لهم من مقامات الصبر واللَّجإ إليه عز وجل والافتقار ما لا يحصل في الرخاء. قال عز من قائل لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم: )وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ( (سورة الأنعام، الآية: 35). وقال عز وجل مخاطبا الأمة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في المحنة بمكة: )أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ( (سورة النمل، الآية: 64). وقال جل وعلا: )وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ. وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ. أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ. وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ( (سورة البقرة، الآيات: 154-156). بلاؤه عز وجل بالبأساء لحزبه جماعة ولأحبائه أفرادا الهدف منه أن ينحازوا إليه ويقفوا على بابه، بعد أن قطع عنهم الأسباب، بالافتقار والذلة.وقد ابتلى الله سبحانه قوم موسى بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون، لكنهم لم يتضرعوا فأصابهم الله بعذاب بِيسٍ بما كانوا يفسقون.
ابتلاء الأحباب ضَمٌّ بيد الحكمة إلى جناب الرحمة، وقبضة العذاب على الكافرين شدة عادلة جزاءً بما كسبت أيدي الناس. ويظهر فرق ما بين أولئك وهؤلاء في أن الأحباب يتضرعون ويَلْجَأون بالدعاء ويزداد افتقارهم لمولاهم صابرين على أذى من آذاهم حتى يأتيهم نصر الله، بينما أعداء الله تأخذهم الصاعقة وهم ينظرون، فلا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم من عذاب الله يُصْحبون، بعد عنادهم وعتوهم ورفضهم طاعة الله وطاعة من والاه.
وإنَّ الأشعثَ الأغبرَ ذا الطمرين الذي لو أقسم على الله لأبره نموذج للولي الظاهرِ فقرُ قلبه إلى ربه على ثوبه وقُوتِه. مظهر الفقر والمرقعة والزي صناعة ونفاق وشَرَك للصيد إن لم يكن في القلب نية، وإن لم يكن عزوف حقيقي عن الدنيا، وزهد فيها، وطلاق إرادي لها. على أن التقلل من الدنيا سنة نبوية المقصود منها أن يتخفف العباد من أثقالها ليُسارعوا إلى ربهم خفافا. ومن أبطأت به إرادته فما استطاع أن يرقى من سلبية الفقر من الدنيا والتقلل إلى إيجابية الفقر إلى الله والصعود في عقبة السلوك إليه اقتحاما، فليس حظّه هينا إن عصمه الله بالفَقْرِ المادي الاضطراري من ارتكاب المعاصي ومن الترف والتوسع في النِّعم.
الافتقار القلبي إلى الله عز وجل، مثلَ محبته ودوام ذكره، أشرف منازل الطريق عند السادة الصوفية، "وأعلاها وأرفعها. بل هي روح كل منزلة وسرّها ولبها وغايتها"[1].
الافتقار إليه سبحانه بصادق الرغبة، وصادق النفور من الدنيا ودناءتها، وصادق الشعور بالإفلاس في الحياة إن لم يعرف العبد غاية وجوده، منزلة شامخة يقود الله عز وجل إليها بمقادات الاضطرار من شاء بما شاء. يقود إلى الشهادة في سبيله رجالا غضبوا لله لحظة فما وجدوا غير بذل النفس جملة. ويقود إلى الشهادة وإلى الصديقية رجالا نذروا حياتهم لله ولم يلتفتوا إلى غير الله حتى لقوا مصرعهم وهم في ساحة القتال أو في ساحة تدبير الجهاد وإصلاح شأن الأمة. وحبَس حابس الفقر والعُدْم والفتنة آخرين فتشبهوا بالكرام ولحقوا بمقامات الصديقية عن طريق الصحبة والذكر والصدق والمجاهدة. هؤلاء هم السادة الصوفية فقهاءُ القلوب وأطباؤها، ولكل من رشف من شرابهم نصيبٌ إن لم يرتفع بهم إلى حقيقة العبودية وذروة الجهاد فقد خرجوا من الدنيا إلى الآخرة بعد أن أطلق عليهم في الملكوت نعتُ الافتقار إلى الله لحظة. يا لها من غنيمة للضعفاء والعجزة الذين لا يجدون ما ينفقون من رصيد السابقة ورصيد الرجولة ورصيد البذل مثلما بذله السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، سادة هذه المنزلة وكل منزلة.
قال شيخ الإسلام ابن القيم يلخص لنا بأسلوبه الأخاذ أوصاف الفقير إلى الله وصفا جامعا: "جملة نعت الفقير حقا أنه المتخلي عن الدنيا تظرُّفا، والمتجافي عنها تعفُّفا. لا يستغني بها تكثّرا ولا يستكثر منها تملُّكا. وإن كان مالكا لها بهذا الشرط لم تضرَّهُ، بل هو فقيرٌ غناه في فقره، وغنى فقره في غناه. ومن نعته أن يكون فقيرا من حاله[2].، وهو خروجه عن الحال تبرِّيا، وترك الالتفات إليه تسلِّيا، وترك مساكنة الأحوال، والرجوع عن موافقتها. فلا يستغني بها اعتمادا عليها، ولا يفتقر إليها مساكنة لها.
"ومن نعته أنه يعمل على موافقة الله في الصبر والرضى والتوكل والإنابة. فهو عامل على مراد الله منه لا على موافقة هواه، وهو تحصيل مراده من الله. فالفقير خالصٌ بكليته لله سبحانه، ليس لنفسه ولا لهواه في أحواله حظ ونصيب، بل عملُه بقيام شاهد الحق، وفناء شاهد نفسه. قد غيبه شاهد الحق عن شاهد نفسه. فهو يريد الله بمراد الله. فَمُعَوّلُه على الله وهمته لا تقف على شيء سواه. قد فَنِيَ بحبه عن حب ما سواه، وبأمره عن هواه، وبحسن اختياره له عن اختياره لنفسه. فهو في واد والناس في واد. خاضِعٌ متواضع، سليم القلب، سلسُ القياد للحق، سريع القلب إلى ذكر الله، بريء من الدعاوي، لا يدعي بلسانه ولا بقلبه ولابحاله، زاهد في كل ما سوى الله، راغب في كل ما يقرب إلى الله، قريب من الناس، أبعد شيء منهم، يأنس بما يستوحشون منه، ويستوحش مما يأنسون به، منفرد في طريق طلبه، لا تقيده الرسوم، ولا تملكه الفوائد، ولا يفرح بموجود، ولا يأسف على مفقود. من جالسه قرَّت عينه به، ومن رآه ذكَّرته رؤيته بالله سبحانه.قد حمل كلَّه ومؤْنته عن الناس، واحتمل أذاهم، وكف أذاه عنهم، وبذل لهم نصيحته، وسبَّل لهم عِرضَه ونفسه، لا لمعاوضة ولا لذلة وعجز. لا يدخل فيما لا يعنيه، ولا يبخل بما لا ينقصه. وصفُه الصدقُ والعفةُ والإيثار والتواضع والحلم والوقار والاحتمال. لا يتوقع لما يبذله للناس منهم عِوَضا ولا مِدْحَةً.لا يعاتب ولا يخاصم ولا يطالب، ولا يرى له على أحد حقا، ولا يرى له على أحد فضلا. مُقبلٌ على شأنه، مكرم لإخوانه، بَخِيلٌ بزمانه، حافظ للسانه، مسافر في ليله ونهاره، ويقظته ومنامه. لا يضع عصا السير عن عاتقه حتى يصل إلى مطلبه. قد رُفع له عَلَمُ الحب، فشمَّر إليه، وناداه على الاشتياق فأقبل بكليته عليه. أجاب منادي المحبة إذ دعاه: حي على الفلاح، وواصل السُّرى في بيداء الطلب فحمد عند الوصول مسراه. وإنما يحمد القوم السُّرى عند الصباح"[3].
لله دره من رباني فقيه، جمع في هذه الصفحة الفريدة، وكم له من فرائد رحمه الله، من العلم بدقائق الحقائق ورقائق العلائق ما ينبئ عن سلوك حقيقي وهمة سامقة، لا كما يَتَحَذْلَقُها الأدعياء.
ثم إننا عندما نقرأ مُعجَبين ببلاغة القوم وكلماتهم الجامعة ينبغي أن لا تُلفتنا رقة مواجيدهم رضي الله عنهم عن قوة بلاغ القرآن، ولا يشَوِّشنا تفقرهم وتزهدهم وتشعَّثهم في الفلوات والخلوات عن اخشيشان الصحابة ذلك الاخشيشان الرجولي اللائق بمن كانوا أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، أشداءَ على الكفار رحماءَ بينهم. نقرأ فقه السادة الطيبـي الأنفاس، ونتصفح حياتهم وأساليبهم التربوية، مارين إلى المناظر النواضر، لنُقارب الجهاد الصحابي، والنداء القرآني، والهدي النبوي. وهم لنا على كل حال فَرَطٌ على طريق الفقر إلى الله، وحبلٌ واصل بالصحبة من أداني عصرنا إلى أعالي العصر الأول، وأصلٌ بحول الله إلى مستقبل الخلافة الثانية.
قال الإمام الرفاعي رضي الله عنه: "من حقيقة الافتقار الاستكفاء بالكافي، وطرح النفس السقيمة بين يدي المُعَافي. وأيضا حقيقته انتظار السبب مع المسبِّبِ مع رؤية السبب، والاشتغال بالمسبب مع نسيان السبب. وأيضا من حقيقته دوام التبَصْبُصِ والاعتذار، بلسان صدق الافتقار، مع غاية الانكسار. ومن حقيقته تخليص الأسرار من رؤية الأعمال، وترك الاعتماد على حسن الحال. ومن حقيقته أن لا ينصرف العبد عنه بخَلْقِه ولا بمُلْكه.(...)
"ويقال: الافتقار فَرَاغَة في رِعاية، ورعاية في ولاية، وولاية في عناية، وعناية في هداية. فمن لا فراغة له لا رعاية له، ومن لا رعاية له لا ولاية له، ومن لا ولاية له لا عناية له، ومن لا عناية له لا هداية له.(...)
"واعلم أن الافتقار أجل مراتب المحبين، وأرفعُ منازل المنيبين، وأزلف حالات المريدين، وأعظم آلات الأوابين، وأجل مقامات التائبين، وأعلى وسائل المقربين. وهو أصل العبودية، وصدر الإخلاص، ورأس التقوى، ومخّ الصدق، وأساس الهدى. فمن أراد أن يدخل في عُصبة أهل الافتقار فينبغي أن لا يهتم بأمر نفسه وعياله (قلت: هذا عين الهروب والعجز غفر الله لنا ولكم. ويسعنا ويسعكم الشكر والعذر)، وأن يتملق بين يدي الله تعالى، وأن يكون آيِسا مما سوى الله، مع الافتقار إلى الله"[4].
كيف لا يَنفِر من الصوفية وكلامهم وأخبارهم من ملأت الدنيا بهوسها أركان حياته، وملأ نفسه الغرورُ وحب الجاه، وطمس عقله أحكامٌ مُسَبَّقَةٌ، وضحالة في العلم، وسطحية في التفكير، وقعد به عن كل مكرُمة خساسةُ الهمة، ووضاعة الإرادة! كيف يجلو نفائس النفائس من رُكام الدعوى والاحتراف والدس والإبليسية وملابسات الاِنزواء وظروف الفتنة! مساكين مساكين. ذهنيات، أنانيات، عادات!
قال الإمام عبد القادر قدس الله روحه: "يا غلام! ما دام حب الدنيا في قلبك لا ترى شيئا من أحوال الصالحين. ما دمت مُكَدِّيا (متسولا) من الخلق، مشركا بهم، لا تنفتح عينا قلبك. لا كلامَ حتى تزهد في الدنيا والخلق.كن مجتهدا ترما لا يراه غيرُك، تُخرَقُ لك العادة. إذا تركت ما هو في حسابك جاءك ما هو في غير حسابك. إذا اعتمدت على الحق عز وجل واتقيته خَلْوَةً وجَلْوَةً رزقَك من حيث لا تحتسب. اترك أنت يُعطِك هو. ازهد أنت يُرَغِّبْكَ هو. في البداية الترك وفي النهاية الأخذ. في بدء الأمر تكليف القلب بترك الشهوات والدنيا، وفي آخره تناوُلُها. الأول للمتقين، والثاني للأبدال الواصلين إلى طاعة الله عز وجل.
"يا مرائي! يا منافق! يا مشرك! لا تزاحمهم فيما تترك! هم معدودون! لا تطلب أحوالهم فيما يقع بيدك! هم خرقوا العادات وأنت حفِظتها. فلا جَرَمَ خُرِقت لهم العادات ولم تخرق لك! قاموا عند نومك! صاموا عند إفطارك! خافوا عند أمنك! أمنوا عند خوفك! بذلوا عند إمساكك! عملوا للحق عز وجل وعملت أنت لغيره! أرادوه وأردت أنت غيره! سلموا الأمر إليه وجَاذَبْتَه أنت وحاربته! رضوا بقضائه وقطعوا ألسنتهم عن الشكوى إلى الخلق ولم تفعل أنت! كذلك صبروا على المرارة فانقلبت في حقهم حلاوة. سكاكين القدر تقطع لحومهم ولا يُمالون ولا يتألمون. وذلك لرؤيتهم المؤلم ودهشتهم به(...). يواصلون الحق عز وجل بالطاعة، والخلقَ بحسن العشرة، والأهل بالصلة. هم في نعيمهم دنيا وأخرى. في الدنيا نعيم القرب، وفي الآخرة نعيم الجنة ورؤية الله عز وجل"[5].
قال أبو العتاهية للمائت اللاهي عن الآخرة:
فمـا لبـث السـيــاق به إلـى أن جــاء غـاسلـه
فـجهــزه إلى جــدَث سيكـثــر فيـه خـاذلـه
ويصبـح شـاحطَ المثـوى مُـفَـجَّـعَــةً ثـواكــلـه
مـخـمَّـشَــةً نَــوادِبُـه مُسَـلَّـبَــةً حَــلائـلـُـه
وكـم قـد طـال من أمـل فـلـم يُــدركــه آمـلـه
رأيـت الحـق لا يخـفـى ولا تـخـفـى شــواكـلـه
ألا فـانـظــر لنفـســك أي زادٍ أنـت حـامـلـه
لمنـزل وحـدة بـيـن الـ ـــمقــابـر أنت نــازلــه
قصير السَّمْـك قد رُضِمَـتْ علـيــك بـه جـنــادلـه
بـعـيــدُ تـزاور الجـيــ ــران ضيقـة مـداخـلـه
أأيـتـهـا المـقـابـر فـيـ ـكِ مـن كـنـا نـنـازلـه
ومـن كـنــا نـعـاشــره ومـن كـنــا نـعـامـلــه

وقلت:
ألاَ من مُسْعِفٍ حَـولي عَلى أمـرٍ أحَــاوِلُــهُ؟
تـَيَـتـَّـم بـَينَـنــا العَــدل وكُــلُّ النَّــاس خَــاذِلُـهُ
هَـلُمُّـوا نُنْكـرُ الظُّلمَــا نُـنَــازلُـهُ نُـقــاتِــلُـهُ




[1] ابن القيم في "مدارج السالكين" ج 2 ص 438.
[2] الأحوال: المواجيد العابرة والكرامات.
[3] طريق الهجرتين ص 60-61.
[4] حالة أهل الحقيقة مع الله ص 185-187.
[5] الفتح الرباني ص 131.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:38 PM
شعب الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار(. اللهم بديع السماوات والأرض ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام، أسألك يا الله يا رحمان بجلالك ونور وجهك أن تنور بكتابك بصري، وأن تطلق به لساني، وأن تشرح به صدري، وأن تغسل به ذنبي، فإنه لا يعينني على الحق غيرُك، ولا يؤتيه إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
منزلة "الصحبة والجماعة" عالجت لقاء المؤمنين في مرحلة عقد معاهدة الأخوة في الله تهيّؤا للمسيرة التربوية الجهادية. وعالجت منزلة "الذكر" توطيد العبد الطالب للحق علاقاته القلبية بمولاه من خلال الأوراد وحلق الذكر وسائر العبادات. وفي منزلة "الصدق" عالجنا النيات وفضائل الإخلاص لله والاعتماد على الله. في منزلة "البذل" التي ننتهي إن شاء الله من النظر فيها في هذه الفقرة نظرنا علائق العبد مع الدنيا الممسكة بخناق النفس البشرية تعوقها عن التحرر من عبوديات الحاجة والضرورة والشهوة ونزعات الأَثَرة والاستعلاء والاستكبار والظلم والترف.
وقد صنفت في خصلة "البذل" خمس شعب من شعب الإيمان جعلتها للنظر في الجانب المادي للحياة وفهم التربية اللازمة لكيلا يستوعب الجانب المادي رغبات المسلم في المجتمع الإسلامي، ولكيلا يُظلم في الأرض مستضعَف في رزقه، ولكي لا يؤول فقر الفقير به إلى الكفر، ولكيلا يُطغيَ الغنى الأغنياءَ، فيُترفوا في النِّعم ويعيثوا في الأرض فسادا.
هذه الشعب الخمس هي القيم المحورية التي عليها يدور نظام الحياة المادية الاجتماعية في الإسلام. هي قوام المسألة الاجتماعية كلها، الكفيلة إن طبقت في النَّسَقِ الإسلامي الإيماني المتكامل بحل المشكل الاجتماعي السياسي من حيث تتحدانا الأنظمة الأرضية من ديمقراطية واشتراكية تحديا مباشرا بنجاحها نجاحا نحن أكثر الناس قصورا عن مثله منذ ابتعدنا عن ديننا.
هذه الشعب الإيمانية الخمس هي: الزكاة والصدقة، ثم الكرم والنفقة في سبيل الله، ثم إيتاء ذوي القربى واليتامى والمساكين، ثم إطعام الطعام، ثم قسمة المال.
قلت إن مجموعها يشكل نظاما إسلاميا لحل المشكل الاجتماعي السياسي مشكل الظلم الاجتماعي والفقر وسوء القسمة. وفي استعمالي لكلمة "نظام" ما يحدث سوء تفاهم لأننا ألفنا، منذ وقعنا تحت طائلة الحضارة المادية المستكبرة في الأرض ومنذ انضبعنا بها وانصبغنا بها، أن نكتب بحروف عربية وكلمات عربية معاني ليست من القرآن ولا من السنة، فهي بعيدة الروح والمعنى عن الإسلام بقدر بعد اللفظ عن اللفظ، وبقدر تلوث المدلولات القرآنية في أذهاننا بالدّوالِّ الأرضية. لكن تبليغ المثال الإسلامي الإيماني، وتفكيرَه وتقديرَه، في زمان مكتظ بأشياء حضارة يمسك بزمامها غيرُنا لا بد أن يمر من امتحان التعبير المتداخل، إلى أن يأذن الله ببروز النموذج الإسلامي المستقل، لتعود مرجعيتنا كما كانت وكما يريدها الله عز وجل منا إرادة تكليف قرآنية سنية لا غير.
تكوِّن هذه الشعب الخمس نظاما لا بمعنى النظام القانوني الملزم ولا بمعنى الإحسان الخيري، ولا بمعنى الأخلاق والمروآت، ولا بمعنى التكافل الاجتماعي، ولا بمعنى نزع الملكية الثوري. لكن بكل تلك المعاني ومثلُها معها في نسيج وحيد النوع لُحمته سلطان الإسلام العادل وسداه وازع القرآن وداعي القرآن في قلوب أهل الإيمان والإحسان.
أنِفَ السادة الصوفية من قبلنا، وهم كانوا المحسنين، من الحِسِّ، وزهدوا في الدنيا، وبذلوا النفس والخير، ومارسوا فضائل الجود والفتُوَّة وإطعام الطعام وقسمةِ المال في دائرة مُغلقة منحسرة. أما في زماننا وما بعده فالحسُّ يغزو المسلمين غزوا منكرا، يغزوهم بوجد غيرهم وفقدِهمْ هُمْ، يغزوهم بنماذجه المتحدية، وأفكاره، وإديولوجياته، وبضائعه، وعدوانه، وأسلحته، ومكره، وسطوته، وإغرائه ودعايته.
الدنيا العدوة ضَرَّة الآخرة أعرض عنها من قبلنا من الصالحين إعراضا فعليا بالخروج من الأوطان والديار، والتخفف من الأهل والعيال، والتشعث والتزهد. والدنيا الصالحة للرجل الصالح التي منها زاده للآخرة ومتاعه إلى حين اكتفى منها الصالحون قبلنا بالكفاف والعفاف والغنى عن الناس.
وكان ذلك سلوكا اختياريا اضطراريا لا يعْنينا هنا نقدُه. الذي يعْنينا هو كون حضارة الحواس المعاصرة مسيطرة على الأرزاق، وعلى الأسماع والأبصار، وعلى مصائر الشعوب، بحيث استكبرت في الأرض بغير الحق وأفسدت، والله لا يحب المستكبرين ولا يحب الفساد. الذي يعنينا، ونحن ننظر في سلوك إلى الله على طريق الجهاد، هو أن التظالم بين ظَهْرانَيْنا أفضى إلى تركيبة طبقية استكبارية ترَفية هي مظهر الداء وبؤرة الفساد. الذي يعنينا هو أن المستقبل الجهادي الذي وُعدت به الأجيال المتأخرة من الأمة هو مستقبل الخلافة الثانية التي يعمُرُ بها الله تبارك وتعالى الأرض ويرضى عنها سَاكن الأرض وساكن السماء ويباركها ويجعلها رحمة في العالمين. ولن يتحقق شيء من هذه المسائل التي تعنينا بالانتظار البليد، ولا بتبني الحلول الحسية الجاهزة الواردة طوعا وكرها من بَر الجاهلية وبحرها، ولا بتخطي المشاكل الحسية، السياسية الاجتماعية الاقتصادية، المحلية منها والقطرية والعالمية.
تتحقق المطالب التي تعنينا، معشر الأمة، معشر أهل الإحسان والإيمان، بالعمل الإيجابي لرفض الظلم وقتاله وقتال الترف في أنفسنا وفي العالم، صفا متضامنا مع المستضعفين في الأرض، متناغما مع النداء الإنساني المحترم شرعا وطبعا لضمان حقوق الإنسان والدفاع عن المظلومين والمحرومين. فنحن المأمورون أن نبرَّ الإنسانية ونُقسِط إلى من أقسط إلينا.
جعلت مفهوم "البر" في هذا الفصل بمثابة المحور الذي تدور عليه حياة المجتمع الأخويِّ. وإنَّ مما يرغِّب الإنسانية في الإسلام أن ترى يوما مجتمعا أخويا قام بالإسلام فاضمحل فيه الظلم وتلاشت الطبقية وحوصرت أسبابها. خطابنا فيما بيننا، معشرَ الإسلاميين، وخطابنا للناس يوهم أن الإسلام بحلوله "البديل" وعدٌ برأسمالية جديدة تحقق ما عجزت عنه الرأسمالية اللبرالية، ووعد بالنَّصَفَة الاجتماعية وكأن "الحل الإسلامي" اشتراكية منقحة عبقرية. هذا خلط فظيع، وذبيحة حرام لم يذكر اسم الله عليها.
إذا قامت الدولة الإسلامية العادلة، وقيامها مطلب أساسي شرطي، وإذا حبَّبَ ما فيها من عدلِ الحكم ونَصَفَةِ القسمة ورخاءِ العيش الحسيِّ من شاء الله من بني الإنسان فما عملية التحبيب هذه في ميزان الإسلام إلا تأليف للقلوب على الدين، ودعوة بالرفْق والإنعام والإحسان للمؤلفة قلوبهم إلى الله جلت عظمته.
إن الحضارة الحواسية الهائمة بلا هدف غير هدف "السعادة" الدوابِّية في طريق مسدود رغم ما فتح الله عليها من أبواب كل شيء ابتلاء. إنها في طريق مسدود رغم فرحها بما أوتِيَتْ. وليس الإسلام مفتاحا ماديا زائدا يبشر بتنمية أسْرَعَ، وبمستوى معيشة أرفع، وبمرافق للاستمتاع والاسترواح أوسع. بل الإسلام، في عنايته القصوى بالجانب الحسي إذ جعل الزكاة ركنا رَكينا، إنما مهد بتوطئة الدنيا لساكنيها طريق الآخرة، وإنما دعا إلى البر والإحسان والتراحم ليكسب العباد بإسعاد بعضهم بعضا في الدنيا سعادة الأبد، وندد بالظلم والترف والاستكبار في الأرض لأن الظلم ونتائجه عوائق مانعة تصُد بهمومها ومتاعبها الأرضية الناس عن طلب ما عند الله وعن التجرد لله، وندد بالفقر والقلة والذلة والمسكنة لأنها جميعا أضداد لشرف الاستخلاف في الأرض وإعمارها، ومن ثم أضدادٌ لكمال إيمان المؤمن وإحسان المحسن.
إن صدأ الحضارة الحسية المتقاطر علينا لا بد أن يُمسَح من العقول والقلوب بتربية إيمانية إحسانية تُلجئ الذئبين الجائعين في قلوب البشر إلى وِجَارِ النفاق الضعيف، وتُعلي من شأن الزهد ليصبح تقللا إراديا لكي لا نكون أمة من المبذرين إخوان الشياطين، وتعلم التوكل على الله والدعاء والتضرع بوصفها أسبابا من أهم الأسباب وأشرفها لا تتنافى مع الأسباب الكونية المجعولة، وتؤسس فضائل البذل والعطاء والسخاء والكرم وإغاثة اللهفان وإطعام الجائع وكفالة المحتاج على أسس البِر، وتجعل من العدل في الحكم والقسمة هدفا يلتقي عنده وازعا القرآن والسلطان.
ذلك لكي ينصرف المؤمن إلى عبادة ربه في الكسب والسعي على العيال والتمتع بالطيبات من الرزق كعبادته في الصلاة والزكاة والذكر، غيرَ مشغول البال، غيرَ مفتقر ذلك الفقر الكافِرَ، منصرفا بكليته إلى ربه متقربا، الدنيا في يده لا في قلبه وقد طلقها وطردها من المكان الأقدس في كيانه.
قال مولانا عبد القادر الجيلاني رحمه الله: "القوم شغلهم البذل وإيجاد الراحة للخلق. نَهَّابون وَهَّابون. ينهبون من فضل الله عز وجل ورحمته، ويهبونه الفقراء والمساكين المضيَّق عليهم. يقضون الديون عن المدينين العاجزين عن قضائه. هم الملوك لا ملوكُ الدنيا، فإنهم ينهبون ولا يهبون. القوم يؤثرون بالموجود، وينتظرون المفقود. يأخذون من يد الحق عز وجل لا من أيدي الخلق. اكتساب جوارحهم للخلق، واكتساب قلوبهم لهم. ينفقون لله عز وجل لا للهوى وأغراض النفس، لا للحمد والثناء.
"دع عنك التكبر على الحَق عز وجل وعلى الخلق، فإنه من صفات الجبابرة الذين يكبهم الله على وجوههم في نار الجحيم. إذا أغضبت الحقَّ عز وجل فقد تكبرت عليه. إذا أذن المؤذن فلم تجبه بقيامك إلى الصلاة فقد تكبرت عليه. إذا ظلمت أحدا من خلقه فقد تكبرت عليه. تُب إليه وأخلص في توبتك قبل أن يُهلكك بأضعف خَلْقِه كما أهلك نُمْروذ وغيره من الملوك لما تكبروا عليه. أذلَّهم بعد العز، أفقرهم بعد الغنى، عذَّبهم بعد النعيم، أماتهم بعد الحياة.
"كونوا من المتقين. الشِّرك في الظاهر والباطن.الظاهر عبادة الأصنام، والباطن الاتكال على الخلق ورؤيتهم في الضرِّ وفي النفع. وفي الناس من تكون الدنيا في يده ولا يحبها، يملكها ولا تملِكه، تحبه ولا يحبها، تعدو خلفه ولا يعدو خلفها، يستخدمها ولا تستخدمه، يفرقها ولا تفرقه. قد صلح قلبه لله عز وجل ولا تقدر الدنيا تُفسدُه. فيتصرف فيها ولا تتصرف فيه. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم المال الصالح للرجل الصالح". وقال "لا خير في الدنيا إلا لمن قال هكذا وهكذا"، وأشار إلى أنه يفرقها بيديه في وجوه البر والصلاح.
"اتركوا الدنيا في أيديكم لمصالح عيال الحق عز وجل، وأخرجوها من قلوبكم. فلا جَرَمَ لا يضركم ولا يغركم نعيمها وزينتها. فعن قريب تذهبون وتذهب معكم. يا غلام! لا تستغن عني برأيك، من استغنى برأيه ضل وذل وزل. إذا استغنيت برأيك حرمت الهداية والحماية"[1].
لأبي العتاهية رحمه الله رأيٌ صوابٌ في ذهاب الدنيا وأهلها حيث قال:
أأيـتـهـا المـقــابـر فـيــ ــك مـن كـنـا نـنــازلـه
ومـن كـنـا نـشــاربـه ومـن كـنـا نــواكــلــه
ومـن كـنـا نـفــاخــره ومـن كـنـا نُــطــاولــه
ومـن كـنـا نــرافــقــه ومـن كـنـا نُـنَــاوِلــه
ومـن كـنـا نـكــارمــه ومـن كـنـا نـجــامـلــه
ومـن كـنـا لـه إلـفــا قـلـيــلا مـا نــزايِـلــه
ومـن كـنـا لـه بـالأمــ ــس خـلاّنـا نـواصـلـه
فـحَـلَّ مَـحَـلَّـة من حلَّــ ــها صـرمـت حبـائـلـه
أَلا إن المـنـيــة مَـنــ ــهَلٌ والخـلـق نـاهـلُـه
أواخـرُ مـن نـرى يـفـنـى كمـا فـنـيــت أوائــلـه
لعمرك ما استوى في الأمــ ــرِ عــالـمـه وجـاهـلـه
لـيـعـلـمْ كـل ذي عـمــل بـأن اللـه ســائــلــه
فـأسـرع، فـائـزٌ بالخـيــ ــرِ قـائـلــه وفـاعـلـه

وقلت:
أفِيكمْ يا جُنُودَ الحَقِّ يَا قَـابِـضــي الجَمْــرِ
فَتـى يَبْتــاعُ أخْــراهُ بـِبَـذل زيـنَةِ العُـمْــرِ
يَقُومُ لِنَنصُرَ العَــدْلا ونُنصِـفَـهُ مِن الجَــوْرِ





[1] الفتح الرباني ص 143-144.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:39 PM
العلم
العلم علمان
سياج علم الشريعة
العقل
الرؤيا الصالحة
عين القلب
الفراسة
علوم الأولياء
الذوق
العارفون الواصلون
مشاهدة الله عز وجل
شعب الإيمان

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:40 PM
العلم علمان
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد(. اللهم إني أسألك الذي هو خير في عاقبة أمري. اللهم اجعل ما تعطيني من الخير رضوانك والدرجات العلى في جنات النعيم.
أخرج البخاري في صحيحه في كتاب العلم حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين من العلم. فأما أحدهما فقد بَثَثْتُه، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم". قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: "حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثَّه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم. وقد كان أبو هريرة يُكْني عن بعضه ولا يصرِّح به خوفا على نفسه منهم كقوله. أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، يشير إلى إمارة اليزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين للهجرة". وقال : قال ابن المنير: "جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم، حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرا وباطنا، وذلك الباطن إنما حاصله الانحلال من الدين".
قلت ولا يزال الخلاف في فهم حديث أبي هريرة قائما بين الصوفية وبين أهل الحديث، الصوفية يستدلون به على وجود علم خاص علَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أمثال حذيفة وأبي هريرة دون بعض، يتعلق بما يسمى "علم الحقيقة" والمحدثون يسدُّون هذه الذريعة وينكرون هذا التفسير مخافة أن يدخل على الدين ما ليس منه كما فعل الباطنية الكفار الذين تأولوا الدين من أوله إلى آخره زاعمين أن ظاهر الشريعة قِشْرٌ على الباب، وملهاة للعامة، وأن الحقيقة وراء مظاهر ما يُتلى وظواهر ما يُفعل.
وفي اشتراك الصوفية مع غيرهم من الزنادقة في استعمال كلمتي "باطن" و"ظاهر" ما يعرِّض كلامهم لسوء الفهم. وليس إطلاع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حوادث الغيب المستقبلة كأحوال أمراء السوء وزمنهم وإطلاعه خاصة من أصحابه عليها أمراً قادحا في الشريعة، كما لا يقدح فيها إطلاع الله بعضَ عباده، من خاصة أحبابه، رأسا، بوحي منام أو إلهام، على حوادث كونية ودقائق فهمية. ولا يزال أئمة هذا الدين منذ عهد الصحابة إلى الآن يعرفون للصالحين من نور القلب ولا ينكرون.
ولئن وقف طائفة من المحدثين على ذريعة التعارض المحتمل بين الظاهر والباطن ليصدوا الزنادقة ويمنعوهم عن التلاعب بالدين فإن كبار الصوفية أنفسهم كانوا في طليعة من حارب الباطنية وجادلهم وكفرهم، ناهيك بكتاب الغزالي في "الرد على الباطنية".
يقصد السادة الصوفية بمصطلح "علم الباطن" ما يفتح الله للصادقين من علوم قلبية وأنوار هي، إلزاما، نتيجة تطبيقهم للشرع ووفائهم لأمره ونهيه وأقواله وأفعاله، مع إخلاص النية وتوجه الهمة لله عز وجل. روى ابن أبي شيبة والدارمي حديثا مرسلا بإسناد حسن عن الإمام حسن البصري قال: "العلم علمان: فعلم في القلب فذاك العلم النافع. وعلم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم".
وقال الإمام مالك: "من شأن ابن آدم أن لا يعلم ثم يعلم. أما سمعت قوله تعالى: "إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا"؟ وقال أيضا: "إن الحكمة مَسْحَةُ مَلَك على قلب العبد". وقال: "الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد". وقال: "يقع بقلبي أن الحكمة الفقه في دين الله وأمرٌ يدخله الله القلوب من رحمته وفضله"[1].
هذا كلام واضح في أن أئمة الدين قبل ظهور كلمة "تصوف" كانوا على علم تام بنور القلب والحكمة و"مسحة الملك"، بل كانوا من أهل هذا الشأن أصالة وبحق. وكيف لا يكونون كذلك وإنما يقذف الله عز وجل نور الحكمة في قلب من أقرَّ في قلبه الإيمان فرعى الشريعة حق رعايتها.
وقد كان الإمام الشافعيُّ صاحب فراسة وكشف كما سنقرأ إن شاء الله في فقرة مقبلة. وهو الذي كتب في رسالته: "العلم علمان: علم عامة لا يَسَعُ بالغاً غيرَ مغلوب على أمره جهلُه(...)، (وعلم خاص ب) ما ينوب العبادَ من فروع الفرائض وما يخص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب ولا في أكثره نص سنة. وإن كانت في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة لا أخبار العامة"[2].
وإن كان الإمام الشافعي، والصوفية يعتبرونه من خاصة أولياء الله، لم يتحدث عن أنوار القلب في الرسالة كحديث مالك رحمه الله، فإنه أصَّل لمن بعده، كما قرأنا، مفهومين أساسيين: "العامة" و"الخاصة". وللمستشرقين وتلامذتهم وَلوعٌ بالحديث عن "الخاصة" و"العامة" يتخذون المفهومين سنداً وآلة لتحليل التاريخ الإسلامي والفقه الإسلامي على هواهم تحليلا ماديا طبقياً. كما يلعبون على التقابل بين "الظاهر" و"الباطن" ليعمقوا فكرة أن التصوف فلسفة دخيلة على الإسلام دين البدو الغلاظ، لم يعرفوا شيئا عن القلب ونور القلب إلا من مخالطتهم للحضارات والديانات العريقة عند الفرس والروم والسِّند والهِند.
نفتح كتاب الله عز وجل لنقرأ من خبر موسى مع العبد الصالح الذي سمته السنة خضراً. أخبرنا الله عز وجل أن موسى رحل مع فتاه، بوحي من الله، ليلقى )عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً( (سورة الكهف، الآية: 64).
بقية القصص الحق تدل على أن من عباد الله من يعلمهم الله من عنده، ومن يأمرهم بأمره، ومن ينصبهم معلمين لعباده. قال الخضر لموسى حين التقيا: )قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً . وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً. قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْراً( (سورة الكهف، الآية: 68). وجاء في صحيح البخاري، كتاب التفسير، عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخضر قال لموسى: "يا موسى! إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه". وجاء بالقصة في سياق طويل.
في قول الله عز وجل ) وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً ) مُستَمسَك القائلين بالعلم اللدُني، مُستمسَك ومرجع للمصطلح، أما المصطلح عليه فعطاء من الله عز وجل لا يد لأحد فيه، و )مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا(. (سورة فاطر، الآية: 2) وفتح الله لأوليائه خبَرٌ متواتر على مر الأجيال، يُنكره من جَهل ويجحده من حُرِم. وما علينا إلا أن نُسمع شهادة الحق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
الخضر عليه السلام شخصية مباركة، ثبت في الصحيح، كما قال الحافظ، أنه جاء الصحابة معزِّيا في وفاة رسول الله صلى عليه وسلم. ويقول بعض المحدثين، وفي مقدمتهم الإمام البخاري، أنه عليه السلام مات بعد ذلك، بينما يؤكد أئمة آخرون من أهل الحديث أنه حي يُرزق أنظره الله إلى يوم يبعثون. قال الإمام ابن الصلاح في فتاويه: "أما الخضر صلى الله عليه وسلم فهو من الأحياء عند جماهير الخاصة من العلماء والصالحين، والعامة معهم في ذلك. وإنّما شذَّ بإنكار ذلك بعضُ أهل الحديث. وهو صلى الله عليه وعلى نبينا وعلى آل كلٍّ وسلم نبي. واختلفوا في كونه مرسلا. والله أعلم"[3].
وقد ألف الحافظ الكبير ابن حجر العسقلاني رسالة سماها: "الزهر النَّضِر في نبإ الخضر"[4]. نقل فيه عن الإمام النووي المحدث الكبير الصوفي من خاصة أهل الله قوله: "قال الأكثرون من العلماء هو (أي الخضر) حي موجود بين أظهرنا. وذلك متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة. وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه وحضوره في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثرُ من أن تُحصى وأشهر من أن تذكر".
شيخ الإسلام ابن تيمية ممن يؤكد في كل مؤلفاته أن الباطن هو أصل الظاهر وعمادُه، وإن كان يحذر من تصور الشيطان لبعضهم يزعم أنه الخضر. ويشدد ابن تيمية رحمه الله وأحسن إليه في أمر الاتباع كما يشدِّد النّكير على من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بعلم الظاهر ولم يجئ بعلم الباطن، وكلامه في غاية الجودة. قال: "إن كل من بلغه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا يكون وليا لله إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم. وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليا لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه، ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من له طريق إلى الله لا يحتاج فيها إلى محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر ملحد. وإذا قال: أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة فهو شر من اليهود والنصارى(...). وكذلك هذا الذي يقول: إن محمدا بُعث بعلم الظاهر دون علم الباطن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض، فهو كافر وهو أكفر من أولئك، لأن علم الباطن، الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها، هو علم بحقائق الإيمان الباطنة. وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة"[5].
هذه كلمة رجل شديد سديد في موضوع "العلم علمان". وهاك كلمات أئمة هذا الشأن ممن لهم الباع الطويل في علمي الظاهر والباطن.
قال الإمام الرفاعي: "لا تقولوا كما يقول بعض المتصوفة: نحن أهل الباطن، وهم أهل الظاهر. هذا الدين الجامع باطنه لُبُّ ظاهره، وظاهره ظرف باطنه. لولا الظاهر لما كان الباطن ولما صح. القلب لا يقوم بلا جسد. بل لولا الجسد لفسد. والقلب نور الجسد.
"هذا العلم الذي سماه بعضهم بعلم الباطن هو إصلاح القلب. فالأول (علم الظاهر) عمل بالأركان، والثاني (علم الباطن) تصديق بالجنان. إذا انفرد قلبك بحسن نيته، وطهارة طويَّته، وقتلت وسرقتَ وزَنَيْتَ وأكلت الربا وشربت الخمر وكذبت وتكبرت وأغلظت القول فما الفائدة من نيتك وطهارة قلبك. وإذا عبدت الله وتعففت وصمت وصدَّقت وتواضعت وأبطن قلبك الرياء والفساد فما الفائدة من عملك؟
"فإذا تعين لك أن الباطن لب الظاهر، والظاهر ظرف الباطن، ولا فرق بينهما، ولا غنى لكليهما عن الآخر فقل: نحن من أهل الظاهر، وكأنك قلت: ومن أهل الباطن. قل نحن من أهل ظاهر الشرع وقد ذكرت باطن الحقيقة. أيُّ حالة باطنة للقوم لم يأمر ظاهر الشرع بعملها. أيُّ حالة ظاهرة لم يأمر الشرع بإصلاح الباطن لها؟
"لا تعملوا بالفرق والتفريق بين الظاهر والباطن، فإن ذلك زيغ وبدعة.لاتهملوا حقوق الفقهاء والعلماء، فإن ذلك جهل وحمق.لا تأخذوا بحلاوة العلم وتُبطلوا مرارة العمل، فإن تلك الحلاوة لا تنفع إلا بتلك المرارة. وإن تلك المرارة تتيح الحلاوة الأبدية"[6].
كلام معلم كبير يعالج أمراض الغرور عند بعض المريدين الحديثي العهد بالانتساب للقوم، تحدوهم نشوة الأذواق وسكرة القلوب ونورانية الكرامات فتختل موازينهم.
أما الأولياء الكمل فيعطون كل ذي حق حقه، ويعظمون أهل العلم، لاسيما العاملين منهم، وإن كانت أعين قلوبهم التي صقلها الذكر وأحيتها الصحبة وفتح لها فضل الله ترى ما لا يراه الغافلون. هم مع الخلق بالحواس المشتركة الظاهرة والعقل المشترك، وهم لهم حاسة باطنة هي القلب المنور.
قال الإمام عبد القادر رحمه الله: "العقلاء النجباء الصديقون قد نُفِخَ في صورهم، وقد أقاموا القيامة على نفوسهم، وأعرضوا عن الدنيا بهممهم، وعبروا الصراط بتصديقهم. وساروا بقلوبهم حتى وقفوا على باب الجنة. وقفوا عندالطريق وقالوا: لا نأكل ولا نشرب وحدنا، لأن الكريم لا يأكل وحده. فرجعوا إلى الدنيا قَهْقَرى يدعون الناس إلى طاعة الله عز وجل، ويخبرونهم بما هناك، فيسهلون الأمور عليهم.
"من قوي إيمانُه، وتمكن في إيقانه، رأى بقلبه جميع ما أخبره الله عز وجل به من أمور القيامة. يرى الجنة والنار وما فيهما. يرى الصور والمَلَك الموكل به. يرى الأشياء كما هي. يرى الدنيا وزوالها، وانقلاب دول أهلها"[7].
قلت: ما كتمه أبو هريرة بعد أن أخذه رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من هذا القبيل. وليس خبر الدنيا وزوالها وانقلاب دول أهلها ما يشغل العارفين الكمل.
قال الشيخ عبد القادر: "يرى الخلق كأنهم قبور تمشي. وإذا اجتاز على القبور أحسَّ بما فيها من النعيم والعذاب. يرى القيامة وما فيها من القيام والمواقف. يرى رحمة الله عز وجل وعذابه. يرى الملائكة قياما والأنبياء والمرسلين والأبدال والأولياء على مراتبهم. يرى أهل الجنة يتزاورون، وأهل النار في النار يتعاوَوْن.
"من صح يقينه نظر بعين رأسه الخلق، وبعين قلبه فعل الله عز وجل فيهم، يرى تحريكه وتسكينه لهم، فهذا نظر العزة. من أولياء الله عز وجل من إذا نظر إلى شخص رأى ظاهره بعين رأسه، وباطنه بعين قلبه. وينظر مولاه عز وجل بعين سره".
قال عالم حر، معتز بعلمه، صائن له بالعمل والتقوى:
يقـولـون لي: فيـك انقبـاض وإنمـا رأوا رجلا عن موقـف الذل أحجمـا
إذا قيل: هذا مَوْرد، قلت: قد أرى ولكـن نفـس الحـر تحتمـل الظمـا
ولم أبتـذل في خـدمة العلم مهجـتي لأَخـدُم من لاقـيـت لكـن لأُخْـدَمـا
أأغــرسـه عِـزا وأجـنـيــه ذِلـةً إذاً فاتبـاع الجهــل كـان أحـزمـا
ولـو أن أهـل العـلم صـانـوه صـانهم ولو عـظّـمــوه في النفـوس لعُـظِّمـا
ولكـن أهــانـوه فهــان ودنّـسـوا محيّـاه بالأطمــاع حتى تَجَـهَّـمـا

قلت:
سَـاعَةُ العُسْــرَةِ دَقَّتْ يَا جُـنُــودَ الله قُومُــوا
وَأَعِــدُّوا مَا اسْتَطَعْتُم عُــدَّة الدِّيــنِ عُلُــومُ
عِلْــمُ قَــرآنٍ وَوَحْــي عِلْـمُ دُنْـيَـا لا تَــدُومُ




[1] نقلا عن "الموافقات" للشاطبي ج 4 ص 61.
[2] رسالة الشافعي ص 154.
[3] فتاوى ابن الصلاح الجلد الأول من الرسائل المنيرية ص 24.
[4] انظر الرسائل المنيرية المجلد الثاني.
[5] الفرقان ص 73.
[6] البرهان المؤيد ص68.
[7] الفتح الرباني ص 93.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:40 PM
سياج علم الشريعة
بسم الله الرحمن الرحيم. )واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا(. اللهم اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك.
إن المتقدسين بالعزلة عن دنس الدنيا، المتنزهين عن مخالطة الغافلين، الذاكرين الله كثيرا في الخلوات، كانوا عرضة للخطإ والزيغ من جهات لا يتعرض لها عامة الناس. كانت لهم أذواق تلْطُف أن يُلِمّ بها الخيال، أو يحوم حول حماها كثيف المقال. والأذواق والكشف تخطئ كما يخطئ الرأي، بل يجد الشيطان والهوى منهما مدخلا ليستحوذا على هواجس النفس ويكدرا خواطر القلب. لذا كان مُعوَّل أئمة الصوفية على سياج الشريعة يحوطون به تلامذتهم، ويذكِّرون ويبصِّرون. إذ لا عاصم من الزيغ العامد والخطإ غير الراشد إلا معيار التقوى وتعليم الهدى. وما زال أئمة التربية يوصون بحفظ الشرع والوقوف عند الأمر والنهي تلامذتهم المُقدمين على خوض لُجّة الرياضات وسلوك فجاج الخلوات.
كان أبو سعيد الخراز يقول: "كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل". ويقول الإمام الجنيد: "علمنا هذا مشتبك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم". ويقول: "سمعت أبا سليمان الداراني يقول :ربما تقع في نفسي النكتَةُ من نُكتِ القوم (يعني الذوق من أذواقهم) أياماً، فلا أقبل منها إلا بشاهدين عدلين: الكتابِ والسنةِ". ويقول أبو يزيد البسطامي: "لو نظرتم إلى رجل أُعطِيَ من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود". ويقول سري السقَطِيُّ: "من ادعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو غالط". ويقول أبو بكر الشفاف: "من ضيع حدود الأمر والنهي في الظاهر حرم مشاهدة القلب في الباطن". ويقول الجريري: "أمْرُنا هذا مجموع كله على فضل واحد، وهو أن تلزم قلبك المراقبة ويكون العلم على ظاهرك قائما". ويقول أبو جعفر: "من لم يَزِن أقواله وأفعاله وأحواله بالكتاب والسنة ولم يتهم خاطره فلا تعُدَّه في ديوان الرِّجال".
قال الشيخ أبو الفرج عبد الرحمان بن الجوزي في كتابه "تلبيس إبليس"[1]. بعد أن سرد مقالات الأئمة هذه: "وإذ قد ثبت هذا من أقوال شيوخهم، وقعت من بعض أشياخهم غلطات لبعدهم عن العلم. فإن كان ذلك صحيحا عنهم توجه الرد عليهم، إذ لا محاباة في الحق، وإن لم يصِحَّ عنهم حذرنا من مثل هذا القول، وذلك (هو) المذهب من أي شخص صدر".
ابن الجوزي رحمه الله في كتابه نموذج للعلماء القائمين على الحدود، الحافظين لسياج الشريعة أن يُخْترق، الذابّين عن حرمتها أن تنتهك. لذا فهو يندِّدُ بما نقل من خطإ وعيب نُسب إلى شخص، ويحذر مما لم يقع مخافة أن يقع. فذلك مذهبه في سد الذرائع. إذا أضفنا إلى هذا أنه كتب كتابه ليؤدي أمانة العلم كما قال بِتِبْيانِ غلط كل الغالطين، وأنه خصص لثلب الصوفية مائتين وثمانية وأربعين صفحة بينما لم يذكر الأمراء والسلاطين وتلبيس إبليس عليهم إلا في ثلاث صفحات ظهر التحامُل، ومالت كِفة الميزان عن استقامة العدل.
الله وحده يعلم ما آل إليه أمر العلامة ابن الجوزي في آخر حياته، وقد تآمر عليه ابن له عاقٌّ فسُجن وهو في الثمانين من عمره في بيت وحده مدة خمس سنوات. الله أعلم متى كتب مثالب الصوفية وهل رجع وهو في محنته النهائية عن قوله في المكاشفة: "كلام فارغ"[2].، وقد كان له ابن آخر غير العاق قدمه لشيخ صوفي ألبسه الخرقة ورباه.
ويا ليت المتحاملين على الصوفية من قراء ابن الجوزي السطحيين ينقادون للحق، ويعرضون أفعال الصوفية، بعد أن يخالطوهم ويتثبّثوا من صحة المعطيات، على الكتاب والسنة بدل أن يقلدوا منهجية الشك والحكم على ما صح عن بعضهم وما لم يصح كما أعلن ذلك ابن الجوزي نفسه.
على أن ابن الجوزي رحمهُ الله، مع تطرفه، لم يكن من المكفرين المُغْلَقين. فإنه يقول: "وقد يكون الرجل من الأولياء وأهل الجنة وله غلطات، فلا تمنع منزلته من بيان زَلَلِه"[3].
ويا ليت لقراء ابن تيمية الحاملين لواء التبديع والتكفير عُشر ما عند الرجل من معرفة بأحوال الصوفية إن لم يكن لهم عشر ما كان معه من العلم والاطلاع. إذن لكان حُكمهم أقرب إلى التواضع.
ابن الجوزي رحمه الله كان يتكلم من خارج حوزة التصوف، ويذُب عن حِمى الشريعة في حركة واحدة ما هو خطأ وعيب بالفعل، وما هو خطأ وعيب محتمل، وما هو صحيح وما لم يصح.
أما شيخ الإسلام ابن تيمية فكان أوسع أفقا وأكثر تثبثا وأدق معرفة بموضوعه. وما جاء من شذوذ ومبالغات وخطإ في أحكامه على بعض الصوفية فمردُّه إلى قصور ما كان له معهم من "القدر المشترك". ذلك القدر الذي لا يعترف به ابن الجوزي ولا يُقرُّه وإن كان يفرض فرضا أن من الصوفية من قد يكون وليا من أهل الجنة.
أئمة القوم أحق أن يُسْمع لشهادتهم. فهم كانوا ينظرون إلى المشْهَد من داخل بحكم كونهم من أهل مكة الذين هم أدرى بشعابها. ثم هم كانوا ينطقون بلسان الشرع لأنهم كانوا من علماء الشرع الراسخين، ولأنهم قبل كل شيء يعلمون أن ما بلغوه من مقامات القرب عند الله ما كان لتفتَح لهم أبوابهُ إلا بالاتباع للسنة المصطفوية، على حبيبنا محمد أفضل الصلاة والسلام.
لذا فوصاياهم إلى مريديهم رائدها العلم الظاهر، وروحها اليقين العملي "التجريبـي" بأن الطريق مغْلقة بلا رَجْعة ولا شفاعة في وجه من يبتغيها عوجا عن استقامة الكتاب والسنة.
قال الإمام الرفاعي لمريد مُعجَب بشطحات الصوفية، يزجره إلى الشرع وأئمته: أي سادة! تقولون: قال الحرث! قال أبو يزيد! قال الحلاج! ما كان الحال قبل هذه الكلمات؟! قولوا: قال الشافعي، قال مالك، قال أحمد، قال نعمان. صححوا المعاملات البَيْنِيَّة، وبعدها تفكهوا بالمقالات الزائدة. قال الحرث وأبو يزيد لا ينقص ولا يزيد! وقال الشافعي ومالك أنجح الطرق وأقرب المسالك. صححوا دعائم الشريعة بالعلم والعمل وبعدها ارفعوا الهمة للغوامض من أحكام العلم وحكم العمل. مجلس علم أفضل من عبادة سبعين سنة. (أي من العبادات الزائدة عن المفروضات التي يتعبد فيها الرجل بغير علم). )هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ( (سورة الزمر، الآية: 9). )أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ( (سورة الرعد، الآية: 16). أشياخ الطريقة وفرسان ميادين الحقيقة يقولون لكم: خذوا بأذيال العلماء. لا أقول لكم: تفلسفوا، ولكن أقول لكم : تفقهوا. من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"[4].
كان الإمام أبو الحسن الشاذلي، شيخ مشايخنا رحمه الله لا يقبل مريدا في دائرته حتى يعقد له مجلسا يناظر فيه العلماء.
ومن تعظيم الإمام الرفاعي للعلماء قوله: "أي سادة! عظموا شأن الفقهاء والعلماء كتعظيمكم شأن الأولياء والعرفاء. فإن الطريق واحد. وهؤلاء وُرّاث ظاهر الشريعة وحَمَلَة أحكامها الذين يعلّمونها الناس، وبها يصل الواصلون إلى الله، إذ لا فائدة بالسعي والعمل على الطريق المغاير للشرع. ولو عبد الله العابد خمسمائة عام بطريقة غير شرعية فعبادته راجعة إليه، وَوِزْرُه عليه، ولا يقيم الله له يوم القيامة وزنا. وركعتان من فقيه في دينه أفضلُ عند الله من ألفي ركعة من فقير جاهل في دينه. فإياكم وإهمالَ حقوق العلماء! وعليكم بحسن الظن فيهم جميعا. وأما أهل التقوى منهم، العاملون بما علمهم الله، فهم الأولياء على الحقيقة. فلتكن حُرمتهم عندكم محفوظة"[5].
إنه معيارٌ لا يخطئ في معرفة الصادقين وتمييز أهل الزَّغْل والتخليط: التمسكُ بظاهر الشريعة كما يتمسك الغريق بخشبة النجاة. فإن طريق السلوك وعقباته مزروعة بأنواع الابتلاء من نوع الفتن الظاهرة، التي يعاينها الخاص والعام، ومن نوع الفتن الباطنة. فإن كان تمسك المومن من العامة بالشريعة واجبا مرة، فهو في حق السالك مؤكد مرتين. وما هَلك من هلَك في هذه الطريق، ونقص من نقص، وهام من هام في أودية الأوهام إلا بحل عقدة الاعتصام بالعلم الموحى به. قال ابن عطاء الله رحمه الله: "ما حرموا الوصول إلا بتضييعهم الأصول".
وقال الإمام عبد القادر قدس الله سره: "عليكم بالإيمان، ثم بالإيقان، ثم بالفَناء والوجود بالله عز وجل لا بك ولا بغيرك. مع حفظ الحدود، مع إرضاء الرسول صلى الله عليه وسلم، مع إرضاء المتلوِّ المسموع المقروء. لا كرامة لمن يقول غير هذا! هذا الذي في المصحف والألواح كلامُ الله عز وجل، طرفٌ بيده وطرف بأيدينا. عليك بالله عز وجل، والانقطاع إليه والتعلق به، فإنه يكفيك مؤونَة الدنيا والآخرة، ويحفظك في الحياة والممات، ويذُب عنك في جميع الأحوال. عليك بهذا السواد على البياض (المصحف). اخدمه حتى يخدُمَك، يأخذ بيد قلبك، ويوقفه بين يدي ربه عز وجل. العملُ به يَريشُ جناحي قلبك فيطير بهما إلى ربه عز وجل"[6].
وقال رحمه الله: "كل من لم يتبعْ النبي صلى الله عليه وسلم، ويأخذْ شريعته في يده، والكتاب المنزل عليه في اليد الأخرى لا يصل في طريقه إلى الله عز وجل. يَهْلِك ويُهلِك! يَضِلُّ ويُضِل! هما دليلان إلى الحق عز وجل. القرآن دليلك إلى الحق عز وجل. والسنة دليلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. اللهم باعد بيننا وبين نفوسنا"[7].
وقال قدس الله سره: "طر إلى الحق بجناحي الكتاب والسنة. ادخل عليه ويدك في يد الرسول صلى الله عليه وسلم. اجعله وزيرك ومعلمك. دع يده تزيِّنك وتمشِّطك! وتعرضك علي! هو الحاكم بين الأرواح، المربي للمريدين، جهبذُ المرادين، أمير الصالحين، قَسّام الأحوال والمقامات بينهم، لأن الحق عز وجل فوض له ذلك، جعله أمير الكل. الخِلَع إذا خرجت من عند الملك للجند إنّما تُقسَّم على يد أميرهم. التوحيد عبادة. والشرك بالخلق عادة"[8].
وقال رحمه الله: "يا غلام! تذكُّرُكَ له يقرب قلبك منه. تدخل إلى بيت قربه وتصير ضيفا له. الضيف يُكرَم ولاسيما ضيف الملك. إلى متى تشتغـل عن هذا الملك بالمُلْك؟ والمُلْك عن قريب تفارقه. مُلْكُكَ مَلَكَكَ! عن قريب تحصُل في الآخرة! وترى كأن الدنيا لم تكن، والآخرة لم تزل. لا تهربوا مني لفقر يدي! فإن عندي غنىً عنكم وعن أهل المشرق والمغرب! إنما أريدكم لكم! في حبالكم أفْتِلُ!
"لا تبتدع وتُحْدِثْ في دين الله عز وجل شيئا لم يكن. اتبع الشاهدين العدلين الكتاب والسنة فإنهما يوصلانك إلى ربك عز وجل. وأما إذا كنت مبتدعا فشاهداك عقلُك وهواك. فلا جَرَم يوصلانك إلى النار. ويلحقانك بفرعون وهامان وجنودِهما. لا تحتجَّ بالقدر، فلا يقبل منك. لابد لك من الدخول إلى دار العلم والتعلم، ثم العمل، ثم الإخلاص. بك لا يجيء شيء ولابد منك. اجعل سعيك في طلب العلم والعمل، ولا تجعله في طلب الدنيا. عن قريب ينقطع سعيك، فاجعل سعيك فيما ينفعك"[9]. واضح أن موعظة الشيخ موجهه لملك أو أمير.
قال عالم صادق لواعظ كذاب:
يا واعظ الناس قد أصبحت متهمـا إذ عبت منهـم أمـورا أنت تـأتيها
أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهدا فالمـوبقـات لَعَـمْـري أنت جانيهـا
تعيـب دنيـا ونـاسـا راغبـين لهـا وأنـت أكـثـر منـهم رغـبـة فيهـا

وقال آخر لآخر يغشى مجالس الأمراء ويأكل الدنيا بالدين:
يا جـاعـل العلـم له بـازِيـا يصطــاد أمــوال المســاكيـن
احتـلـت للـدنـيـا ولـذاتـهــا بحـيـلـة تـذهــب بـالـديـن
فصـرت مجـنـونـا بها بعـدما كـنـت دواء للمـجــانـيــن
أيـن روايــاتـك فـي ســردها عـن ابن عـون وابـن سيـرين؟
أيـن روايــاتـك والقــولُ فـي لـزوم أبــواب السـلاطيــن؟
إن قلت: أُكْـرِهْـتُ، فماذا كذا زلَّ حمــار العلـم في الطـين

وقلت:
مُحَـيَّــاكَ يَا عَالِــمَ المُسْـلِمِـينَ سِـراجٌ ومَـعْـلَمَــةٌ في الطَّـريـقْ
أَنَرتَ العُقُـولَ وصُغْــتَ الفُهوم وَحُطْتَ الشَّريعَةَ دُونَ المُرُوق
رَفَعْتَ نِدَانَا وَصُنْتَ حِمَــانَا وبِالرِّفْقِ تُمْسِكُ كفَّ الغـرِيـقْ




[1] ص 188-189.
[2] انظر تلبيس إبليس ص 148.
[3] المصدر السابق ص 189.
[4] البرهان المؤيد ص 69.
[5] المصدر السابق ص 67.
[6] الفتح الرباني ص 111.
[7] المصدر السابق ص 117.
[8] المصدر السابق ص179.
[9] المصدر السابق ص 192.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:41 PM
العقل
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين(. أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضى، والخِيَرَةَ في جميع ما يكون فيه الخِيَرة بجميع ميسور الأمور كلها لا بمعسورها يا كريم.
يكثر أن يتجادل خصوم الإسلام وأصدقاؤه والمومنون بالله في مكانة العقل في الإسلام، يطعن الأعداء في أصل الدين من كونه مناقضا للعقل، ويَدْفَعُ أصدقاء الإسلام من حيث كون التخلف العقلي راجع إلى تخلف المسلمين لا إلى الإسلام الذي أشاد بالعقل. ويقف المومنون مواقف متباينة مختلطة يغلب منها الموقف الدفاعي الممجِّد للعقل. ولا يقف المتجادلون ليسأل بعضهم بعضا عن أي عقل نتحدث.
وكما أن لفظة "علم" اكتسبت قدسية في قاموس الحضارة المادية الطاغية المعجبة التائهة بثمرات العلم، فكذلك لفظة عقل. العلم إذا أطلق في عصرنا فهو علم الأكوان من رياضيات وفيزياء وكيمياء وميكانيكا وكهرباء وإلكترونيات وما إليها. والعقل إذا أطلق فهو الآلة التي صنعت النظام العقلاني والمنهجية العلمية الاختراعية.
في حضارة الحواسِّ واللذة التي فَقَدَت منذ تنكرها للدين ورفضها له وجحودها بوجود الخالق جلّ وعلا كلّ إشارة إلى معنى وجود الإنسان وغايته ومصيره بعد الموت تحتل كلمتا "علم" و"عقل" صدر طابور القيم الصنمية الحضارية مثل "تنمية" و"اقتصاد" و"تمويل" و"اختراع" و"مواد أولية" و"سوق" و"استهلاك" و"تقدم" و"إحصاء" و"دخل فردي" و"مستوى معيشة" إلى آخر القاموس.
في حديثنا عن العقل ومرتبته في قاموس الإيمان والإحسان، قاموس القرآن، لابد أن نحدد أولا، انطلاقا من القرآن ورجوعا إلى القرآن معنى "عقل". بعد ذلك يسهل أن نُدرجه في مكان وظيفته حيث يشغل مكانته في حياة المسلمين.
العقل الذي تحدث عنه القرآن وأشاد به وعدَّله واستعمله شاهدا موثوقا لايكذب ليس هو العقل الصنم الذي يقرر من داخل منطق الكفر المادي ويمرِّرُ ويُعرف ما هو الحق من الباطل. بل هو العقل الذي يتفكر في الخلق، يتفكر في أن لابد للصنع العجيب الذي تشاهده الحواس من صانع. هذه واحدة. الثانية أن هذا العقل المُشادَ به في القرآن هو الملَكة التي يستدل بها المتفكرُ، اعتمادا على مسَبَّقات مغروزة في الفطرة، على أن هذا الصنع العجيب لا يمكن أن يكون صانعه الضروري عابثا. الثالثة أن هذا العقل يتدبر القضية الأولى والثانية ليستنتج منها نتيجة وجودية لا نتيجة فكرية منطقية باردة. يستنتج العقل المحمود في القرآن اهتماما حميما بالمصير الشخصيّ بعد الموت لأن الموت من المعطيات الكونية العامة المندرجة في النظام العجيب، المثيرة أكثر من غيرها للسؤال المحوري: هل كل هذا عبث؟
هذه الخصائص الثلاث هي المذكورة في قوله عز وجل من آخر سورة آل عمران: )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ( (الآية: 191).
طلب أولي الألباب العاقلين لربهم عز وجل أن يقيهم عذاب النار جاء بعد مرحلة الاقتناع بأن لابد لكل صنعة من صانع، ومرحلة الاقتناع الفطري بأن كل صنعة لابد أن يكون لصانعها غاية من صنعها، ومرحلة الهم بالمصير بعد الموت الذي هو ألزم لوازم كل حي. جاء طلب الوقاية من عذاب النار استفادة من السمع الإيماني. عجز العقل الراشد المتدبر الحكيم عن معرفة كنه الصانع والغاية من الصنعة والمصير بعد الموت فلجأ إلى مصدر خارج عنه يَستقي منه العلم.
لجأ العقل الراشد إلى شخص جاءه بحجة دامغة مقنعة أنه أقوى وأقدر وأعلم. هذا الشخص هو الرسول المؤيد بالمعجزة، المخبر عن الخالق، المجيب عن الأسئلة الوجودية،المنادي للإيمان.قال العقل الراشد منيبا إلى الله بعد أن أعياه فهم المبادئ والغايات: )رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا( (سورة آل عمران، الآية: 193).
أما العقل المتكبر فهو العقل الفلسفي الذي استمر في تخميناته فقدَّر ونظَّر وتقدم وأدبَر فأثبت وجود الخالق أو نفاه، وأثبت له سبحانه من عنده افتراء وظنا سيئا ما شاء من الصفات وسَلَبَ. وعاش هذا العقل الفلسفي في نسجه العنكبوتي يشيِّد منظومات ويقوض أخرى، ينتقد اللاحق ما قاله السابقُ، وينتقد نفسه وإفرازاته، ويتطور في صور "علم النفس" و"علم الاجتماع" و"علم التحليل النفسي" و"علم التاريخ" وسائر ما يسمى بالعلوم الإنسانية.
عقل ثالث حديث الميلاد هو العقل السفيه الجبار، جمع بين خصلتين كفيلتين بتدمير الأرض وساكنيها، عقل الاختراع والصناعة والفاعلية والتنظيم. هذا العقل السفيه هو صنم العصر ومطلب أصدقاء الإسلام والناطقين من المومنين.
هذا العقل يُخَيَّل للمتجادلين في العقل أنه هو الحقيقة الوسطى في التنزيل الحضاري، وأن لا مناص من أخذه كما هو سندا مُطاعا معبودا. إذا كان في إسلامنا ما لا يتنافى مع "العقل" فلا بأس من التخفف من بعض أعباء الغيبية كأن نترجم الجن إلى لغة المكروبات، وأن ننكر المعجزة والكرامة، وأن نبقي الوحي ولوازم الوحي في ركن ساتر لكي لا تفضح غباوتَنا أنوار العقل.
العقل القرآني واقف على عتبة القلب، خادم مطيع، سامع لنداء المنادي للإيمان، تائب مستجير بربه عز وجل. نظر في الكون نظرتين فرجع خاسئا حسيرا كالاّ مهزوما لما هالهُ من عظمة الخلق الدالة على عظمة الخالق. قال الله تعالى : )تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ. الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ ( (سورة الملك، الآيات الأولى).
ونَظَرَ العقلُ الراشد إلى نفسه وضآلتها بإزاء الكون وفنائها فازداد إيمانا، بينما لا يزداد العقل السفيه إلا طغيانا كلما توغل في كشف السماوات والأرض. قال الله تعالى يخاطب العقلاء السفهاء : )أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ( (سورة الأعراف، الآية: 185). أسكتَ العقلُ السفيه في عالمه سؤال اقتراب الأجل وانطلق على هواهُ و"موضوعيته العلمية" يسبح في الفضاء على متن صواريخه، أُفُقُه العشرون مليارا من السنوات الضوئية التي بلغها حسُّه الصناعي حتى الآن. ويفتح الله عز وجل بلاءه على من يشاء.
إن ترشيد العقل شرط مسَبَّق على كل عمل لتحوير الحضارة المادية إلى عمارة استخلافية. وإن مكتسبات العقل المخترع ليست سفاهة إلا إن استُعمِلت لأهداف سفيهة. ولا يجدي شيئا أن نحاور العقل المتكبر الفلسفي ولا العقل السفيه المخترع لنُلزمهما بحجة الإيمان ماداما لا يقبلان التحرك إلا في حدود منهجيتهما الممسوحة الممسوخة، لم يبق في منهجيتهما مكان لفطرة الاستدلال بالصنعة على الصانع، ولا لرفض أن يكون هذا الكون المحكم النظام عبثا، ولا لهمِّ المصير بعد الموت.
العقل الجبار والعقل السفيه يعتبران أن التكوين السليم والنظام السليم هو العقلانية الموضوعية الوضعية النفعية. الحديث معهما عن الغاية والمعنى ترفٌ فكري. وانفتاح أقطار السماوات والأرض في وجههما لا يرجعهما إلى شيء من الحسرة والانحسار بل يزيدهما غرورا وتوغلا في المجهول المعلوم. علما وتعلّما الجواب عن الكيف والكم. وأصرا ويُصران عتوا واستكبارا على أنه لا إله ولا غاية ولا شيء بعد الموت.
لا يمكننا أن نقول للعقل المخترع الصانع المنظِّم السابح في الفضاء: "قف حتى نحاورك لتطيعَ وتذعن". الراشد الهزيل لا يُسمع له. يُرفض ما معه من الحق مع ما فيه من هزال. ولابد لنا من مباراة العقلانية وتحريرها من إلحادها، وترويضها، وغَنْمها، واكتساب العلوم والتكنولوجيا، وتوطينهما، والمساهمة في توجيههما، والتحكم فيهما لأهداف خير الإسلام وبر الإسلام. ومن مرتفع النماء والكَفَاء وعمارة الأرض تكون لنا جولات حوارية مع العقلين التائهين. المهمة مهمة عملية تتوقف على الإرادة السياسية، ليست مهمة جدل وحذلَقة.
قال الإمام أحمد الرفاعي قدس الله سره: "قال إمامنا الشافعي:
وكـل ريـاسـة مـن غـير علـم أذلُّ من الجلوس على الكُنَاسه

قال: العقل عاقل العلم. لا يتم شرف العلم للمخلوق إلا بالعقل. قال جماعة بإعلاء قدر العلم على العقل. ولكن ذلك بالنسبة إلى الله. لأن العلم صفته تعالى. والعقل صفة المخلوق. أما بالنسبة إلى علمنا وعقلنا فعقلنا أجلُّ مرتبة وأرفع منزلة من علمنا، إذ لولا العقل لما تم لنا العلم. العاقل يكبو ويُصرَع، ولكن يؤمل له النجاح ويرجى له الخير. العاقل من فهم حكمة الدين. بلغنا عن أمير المومنين على بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه أنه قال: كل عقل لم يَحْظَ بالدين فليس بعقل، وكل دين لم يحظ بالعقل فليس بدين. هذا الدين أتى بأحكام أَلْزَمنا المُبَلِّغُ عليه الصلاة والسلام العملَ بها ووعد وأَوْعَد. فإذا تريض العقل بالعمل والاجتناب يصل إلى الإحاطة بسر الوعد والوعيد.
"أي سادة! تفكروا هل من عقل ذكي قَرَّ بطبع سليم يجهل حكمة الأوامر والنواهي الدينية ويردها. لا والله! بل كل عاقل ذكي العقل سليم الطبع تعكُف أشعَّةُ عقله على عَتبة باب الأمر والنهي علما بجمعها بين خيري الدنيا والآخرة"[1].
وخاطب الشيخ عبد القادر رحمه الله جهالا لم يجلس عقلهم على عتبة باب الأمر والنهي فهم عبيد للهوى و"القيم الاستهلاكية"، فقال: "اسمعوا واعملوا يا جهالا بالحق عز وجل وأوليائه! يا طاعنين في الحق عز وجل وفي أوليائه! الحق هو الحق عز وجل، والباطل أنتم يا خلق! الحق هو في القلوب والأسرار والمعاني، والباطل في النفوس والأهوية والطباع والعادات والدنيا وما سوى الحق عز وجل. هذا القلب لا يُفلح حتى يتصل بقرب الحق عز وجل القديم الأزليِّ الدائم الأبديِّ. لا تزاحم يا منافق فما عندك خبر من هذا! أنت عبد خبزك وأدَمِكَ وحلاوتك وثيابك وفرسك وسلطانك!
"القلب يسافر عن الخلق إلى الخالق، يرى في الطريق الأشياء، يسلم عليها ويجوز. العلماء العمال بعلمهم نوّاب السلفِ وبقية الخلَف. هم مقدمون بين أيديهم يأمرون بالعمران في مدينة الشرع، وينهون عن خرابها(…) وقد مثل الله عز وجل العالم الذي لا يعمل بعلمه بالحمار في قوله: )كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً( (سورة الجمعة، الآية: 5). الأسفار هي كتب العلم. هل ينتفع الحمار بكتب العلم؟ ما يقع على ظهره منها سوى التعب والنصب.
"من ازداد علمه ينبغي أن يزداد خوفه من ربه عز وجل وطواعيته له. يا مُدعي العلم! أين بكاؤك من خوف الله عز وجل؟ أين حذرك وخوفك! أين اعترافك بذنوبك! أين مواصلتك للضياء بالظلام في طاعة الله عز وجل! أين تأديبك لنفسك ومجاهدتُها في جانب الحق عز وجل!"[2].
وقال عاقل عالم مناج متقرب إلى ربه عز وجل يبتغي إليه الوسيلة:
أقـام رجـالا نظمـوا حبّـه سِـلْكـا وأقـعـد قـوما في خطـاياهمُ هَـلْـكى
ألا ليت شعري هل لنا من وسيلـة تقـرب منـا ما نـؤمِّـلـه مـنـكـا!
وإن أنت لم تُبـرئ شكـايا عقـولنا وتَجْـلُ عمـاياها إذن فلِمَنْ يُشكى؟
نعـوذ بك اللهـم مـن كـل فـتـنـة تُطـوِّق من حلت به عيشَـةً ضَنْـكـا
فمـا ذكـرتـك النفـس إلا وَشـفَّـهـا بُكائيَ من نفسي،على مثلها يُبْكى
رجعنـا إليك الآن فاقبل رجـوعنـا وقلِّـب قلـوبـًا طال إعراضُها عنْكـا
وقد آثـرث نفسي رضـاك وقطَّـرت عليك جفوني من جـواهـرها سِلْكـا

وقلت:
خَـاطَبَتْ آيَـاتُ رَبِّـي لُـبَّ قــومٍ يَـعْـقِـلُــونْ
ما لأهـلِ الكُفْـرِ قَلْـبٌ عَــاقِــل، لا يَهْتَــدُونْ
الهُدَى طَاعَةُ مَا جَـاءَ بِــهِ الوَحْــيُ المُبِـيــنْ




[1] البرهان المؤيد ص 49.
[2] الفتح الرباني ص 67.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:41 PM
العقل
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين(. أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضى، والخِيَرَةَ في جميع ما يكون فيه الخِيَرة بجميع ميسور الأمور كلها لا بمعسورها يا كريم.
يكثر أن يتجادل خصوم الإسلام وأصدقاؤه والمومنون بالله في مكانة العقل في الإسلام، يطعن الأعداء في أصل الدين من كونه مناقضا للعقل، ويَدْفَعُ أصدقاء الإسلام من حيث كون التخلف العقلي راجع إلى تخلف المسلمين لا إلى الإسلام الذي أشاد بالعقل. ويقف المومنون مواقف متباينة مختلطة يغلب منها الموقف الدفاعي الممجِّد للعقل. ولا يقف المتجادلون ليسأل بعضهم بعضا عن أي عقل نتحدث.
وكما أن لفظة "علم" اكتسبت قدسية في قاموس الحضارة المادية الطاغية المعجبة التائهة بثمرات العلم، فكذلك لفظة عقل. العلم إذا أطلق في عصرنا فهو علم الأكوان من رياضيات وفيزياء وكيمياء وميكانيكا وكهرباء وإلكترونيات وما إليها. والعقل إذا أطلق فهو الآلة التي صنعت النظام العقلاني والمنهجية العلمية الاختراعية.
في حضارة الحواسِّ واللذة التي فَقَدَت منذ تنكرها للدين ورفضها له وجحودها بوجود الخالق جلّ وعلا كلّ إشارة إلى معنى وجود الإنسان وغايته ومصيره بعد الموت تحتل كلمتا "علم" و"عقل" صدر طابور القيم الصنمية الحضارية مثل "تنمية" و"اقتصاد" و"تمويل" و"اختراع" و"مواد أولية" و"سوق" و"استهلاك" و"تقدم" و"إحصاء" و"دخل فردي" و"مستوى معيشة" إلى آخر القاموس.
في حديثنا عن العقل ومرتبته في قاموس الإيمان والإحسان، قاموس القرآن، لابد أن نحدد أولا، انطلاقا من القرآن ورجوعا إلى القرآن معنى "عقل". بعد ذلك يسهل أن نُدرجه في مكان وظيفته حيث يشغل مكانته في حياة المسلمين.
العقل الذي تحدث عنه القرآن وأشاد به وعدَّله واستعمله شاهدا موثوقا لايكذب ليس هو العقل الصنم الذي يقرر من داخل منطق الكفر المادي ويمرِّرُ ويُعرف ما هو الحق من الباطل. بل هو العقل الذي يتفكر في الخلق، يتفكر في أن لابد للصنع العجيب الذي تشاهده الحواس من صانع. هذه واحدة. الثانية أن هذا العقل المُشادَ به في القرآن هو الملَكة التي يستدل بها المتفكرُ، اعتمادا على مسَبَّقات مغروزة في الفطرة، على أن هذا الصنع العجيب لا يمكن أن يكون صانعه الضروري عابثا. الثالثة أن هذا العقل يتدبر القضية الأولى والثانية ليستنتج منها نتيجة وجودية لا نتيجة فكرية منطقية باردة. يستنتج العقل المحمود في القرآن اهتماما حميما بالمصير الشخصيّ بعد الموت لأن الموت من المعطيات الكونية العامة المندرجة في النظام العجيب، المثيرة أكثر من غيرها للسؤال المحوري: هل كل هذا عبث؟
هذه الخصائص الثلاث هي المذكورة في قوله عز وجل من آخر سورة آل عمران: )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ( (الآية: 191).
طلب أولي الألباب العاقلين لربهم عز وجل أن يقيهم عذاب النار جاء بعد مرحلة الاقتناع بأن لابد لكل صنعة من صانع، ومرحلة الاقتناع الفطري بأن كل صنعة لابد أن يكون لصانعها غاية من صنعها، ومرحلة الهم بالمصير بعد الموت الذي هو ألزم لوازم كل حي. جاء طلب الوقاية من عذاب النار استفادة من السمع الإيماني. عجز العقل الراشد المتدبر الحكيم عن معرفة كنه الصانع والغاية من الصنعة والمصير بعد الموت فلجأ إلى مصدر خارج عنه يَستقي منه العلم.
لجأ العقل الراشد إلى شخص جاءه بحجة دامغة مقنعة أنه أقوى وأقدر وأعلم. هذا الشخص هو الرسول المؤيد بالمعجزة، المخبر عن الخالق، المجيب عن الأسئلة الوجودية،المنادي للإيمان.قال العقل الراشد منيبا إلى الله بعد أن أعياه فهم المبادئ والغايات: )رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا( (سورة آل عمران، الآية: 193).
أما العقل المتكبر فهو العقل الفلسفي الذي استمر في تخميناته فقدَّر ونظَّر وتقدم وأدبَر فأثبت وجود الخالق أو نفاه، وأثبت له سبحانه من عنده افتراء وظنا سيئا ما شاء من الصفات وسَلَبَ. وعاش هذا العقل الفلسفي في نسجه العنكبوتي يشيِّد منظومات ويقوض أخرى، ينتقد اللاحق ما قاله السابقُ، وينتقد نفسه وإفرازاته، ويتطور في صور "علم النفس" و"علم الاجتماع" و"علم التحليل النفسي" و"علم التاريخ" وسائر ما يسمى بالعلوم الإنسانية.
عقل ثالث حديث الميلاد هو العقل السفيه الجبار، جمع بين خصلتين كفيلتين بتدمير الأرض وساكنيها، عقل الاختراع والصناعة والفاعلية والتنظيم. هذا العقل السفيه هو صنم العصر ومطلب أصدقاء الإسلام والناطقين من المومنين.
هذا العقل يُخَيَّل للمتجادلين في العقل أنه هو الحقيقة الوسطى في التنزيل الحضاري، وأن لا مناص من أخذه كما هو سندا مُطاعا معبودا. إذا كان في إسلامنا ما لا يتنافى مع "العقل" فلا بأس من التخفف من بعض أعباء الغيبية كأن نترجم الجن إلى لغة المكروبات، وأن ننكر المعجزة والكرامة، وأن نبقي الوحي ولوازم الوحي في ركن ساتر لكي لا تفضح غباوتَنا أنوار العقل.
العقل القرآني واقف على عتبة القلب، خادم مطيع، سامع لنداء المنادي للإيمان، تائب مستجير بربه عز وجل. نظر في الكون نظرتين فرجع خاسئا حسيرا كالاّ مهزوما لما هالهُ من عظمة الخلق الدالة على عظمة الخالق. قال الله تعالى : )تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ. الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ ( (سورة الملك، الآيات الأولى).
ونَظَرَ العقلُ الراشد إلى نفسه وضآلتها بإزاء الكون وفنائها فازداد إيمانا، بينما لا يزداد العقل السفيه إلا طغيانا كلما توغل في كشف السماوات والأرض. قال الله تعالى يخاطب العقلاء السفهاء : )أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ( (سورة الأعراف، الآية: 185). أسكتَ العقلُ السفيه في عالمه سؤال اقتراب الأجل وانطلق على هواهُ و"موضوعيته العلمية" يسبح في الفضاء على متن صواريخه، أُفُقُه العشرون مليارا من السنوات الضوئية التي بلغها حسُّه الصناعي حتى الآن. ويفتح الله عز وجل بلاءه على من يشاء.
إن ترشيد العقل شرط مسَبَّق على كل عمل لتحوير الحضارة المادية إلى عمارة استخلافية. وإن مكتسبات العقل المخترع ليست سفاهة إلا إن استُعمِلت لأهداف سفيهة. ولا يجدي شيئا أن نحاور العقل المتكبر الفلسفي ولا العقل السفيه المخترع لنُلزمهما بحجة الإيمان ماداما لا يقبلان التحرك إلا في حدود منهجيتهما الممسوحة الممسوخة، لم يبق في منهجيتهما مكان لفطرة الاستدلال بالصنعة على الصانع، ولا لرفض أن يكون هذا الكون المحكم النظام عبثا، ولا لهمِّ المصير بعد الموت.
العقل الجبار والعقل السفيه يعتبران أن التكوين السليم والنظام السليم هو العقلانية الموضوعية الوضعية النفعية. الحديث معهما عن الغاية والمعنى ترفٌ فكري. وانفتاح أقطار السماوات والأرض في وجههما لا يرجعهما إلى شيء من الحسرة والانحسار بل يزيدهما غرورا وتوغلا في المجهول المعلوم. علما وتعلّما الجواب عن الكيف والكم. وأصرا ويُصران عتوا واستكبارا على أنه لا إله ولا غاية ولا شيء بعد الموت.
لا يمكننا أن نقول للعقل المخترع الصانع المنظِّم السابح في الفضاء: "قف حتى نحاورك لتطيعَ وتذعن". الراشد الهزيل لا يُسمع له. يُرفض ما معه من الحق مع ما فيه من هزال. ولابد لنا من مباراة العقلانية وتحريرها من إلحادها، وترويضها، وغَنْمها، واكتساب العلوم والتكنولوجيا، وتوطينهما، والمساهمة في توجيههما، والتحكم فيهما لأهداف خير الإسلام وبر الإسلام. ومن مرتفع النماء والكَفَاء وعمارة الأرض تكون لنا جولات حوارية مع العقلين التائهين. المهمة مهمة عملية تتوقف على الإرادة السياسية، ليست مهمة جدل وحذلَقة.
قال الإمام أحمد الرفاعي قدس الله سره: "قال إمامنا الشافعي:
وكـل ريـاسـة مـن غـير علـم أذلُّ من الجلوس على الكُنَاسه

قال: العقل عاقل العلم. لا يتم شرف العلم للمخلوق إلا بالعقل. قال جماعة بإعلاء قدر العلم على العقل. ولكن ذلك بالنسبة إلى الله. لأن العلم صفته تعالى. والعقل صفة المخلوق. أما بالنسبة إلى علمنا وعقلنا فعقلنا أجلُّ مرتبة وأرفع منزلة من علمنا، إذ لولا العقل لما تم لنا العلم. العاقل يكبو ويُصرَع، ولكن يؤمل له النجاح ويرجى له الخير. العاقل من فهم حكمة الدين. بلغنا عن أمير المومنين على بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه أنه قال: كل عقل لم يَحْظَ بالدين فليس بعقل، وكل دين لم يحظ بالعقل فليس بدين. هذا الدين أتى بأحكام أَلْزَمنا المُبَلِّغُ عليه الصلاة والسلام العملَ بها ووعد وأَوْعَد. فإذا تريض العقل بالعمل والاجتناب يصل إلى الإحاطة بسر الوعد والوعيد.
"أي سادة! تفكروا هل من عقل ذكي قَرَّ بطبع سليم يجهل حكمة الأوامر والنواهي الدينية ويردها. لا والله! بل كل عاقل ذكي العقل سليم الطبع تعكُف أشعَّةُ عقله على عَتبة باب الأمر والنهي علما بجمعها بين خيري الدنيا والآخرة"[1].
وخاطب الشيخ عبد القادر رحمه الله جهالا لم يجلس عقلهم على عتبة باب الأمر والنهي فهم عبيد للهوى و"القيم الاستهلاكية"، فقال: "اسمعوا واعملوا يا جهالا بالحق عز وجل وأوليائه! يا طاعنين في الحق عز وجل وفي أوليائه! الحق هو الحق عز وجل، والباطل أنتم يا خلق! الحق هو في القلوب والأسرار والمعاني، والباطل في النفوس والأهوية والطباع والعادات والدنيا وما سوى الحق عز وجل. هذا القلب لا يُفلح حتى يتصل بقرب الحق عز وجل القديم الأزليِّ الدائم الأبديِّ. لا تزاحم يا منافق فما عندك خبر من هذا! أنت عبد خبزك وأدَمِكَ وحلاوتك وثيابك وفرسك وسلطانك!
"القلب يسافر عن الخلق إلى الخالق، يرى في الطريق الأشياء، يسلم عليها ويجوز. العلماء العمال بعلمهم نوّاب السلفِ وبقية الخلَف. هم مقدمون بين أيديهم يأمرون بالعمران في مدينة الشرع، وينهون عن خرابها(…) وقد مثل الله عز وجل العالم الذي لا يعمل بعلمه بالحمار في قوله: )كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً( (سورة الجمعة، الآية: 5). الأسفار هي كتب العلم. هل ينتفع الحمار بكتب العلم؟ ما يقع على ظهره منها سوى التعب والنصب.
"من ازداد علمه ينبغي أن يزداد خوفه من ربه عز وجل وطواعيته له. يا مُدعي العلم! أين بكاؤك من خوف الله عز وجل؟ أين حذرك وخوفك! أين اعترافك بذنوبك! أين مواصلتك للضياء بالظلام في طاعة الله عز وجل! أين تأديبك لنفسك ومجاهدتُها في جانب الحق عز وجل!"[2].
وقال عاقل عالم مناج متقرب إلى ربه عز وجل يبتغي إليه الوسيلة:
أقـام رجـالا نظمـوا حبّـه سِـلْكـا وأقـعـد قـوما في خطـاياهمُ هَـلْـكى
ألا ليت شعري هل لنا من وسيلـة تقـرب منـا ما نـؤمِّـلـه مـنـكـا!
وإن أنت لم تُبـرئ شكـايا عقـولنا وتَجْـلُ عمـاياها إذن فلِمَنْ يُشكى؟
نعـوذ بك اللهـم مـن كـل فـتـنـة تُطـوِّق من حلت به عيشَـةً ضَنْـكـا
فمـا ذكـرتـك النفـس إلا وَشـفَّـهـا بُكائيَ من نفسي،على مثلها يُبْكى
رجعنـا إليك الآن فاقبل رجـوعنـا وقلِّـب قلـوبـًا طال إعراضُها عنْكـا
وقد آثـرث نفسي رضـاك وقطَّـرت عليك جفوني من جـواهـرها سِلْكـا

وقلت:
خَـاطَبَتْ آيَـاتُ رَبِّـي لُـبَّ قــومٍ يَـعْـقِـلُــونْ
ما لأهـلِ الكُفْـرِ قَلْـبٌ عَــاقِــل، لا يَهْتَــدُونْ
الهُدَى طَاعَةُ مَا جَـاءَ بِــهِ الوَحْــيُ المُبِـيــنْ




[1] البرهان المؤيد ص 49.
[2] الفتح الرباني ص 67.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:42 PM
الرؤيا الصالحة
بسم الله الرحمن الرحيم. )ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين(. اللهم هب لي إيمانا ويقينا ومعافاة ونية.
يهاجم العقلانيون الإيمان بالغيب وينسبون إليه تخلفَ العقل المسلم وخرافيته وجناية المنامات والحكايات وكتب المناقب المحشوة بالكرامات على توازن الوعي العام عند المسلمين. والحل عندهم هو قطع مادة الخرافية من أصولها وتبني النظرة الوضعية المادية. ومن هنا جاءت محاولات أصحاب "الإصلاح" الذين أنكروا المعجزات، وأوّلوا وجود الجن، وهوّنوا من شأن النبوءة والوحي حتى جعلوها نوعا من فطرة النمل والنحل والحشرات. وهذا تخريب للدين من قواعده. فلا عقلانية الكفار اكتسبنا، ولا ديننا حفظنا. وما قيمة عقلانية فاعلة في العالم إن خسرنا آخرتنا وضيعنا أمانة الرسالة التي وُكِل إلينا حملُها؟
إن جناية المنامات والحكايات على العقل المسلم جنايةٌ حقيقيّة في صفوف العوام. ولمّا تقلَّصَ ظل العلماء وضعفت إفاداتهم التربوية راجت الخرافة ونَفَقَتْ في أسواق العِرافة والشعوذة والسحر وتعبير المنام، يتصدّى لتعبيره بالرأي الكالِّ والفهم السقيم والنية الكاذبة كل من هب ودب، وتُبنى عليه العزائم والأعمال، ويَفْصِل في الأمر العويص ظهورُ شبحِ شَيْخٍ لحالم مُتَبَرِّعٍ أو لـمُتحلِّم محترف.
وكان للشيطان، ولا يزال، الحفلةُ الكبرى في خطوطه الهاتفية، يوحي إلى أوليائه في المنام ما عجز عن تفهيمه لبلداء أنصاره وأتباعهم في اليقظة.
الرؤيا الصالحة كرامة تتميز عن الاستدراج النفسي وعن التلاعب الشيطاني. الرؤيا الصالحة للرجل الصالح يراها أو يراها له صادق حادثة في غاية الأهمية والدّلالة على واقع الإيمان في قلبه، وموهوب الهداية الربانية له، وعاجل البشرى بالفلاح والنجاح والزُّلْفى عند الله تعالى وتقدس.
وقد كان للرؤيا الصالحة في حياة الأنبياء عليهم السلام ما قصه الله عز وجل علينا في كتابه العزيز. فرؤياهم وحيٌ، وتنفيذ ما يوحى إليهم مناما صدق لعصمتهم من الشيطان. قال الله تعالى عن عبده إبراهيم لما صدق رؤيا ذبح ولده وبدأ في التنفيذ : )وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ( (سورة الصافات، الآية: 105).
الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح والمرأة قد تقع في الاعتبار إلى مقام الإحسان كما تدل على ذلك الآية. رؤيا إبراهيم عليه السلام الإحسانية كانت متعلقة بأمر إلهي كوني يتضمن ابتلاء عظيما ابتلي به الرسول الكريم في ولده، فاقتحم العقبة، عقبة الطبع والعادة والحنان الأبوي. أما في الأفراد المومنين فالرؤيا الصالحة الكونية المخبرة بأنه وقع كذا أو سيقع كذا فقد تتضمن بلاء أو تقترح خيارا، وقد يكون لها شأن عظيم في حياة الأمة، كما كان لرؤيا الملك في سورة يوسف، لكنها ليست من الإحسان في شيء، لأن الرؤيا الكونية الـمُطابقةَ لواقع مضى أو لواقع مستقبل يستوي في تلقيها المومن والكافر، وتختلط منابعُها من أعماق النفس البشرية الجارية على قدَر إلهي من معانيه ومقاصده الرئيسية ابتلاءُ العباد.
الرؤيا الإحسانية هي التي تبشر العبد الصالح بالقرب من ربه عز وجل، وتريه وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتُسمعه منه ومن عباد الله الصالحين إشارات الفوز، وتمثل له النجاة من العذاب والانضواء تحت لواء الأخيار الأبرار.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد كل صباح بعد صلاة الفجر مجلسا يسأل فيه أصحابه عن رؤاهم فيعبرها، أو يقص عليهم رؤاه وهي وحي يتعلمونه على أنه الحق الصريح أو المضروب مثلا. عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم رؤيا؟" الحديث. أخرجه البخاري في صحيحه في "كتاب التعبير"، باب "تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح".
كانوا يقصون على الحبيب صلى الله عليه وسلم ما شاء الله فيعبِّر ويؤول ويوجه ويربّي. وكان يعظم لأصحابه أمر الرؤيا الصالحة غاية التعظيم، فيقول: "رؤيا المومن كلام يكلم به العبدَ ربه في المنام". رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت بإسناد صحيح. ويقول صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة". أخرجه الشيخان عن أنس. وذهب بعض الشراح إلى أن نسبة الجزء من ستة وأربعين جزءا هي نسبة الستة أشهر الأولى من بعثته صلى الله عليه وسلم التي كان الوحي إليه فيها مقتصراً على رؤيا المنام إلى مدة نبوته وهي ثلاث وعشرون سنة. وهذا تفسير واهٍ كما تدل على ذلك الأحاديث التالية التي تبين أن الرؤيا الصالحة الإحسانية النورانية وحي إلهي وكلام إلهي حقيقي إلى العبد الصالح بتصريح يحمل البشرى أو تلميح يوحي بها ويحتاج إلى تعبير.
وورد في أحاديث أخرى أن الرؤيا الصالحة جزء من سبعين، وغير ذلك، وروى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات" قالوا: "وما المبشرات؟" قال: "الرؤيا الصالحة". وأخرج الإمام أحمد عن أبي الدرداء وعن عبادة بن الصامت من طريقين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في تفسير قوله تعالى: )أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ( (سورة يونس، الآية: 62). قال صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له". وكذا روى ابن جرير وأبو داود الطيالسي.
كان الصحابة رضي الله عنهم، لمّا سمعوا من البشارة العظمى ببقاء هذا الجزء من النبوة، يهتبلون بالرؤيا الصالحة وينتظرون ويحتفلون. كيف لا وقد جاءهم الوعد ببقائه بعد حزن وشدة. أخرج الترمذي عن أنس بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي". فشق ذلك على الناس. فقال: "لكن المبشرات" فقالوا: يا رسول الله! وما المبشرات؟ قال: "رؤيا المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة".
قال سيدنا عبد الله بن عمر: "إن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقصونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله. وأنا غلام حديث السن، وبيتي المسجد قبل أن أَنْكِحَ. فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء !". رواه البخاري عن ابن عمر، وذكر رؤيا لعبد الله بن عمر مؤداها أنه سلم من عذاب النار. فقصها على أخته أم المومنين حفصة رضي الله عنها، فقصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن عبد الله رجل صالح".
هكذا إذن كان الصحابة يحتفلون بوحي المنام، وهكذا يعتبره الصالحون كرامة، ويعتبرونه كما اعتبره عبد الله بن عمر شهادة من الله عز وجل وبراءة ومنشورا على أن العبد الرائي أو المرئِيَّ له "فيه خير".
إن دواوين الحديث تخصص كتابا للرؤيا الصالحة، أو "كتاب التعبير" دلالةً على أن هذا الجزء المقدس الباقي من النبوءة من صُلب الدين لا من هوامشه. ويروي المحدثون آداب الرؤيا، وأنواعها، وما يفعله من حَزَنَه الشيطان برؤيا سوء، وضرورة تعبيرها. وما زال المسلمون في كل عصر يرجون ويضرعون إلى الله عز وجل في رؤيا المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويقص بعضهم على بعض رؤياه وبشارتَه لزيد وعمرو من الناس جيلا بعد جيل. وتمتلئ كتب المناقب وصحف الصوفية برؤيا الأموات يقصون ما لقوا في الآخرة وما فعل الله بهم. فيَعتبر بذلك المعتبر، ويتوب التائب.
الرؤيا الصالحة بقية صالحة في هذه الأمة ووصْلة دائمة بالغيب. يقابلها ما نراه عند الشيطانيين والمشركين من استعمال للأحلام في استكناه المغيبات، والتطلع الفضولي لما سيقع، وتفسير الشخصية الإنسانية وغوامضها كما يزعم ذلك فرويد اليهودي ومدارس التحليل النفسي.
وقد ذخر الله رب العزة للاحقين من هذه الأمة ذُخْرَ الرؤيا الصادقة لتكون لهم مذكرة حاضرة ليرجعوا عن إسلام الفكر والثقافة إلى الإسلام الكامل الشامل الذي يكون الإيمان بالغيب والتعامل مع الغيب بميزان الشرع ركنه الركين. روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المومن تكذب". قال بعض الشراح: اقتراب الزمان هو استواء الليل والنهار في الربيع والخريف. وهذا ليس بشيء، وإنما المقصود تقوية المتأخرين من هذه الأمة بالتأييدات الغيبية مثل الرؤيا الصادقة، كما يشهد لهذا ظهور الكرامات في جهاد أفغانستان ظهورا لم يسبِق له مثيل منذ عهد الصحابة.
وإلى هذا التفسير ذهب الإمام ابن القيم حيث قال: "وهي (الرؤيا الصادقة) عند اقتراب الزمان لا تكاد تُخطئ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها. فيتعوَّض المومنون بالرؤيا. وأما في زمن قوة نور النبوة ففي ظهور نورها وقوَّته ما يغني عن الرؤيا. ونظيرُ هذا الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة ولم تظهر عليهم لاستغنائهم عنها بقوة إيمانهم واحتياج من بعدهم إليها لضَعف إيمانهم"[1].
عن ضعف الإيمان وطريق تقويته حدِّثنا أيها الشيخ الجليل عبد القادر. يقول رحمه الله: "اهرُب من الفاسقين والمنافقين، والتحق بالصالحين الصدّيقين. إذا أشكل عليك الأمر ولم تفرق بين الصالح والمنافق فقم من الليل، وصل ركعتين ثم قل: يا رب دلني على الصالحين من خلقك. دلّني على من يدلني عليك، يُطعمني من طعامك، ويسقيني من شرابك، ويَكْحُل عين قلبي بنور قربك، ويخبرني بما رأى عيانا لا تقليدا. القوم أكلوا من طعام فضل الله عز وجل، وشربوا أُنسَه، وشاهدوا باب قربه. لم يقنعوا بالخبر، بل جاهدوا وصابروا وسافروا عنهم وعن الخلق حتى صار الخبر عندهم عيانا. لما وصلوا إلى ربهم أدبهم وهذبهم وعلمهم الحِكم والعلوم. أطلعهم على ملكه، وعلمهم أن ليس في السماء والأرض غيرُه، ولا مُعطي غيرُه، ولا مانع غيرُه، ولا محرك ولا مسكِّن غيرُه،ولا مقدِّر ولا قاضِيَ غيرُه، ولا مُعز ولا مذلَّ غيرُه، ولا مسلِّط ولا مسخِّر غيرُه، ولا قاهر غيرُه.
"يريهم ما عنده، فيرونه بأعين قلوبهم وأسرارهم، فلا يبقى للدنيا ومُلكهاعندهم قدر ولا وزن. اللهم أَرِنا كما أريتهم من العفو والعافية"[2].
وقال رحمه الله: "ما أراكم تفقهون ما أقول! عليكم بدلالات التوحيد والإصغاء إلى كلمات الصديقين والأولياء. كلامهم كالوحي من الله عز وجل. ينطقون عنه وبأمره من وراء مأمور العوامِّ الطَّغامِ. أنت هَوَسٌ! تؤلف كلامك من الكتب وتتكلم به. إن ضاع كتابك ما تصنع؟ أو وقع الحريق في كتبك؟ أو انطفأ مصباحُك الذي تبصر به؟ إذا انكسرت جرّتك وتبدد الماء الذي فيها؟(…)
"تنحّوْا يا أبناء اللقلقة، يا أبناء الصُّحف المؤلفة بأيدي النفوس والأهوية. ويلكم! تنازعون المخصوص! تَنقصون وتهلكون! ولا تبلغون حظكم! كيف تتغير السابقة والعلم بجُهدكم! كونوا مومنين مسلمين(…).
"القوم استطرحوا بين يدي الحق عز وجل، ونسوا لِمَ وكيف وافعلْ ولا تفعل. يعملون أنواع الطاعات وهم وقوف على قدم الخوف. ولهذا وصفهم الله عز وجل فقال: )يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ( (سورة المومنون، الآية: 60). يمتثلون أوامر الله عز وجل، وينتهون عن مناهيه. ويصبرون على بلائه، ويشكرون على عطائه، ويسلِّمون أنفسهم وأموالهم وأولادهم وأعراضهم إلى يد سابقته وقلوبهم وجلة خائفة منه. العارف إذا زهد في الآخرة يقول لها "تَنَحَّيْ عني فإني طالب باب الحق عز وجل. أنتِ والدنيا عندي واحد! الدنيا كانت تحجبني عنكِ وأنتِ تحجبينني عن ربي عز وجل! لا كرامة لكل من يحجبني عنه!"[3].
قال زاهد متشوق إلى معرفة حاله عند الله عز وجل:
إلهـي أرجـو العفـو منك تكـرمـا فـإنـك مـولىً لا تخـيِّـبُ عبـدكـا
فياليت بشْرَى لو أتتني في الكَـرَى فأعلـم منهـا كـيف حـاليَ عنـدكـا

وقال مشتاق مبتلى:
بَكَيْـت، ودمـع العـين للنفـس راحـة ولكـنَّ دمـع الشـوق يُـنْكـى به القلـب
وذكـري لما ألقــاه ليـس بنـافـعـي ولـكـنـه شـيء يـهـيـجُ بـه الكَــرْبُ
فلو قيل لي: ما أنت؟ قلـت: مُعذّب بنـار مـواجـيد يُـضَـرِّمُـهـا العَـتْـبُ
بُلـيـت بمـن لا أستطـيـع عِـتـابـه ويُـعْـتـبـني حتى يقـال: لِـيَ الذَّنْـبُ

وقال وامقٌ مفارق لشائق:
قـف بالديــار فهـذه آثـارهـم تُبكـي الأحبـة حسـرة وتشـوّقـا
كم قـد وقفتُ بها أُسائل مُخبرا عن أهلهـا أو صـادقـا أو مشفـقـا
فأجابني داعي الهوى في رَسْمِها فـارقـت من تهـوى فَعـزَّ الملتقـى

وقلت:
هُبَّ مِنْ سَكْرَةِ الكـرَى يَا أُخَي أَنْتَ فِي مَدْرَجِ الخَطَــا والهُـوِيِّ
غَـفْلَــةٌ عَنْ نِــدَاءِ رَبٍّ كَرِيــمٍ وَخُمولٌ فِي قَبْـضِ حُكْــمٍ رَدِيِّ
قُمْ وَأبْشِــرْ فَــإِنَّ وَعْــدَ إِلَهِــي زُفَّ فِي الوَحْـيِ لِلأمِـينِ القَــويِّ




[1] مدارج السالكين ج 1 ص 50.
[2] الفتح الرباني ص 119.
[3] الفتح الرباني ص 292.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:42 PM
الرؤيا الصالحة
بسم الله الرحمن الرحيم. )ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين(. اللهم هب لي إيمانا ويقينا ومعافاة ونية.
يهاجم العقلانيون الإيمان بالغيب وينسبون إليه تخلفَ العقل المسلم وخرافيته وجناية المنامات والحكايات وكتب المناقب المحشوة بالكرامات على توازن الوعي العام عند المسلمين. والحل عندهم هو قطع مادة الخرافية من أصولها وتبني النظرة الوضعية المادية. ومن هنا جاءت محاولات أصحاب "الإصلاح" الذين أنكروا المعجزات، وأوّلوا وجود الجن، وهوّنوا من شأن النبوءة والوحي حتى جعلوها نوعا من فطرة النمل والنحل والحشرات. وهذا تخريب للدين من قواعده. فلا عقلانية الكفار اكتسبنا، ولا ديننا حفظنا. وما قيمة عقلانية فاعلة في العالم إن خسرنا آخرتنا وضيعنا أمانة الرسالة التي وُكِل إلينا حملُها؟
إن جناية المنامات والحكايات على العقل المسلم جنايةٌ حقيقيّة في صفوف العوام. ولمّا تقلَّصَ ظل العلماء وضعفت إفاداتهم التربوية راجت الخرافة ونَفَقَتْ في أسواق العِرافة والشعوذة والسحر وتعبير المنام، يتصدّى لتعبيره بالرأي الكالِّ والفهم السقيم والنية الكاذبة كل من هب ودب، وتُبنى عليه العزائم والأعمال، ويَفْصِل في الأمر العويص ظهورُ شبحِ شَيْخٍ لحالم مُتَبَرِّعٍ أو لـمُتحلِّم محترف.
وكان للشيطان، ولا يزال، الحفلةُ الكبرى في خطوطه الهاتفية، يوحي إلى أوليائه في المنام ما عجز عن تفهيمه لبلداء أنصاره وأتباعهم في اليقظة.
الرؤيا الصالحة كرامة تتميز عن الاستدراج النفسي وعن التلاعب الشيطاني. الرؤيا الصالحة للرجل الصالح يراها أو يراها له صادق حادثة في غاية الأهمية والدّلالة على واقع الإيمان في قلبه، وموهوب الهداية الربانية له، وعاجل البشرى بالفلاح والنجاح والزُّلْفى عند الله تعالى وتقدس.
وقد كان للرؤيا الصالحة في حياة الأنبياء عليهم السلام ما قصه الله عز وجل علينا في كتابه العزيز. فرؤياهم وحيٌ، وتنفيذ ما يوحى إليهم مناما صدق لعصمتهم من الشيطان. قال الله تعالى عن عبده إبراهيم لما صدق رؤيا ذبح ولده وبدأ في التنفيذ : )وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ( (سورة الصافات، الآية: 105).
الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح والمرأة قد تقع في الاعتبار إلى مقام الإحسان كما تدل على ذلك الآية. رؤيا إبراهيم عليه السلام الإحسانية كانت متعلقة بأمر إلهي كوني يتضمن ابتلاء عظيما ابتلي به الرسول الكريم في ولده، فاقتحم العقبة، عقبة الطبع والعادة والحنان الأبوي. أما في الأفراد المومنين فالرؤيا الصالحة الكونية المخبرة بأنه وقع كذا أو سيقع كذا فقد تتضمن بلاء أو تقترح خيارا، وقد يكون لها شأن عظيم في حياة الأمة، كما كان لرؤيا الملك في سورة يوسف، لكنها ليست من الإحسان في شيء، لأن الرؤيا الكونية الـمُطابقةَ لواقع مضى أو لواقع مستقبل يستوي في تلقيها المومن والكافر، وتختلط منابعُها من أعماق النفس البشرية الجارية على قدَر إلهي من معانيه ومقاصده الرئيسية ابتلاءُ العباد.
الرؤيا الإحسانية هي التي تبشر العبد الصالح بالقرب من ربه عز وجل، وتريه وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتُسمعه منه ومن عباد الله الصالحين إشارات الفوز، وتمثل له النجاة من العذاب والانضواء تحت لواء الأخيار الأبرار.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد كل صباح بعد صلاة الفجر مجلسا يسأل فيه أصحابه عن رؤاهم فيعبرها، أو يقص عليهم رؤاه وهي وحي يتعلمونه على أنه الحق الصريح أو المضروب مثلا. عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم رؤيا؟" الحديث. أخرجه البخاري في صحيحه في "كتاب التعبير"، باب "تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح".
كانوا يقصون على الحبيب صلى الله عليه وسلم ما شاء الله فيعبِّر ويؤول ويوجه ويربّي. وكان يعظم لأصحابه أمر الرؤيا الصالحة غاية التعظيم، فيقول: "رؤيا المومن كلام يكلم به العبدَ ربه في المنام". رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت بإسناد صحيح. ويقول صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة". أخرجه الشيخان عن أنس. وذهب بعض الشراح إلى أن نسبة الجزء من ستة وأربعين جزءا هي نسبة الستة أشهر الأولى من بعثته صلى الله عليه وسلم التي كان الوحي إليه فيها مقتصراً على رؤيا المنام إلى مدة نبوته وهي ثلاث وعشرون سنة. وهذا تفسير واهٍ كما تدل على ذلك الأحاديث التالية التي تبين أن الرؤيا الصالحة الإحسانية النورانية وحي إلهي وكلام إلهي حقيقي إلى العبد الصالح بتصريح يحمل البشرى أو تلميح يوحي بها ويحتاج إلى تعبير.
وورد في أحاديث أخرى أن الرؤيا الصالحة جزء من سبعين، وغير ذلك، وروى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات" قالوا: "وما المبشرات؟" قال: "الرؤيا الصالحة". وأخرج الإمام أحمد عن أبي الدرداء وعن عبادة بن الصامت من طريقين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في تفسير قوله تعالى: )أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ( (سورة يونس، الآية: 62). قال صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له". وكذا روى ابن جرير وأبو داود الطيالسي.
كان الصحابة رضي الله عنهم، لمّا سمعوا من البشارة العظمى ببقاء هذا الجزء من النبوة، يهتبلون بالرؤيا الصالحة وينتظرون ويحتفلون. كيف لا وقد جاءهم الوعد ببقائه بعد حزن وشدة. أخرج الترمذي عن أنس بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي". فشق ذلك على الناس. فقال: "لكن المبشرات" فقالوا: يا رسول الله! وما المبشرات؟ قال: "رؤيا المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة".
قال سيدنا عبد الله بن عمر: "إن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقصونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله. وأنا غلام حديث السن، وبيتي المسجد قبل أن أَنْكِحَ. فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء !". رواه البخاري عن ابن عمر، وذكر رؤيا لعبد الله بن عمر مؤداها أنه سلم من عذاب النار. فقصها على أخته أم المومنين حفصة رضي الله عنها، فقصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن عبد الله رجل صالح".
هكذا إذن كان الصحابة يحتفلون بوحي المنام، وهكذا يعتبره الصالحون كرامة، ويعتبرونه كما اعتبره عبد الله بن عمر شهادة من الله عز وجل وبراءة ومنشورا على أن العبد الرائي أو المرئِيَّ له "فيه خير".
إن دواوين الحديث تخصص كتابا للرؤيا الصالحة، أو "كتاب التعبير" دلالةً على أن هذا الجزء المقدس الباقي من النبوءة من صُلب الدين لا من هوامشه. ويروي المحدثون آداب الرؤيا، وأنواعها، وما يفعله من حَزَنَه الشيطان برؤيا سوء، وضرورة تعبيرها. وما زال المسلمون في كل عصر يرجون ويضرعون إلى الله عز وجل في رؤيا المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويقص بعضهم على بعض رؤياه وبشارتَه لزيد وعمرو من الناس جيلا بعد جيل. وتمتلئ كتب المناقب وصحف الصوفية برؤيا الأموات يقصون ما لقوا في الآخرة وما فعل الله بهم. فيَعتبر بذلك المعتبر، ويتوب التائب.
الرؤيا الصالحة بقية صالحة في هذه الأمة ووصْلة دائمة بالغيب. يقابلها ما نراه عند الشيطانيين والمشركين من استعمال للأحلام في استكناه المغيبات، والتطلع الفضولي لما سيقع، وتفسير الشخصية الإنسانية وغوامضها كما يزعم ذلك فرويد اليهودي ومدارس التحليل النفسي.
وقد ذخر الله رب العزة للاحقين من هذه الأمة ذُخْرَ الرؤيا الصادقة لتكون لهم مذكرة حاضرة ليرجعوا عن إسلام الفكر والثقافة إلى الإسلام الكامل الشامل الذي يكون الإيمان بالغيب والتعامل مع الغيب بميزان الشرع ركنه الركين. روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المومن تكذب". قال بعض الشراح: اقتراب الزمان هو استواء الليل والنهار في الربيع والخريف. وهذا ليس بشيء، وإنما المقصود تقوية المتأخرين من هذه الأمة بالتأييدات الغيبية مثل الرؤيا الصادقة، كما يشهد لهذا ظهور الكرامات في جهاد أفغانستان ظهورا لم يسبِق له مثيل منذ عهد الصحابة.
وإلى هذا التفسير ذهب الإمام ابن القيم حيث قال: "وهي (الرؤيا الصادقة) عند اقتراب الزمان لا تكاد تُخطئ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها. فيتعوَّض المومنون بالرؤيا. وأما في زمن قوة نور النبوة ففي ظهور نورها وقوَّته ما يغني عن الرؤيا. ونظيرُ هذا الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة ولم تظهر عليهم لاستغنائهم عنها بقوة إيمانهم واحتياج من بعدهم إليها لضَعف إيمانهم"[1].
عن ضعف الإيمان وطريق تقويته حدِّثنا أيها الشيخ الجليل عبد القادر. يقول رحمه الله: "اهرُب من الفاسقين والمنافقين، والتحق بالصالحين الصدّيقين. إذا أشكل عليك الأمر ولم تفرق بين الصالح والمنافق فقم من الليل، وصل ركعتين ثم قل: يا رب دلني على الصالحين من خلقك. دلّني على من يدلني عليك، يُطعمني من طعامك، ويسقيني من شرابك، ويَكْحُل عين قلبي بنور قربك، ويخبرني بما رأى عيانا لا تقليدا. القوم أكلوا من طعام فضل الله عز وجل، وشربوا أُنسَه، وشاهدوا باب قربه. لم يقنعوا بالخبر، بل جاهدوا وصابروا وسافروا عنهم وعن الخلق حتى صار الخبر عندهم عيانا. لما وصلوا إلى ربهم أدبهم وهذبهم وعلمهم الحِكم والعلوم. أطلعهم على ملكه، وعلمهم أن ليس في السماء والأرض غيرُه، ولا مُعطي غيرُه، ولا مانع غيرُه، ولا محرك ولا مسكِّن غيرُه،ولا مقدِّر ولا قاضِيَ غيرُه، ولا مُعز ولا مذلَّ غيرُه، ولا مسلِّط ولا مسخِّر غيرُه، ولا قاهر غيرُه.
"يريهم ما عنده، فيرونه بأعين قلوبهم وأسرارهم، فلا يبقى للدنيا ومُلكهاعندهم قدر ولا وزن. اللهم أَرِنا كما أريتهم من العفو والعافية"[2].
وقال رحمه الله: "ما أراكم تفقهون ما أقول! عليكم بدلالات التوحيد والإصغاء إلى كلمات الصديقين والأولياء. كلامهم كالوحي من الله عز وجل. ينطقون عنه وبأمره من وراء مأمور العوامِّ الطَّغامِ. أنت هَوَسٌ! تؤلف كلامك من الكتب وتتكلم به. إن ضاع كتابك ما تصنع؟ أو وقع الحريق في كتبك؟ أو انطفأ مصباحُك الذي تبصر به؟ إذا انكسرت جرّتك وتبدد الماء الذي فيها؟(…)
"تنحّوْا يا أبناء اللقلقة، يا أبناء الصُّحف المؤلفة بأيدي النفوس والأهوية. ويلكم! تنازعون المخصوص! تَنقصون وتهلكون! ولا تبلغون حظكم! كيف تتغير السابقة والعلم بجُهدكم! كونوا مومنين مسلمين(…).
"القوم استطرحوا بين يدي الحق عز وجل، ونسوا لِمَ وكيف وافعلْ ولا تفعل. يعملون أنواع الطاعات وهم وقوف على قدم الخوف. ولهذا وصفهم الله عز وجل فقال: )يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ( (سورة المومنون، الآية: 60). يمتثلون أوامر الله عز وجل، وينتهون عن مناهيه. ويصبرون على بلائه، ويشكرون على عطائه، ويسلِّمون أنفسهم وأموالهم وأولادهم وأعراضهم إلى يد سابقته وقلوبهم وجلة خائفة منه. العارف إذا زهد في الآخرة يقول لها "تَنَحَّيْ عني فإني طالب باب الحق عز وجل. أنتِ والدنيا عندي واحد! الدنيا كانت تحجبني عنكِ وأنتِ تحجبينني عن ربي عز وجل! لا كرامة لكل من يحجبني عنه!"[3].
قال زاهد متشوق إلى معرفة حاله عند الله عز وجل:
إلهـي أرجـو العفـو منك تكـرمـا فـإنـك مـولىً لا تخـيِّـبُ عبـدكـا
فياليت بشْرَى لو أتتني في الكَـرَى فأعلـم منهـا كـيف حـاليَ عنـدكـا

وقال مشتاق مبتلى:
بَكَيْـت، ودمـع العـين للنفـس راحـة ولكـنَّ دمـع الشـوق يُـنْكـى به القلـب
وذكـري لما ألقــاه ليـس بنـافـعـي ولـكـنـه شـيء يـهـيـجُ بـه الكَــرْبُ
فلو قيل لي: ما أنت؟ قلـت: مُعذّب بنـار مـواجـيد يُـضَـرِّمُـهـا العَـتْـبُ
بُلـيـت بمـن لا أستطـيـع عِـتـابـه ويُـعْـتـبـني حتى يقـال: لِـيَ الذَّنْـبُ

وقال وامقٌ مفارق لشائق:
قـف بالديــار فهـذه آثـارهـم تُبكـي الأحبـة حسـرة وتشـوّقـا
كم قـد وقفتُ بها أُسائل مُخبرا عن أهلهـا أو صـادقـا أو مشفـقـا
فأجابني داعي الهوى في رَسْمِها فـارقـت من تهـوى فَعـزَّ الملتقـى

وقلت:
هُبَّ مِنْ سَكْرَةِ الكـرَى يَا أُخَي أَنْتَ فِي مَدْرَجِ الخَطَــا والهُـوِيِّ
غَـفْلَــةٌ عَنْ نِــدَاءِ رَبٍّ كَرِيــمٍ وَخُمولٌ فِي قَبْـضِ حُكْــمٍ رَدِيِّ
قُمْ وَأبْشِــرْ فَــإِنَّ وَعْــدَ إِلَهِــي زُفَّ فِي الوَحْـيِ لِلأمِـينِ القَــويِّ




[1] مدارج السالكين ج 1 ص 50.
[2] الفتح الرباني ص 119.
[3] الفتح الرباني ص 292.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:42 PM
عين القلب
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن. وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء. الحمد لله(. اللهم إني أعوذ بك أن تأخذني على غرة أو تذرني في غفلة أو تجعلني من الغافلين.
القلب المومن حاسة دقيقة جامعة تصبح آلة لتلقي العلم واستبصار المعلومات واستشفاف المغيَّبات على غاية من اللطف بعد أن يبرأ القلب من أمراضه في مِصحة التربية، وبعد أن تعنى به يدُ الصحبة، ويصقُله الذكر ويكشف الله عز وجل عنه غطاءه، ليجد ما وُعد الصادقون بإخلاص النية من قدم الصدق المكتوبة في سابقة علم الله تعالى.
ما كل المومنين يُعطاهم من الفتح القلبي بمقدار ما تنكشف الحجبُ للعين القلبية. وقد يكون طلب الفتح والتعلق به والتماسه بالدعاء والتضرع والأذكار الخاصة حجابا عن الله عز وجل وفتنة. فإن طلب المزيد من العلم، وإن كان مشروعا محمودا ومأمورا به في القرآن في قوله تعالى لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم: )وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً( (سورة طه، الآية: 114)، قد يصرفُ طالب الحق مريد الله عن وجهته، فإذا هو قد زاغ عن قبلة الطلب، وهي وجه الله، إلى الحظوظ النفسية والمتاهات الكونية، فيكون من الهالكين.
وإن من أعداء الله عز وجل ومن كافة المشركين من يفتح الله سبحانه عليهم عوالمَه الكونية فيطَّلعون على ما شاء ابتلاؤه وكيدُه ومكرُه منها، فيغرقون في مشاهدة حقائقها، ويُصرفون عن طلب الحق وعن عالم النور إلى عالم الظلمات الكونية. هؤلاء هم أصحاب الرياضات من يوكيين وغيرهم. ويسمَّى الفتح عليهم فتحا ظلمانيا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة له عنوانها "الظاهر والباطن". "طوائف كثيرة آل الأمر بهم إلى مشاهدة الحقيقة الكونية القَدَرية، وظنوا أن من شهدها سقط عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد، وهذا هو دين المشركين"[1].
أما أحباب الله، ممن شاء الله أن يكشف عنهم الغطاء، فإن عناية المولى الكريم سبحانه تسلكُ بهم فِجاج مشاهدة "الحقيقة الكونية القدرية" ويتجاوزون مخاطرها وإغراءها، لا يقفون مع شيء دون الله عز وجل. شعارُهم دائما كما يقول الشيخ عبد القادر: وإنك لتعلم ما نريد.
لنسمع إلى أهل الفن في الموضوع لكيلا يتوهم المتوهم أن الفتح والكشف وعجائب القلب حديثُ خرافة، أو أن مبالغة الصوفية ومجازهم وكنايتهم ولغتهم الغامضة سَبْحُ خيالٍ. وقد استَدْعَيتُ للشهادة في الموضوع إماما يحظى بالثقة لأنه هو نفسه لا ينتمي إلى الصوفية وإن كان يعترف ويفتخر ويتحمَّد "بالقدر المشترك" بينه وبينهم. وسترى أن صاحب "القدر المشترك" أبلَغُ بيانا وأشدُّ حرصا وأثبت كلمة في التأكيد على وقائع الفتح، وعلى طَوْرِ ما وراء الحسِّ والعقل. نستمع أولا إلى إمام صوفي، وبعده إلى الإمام المشارك ابن القيم.
قال الإمام الغزالي: "الإيمان بالنبوة أن يقِرَّ بإثبات طور ما وراء العقل، تنفتح فيه عينٌ يدرك بها مدرَكات خاصة. والعقل معزول عنها كعزل السمع عن إدراك الألوان، والبصر عن إدراك الأصوات، وجميع الحواس عن إدراك المعقولات"[2].
وقال: "ووراء العقل طور آخر تنفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب، وما سيكون في المستقبل، وأمورا أخرى العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز عن إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز"[3].
يقول الغزالي هذا في إثبات النبوة والفتح الخاص بالأنبياء عليهم السلام. وله في "الإحياء" حديث طويل عن فتح الأولياء وما يُعطاهم من العلم اللدنيِّ القلبي قامت عليه بسببه قيامة المكذبين منذ تسعة قرون. أما شيخ الإسلام ابن تيمية فرغم نقده للغزالي في مسائل عقلية ونقلية فإنه يتفق معه اتفاقا تاما أو يكاد في أصول المسائل القلبية. ويقول: "أنكر عليه (على الغزالي) طائفة من أهل الكلام والرأي كثيرا مما قاله من الحق، وزعموا أن طريقة الرياضة وتصفية القلب لا تؤثر في حصول العلم. وأخطأوا أيضا في هذا النفي. بل الحق أن التقوى وتصفية القلب من أعظم الأسباب على نيل العلم"[4].
وقال شيخ الإسلام ابن القيم: "فإذا صارت صفات ربه (أي الولي المتقرب بالفرض والنفل حتى يحبه الله) وأسماؤه مشهدا لقلبه أنسته ذكر غَيره، وشغلته عن حب ما سواه(...). فحينئذ يكون الرب سبحانه سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. فبه يسمع، وبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي كما أخبر عن نفسه بلسان رسوله. ومن غَلُظَ حجابه، وكثُفَ طبعُه، وصَلُب عوده، فهو عن فهم هذا بمعزل(...). وبالجملة فيبقى قلب العبد الذي هذا شأنه عرشا للمثل الأعلى، أي عرشا لمعرفة محبوبه ومحبته وعظمته وجلاله وكبريائه. وناهيك بقلب هذا شأنه! فيا له من قلب من ربه ما أدناه! ومن قُربه ما أحظاه! فهو ينـزه قلبه أن يساكن سواه أو يطمئن إلى غيره. فهؤلاء قلوبهم قد قطعت الأكوان وسجدت تحت العرش، وأبدانُهم على فرشهم كما قال أبو الدرداء: إذا نام العبد المومن عُرِجَ بروحه حتى تسجد تحت العرش"[5].
وقال رحمه الله: "ينجذب (المريد) إليها (الآخرة) بالكلية، ويزهد في التعلقات الفانية، ويدأب في تصحيح التوبة والقيام بالمأمورات الظاهرة والباطنة(...). فحينئذ يجتمع قلبه وخواطره وحديث نفسه على إرادة ربه وطلبه والشوق إليه. فإذا صدق في ذلك رُزِق محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستولت روحانيته على قلبه(...). فإذا رسخ في ذلك فُتِح له في فهم الوحي المنزل(...) فإذا تمكن من ذلك انفتح في قلبه عينٌ أخرى، يشاهد بها صفات الرب جل جلاله، حتى تصير لقلبه بمنزلة المرئي لعينه. فيشهد عُلُوَّ الرب سبحانه فوق خلقه، واستواءه على عرشه، ونزول الأمر من عنده بتدبير مملكته، وتكليمه بالوحي، وتكليمه لعبده جبريل به، وإرساله إلى من يشاء بما يشاء، وصعود الأمور إليه، وعرضها عليه"[6].
وقال رحمه الله: "إن الله سبحانه جعل في العين قوة باصرة، كما جعل في الأذن قوة سامعة، وفي الأنف قوة شامة، وفي اللسان قوة ناطقة وقوة ذائقة(...). وأما معاينة القلب فهي انكشاف صورة المعلوم له، بحيث تكون نسبتهُ إلى القلب كنسبة المرئي إلى العين. وقد جعل الله سبحـانه القلب يُبصر ويَعْمَى. قال تعالى: )فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ( (سورة الحج، الآية: 44). فالقلب يرى ويسمع، ويعمى ويَصِمُّ، وعماه وصممُه أبلغ من عمى البصر وصممِه"[7].
وقال رحمه الله: "المعاينة نوعان معاينةُ بصر ومعاينة بصيرة. فمعاينة البصر وقوعُه على نفس المرئي أوْ مثالِه الخارجي كرؤية مثال الصورة في المرآة والماء. ومعاينة البصيرة وقوع القوة العاقلة على المثال العلمي المطابق للخارجي. فيكون إدراكه له بمنزلة إدراك العين للصورة الخارجية. وقد يقْوَى سلطان هذا الإدراك الباطن بحيث يصير الحكم له، ويقوى استحضاره القوة العاقلة لمدركها بحيث يستغرق فيه، فيغلب حكم القلب على حكم الحس والمشاهدة. فيستولي على السمع والبصر بحيث يراه ويسمع خطابه في الخارج وهو في النفس والذهن. لكن لغلبة الشهود وقوة الاستحضار وتمكُّنِ حكم القلب واستيلائه على القوى صار كأنه مرئيٌّ بالعين، مسموع بالأذن. بحيث لا يشك المدرك ولا يرتاب في ذلك البتَّةَ، ولا يقبل عذلا"[8].
وقال رحمه الله: "فمن فتح الله بصيرة قلبه وإيمانه حتى خرقها وجاوزها إلى مقتضى الوحي والفطرة والعقل فقد أوتي خيرا كثيرا، ولا يخاف عليه إلا من ضَعف همته. فإذا انضاف إلى ذلك الفتح همة عالية فذاك السابق حقا، واحدُ النّاس بزمانه، لا يُلحق شَأْوُهُ، ولا يُشَقُّ غبارهُ. فشتان ما بين من يتلقى أحواله ووارداته عن الأسماء والصفات وبين من يتلقاها عن الأوضاع الاصطلاحية والرسوم (قلت: يعني شتان ما بين أرباب الصدور والمتصفحين للسطور!) أو عن مجرد ذَوْقِه وَوَجده، إذا استحسن شيئا قال: هذا هو الحق!
"فالسير إلى الله من طريق الأسماء والصفات شأنه عجَب، وفتحه عجب. صاحبه قد سبقت له السعادة وهو مستلق على فراشه غير تعبٍ ولا مكدود، ولا مشتّت عن وطنه، ولا مشرد عن سكنه"[9].
هذه كلمات قوم سلكوا الطريق وتركوا وصفا للمَشاهِدِ عسى يكون من بعدهم من يصدق الله ورسوله في وعد الله ورسوله لأولياء الله، ابتداء من مطالعة ما مَنَّ به الملك الوهاب على العباد.
يقول الطود الشامخ في أرض الولاية وسمائها الإمام عبد القادر قدس الله سره: "يا غلام! ليكن الخرَسُ دأبك، والخمولُ لباسَك، والهرب من الخلق كلَّ مقصودك. وإن قدرت أن تنقب في الأرض سِرْبا تَخْفى فيه فافعل. يكون هذا دأبَك إلى أن يترعرع إيمانُك، ويقوى قدمُ إيقانك، ويتريَّشُ جناحُ صدقك، وتنفتح عينا قلبك فتُرفَع من أرض بيتك، وتطير إلى جو علم الله. تطوف المشرق والمغرب، البَر والبحر، والسهل والجبل. تطوف السماوات والأرضين وأنت مع الدليل الخفير الرفيق. فحينئذ أَطلِق لسانك في الكلام، واخلع لباس الخمول، واترك الهرب من الخلق، واخرج من سِرْبِك إليهم، فإنك دواء لهم غير مُسْتَضَرٍّ في نفسك. لا تبالِ بقلتهم وكثرتهم، وإقبالهم وإدبارهم، وحمدهم وذمِّهم. أين سقطتَ لَقَطْتَ، أنت مع ربك عز وجل"[10].
وقال رحمه الله: "الصدِّيق إذا فرغ من تعلم العلم المشترك (علم السطور) أدْخِل في العلم الخاص، علم القلوب والأسرار. فإذا تمكن في هذا العلم صار سلطان دين الله عز وجل، يأمر وينهى، ويعطي ويمنع بإذن مُسلطنِه".
وقلت: وهذا معنى التصريف والفعل بالهمة. وقد مر كلام ابن تيمية الخبير بالموضوع. ومعنى الخلافة في الأرض في حق الكمل من الأولياء. وهذا لا يدركه إلا "واحد الناس بزمانه" كما مرت عبارة ابن القيم.
قال: "يصير سلطانا في الخلق، يأمر بأمر الله عز وجل، وينهى بنهيه(...). العارف واقف بباب الحق عز وجل وقد سلم إليه علم المعرفة والاطلاع على أمور لم يطلع غيره عَليها"[11].
وقال رحمه الله: "العارف المقرَّب يُعطَى أيضا نورا يَرى به قربه من ربه عز وجل. ويرى قرب ربه عز وجل من قلبه. يرى أرواح الملائكة والنبيئين وقلوب الصديقين وأرواحهم. يرى أحوالهم ومقاماتهم. كل هذا في سويداء قلبه، وصفاء سره. هو أبدا في فرحه مع ربه عز وجل. هو واسطة يأخذ منه ويفرق على الخلق. منهم من يكون عليم اللسان والقلب، ومنهم من يكون عليم القلب ألْكَنَ اللسان. وأما المنافق فهو عليم اللسان ألْكَنُ القلب"[12].
وقال رحمه الله: "اسمعوا هذا الكلام فإنه لب علم الله عز وجل، لب إرادته من خلقه وفي خلقه، وهو حال الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين. يا عباد الدنيا ويا عباد الآخرة! أنتم جهال بالله عز وجل وبدنياه وبآخرته! أنتم حيطان! أنت صنمك الدنيا! وأنت صنمك الآخرة! وأنت صنمك الخلق! وأنت صنمك الشهوات واللذات! وأنت صنمك الحمد والثناءُ وقبول الخلق لك! ما سوى الله عز وجل صنم. القوم يريدون وجه الله. الدنيا والآخرة موكَلَتان على باب الحق عز وجل، موكلتان في دار الطبيب، يأخذ منهما ما يريد ويطعم المريض. يا منافقون! ما عندكم من هذا خبر! المنافق لا يقدر يسمع حرفا من هذا،لأنه لا يقدر على سماع الحق. كلامي حق، وأنا على الحق.كلامي من الله عز وجل لا مني، من الشرع لا من الهوَس. ولكن آفة فهمك السقيم!
"ويحك تعلمت وما عملت بعلمك، فكيف ينفعك علمُك! ما خدمت الشيوخَ في حال شبابك، فكيفَ تُخدم في حال كبرك!"[13].
قال محب مشتاق للقاء ربه وهو سمنون المحب:
أنت الحبيب الذي لا شك في خَلـَدي منـه، فـإن فقـدتـك النفـسُ لم تَـعِـشِ
يـا معطـشي بـوصـالٍ أنـت واهـبُــه هل لي إلى راحة إن صحتُ:واعطشي!

وقال رحمه الله:
أمسـى بخـدّي للدمـوع رســوم أسفـا عليـك وفي الفـؤاد كُـلـوم
والصبر يَحْسُنُ في المصـائب كلِّها إلا عـلـيـك فـإنــه مــذمــوم

وقال رحمه الله:
كـان لي قلـب أعيـش به ضـاع مني في تـقـلُّـبـه
ربِّ فـاردده عليَّ فـقـد ضاق صـدري في تطلـبـه
وأغِـثْ مـادام بي رَمَـق يا غِيَـاثَ المسـتغيث بِه

وقلت:
مِنْ نَدَاكَ كَـانَ لِي طَلَبٌ عَــينُ قَلــْبي تُـفَــتِّـحُـهَــا
ربِّ والنصــرُ تـُعْجِـلُــهُ وَأُمُــورِيَ تـُنْـجِـحُـهَــا
وَصُــدُورُ أَحِـبَّـتِــنَــا رَبِّ لـلْبِـرِّ تـَشْـرَحُــهَــا




[1] الرسائل المنيرية 251.
[2] المنقذ من الضلال ص70.
[3] المصدر السابق ص57.
[4] الرد على المنطقيين ص 511.
[5] طريق الهجرتين ص 264.
[6] مدارج السالكين ج 3 ص 268.
[7] مدارج السالكين ج 3 ص 246.
[8] المصدر السابق ص 248.
[9] طريق الهجرتين ص 206.
[10] الفتح الرباني ص 48.
[11] المصدر السابق ص 182-183.
[12] الفتح الرباني ص 254.
[13] المصدر السابق ص 293.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:42 PM
الفراسة

بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين(. اللهم اجعل عملي صالحا، واجعله لك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا.
الفراسة ومضاتٌ من إدراك القلب المتطهر يطلع بواسطتها على مخفيات الضمائر. وهي من مراتب الهداية القلبية كالإلهام والرؤيا الصادقة والمخاطبات الخاصة بالأولياء والكشفِ وما إلى ذلك مما اصطلح عليه أهل هذا الشأن.
الفِراسة فروسية الضمائر، هي كرامة للولي، وقد تكون عليه فتنة، لذلك يستعيذ الصالحون مما يسمونه "الكشف الشيطاني"، وهو انكشاف ما يفعله الناس وراء الجدران لعين القلب فيطلع على ما أمر الله به أن يستر. أما أصحاب الرياضات والشيطنة فهذا الكشف هو بغيتهُم وغايةُ أملهم نعوذ بالله. وللمشركين والملحدين من "علماء" الباراسيكولوجيا اهتمام شديد بقراءة الضمائر، يسمونها "ثِلِباثِي"، يرجون أن يقننوها لتصبح سلاحا يستخدم في الاستعلامات العسكرية. ويعكُف متخصصون مزوّدون بميزانيات عريضة، في أمريكا وروسيا، على إجراء تجارب للسباق إلى إحراز النجاح. لا جَرَم أن تنتهج المادية الإلحادية مناهج الوفاق والتعاون مع أساليب الشيطنة ليتم على حزب الشيطان بلاء الله بالفتح عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم.
عرّف الأستاذ القشيري الفراسة بأنها "خاطر يهجُم على القلب فينفي ما يضاده". وعرَّفها الواسطي بأنها "سواطع أنوار لمعت في القلوب، وتمكين معرفة حملت السرائر في الغيوب، من غيب إلى غيب، حتى يشهد الأشياء من حيث أشهده الحق سبحانه إياها، فيتكلم على ضمير الخلق".
قال الأستاذ القشيري: "والمتفرِّس ينظر بنور الله تعالى. وذلك سواطع أنوارٍ لمعت في قلبه، فأدرك بها المعاني. وهي (الفراسة) من خواص الإيمان. والذين هم أكثر منها حظاًّ الربانيون. قال تعالى: )كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ( (سورة آل عمران، الآية: 78) أي علماء حكماء متخلقين بأخلاق الحق نظرا وخلقا. وهم فارغون عن الإخبارِ عن الخلقِ، والنظر إليهم والاشتغال بهم"[1].
فراسة الربانيّين إطلالات على العالم المخلوق وما يجري فيه، يلتفتون إليه عن قصد لمصلحة شرعية، أو يَفْجَأُهم من خبره ما لم يقصدوا إليه. المريد المبتدئ الذي لمّا يتحرر من الدنيا له تشوُّفٌ إلى المخفيات من الغيوب. فإن لم تتداركه عناية الله تلقفته العوالم الكونية وشغله التسكُّع في مشاهدة عجائبها عن الطلب الشريف وهو مشاهدة أنوار الأسماء والصفات، والقُربُ من حضرة الذات. أما المتمكن من العارفين والكامل من الواصلين فهمه الله عز وجل لا سلطان للأكوان عليه، ويعتبِر التفرُّسَ في الخلق لقراءة ضمائرهم بطالة، إلا أن يكون له قصد مشروع فيستعمل حاسته القلبية كما يستعمل جوارحه الأخرى في طاعة الله لتحقيق مطلب شرعي.
وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعلم المومنون خوف الله عز وجل العليم الخبير بما في الصدور من الاعتبار بفراسة المومن الكامل الذي يطلعه الله بنوره على ما يفعله غيره. روى الترمذي وحسنه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا فراسة المومن، فإنه ينظر بنور الله".
ويَسْمَع أيضا المومن الكامل بسمع الله، وتأتيه المخاطبات والتحديث من قبل الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه". وقال ابن عمر: "ما نزل بالناس أمرٌ قط فقالوا فيه وقال عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر". رواه الترمذي وقال حسن صحيح. وموافقات عمر رضي الله عنه للقرآن في أسرى بدر وفي حجاب أمهات المومنين وغيرذلك مشهورة، هي من قبيل التأييد الإلهي، بواسطته ينطق عمر بلسان الحق وقلبه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد كان فيمن كان قبلكم من الأمم ناس محدَّثون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر". رواه الشيخان عن أبي هريرة. وليس معنى هذا أن ليس في الأمة محدّثون غيرُ عمرَ، بل معناه أن عمر أحق بهذه الرتبة من غيره. ولا يعني هذا أيضا أن رتبة التحديث أفضل وأعلى من رتبة الصديقية المعروفة لأبي بكر، بل كبار الصحابة كانوا على نصيب وافر من كل خير، على تفاضلهم رضي الله عنهم.
وقد كان لعمر رضي الله عنه من الفضائل الجامعة، منها الفِراسة والتحديثُ والقوة في الله والشجاعة وسائر خصال الإيمان والإحسان، ما أهَّلَه لتزكية فريدةٍ زكاه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد روى الترمذي والإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب".
وإذا كانت الرؤيا الصادقة جزءاً من ستة وأربعين جزءا من النبوءة، فإن الفراسة والمكاشفة وانفتاح عين القلب أقوى وأجلى لكونها مظاهر للمِنَح التي يخُص الله بها أولياءه يتصرفون فيها يقظة وبإرادة. فإن انضافت إلى هذه المنح القلبية التي هي من قبيل الكرامة وخرق العادة ما خص الله عز وجل به الخلفاء الراشدين من منح الرجولة الإيمانية والكمال الخلقي والعقل والمروءة والحكمة والرحمة وحسن السياسة بقوة وأمانة وحفظ وصيانة عرفنا مواصفات المرشحين في غد الإسلام للخلافة الثانية. لا نظن أنه يكون "لثورة إسلامية" مَا أي معنى من معاني الخلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن لم تكن الربانية الجامعة لما شاء الله من أجزاء النبوة سمةً بارزة في دعوة الخلافة، وتربيتها، وفراسة رجالها.
لا أعني أن يعتمد المجاهدون من رجال الدعوة على شيء من الفراسة والرؤيا والمكاشفة اعتمادا يَحُلُّ محل الطرائق الشرعية لاكتشاف الحقائق واتخاذ القرارات. فذلك خروج عن جادة السنة إلى هوامش الخرافية والضلال. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو النبي فعلا وكمالا، وكان خلفاؤه الراشدون المتفرِّسون الربانيون، ومنهم عمر المحَدَّث بشهادة النص النبوي، يطرحون المسائل للمشاورة والأخذ والرد والمراجعة والرجوع آخر الأمر إلى الله ورسوله، وإلى ظاهر الشرع.
أعني أن الخلافة الثانية على منهاج النبوة لابد أن تظهر فيها خصائص الربانية التي عُمومُها ومضمُونُها وسياجُها السنة المطهرة الكاملة، من جملة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين الأولين ظهورُ الكرامة والفراسة في مكانها ومرتبتها من الواقع لا تعدوه. فإن تعدى أحد بالفراسة حدود الشرع والسنة فقد خَرَقَ في دينه خَرْقا، ومزَق مزْقاً.
الفراسة مثل الاجتهاد العقلي تُخطئ وتصيب، ما هنالك معصوم سوى النبيئين. فالعاصم من الخطإ والتيه الشرعُ.
هذا. وإن الفراسة الربانية لَدَلالَةٌ وتقويَة لجناب الخلافة بما هي توفيق من الله وتزكية وبركة. روى البيهقي أن عليا بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "ما كنا نُبعِد أنَّ السكينة تنطق على لسان عمر". وقال عبد الله بن عمر: "ما كان عمر يقول في شيء: "إني لأراه كذا إلا كان كما قال". وقال قيس بن طارق: "كنا نتحدث أن عمرَ ينطق على لسانه ملَكٌ". وقال عمر رضي الله عنه يوصي مَن بعده: "اقتربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون، فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن سرد هذه المقالات: "وهذه الأمور الصادقة التي أخبر بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنها تتجلى للمطيعين هي الأمور التي يكشفها الله عز وجل لهم. فقد ثبت أن لأولياء الله مخاطبات ومكاشفات. وأفضل هؤلاء في هذه الأمة بعد أبي بكر عمر رضي الله عنهما"[2].
رأى عمر رضي الله عنه قوما من مَذْحِج فيهم الأشترُ. فصعَّد فيه النظر وصوَّب، ثم قال: قاتَلَهُ الله! إني لأرى للمسلمين منه يوما عصيبا! فكان ذلك كما قال رضي الله عنه: ورُوِيَ عن رجل قال: دخلت على عثمان رضي الله عنه، وكنت رأيت في الطريق امرأةً تأَمَّلْتُ محاسِنَها، فقال عثمان رضي الله عنه: "يدخل علي أحدكم وآثار الزنا ظاهرة على عينه! "فقلت: أوحيٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا! ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة. وقال الإمام علي كرم الله وجهه لأهل الكوفة: "سينزل بكم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستغيثون بكم فلا يُغاثون". فكان منهم في شأن الحسين رضي الله عنه ما كان.
إن أخبار الفِراسة وقراءة الضمير في دواوين الأولياء كالمطر لا تحصى. وما الإخبار عن المكونات بالشأن العظيم الذي تحتفل به الرجال. وأَيَّ شيء حصَّلْتَ إن نصَبتَ عين قلبك منصب المتفرِّج العاطل ألهاه منظر الخيل على باب الملك وتأمَّل زينتها وعيوبها عن طلبِ مقابلة الملك! مثلٌ يضرب لأبناء الدنيا المعظمين للملوك.
وكان لأكابر الدين من غير الأولياء الصوفية فراسات، أشهرهم في ذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه. وكان لسَعَةِ أُفقِه قد طلب كتب "علم الفراسة" وهو من علوم العرب يستدلون بنعوت الخِلقة في الإنسان والحيوان على أخلاقها. وهو "علم" يتلقاه الحاذق الماهر جيلا بعد جيل مما حصلته تجارب الأمم، ليس من الفراسة القلبية الربانية في شيء. وهو علم "محايد" لا حظَّ للكشف الشيطاني منه. وقد وردت أخبار عن استعمال الشافعي للفراسة المتعلَّمة من الكتب لا حاجة لنا بها.
وللإمام الشافعي رضي الله عنه فِراسات قلبية ساطعة. فإنه على فراش الموت أخبر بما يؤول إليه أكابر تلامذته مثل الربيع بن سليمان والبوطي والمزني وغيرهم. فكان من بعدُ كما أخبر رضي الله عنه.
قال الإمام عبد القادر قدس الله سره العزيز: "لولا الصبر لما رأيتموني بينكم. قد جُعِلْتُ شباكا تصطاد الطيور. منْ ليل إلى ليل يفتح عن عيني، ويخلَّى عن رجلي. بالنهار مُغمض العينين ورجلي مشدودة في الشبكة. فَعلَ ذلك لمصلحتكم وأنتم لا تعرفون. لولا موافقة الحق عز وجل، وإلا فهل عاقل يقْعد في هذه البلدة ويعاشر أهلها! قد عمَّ فيها الرياء والنفاق والظلم وكثرة الشبهة والحرام. قد كثُر كفران نِعَم الحق عز وجل والاستعانة بها على الفسق والفجور. وقد كثُر العاجز في بيته المتقي في دكانه، الزنديق في شرابه الصديق على كرسيه. لولا الحكم لتكلمت بما في بيوتكم"[3].
وقال رضي الله عنه: "قلوب القوم صافية طاهرة ناسية للخلق، ذاكرة لله عز وجل. ناسية للدنيا ذاكرة للآخرة. ناسية لما عندكم ذاكرة لما عند الله عز وجل. أنتم محجوبون عنهم وعن جميع ما هم فيه. مشغولون بدنياكم عن أخراكم، تاركون للحياء من ربكم عز وجل، متواقحون عليه(...). سبحان من ألقى في قلبي نُصح الخلق وجعله أكبر همي! إني ناصح ولا أريد على ذلك جزاء. آخرتي قد حصلت لي عند ربي عز وجل، وما أنا بطالب دنيا. ما أنا عبد الدنيا ولا عبد الآخرة ولا ما سوى الحق عز وجل. ما أعبد إلا الخالق الواحد الأحد القديم. فرحي بفلاحكم، وغمّي لهلاككم. إذا رأيتُ وجه مريد صادق قد أفلح على يدي شبِعْتُ وارتويت واكتسيت وفرحت كيف خرج مثله على يدي!"[4].
قال متفرس معتبر بآيات الله الكونية:
ألـم تــر أن نسيـم الـصبــا لـهُ نفَـسٌ نـشــرُه صـاعـد
فطـوراً ينـوح وطـواراً يفــ ــوح كما يفعل الفاقِد الواجد
وسكْب الغمـام ونـوْح الحمـام إذا ما شكــا غصنُـه المـائـد
ونـورُ الصبـاح ونَـوْرُ الأَقـاحِ وقـد هـزّه الـبـارق الراعــد
ووافـى الربيـع بمعنىً بـديـع يـتـرجـمــه وَرْدُه الــوارد
وكـلٌّ لأجـلك مُـسْـتَـنْـبَــطٌ لما فيـه نـفـعــك يا جـاحـد
وكــل لآلائــه ذاكــر مقــرٌّ لـه شـاكــر حــامـد
وفـي كــل شـيء لـه آيــة تــدل عـلـى أنـه واحــد

وقال عاشق وامق لا يمل من ذكر حبيبه:
كــرِّرْ علـي فإني عـاشـق كَـلِـفٌ كَـرِّرْ عليَّ ففيـه المجـد والشـرف
جـرِّد علي سـيوف الشوق مُحتسِبا واقتل بهن فقتلي في الهـوى شرف

وقال فاقد واجد متقارب متباعد:
إذا قَرُبَتْ داري كَلِـفْـتُ وإن نأَتْ أسِفْـتُ فما للقرب أسلـو ولا البُعْـدِ
وإن وعدت زاد الهـوى بانتظـارها وإن بَخِلَتْ بالوعد مُتُّ من الوجْـد

وقلت:
بِنُــورِ اللّه نُـبْصِــر وأَرْض اللّه نَـعْـمُــرْ
نُجَـاهِدُ لا نُقَصِّــر وَفِي المَيدَانِ نَصْبِـرْ
مَقَـالَ الحَقِّ نُشْهِــر لِـواءَ العَـدْلِ نَنْشُــرْ




[1] الرسالة ص 106.
[2] الفرقان ص 52.
[3] الفتح الرباني ص 17.
[4] المصدر السابق ص 39.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:45 PM
علوم الأولياء
بسم الله الرحمن الرحيم. )الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق(. اللهم توفنا مع الأبرار، ولا تجعلنا في الأشرار، وقنا عذاب النار، وألحقنا بالأخيار.
حديث حارثة مشهور عند السادة الصوفية، يستأنسون به ويستشهدون على حصول علوم المكاشفة للمتقين. روى البزار عن أنس والطبراني عن الحارث بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل حارثة: "كيف أصبحت يا حارثة؟" قال: أصبحت مؤمنا حقا! قال صلى الله عليه وسلم: "انظُرْ إلى ما تقول! فإن لكل حق حقيقة. فما حقيقة إيمانك؟" قال: عزَفَتْ نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرُها ومدَرها. وسهرت ليلي وأظْمَأْتُ نهاري. وكأني أرى عرش ربي بارزا. وكأنِّي أرى أهل الجنة وهم يتزاورون فيها. وأهل النار يتضاغَوْن فيها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عبد نوَّر الله قلبَه! قد عرفت يا حارثة فالزم!".
ما عبر عنه الصحابي بقوله: "كأني أرى" جاء من بعده رجال صرّحوا وقالوا رأينا ونرى. ليس من الغريب أن يكرم الله بعض أحبابه بمطالعة ما يغيب عن الخلق عادة، لكن من الفتنة لبعض الناس أن يسمعوا ما لا يفهمون. الأصل أن يكشف لقلب الذاكر الصادق ما هنالك لقوله صلى الله عليه وسلم لحنظلة بن الربيع وأبي بكر الصديق: "لو كانت قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق". الحديث رواه مسلم والترمذي.
"إذا كان القلب معمورا بالتقوى انجلت له الأمور وانكشفت بخلاف القلب الخراب المظلم. قال حذيفة بن اليمان: "إن في قلب المومن سراجا يُزْهر(...). وكلما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور به، وعرف حقائقها من بواطلها، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف. وذلك مثل السراج القوي والسراج الضعيف في البيت المظلم"[1].
الأصل انكشاف الحقائق لقلب المومن الذاكر، لكن الفتنة في البَوْحِ بعلوم القلب، لأن الناس تتفاوت استعدادا للنور، وتتفاوت قوةَ إيمان. فينطق هذا مخبراً عن مبلَغ إدراكه الكشفي إلى الخَلِيِّ المظلم القلب الخراب فيكذِّب ويجادل. ويكتُب ذاك في مرحلة من مراحل سلوكه جازما في الحكم على مسألة، ثم يناقِضُ حكمَهُ الأول بعد أن تصفو مرآتُه ويقوى سراجُه تماما كما يحدث لعالم الظاهر يتغير اجتهاده حسب جمعه للأدلة وقدرته على الاستنباط.
والناظر في كتب السادة الصوفية أصحاب القلوب يرى خبر البوّاحين، وخبر الكاتمين لعلوم الولاية، لكنه لا يجد تناقضا عند الكُمَّل المتمكنين فيما يُبدون من علوم، حاشا الخطأ المحتمل الذي يطرأ على عين القلب كما يطرأ على عين العقل، إما في أصل الإدراك أو في التأويل.
كان الصحابة رضي الله عنهم أقوى وأرسخَ في العلم، قلَّما تجد عندهم عبارة ينبو عنها فهمُ عامة الناس. قال الإمام علي كرم الله وجهه: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يُكْذَب الله ورسولُه!". أخرجه البخاري. عليٌّ الإمام الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت أخي في الدنيا والآخرة". وقال له: "أنت مني بمنزلة هرون من موسى". كما رواه البخاري ومسلم. عليٌّ الإمام الذي تنتهي إليه وإلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما معظم أسانيد التربية الصوفية كان بحراً زخّارا بعلوم الولاية لكنه لا يبوح، ويوصي بالكتمان.
ويتناقل أهل العلم والصلاح الوصيّة بكتم علوم القلب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "الحال تعتري كثيرا من أهل المحبة والإرادة في جانب الحق وفي غير جانبه، وإن كان فيها نقص وخطأ فإنه يغيب بمحبوبه عن حبه وعن نفسه(...). وقد يقول في هذا الحال: أنا الحق! أو سبحاني! أو ما في الجبة إلا الله! وهو سكران(...)، وذلك السكر يطوَى ولا يُرْوَى"[2].
وقال شيخ الإسلام ابن القيم: "ومِن الغيرةِ الغيرةُ على دقيق العلم وما لا يدركه فهم السامع أن يذكر لَه. ولهذه الغيرة قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله! وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ما أنت بمحدِّثٍ قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة!(...). وسئل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن تفسير قوله تعالى: "الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن"، فقال للسائل: وما يُؤَمِّنُكَ أنّي إن أخبرتك بتفسيرها كفرت! فإنك تكذِّبُ بها، وتكذيبك بها كفرك بها"[3].
ولمخافة الفتنة حكم السيوطي مع كثير من العلماء بِحِرْمَة النظر في بعض كتب القوم لمن ليس مصقول القلب. قال بعد أن التمس العذر لما في بعض الكتب: "فلتُ ذلك صونا لك عن الوقيعة في أحد، وحفظاً للِّسان، لا رضىً بالنظر في الكتب المنسوبة إليه، ولا إذنا في قراءتها لكل أحد. ومعاذ الله أن آذن لأحد في ذلك. ثم لا آذن"[4].
نترك إلى فصل مقبل إن شاء الله علوم الحال التي يسكَرُ بها السالك حتى ينطق بما قاله ابن تيمية، ونأخذ مثالا من علوم المكاشفة لنفهم كيف تنشأ الفتنة ومِمَّ تنشأ.
قال الإمام الغزالي: "القلب قد يُتَصَور أن يحصل فيه حقيقة العالم وصورته، تارة من الحواس، وتارة من اللوح المحفوظ(...). فإذا للقلب بابان: باب مفتوح إلى عالم الملكوت وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة، وباب مفتوح إلى الحواس الخمس المتمسكة بعالم المُلك والشهادة"[5].
ويجيء ابن تيمية فينكر إنكارا شديدا ببيانه الصارم وحكمه القاطع أن اللوح المحفوظ لا يمكن أن يقرأ فيه قارئ. قال رحمه الله : "يقول بعض الشيوخ الذين يتكلمون باللوح المحفوظ على طريقة هؤلاء، إما عن معرفة بأن هذا قولهم، وإما عن متابعة منهم لمن قال هذا من شيوخهم الذين أخذوا ذلك عن الفلاسفة، كما يوجد في كلام ابن عربي وابن سبعين والشاذلي وغيرهم. يقولون إن العارف قد يطلع على اللوح المحفوظ، وأنه يعلم أسماء مريديه من اللوح المحفوظ، ونحو هذه الدعاوي التي مضمونها أنهم يعلمون ما في اللوح المحفوظ. وهذا باطل مخالف لدين المسلمين وغيرِهم من أتباع الرسل"[6].
غفر الله لنا ولابن تيمية ولمن يأخذ كلام أحد ما دون رسول الله صلى الله عليه وسلم مأخَذَ المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. لو قال: هذا لا أعرفه لكان أقرب إلى الحكمة بَدَل أن يعمم زاعما أن القول بعلم ما في اللوح المحفوظ ليس من دين المسلمين. يا لطيف!
كان الرجل صادقا، فرقاه الله عز وجل وفتح بصيرته كما فتح للعارفين حتى رأى هو نفسه اللوح المحفوظ في فترة لاحقة من حياته، وحتى قرأ فيه. قال تلميذه ابن القيم: "ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية أمورا عجيبة. وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم. ووقائع فراسته تستدعي سِفْرا ضَخما(...). أخبر الناس والأمراءَ سنة اثنتين وسبعمائة لمّا تحرَّك التتار وقصدوا الشام أن الدائرة والهزيمة عليهم، وأن الظفر والنصر للمسلمين. وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا. فيقال له: قل إن شاء الله! فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا! وسمعته يَقول ذلك. قال: فلما أكثروا عليَّ قلت: لا تُكثروا! كتب الله في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرة، وأن النصر لجيوش الإسلام. قال: وأطعمتُ بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو"[7].
قال ابن القيم: "وكانت الفراسة الجزئية في خلال هتين الواقعتين مثل المطر".
استَغْفِرِ الله يا صاح من متابعتك للعلماء في أخطائهم، يرجعون عنها وتبقى أنت في الظلام. استغفِرْه من متابعتك ابن تيمية وأمثاله في تكفير المسلمين والجزم بأن "هذا ليس من دين المسلمين"، يتوبون هم ويشفع لهم صدقُهم من حيث لا يشفع لك جهلُك وتقليدُك. هو ذاك شيخ الإسلام في خيمته، في عادته، في بشريته، في نسبيته لا يخرجه عنها فراسته وعلمه، يطعم الأمراء والعساكر طعام الفرح بما قرأه في اللوح المحفوظ، تلك القراءة التي كان ينفيها وينسب القائلين بها للزندقة ويرميهم خارج الملة. وأنت، أنت المقلد للرجال بعقل مرموس وقلب مطموس ما حظك من الله! قل لي! أنت مع الدليل والنص لا مع الله! وعلوم الأولياء لا دليل عليها مما تصل إليه يدك القاصرة وهمتك الفاترة. "القوم يشيرون إلى الكشف ومشاهدة الحقيقة. وهذا لا يمكن طلبه بالدليل أصلا. ولا يقال: ما الدليل على حصول هذا؟ وإنما يحصل بالسلوك في منازل السير وقطعها منزلة منزلة حتى يصل إلى المطلوب. فالمطلوب إليه بالسير لا بالاستدلال"[8].
قال الإمام أحمد الرفاعي: "الكشف قوة جاذبة بخاصيتها نورَ عين البصيرة إلى فضاء الغيب، فيتصل نورُها به اتّصالَ الشعاع بالزجاجة الصافية حال مقابلتها إلى فيضه. ثم ينصرف نورُه منعكسا بضوئه على صفاء القلب. ثم يترقى ساطعا إلى عالم العقل، فيتصل به اتصالا معنويا له أثر في استفاضة نور العقل على ساحة القلب فيشرف القلب على إنسان عين السِّرِّ، فيرى ما خفيَ عن الأبصار موضعُه، ودق عن الأفهام تصوُّرُه، واستتر عن الأغيار مرآه.
"أي سادة! إذا صلح القلب صار مَهْبِطَ الوحيِ والأسرار والأنوار والملائكة. وإذا فسد صار مهبط الظُّلَمِ والشياطين. إذا صلح القلب أخبر صاحبه بما وراءه وأمامه، ونبهه على أمور لم يكن ليعلمها بشيء دونه"[9].
وقال الإمام عبد القادر قدس الله سره: "إذا جاء الكشف من الله عز وجل، وثَبَتَّ بين يديه، صار أمرك ضياءً. إذا جاء نور قمر المعرفة كشف ظلمة ليلة القدر. فإذا طلعت شمس العلم بالله عز وجل زالت الأقذار والظلمة في الجملة. يتبين لك ما حولك وما هو بعيد عنك. يتبين لك ويتضح ما كان مشكلا عليك من قبل. يميَّزُ لك بين الخبيث والطيب، بين ما لغيرك وما لك. تفرق بين مراد الخلق ومراد الحق عز وجل.
"ترى باب الخلق وباب الحق عز وجل. فترى هنالك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فياكل القلب من طعام المشاهدة، ويشرب من شراب الأنس، ويُخْلَعُ عليه خِلعُ القبول. ثم يرد إلى الخلق لمصالحهم، وردِّهم من ضلالهم، وهجرِهم لربهم عز وجل، وعصيانهم له. يُرَدُّ مع الحصن الحصين، والحفظ الدائم، والسلامة الدائمة.
"يا من لا يعقل هذا أو لا يومن بهذا! أنت قِشر بلا لُب! خشبة مسندة! خشبة نخرة! تصلح للنار إلا أن تتوب وتومن وتصدق"[10].
قلت: إنَّ كشف الحجاب عن أسرار الله وكونه النوراني من ملائكة وأرواح وجنة ونار وأحوال الآخرة وعوالم السعادة ومشاهد السعداء حرام على القلوب المظلمة، قلوب أصحاب الرياضة من المشركين الذين يفتح عليهم من عالم الظلمة. أما عند كشف الغطاء في لحظة الموت، فالمائت يرى ما هنالك من مصير كما قال الله عز وجل: )لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ( (سورة ق، الآية: 22).
قال الشيخ عبد القادر: "ما من مؤمن إلا عند الموت يُكشف عن بصره، فيرى منزله في الجنة، يُشير إليه الحور العين والوِلدان، ويصل إليه من طيب الجنة فيطيب له الموتُ والسكرات. يفعل الحق عز وجل بهم كما فعل بآسية عليها السلام. ومنهم من يعلم بذلك قبل الموت وهم المقربون المفردون المرادون.
"ويلك يا معترضا على الحق عز وجل! لا تهذِ هذيانا فارغا! القضاء لا يرُّده راد، ولا يصدُّه صادٌّ. سلِّم وقد استرحت!(...). إذا تحقق لك الإيمان قدِّمت إلى باب الولاية، فحينئذٍ تصير من عباد الله المحققين لعبوديته. علامة الولي أن يكون موافقا لربه عز وجل في جميع أحواله. يصير كله موافقة من غير "لِمَ" و"كيف" مع أداء الأوامر والانتهاء عن المناهي"[11].
قال الإمام الشافعي في كتم العلم عن غير أهله:
سأكتم علمي عن ذوي الجهـل طاقتي ولا أنـثُــرَ الدَّرَّ الثمـين علـى الغَـنَـمْ
فـإن يسَّــر الله الكــريـم بـفـضـلـه وصـادفـت أهـلا للعلـوم ولِلْحِكَــمْ
بـثـثـت مفـيـدا واسـتـفـدت وِدادهم وإلا فـمـخــزون لـديَّ ومُـكـتَــتَــمْ
فمـن منـح الجهـال علمـا أضـاعـه ومـن منـع المسـتـوجـبيـن فقـد ظَـلَـمْ

وقال في رواية أخرى:
أأنثـرُ دُرّا بيْن سـارِحَـة البَهَـمْ وأنظِـم منثـورا لراعية الغَـنَـمْ!
لعمري لئن ضُيِّعت في شر بلدة فلستُ مُضِـيعاً فيهُم غُـرَرَ الكَلِمْ
لئـن سهـل الله العزيز بلطـفـه وصادفـت أهـلا للعلوم وللحِكم
بثثت مفيدا واستفـدت وِدادهم وإلا فمكـنــون لـديَّ ومُكـتـتـم
ومن منح الجهـال علما أضاعه ومن منـع المستوجبين فقـد ظلم

وقلت:
جِـئْتُ يَا رَبِّ لِبَابِكْ مَا لَنَا حَوْلٌ سِوَى بِـكْ
وطِئَـتْـنَا أَرْجُلُ القَـو مِ وَدَاسَتْنَـا السَّنَــابِكْ
فَانْصُــرِ اللَّهُمْ صَفّــاً أَقْبَلـُوا نَحْـوَ جَـنَــابِكْ




[1] ابن تيمية في "الفتاوي" ج 20 ص 45.
[2] الفتاوي ج 2 ص 397.
[3] روضة المحبين ص 306.
[4] تأييد الحقيقة العلية ص 17.
[5] الإحياء ج 3 ص 18.
[6]. الرد على المنطقيين ص 475.
[7] مدارج السالكين ج 2 ص 489.
[8] المصدر السابق ج 2 ص 347.
[9] البرهان المؤيد ص 102.
[10] الفتح الرباني ص 242.
[11] المصدر السابق ص 293.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:45 PM
الذوق

بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن. وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء(. اللهم عافنا واعف عنا.
أثبت القرآن الكريم أن المومن يعقل بقلبه في مثل قوله تعالى عن الكافرين: )أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا( (سورة الحج، الآية: 46). وأثبت أنه يسمع السمع الفطري بما به يعقل، وهو القلب، بدليل قوله تعالى: )أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ( (سورة يونس، الآية: 42). أضف إلى هذا ما كنا في تفصيله من حديث عن البصيرة وعين القلب. وأضِفْ حديث مسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا". بهذا نعلم أن القلب المفتوح له، قلب المومن المحسن الولي، حاسَّةٌ كاملة تسمع وتبصر وتذوق وتعقل بإدراك فوق طاقة الحواس وفوق طَوْر العقل.
وللمومن الراضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا بداية ذوقٍ منحه إياها مجرد الرضى والقَبول. ثم يتفاوت المومنون في ذوق الإيمان والإحسان على حسب حبهم لله ورسوله، وذكرهم، وصدقهم، وتجرُّدهِم القلبي من الدنيا، وإقبالهم بالكلية على الله عز وجل، "فلا يحبون شيئا إلا له، ولا يتوكلون إلا عليه، ولا يوالون إلا فيه، ولا يعادون إلا له، ولا يسألون إلا إياه، ولا يرجون إلا إياه، ولا يخافون إلا إياه، يعبدونه ويستغنون له وبه، بحيث يكونون عند الحق بلا خلق، وعند الخلق بلا هوى. قد فنيت عنهم إرادة ما سواه بإرادته، ومحبة ما سواه بمحبته، وخوفُ ما سواه بخوفه، ورجاء ما سواه برجائِه، ودعاء ما سواه بدعائه.
"هو أمر لا يعرفه بالذوق والوجد إلا من له نصيب"[1].
يُكثر شيخ الإسلام ابن تيمية، وأكثر منه ابن القيم، من استعمال لفظ "ذوق"، ومن حصوله للناس بتفاوت، ومن كون إنكار المنكرين لأحوال السالكين ومواجيدهم إنما سببُه عدم ذوقهم لما ذاقوا. وكلمة ذوق كلمة قرآنية حديثية اتخذها الصوفية رضي الله عنهم مصطلحا للإخبار الواسع عن مواجيدَ تتعمق كلما ارتقى السالك في عقبة السير. وذوق الواصلين إلى مراتب الأحوال السَّنِيَّة والتجلِيَّات الربانية يعبر عنه الأستاذ القشيري كما يلي: "من جملة ما يجري في كلامهم (الصوفية) الذوق والشرب. ويعبرون بذلك عما يجدونه من ثمرات التجلي ونتائج الكشوفات وبوادِر الواردات. وأول ذلك الذوق، ثم الشرب، ثم الري. فصفاء معاملاتهم يوجب لهم ذوق المعاني. ووفاء منازلاتهم يوجب لهم الشرب. ودوام مواصلاتهم يقتضي لهم الري.
"فصاحب الذوق متساكر، وصاحب الشرب سكران وصاحب الري صاح. ومن قوِيَ حِسُّهُ تَسَرْمَدَ في شربه"[2].
التجليات ومذاقاتها وشربها وريُّها معية إلهية "لا تدركها العبارة، ولا تنالها الصفة، وإنما تُعلم بالذوق. وهي مَزَلَّةُ أقدامٍ إن لم يصحب العبد فيها تمييزٌ بين القديم والمحدث، بين الرب والعبد، بين الخالق والمخلوق، بين العابد والمعبود(...). والمقصود أنه إن لم يكن مع العبد عقيدة صحيحة وإلا فإذا استولى عليه سلطان الذكر، وغاب بمذكوره عن ذكره وعن نفسه، ولج في باب الحلول والاتحاد ولابد"[3]. وهذا ما عبر عنه الصوفية بالسكر وما يؤثر من كلام سكارى السلوك من شطح، نرجع إلى ذلك في فصل مقبل إن شاء الله.
القلب المنوَّر شاهد عدل تقبل شهادته وفتواه. إنه بمثابة الأعضاء والجلود التي تشهد على أصحابها في الآخرة كما قال الله تعالى: )يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( (سورة النور، الآية: 24). القلب المفتوح له تجاوز العادة وخرقها وأصبح شأنا من شؤون الآخرة. لتجاوز قلبِ المومن الذائقِ طعمَ الإيمان العادةَ كان له الإشرافُ والإمارةُ على العقل القاصر المسجون في بيتِ العادة والحجاب عما وراء الحس. وكانت له الفتوى في الدقائق التي لا يدركها العقل ولا تنالها الحواس. القلب المومن يسمع ويرى ويذوق ما لطُف من المعاني والحقائق ويُدلي بشهادته.
جاء وابِصَةُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخطى الناس، فقال له: "اُدْنُ يا وابصة!" فدنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مست ركبتُه ركبتَه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا وابصةُ! أُخْبِرُ ما جئت تسألني عنه أو تسألني؟ فقال: "يا رسول الله! فأخبرني!" قال صلى الله عليه وسلم: "جئت تسألني عن البر والإثم؟" قال: نعم! فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعَه الثلاث، فجعل ينكُث بها في صدر وابصةَ ويقول: "يا وابصةُ! استفتِ نفسك. البر ما اطمأن إليه القلب، واطمأنت إليه النفس. والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس". رواه الإمام أحمد عن وابصة.
هذا مقام تصدر فيه القلب للفتوى، صدَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذِن لَه. أذن له أن يقول كلمته في فهم خاص لرجل في خصوصيات أخلاقه وإدراكه لعموميات البر والإثم. ولا يُستنتجُ من هذا الإذن الشريف أن لقَلبِ وابِصةَ أو لقلب غيره من الأمة أن يشرِّع حدود البر وتخوم الإثم من عنده. إنما يستنتج منه أن البر كما شرعه الله ورسوله، والإثم كما وضع الله عز وجل له حدودا ورسولُه، تطابِقُ معالمهما الفطرة السليمة، فيطمئن القلب السليم للبر، ويحوك الإثم في الصدور ويتردد فيها.
وللقلب فيما عدا الأمر والنهي مسرَح فسيح للتأمل. قال الإمام الغزالي: "فكم من معان دقيقة من أسرار القرآن تخطُر على قلب المتجردين للذكر والفكر، تخلو عنها كتب التفاسير، ولا يطلع عليها أفاضل المفسرين. وإذا انكشف ذلك للمريد المراقب وعرض للمفسرين استحسنوه، وعلموا أن ذلك من تنبيهات القلوب الزكيَّة، وألطاف الله تعالى بالهِمَم العالية المتوجهة إليه. وكذلك في علوم المكاشفة، وأسرار علوم المعاملة، ودقائق خواطر القلوب"[4].
يعني الصوفيةُ بالمعاملات معاملةَ العبد مع ربه في خصوصياتهم القلبية من خشوع وذكر ومناجاة وتوكل وخوف ورجاء. لا المعاملات الفقهية بين الناس التي حددها الشرع.
للقلب الذوق الأعلى وهو لذة العلوم الربانية. قال الإمام الغزالي: "لذة المعرفة أقوى من سائر اللذات، أعني لذة الشهوة والغضب ولذة سائر الحواس الخمس. فإن اللذاتِ مختلفة بالنوع (أعلاها لذة الرياسة). فلذةُ معرفة الله، ومطالعة جمال حضرة الربوبية، والنظرُ إلى أسرار الأمور الإلهية ألذ من الرياسة التي هي أعلى اللذات الغالبة على الخلق. وغاية العبارة عنه أن يقال :فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. وإنه أعدَّ لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وهذا الآن لا يعرفه إلاّ من ذاق اللذتين جميعا. فإنه لا محالة يوثرُ التبتلَ والتفردَ والفكر والذكر، وينغمس في بحار المعرفة، ويترك الرياسة"[5].
للقلب المنوّر أن يتمتع بانكشاف الأسرار وإشعاع الأنوار والالتذاذ بالمعرفة والانغماس في بحارها ما دام في "التبتل والتجرد والتفرد والفكر والذكر". لكن تصرفه في العالم يجب أن ينضبط بضابِط الشرع. العقل هو وزيره اللازم، وخفيرُه الملازم، وإلا تاه القلب في دوامة المواجيد بلا حدود ولا سدود.
رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدُ المكاشفين وسيد العالمين، استعمل طاقة القلب وإدراكه في مواطنَ مثل إخباره لوابصة بما يُضمر وابصةُ، لكنه سن للأمة التعامل بالحجة والبرهان والدليل صيانة لحقوق الله وحقوق العباد أن تطير بها العاطفة المجنَّحة في سماء الأوهام. قال صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض. فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله، فإنما أقطع له بقطعه من النار. فلا يأخذها". رواه الشيخان وأصحاب السنن عن أم سلمة رضي الله عنها، واتخذه الفقهاء أصلا لئلا يفتِيَ القاضي بعلمه واطلاعه، بل بالحجة تدحض الحجة، وبالشهادة يرجحها العقل. وما شاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين الناس بكشفه، ولا أن يقطع رأيا في أمور السلم والحرب دون الشورى.
وأجاد ابن القيم وأحسن، كعادته أحسن الله إليه، حين كتب: "اعلم أولا أن كل حال وذوق وشهود لا يشرق عليه نور العلم المؤيَّد بالدليل فهو من عيش النفس وحظوظها. فلو قُدِّر أن المتكلم إنما تكلم بلسان العلم المجرد، فلا ريب أن ما كشفه العلمُ الصحيح المؤيد بالحجة أنفع من حالٍ يخالف العلمَ والعلمُ يخالفه. وليس من الإنصاف رد العلم الصحيح بمجرد الذوق والحال. وهذا أصل الضلالة ومنه دخل الداخل على كثير من السالكين في تحكيم أذواقهم ومواجيدهم على العلم، فكانت فتنة في الأرض وفساد كبير.(...). فما زكّاه شاهد العلم فهو المقبول، وما جرَّحه شاهد العلم فهو المردود. وهذه وصية أرباب الاستقامة من مشايخ الطريق"[6].
وكتب الإمام حسن البنا نضر الله وجهه في أصوله العشرين تحذيرا من سكرة القلب، حديث الخبير: "وللإيمان الصادق والعبادة الصحيحة والمجاهدة نور وحلاوة يقذفها الله في قلب من يشاء من عباده. ولكن الإلهامَ والخواطرَ والرؤى والكشف ليست من أدلة الأحكام الشرعية. ولا تُعتبر إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه".
وقال الإمام الأعظم الشيخ عبد القادر قدس الله روحه: "يا غلام! ثمَّ أمور باطنة لا تنكشف إلا بعد الوصول إلى الحق عز وجل، والقيام على بابه، ولقاءِ المفردّين والنُوَّابِ، والوقوف هناك. إن صرت إلى باب الحق عز وجل، وأدمت الوقوف مع حسن الأدب والإطراق، فُتح الباب في وجه قلبك، وجذبه من جذب، وقرّبه من قرّب، ونوّمه من نوَّم، وزفَّه من زفّ، وكَحَّله من كَحَّل، وحلاّه من حلى، وفرّحه من فرّح، وآمنه من آمن، وحدثه من حدث، وكلمه من كلم. يا غافلين عن النعيم! أين أنتم! ما أبعد قلوبكم عن الأمر الذي أشير إليه! تظنون أن الأمر سهل، حتى يحصل لكم بالتصنع والتكلف والنفاق!
"يحتاج هذا الأمر إلى الصدق والصبر على مطارق القَدر. إذا كنت غنيا معافى مشغولا بمعصية الحق عز وجل فتبت عن جميع المعاصي والزلات ما ظهر منها وما بطن، وصرت في الصحاري وفي البراري، وطلبت وجه الله عز وجل، جاءك الاختبار، جاءتك البلايا. فتطلب نفسك ما كانت فيه من الدنيا والعافية. فلا تَقْبَل منها، ولا تعطها ذلك.
"فإن صبرت حصل لك ملك الدنيا والآخرة، وإن لم تصبر فاتك ذلك.
"يا تائب! اثبت، وأخلص، قرر مع نفسك انقلاب الأمر ومجيء البلايا. قرر معها أن الحق عز وجل يُسهر ليلها ويُظْمِئ نهارها، ويوقع بينها وبين الأهل والجيران والأصدقاء والمعارف، وأنه يوقع في قلوبهم المقت لها، وأنه لا يقربها أحد منهم ولا يدنو منها.
"أما سمعت قصة أيوب عيه السلام لما أراد الله عز وجل تحقيق محبته واصطفائه، وأن لا يبقى لغيره فيه حظ، كيف أفرده من ماله وأهله وولده وأتباعه، وأقعده في كوخ على مزبلة خارجا عن العمران.(...). انقطعت عنه الأسباب والحول والقُوى، وبقي أسير محبته وقدره وقدرته وإرادته وسابقته. كان أمرُه صبرا، ثم صار عيانا. كان الأول مرا، ثم صار الثاني حُلْوا. طاب له العيش في بلائه كما طاب لإبراهيم عليه السلام في ناره".
قلت: ذاك ابتلاء الله عز وجل لأوليائه في عهد الهروب إلى البراري والصحاري. أما في عهد الجهاد والقومة لإحياء الأمة وبناء وحدتها على منهاج الخلافة النبوية فابتلاء صفوة جند الله الربانيين يكون على صورة الابتلاء المحمدي الصحابي، وسط المجتمع وفي قلب الفتنة وعلى عينها وتحدِّيا لها. والصبر اللازم في السلوك الجهادي أشد لأن الفتنة أشد. لأن القابض على دينه وسط الفتنة كالقابض على الجمر، لا يبلُغ قيظُ أي صحراءَ يسبِّح فيها المتفردون توقُّدَ الفتنة المعاصرة التي يُدعى جند الله لمُغاضبتها ومقاطعتها وتذليلها. وإن للسالكين المجاهدين، من كانت له سابقة، لنعيما ما عرفه الهاربون بدينهم.
قال الإمام الشافعي يميز العلم الرباني عن الوسواس الشيطاني:
كل العلوم سـوى القـرآن مشغلـة إلا الحـديث وعلم الفقه في الدين
العلم ما كان فيه: قـال، حدثنـا وما سوى ذاك وسواس الشياطين

وقال محقق في العلم مدقق:
غمـوض الحـق حين يُذَبُّ عنه يـقـلل نـاصِـرَ الخـصـم المُـحِـقِّ
تضـل عن الدقـيـق فهـوم قـوم فـتـقـضي للمجِـلِّ علـى المـدِق

وقال ذاكر لربه منتظر وعد لقائه والنظر إليه:
ذكـرك لي مـؤنـس يعـارضني يعـدُني عنـك مِـنـك بالظَّـفَـر
فكيـف أنساك يا مَدَى هممي وأنـت مـني بمـوضع النـظـر!

وقال واجد هائم في بيداء الحب الالهي والهٌ:
إذا صـدَّ مـن أهـوى صددت عـن الصد وإن حال عن عهدي أقمتُ على العهـد
فمـا الوجـد إلا أن تـذوب مـن الـوَجـد وتـصـبـح في جَـهـدٍ يـزيـد على الجُهـد

وقال أبو العباس بن عطاء الصوفي:
أجلُّك أن أشكـو الهوى منك إنني أجلك أن تـومـي إلـيـك الأصـابـع
وأصْرِف طـرفي نحـو غيـرك عامدا على أنـه بالـرغـم نـحـوك راجـع

وقلت:
ذَاقَ طَعْمَ الإيمَانِ كُلُّ خَلِيـلٍ حَبَّ مِنْ قَلْبِـهِ وَليـاً مُحِـقّــاً
خُلَّةٌ يَسْـتَقِي بِهَا الخِلُّ حُبّــاً لِلإلــهِ ولِلرَّسُــولِ وَشَــوْقــاً
يَكْرَهُ الكُـفْــرَ أَنْ يَـعُــودَ إِلَيْهِ وَيَدُقُّ جَمَـاجِمَ الظُّلْـمِ دَقّــاً




[1] ابن تيمية في "الفتاوي" ج 10 ص 335.
[2] الرسالة ص 39.
[3] ابن القيم في "الوابل الصيب" ص 62.
[4] الإحياء ج 1 ص 63.
[5] المصدر السابق ص 265.
[6] طريق الهجرتين ص 421.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:46 PM
العارفون الواصلون
بسم الله الرحمن الرحيم. )توفني مسلما وألحقني بالصالحين(. اللهم إن كنت كتبتني في السعادة فأثبتني فيها. وإن كنت كتبتني في الشقاوة فامحني منها وأثبتني في السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب.
كلمتا "عرف" و "علم" وردتا في القرآن. ولم يستعمل الأولياء في الصدر الأول من الإسـلام إلا كلمة "عالم". ثم احتاج السالكـون الواصلون إلى الله عز وجل إلى كلمة تميز العالم بالله عن العالم بالأحكام والنصوص فاستعملوا كلمة "عارف". "علم" تدل على الاطلاع على أحوال الشيء المعلوم وصفاتِه كما تدل كلمة سمع على فعل خاص وهو إدراك الأصوات، وكما تدل كلمة رأى على إدراك المظهر الخارجي للشيء المرئي. كلمة "عرف" تتعلق بذات الشيء لا بأحواله وأوصافه وأفعاله ومظهره فقط، فهي تستغرق كل ذلك. عرفت زيدا أشمل من علمت أن زيدا كذا وفعل كذا، ومن رأيت زيداً وسمعت زيدا. على أن هذه المعرفة لزيد على شمولها وذاتيتهـا لا تعدو أن تكون عملية عقلية تعتمد الحس آخرَ المطاف.
معرفة الله عز وجل والوصول إليه عطاءٌ منه سبحانه مَحْضٌ لمن تقرب إليه جلت نِعَمُه حتى أحبَّه فكان سمعه وبصره ويده ورجله. عطاء يتنزل على القلب. عطاء لا يُكيَّف ومعرفة لا تُكيف. فالعقل السجين في عالم الكم والكيف والعلة والمعلول والفوق والتحت والزمان والمكان آلة فاشلة كل الفشل في هذا المضمار. وإن أطلَّ العقل من خلف سُجُفِ الغيب على ما ينعم به القلب من قرب مولاه عز وجل، ومشاهدته، والأنس به، والمعية معه، فاللسان الذي ينطق به ليعبر عن إطلالته ينطق خطأً. تعبير اللسان عن لمحات العقل المختلَسَة خطأ وعرضة للخطإ، حاشا قولَ المعصوم صلى الله عليه وسلم ونطقَه حين بلغ عن ربه "كنت سمعه وبصره ويده ورجله".
وقد تُسْعِف لغة المجاز والكناية والاستعارة اللسان ليعبر عن وجدان القلب ومعرفته لربه عز وجل.
علوم الأولياء المتعلقة بالأكوان وعالم الملكوت وكلِّ ما هو مخلوق يجوز للعقل أن يتكلم فيها باللسان العام ليقرب لأذهان السامعين والقارئين علم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. القنواتُ بين العقل والقلب في عالم الخلق مفتوحة. أما معرفة الحق جل وعلا فالفتح القلبي فرحةٌ للقلب ودهشة للعقل لا تنتهي.
نتقدم بشهادات لرجال الحديث المشاركين في علم السلوك والمعرفة قبل أن نحضُر مجالس أهل الفن أئمةِ العرفان رضي الله عنهم ورضوا عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "لفظ "الوصول" لفظ مُجْمَل، فإنه ما من سالك إلا وله غاية يصل إليها. وإذا قيل : وصل إلى الله، أو إلى توحيده، أو إلى معرفته، أو نحو ذلك، ففي ذلك من الأنواع المتنوعة والدرجات المتباينة ما لا يحصيه إلا الله تعالى"[1].
وقال شيخ الإسلام ابن القيم: "ومراد القوم بالاتصال والوصول اتصال العبد بربه ووصوله إليه. لا بمعنى اتصال ذات العبد بذات الرب كما تتصل الذاتانِ إحداهما بالأخرى، ولا بمعنى انضمام إحدى الذاتين إلى الأخرى والتصاقها بها. وإنما مرادهم بالوصول إزالة النفس والخَلْقِ من طريق السير إلى الله تعالى. ولا تتوهَّمْ سوى ذلك، فإنه عينُ المحال"[2].
وقال: "إن الوصول إلى البيت هو غاية الطريق، فإذا وصل فقد انقطعت طريقه، وانتهى سفره. وليس كذلك الوصول إلى الله. فإن العبد إذا وصل إلى الله جذَبه سيرُه، وقوي سفرُه. فعلامة الوصول إلى الله الجد في السير والاجتهاد في السفر.(...). بداية الأمر الطلب، وتوسطه السلوك، ونهايتُه الوصول"[3].
وذكر ابن تيمية رحمه الله مقامات العارفين فقال: "للمومنين العارفين بالله، المحبين له من مقامات القرب ومنازل اليقين ما لا تكاد تحيط به العبارة، ولا يعرفه حقَّ المعرفة إلا من أدركه وناله. والرب رب، والعبد عبد. ليس في ذاته شيء من مخلوقاته وليس في مخلوقاته شيء من ذاته"[4].
وعرّف ابن القيم أعلى الله مقامه العارف فقال: "العارف عندهم من عرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم صدقَ الله في معاملته، ثم أخلص له في قصوده ونياته، ثم انسلخ من أخلاقه الرديئة وآفاته، ثم تطهَّر من أوساخه وأدرانه ومخالفاته، ثم صبر على أحكام الله في نعمِه وبليّاتِه، ثم دعا إليه على بصيرة بدينه وآياته"[5].
وهذه مقالة له رحمه الله أكتبها عنه مرة بعد مرة يُبْرز فيها مرتبة العارف حتى لا يظن العاميُّ أن العارف عالم من العلماء الورّاقين. قال: "إن العارف صاحب ضياء الكشف أوسعُ بطانا وقلبا وأعظم إطلاقا بلا شك من صاحب العلم. ونسبته إليه كنسبة العالم إلى الجاهل"[6].
العارفون بالله صنف من الأولياء، أعلاهم مرتبة وأقربهم قربا وأضْوَأُهم قلبا. هم رحمة في العالمين يُشعون على الخلق من نور النبوة الذي ورثوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله رب العالمين رحمة للعالمين. قال ابن القيم: "جعل الله انبساطهم مع الخلق رحمة لهم، كما قال تعالى: )فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ( (سورة آل عمران، الآية: 159). فالرب سبحانه بسط هؤلاء مع خلقه، ليقتدِيَ بهم السالك، ويهتديَ بهم الحيران، ويُشفى بهم العليل، ويُستَضاءَ بنور هدايتهم ونصحهم ومعرفتهم في ظلمات دياجي الطبع والهوى. فالسالكون يقتدون بهم إذا سكتوا، وينتفعون بهم إذا نطقوا. فإن حركاتِهم وسكونَهم لمّا كانت بالله ولله وعلى أمر الله جذبت قلوب الصادقين إليهم"[7].
العارفون الكمّل الوارثون الخلفاء هم بقية الله في الأرض، صحبتهم هي مفتاح السلوك، وباب السير، وزاد السفر. "هم الصفوة من عباده (ألبسهم) ملابس العرفان، خصهم من بين عباده بخصائص الإحسان، فصارت ضمائرهم من مواهب الأنس مملوءة، ومرائي قلوبهم بنور القدس مجلوَّة. فتهيأت لقَبول الأمْداد القُدسيَّة، واستعدت لورود الأنوار العُلْوِيَّة، واتخذت من الأنفاس العطريَّة بالذكر جُلاّسا، وأقامت على الظاهر والباطن من التقوى حرّاسا، وأشعلت في ظُلَمِ البشريّة من اليقين نبْراساً، واستحقرت فوائد الدنيا ولذاتها، وأنكرت مصائد الهوى وتبعاتها، وامتطت غوارب الرَّغَبُوتِ والرَّهَبُوتِ، واستفرشت بعلو همتها بساط الملكوت، وامتدت إلى المعالي أعناقُها، وطَمَحَتْ إلى اللامع العلويِّ أحداقُها. واتخذت من الملإ الأعلى مُسامراً ومحاوراً، ومن النور الأعز الأقصى مزاورا ومُجاورا.
"أجساد أرضية بقلوب سماوية، وأشباح قد شبهت بأرواح عرشية. نفوسهم في منازل الخدمة سيارة، وأرواحهم في فضاء القرب طيارة. مذاهبهم في العبودية مشهورة، وأعلامهم في أقطار الأرض منشورة"[8].
العارفون بالله قرة عين الوجود، أحبهم الله عز وجل فعشقتهم الأكوان. قال الإمام الغزالي: "اعلم أن لكل ذرة في السماوات والأرض مع أرباب القلوب مناجاةً في السرِّ.وذلك مما لا ينحصر ولا يتناهى. فإنها كلمات تَسْتَمِدُّ من بحر كلام الله تعالى الذي لا نهاية له.(...). ثم إنها تتناجى بأسرار المُلْك والمَلَكوت، وإفشاء السرِّ لُؤْمٌ، بل صدور الأحرار قبور الأسرار"[9].
المعرفة شجرة نورانية لا شرقية ولا غربية. قال الإمام الرفاعي قدس الله سره العزيز: "عندي أن المعرفة كشجرة يغرسها ملِكٌ في بستانه، ثمينة جواهرُها، مثمرةٌ أغصانها، حُلوة ثمارها، طريفة أوراقها، رفيعة فروعها، نقية أرضها، عذب ماؤها، طيب أريجُها. صاحبها مشفق عليها لعزتها، مسرور بحسن زَهرتها. يدفع عنها الآفاتِ، ويمنع عنها البلياتِ. وكذلك شجرة المعرفة التي يغرسها الله تعالى في بستان قلب عبده المومن، فإنه يتعهدها بكرمه، ويرسل إليها كلّ ساعة سحائبَ المنة من خزائن الرحمة، فيُمطر عليها قطرات الكرامة، برَعْد القدرة، وبرق المشيئة، ليطهرها من غُبار رؤية العبوديّة. ثم يرسل عليها نسيم لَطائِفِ الرأفة من حُجُبِ العناية ليُتمَّ لها شرف الولاية بالصيانة والوقاية.
"فالعارف أبدا يطوف بسره تحت ظلالها، ويشم من رياحينها، ويقطع منها بمِنْجل الأدب ما فسد من ثمارها وحل فيها من الخبث والآفة. فإذا طال مُقام سرِّ العارف تحتها، ودام جَوَلانُه حولها، هاجَ أن يتلذذ بثمارها. فيمُد إليها يد الصفاء، ويجتني ثمارها بأنامل الحُرْمَة، ثم يأكلها بفم الاشتياق، حتى تغلبَه نار الاستغراق. فيضربُ يد الانبساط إلى بحر الوِداد، فيشرب منه شَربة يَسْكَر بها عن كل ما سوى الحقِّ سكرة لا يفيق منها إلا عند المعاينة. ثم يطير بجناح الهمة إلى ما لا تدركه أوهام الخلائق"[10].
ومثل الرفاعي رحمه الله المعرفة بشجرة لها أغصان ليخاطب فينا بلطائف التشبيه حسَّنا الخامد وطموحنا الراكد. قال: "مثل المعرفة كشجرة لها ستة أغصان. أصلها ثابت في أرض اليقين والتصديق، وفرعها قائم بالإيمان والتوحيد. فأول أغصانها الخوف والرجاء مقرونا بغصن الفكرة. والثاني الصدق والوفاء مقرونا بغصن الإخلاص. والثالث الخشية والبكاء مقرونا بغصن التقوى. والرابع القناعة والرضى مقرونا بغصن التوكل. والخامس التعظيم والحياء مقرونا بغصن السكينة. والسادس الاستقامة والوفاء مقرونا بغصن الود والمحبة.(...). ومن لم يكن له نور من سراج التوفيق، ولو جمع الكتب والأخبار والأحاديث كلها، لا يزداد إلا نفورا. كمثل الحمار يحمل أسفارا"[11]. قلت: التوفيق صُحبة الموفقين والسابقة عند رب العالمين.
وعن علم المعرفة يقول الولي الكامل الرفاعي: "أي سادة! علم المعرفة هو العلم بالله تعالى. وهو نور من أنوار ذي الجلال، وخصلة من أشرف الخصال. أكرم الله قلوب العقلاء، فزيّنها بحسن جماله، وعظيم شأنه، وخص به أهل ولايته ومحبته، وفضله على سائر العلوم. وأكثرُ الناس عن شرفه غافلون، وبلطائفه جاهلون، وعن عظيم خطره ساهون، وعن غوامض معانيه لاهون. فلا يدركه إلا أرباب القلوب الموفقون"[12].
للعارف أجنحة يطير بها في فضاء المعاملة والمعرفة. قال الإمام الرفاعي: "أي سادة ! للعارف أربعة أجنحة: الخوف والرجاء والمحبة والشوق. فلا هو بجناح الخوف يستريح من الهرب، ولا بجناح الرجاء يستريح من الطلب، ولا بجناح المحبة يستريح من الطرب، ولا بجناح الشوق يستريح من الشغَب.(...). عمَلُ العارف خالص للمولى، وقولُه مُستأنِس بالذكرى، وفكره بالأفق الأعلى. فمَّرةً يتفكر في نعم ربه، ومرة يجول حول سُرادِقات قدسه. فحينئذ يصير حرّا عبدا، عبدا حرّا، وغنيا فقيرا وفقيرا غنيا"[13].
العارف في غمرة الفرح والطرب بربه، جاءته التُّحَف والألطاف تَسْلِيةً له من وَعْثاء السفر، وطول الشقة، ومعاناة الأهوال. لاح لقلبه نور الله فهامت روحه حبا. قال الرفاعي: "يا هذا! لو أن العالم فريقان، فريق يروِّحني بمراوحَ من نَدٍّ، وفريق يقرض جسمي بمقارضَ من نار، لما ازداد هؤلاء عندي ولا نقص هؤلاء. أي بُنَيَّ! اعلم أن من عرف الله حق معرفته تلاشت همته تحت سرور وحدانيته. ولا شيء من العرش إلى الثرى أعظمُ من سرور العارف بربه. والجنة بكل ما فيها في جنب سروره بربه أصغرُ من خردلة لما علم أنه أكبر من كل كبير وأعظم من كل عظيم.
"فمن وجده فأي شيء لا يجد! وبأي شيء يشتغل بعده! وهل رؤية غيره إلا من خساسة النفس، ودناءة الهمة، وقلة المعرفة به! وهل يكون لباس أجمل من لباس الإسلام، أو تاج أجلَّ من تاج المعرفة، أو بساط أشرف من بسـاط الطاعة؟"[14].
قلت: جاءتك أخبار الرحلة المجيدة، والكرامة الفريدة، على لسان أولياء الله. كابدوا أهوال الخوف من تصرّم العمر دون الحصول على ما حصل عليه الرجال، وتنسموا نسائم الرجاء في لحظات المناجاة، واستغرقوا في ذكر الله، يبكون على الله، حتى امتدت إليهم يد التوفيق فصحبوا الموفق ووُلِدُوا الميلاد القلبي. لا تجيء المعرفة بالتمني والتغني يا غلام!
قال متنسم لشذى التجليات الإلهية:
يحدثنـي النسيم عن الخُـزامَى ويقـرئنـي عن الشِّيـحِ السـلامـا
فهِمْتُ بما فَهِمْتُ وطبتُ وَجدا فمـا أحـلاه لي لـو كـان دامـا!
ويسـري تحت جُنح الليل سرا فيوقـظـني وقد هجـع النَّـدامَى
وأسكـرني شـذاها حـين هبـت كـأنّـي قـد تـرشَّـفْـتُ المُـدامـا
يعـارضـني بأنـفـاسٍ مـراض كأنفـاسي وقـد ملِـئـت غـرامـا
وقد عُـرِفَتْ بطـيب العَـرْف لما كسـاها اللُّطـفُ أخـلاقـا كِرامـا
أهـيـم بنشـرها طـربا ووجـدا فيبْدي البرقُ عن طربي ابتساما
تمر على الريـاض بأرض نَجـد فتنعطف الغصون لها احتشامـا
يقـلِّقُـنـي حمـام الأيـكِ نَـوْحـاً ويُـذْكـرنـي المنـازلَ والخيـامـا
خيـامٌ تجمـع الأحـبـابَ فيها وفيهـا يـبـلـغ القـلـب المَـرامـا
تجـلّـى وجـه مـن أهـواه فيها بـومـضَـة نـوره يجلو الظـلامـا

وقلت:
رَبَّـاهُ مَنَحْتَ القَـوْمَ هُـدًى وَسَنَـاءً وَتُقـىً في الصَّـدْرِ
وَتَوَلَّـيْتَ رِجــالاً وَصَلُــوا عَتَبَـاتِ القُــرْبِ والنَّـصْــرِ
رَبَّــاهُ فَــأَلحِـقْـنِــي بِـهِــم لِمَقَـامٍ يَتَضَــوَّعُ بِالعِـطْــرِ




[1] الفتاوي ج 11 ص 389.
[2] مدارج السالكين ج 3 ص 150.
[3] المصدر السابق ص 316.
[4] الفتاوي ج 11 ص 74.
[5] مدارج السالكين ج 3 ص 337.
[6] المصدر السابق ج 2 ص 420.
[7] المصدر السابق ج 3 ص 301.
[8] السهر وردي في "عوارف المعارف" ج1 ص 184.
[9] الإحياء ج4 ص214.
[10] حالة أهل الحقيقة مع الله ص 26.
[11] المصدر السابق ص 72-73.
[12] المصدر السابق ص 68.
[13] المصدر السابق ص 39.
[14] المصدر السابق ص 110.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:46 PM
مشاهدة الله عز وجل
بسم الله الرحمن الرحيم. )إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش(. اللهم إني غليظ فليني، وشحيح فسخني، وضعيف فقوني.
رؤيا الله عز وجل في المنام أعظم وأفخم بشارة يتلقاها المومن مع رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي نموذج للرؤية الحقيقية في الآخرة يتنعم المومنون والمومنات بالنظر إلى وجهه الكريم كما جاء في قوله تعالى: )وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ( (سورة القيامة، الآية: 23). وكما جاء في أحاديث صحيحة منها قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخَل أهل الجنة الجنة يقول تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّضْ وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشفُ الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى. ثم تلا هذه الآية: )لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ( (سورة يونس، الآية: 26). أخرجه مسلم والترمذي عن صهيب الرومي.
واختلفت أمُّنا عائشة رضي الله عنها مع سيدنا عبد الله بن عباس في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّه ليلة المعراج. فابن عباس حَبر الأمة وعالِمها، يتبعه في ذلك أكثر علماء السنة، يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه تلك الليلة، وتُنكر ذلك أشدَّ الإنكار أمنا عائشة ويتبعها طائفة من العلماء. وتقول لمسروق بن الأجدع: "من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب". الحديث رواه الشيخان والترمذي.
لأولياء الله في الدنيا رؤية قلبية تسمى مشاهدة، هي عربون معجل ونموذج لرؤيته في الآخرة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عياناً، وأن أحدا لا يراه في الدنيا بعينه. لكن يُرى في المنام، ويحصل للقلوب من المكاشفات والمشاهدات ما يناسب حالها،ومن الناس من تقوى مشاهدةُ قلبه حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه وهو غالط. ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد ومعرفته في صورة مثالية"[1].
خالفَ المعتزلة جمهور العلماء فزعموا أن رؤية الله بالأبصار مستحيلة كما زعم ذلك الجهم بن صفوان وأتباعه المعطِّلَةُ. واستدل المعتزلة على رأيهم المخالف للحديث الصحيح ولإجماع علماء السنة بأدلة منها أن المرئيَّ بالبصر لابد أن يكون جسما وذلك في حق الله مستحيل، وأن قول الله تعالى: )لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ( (سورة الأنعام، الآية: 103) حجة حاسمة، وأن قوله لموسى: ) لَن تَرَانِي( (سورة الأعراف، الآية: 143) نفي يستغرق المستقبل دنيا وأخرى. وأولوا قول الله تعالى: ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ( (سورة القيامة، الآيتان: 21-22) بأنها من الانتظار لا من النظر.
رأي الإمام أحمد وأهل الحديث أن الله عز وجل يرى في الآخرة بالبصر كما جاء بذلك الحديث، وأن الكلام في الموضوع بدعة، وأن الجدل فيه مرفوض.
وندد الأشعري برأي المعتزلة، وأثبت الرؤية محتجا بالنصوص ومستظهرا بالنظر العقلي الذي يثبت أن كل موجود يمكن أن يرى، وجوده هو الشرط لا جسميته، والله عز وجل موجود.
أما المشايخ الصوفية فاتفاقهم على رؤية الله في الآخرة بالأبصار ورؤياه في المنام في الدنيا ومشاهدته القلبية إجماعي.
ويستأنس العارفون بالمأثور عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حين قال لابن الزبير وقد خطب إليه ابنته عند الكعبة: "أتحدثني عن النساء ونحن نتراأى الله في طوافنا!". قال ابن تيمية معلقا على كلمة ابن عمر: "ذلك إنما يتعلق بالمثال العلمي المشهود"[2].
للنظر إلى وجه الله عز وجل في الآخرة ولمشاهدته القلبية في الدنيا لذة هي أعظم النعيم وأفخمه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "كمال النعيم في الدار الآخرة به سبحانه برؤيته، وسماع كلامه، وقربه ورضوانه. لا كما يزعم من يزعم أنه لا لذة في الآخرة إلا بالمخلوق من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح. بل اللذة والنعيم التام في حظهم من الخالق تعالى أعظمُ مما يخطر على البال أو يدور بالخيال. وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم في صحيحيهما: "وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مُضِرَّة ولا فتنة مُضِلة"[3].
لا سبيل للدخول مع العارفين المشاهدين في تجلياتهم لمن لم تصف مرآته. فلا يبقى بيدنا إلا أن نستمتع بمشهد النظر في الآخرة كما رواه الشاهد الصادق صلى الله عليه وسلم، ثم نستمع لشهادة العارفين، فنقيسُ ونسأل الله أن يلحقنا بالصالحين دنيا وأخرى.
روى أبو يعلى باختصار بإسناد رجاله رجال الصحيح، وروى الدارقطني بإسناد رجاله ثقات عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المشهد الجليل، قال صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل عليه السلام وفي كفه مثل المرآة البيضاء يَحملها، فيها كالنُّكتَةِ السوداء. فقلت: ما هذه التي في يدك يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة. قلت وما الجمعة؟ قال: لكم فيها خير. قلت: وما يكون لنا فيها؟ قال: تكون عيدا لك ولقومك من بعدك، وتكون اليهود والنصارى تبعاً لكم. قلت: وما لنا فيها؟ قال: لكم فيها ساعةٌ لا يسأل اللهَ عبدُه فيها شيئا هو له قَسْمٌ إلا أعطاه إياه، وليس له بقَسْمٍ إلا ادُّخِر له في آخرته ما هو أعظمُ منه. قلت: ما هذه النكتة التي فيها؟ قال: هي الساعة، ونحن ندعوه يوم المزيد. قلت: وما ذاك يا جبريل؟ قال: إن ربك أعد في الجنة واديا فيه كُثبانٌ من مسك أبيض. فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين عز وجل على كرسيه، فيحُف الكرسيَّ بكراسيَّ من نور، فيجيء النبيئون حتى يجلسوا على تلك الكراسي، ويحف الكرسيَّ بمنابر من نور ومن ذهب مكلَّلة بالجوهر، ثم يجيء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا على تلك المنابر، ثم ينزل أهل الغُرف من غرفهم حتى يجلسوا على تلك الكثبان.
"ثم يتجلى لهم عز وجل فيقول: أنا الذي صَدَقْتُكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي! وهذا محل كرامتي فسلوني!
"فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، فيفتح لهم في ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وذلك مقدار مُنْصَرَفِكُمْ من الجمعة. ثم يرتفع على كرسيه عز وجل، وترتفع معه النبيئون والصديقون والشهداء. ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم، وهي لؤلؤة بيضاء، وزُمُرُّدَة خضراء، وياقوتة حمراء، غرفها وأبوابُها منها. وأنهارها مطَّرِدَةٌ فيها. وأزواجها وخدّامها. وثمارها متدلياتٌ فيها.
"فليسوا إلى شيء بأحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا منه نظرا إلى ربهم عز وجل ويزدادوا منه كرامة".
هذه بُحبوبة النعيم، يوم يدعى أحباب الله إلى كثبان النظر ومنابره وكراسيه. يومئذ تظهر فضيلة الصديقية والشهادة، جنبا إلى جنب يصطف الصديقون والشهداء مع النبيئين والمرسلين. طوبى لمن قسم الله لهم الحسنى وزيارة! اللهم اجعلنا منهم كرما ومنا.
نعيم لا يوصف قَرَّبَتْهُ لمداركنا الدنيوية تحبيبا وتشويقا ترجمةُ القوى الأمين جبريل عليه السلام في حواره المربي لنا مع عروس ذلك المشهد تاج النبيئين محمد صلى الله عليه وسلم. وللأولياء منذ هذه الدار، كلٌّ بحسب مقامه، ذوق قلبي لذلك النعيم الفخيم.
من الأولياء من يتجلى الله عز وجل لقلبه في الصور الحسية والمثالية المدركة، ومنهم من يتجلى لهم في المعنى الذي لا يدركه الحس ولا الخيال، ومنهم من يشهده به سبحانه لا بنفسه. وهذه هي المرتبة العظمى. مراتب ثلاث: علم اليقين، ثم عين اليقين، ثم حق اليقين.
قال الإمام أحمد السرهندي مجدد الطريقة، ومحيي الملة في ربوع الهند على رأس الألف الهجرية: "التجليات الكائنة في الصور الحسية والمثالية، وكذلك التجليات الكائنة في حجب الأنوار، داخلة في علم اليقين في أيِّ صورة كانت، وأيِّ نور كان. وسواء كان النور مكيفا أو ملونا أو متناهيا أو لا، محيطا كان بالكائنات أو لا.(...)
"وعين اليقين عبارة عن شهود الحق سبحانه بعد أن كان معلوما بالعلم اليقين. وهذا الشهود مستلزِم لفناء السالك. وعند غلبة الشهود يكون تعيُّنه متلاشيا بالكلية، ولا يبقى أثر منه في عين شهوده، ويكون فانيا ومُسْتَهْلَكا في الشهود(...)
"وحق اليقين عبارة عن شهوده سبحانه بعد ارتفاع التعيُّن، واضمحلال المتعيِّن. وشهوده هذا للحق بالحق سبحانه لا به. لا يحمل عطايا الملك إلا مطاياه! وذلك يُتصور في البقاء بالله الذي هو مقام "بي يسمع وبي يبصر" الذي يَهَبُ الحق سبحانه فيه للسالك وجودا من عنده بمحض عنايته بعد تحققه بالفناء المطلق الذي هو الفناء في ذاته وصفاته سبحانه وتعالى. ويُخرجه من السكر والغيبة إلى الصحو والإفاقة. ويقال لهذا الوجود "الوجود الموهوب الحقاني""[4].
قلت مع الإمام الرباني: ما للتراب ورب الأرباب! إلا أن يجودَ على عبده، في سابقة علمه، بالوعد المُنجز أن يكلمه ويجمله ويتقبله مع الذين أنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ذلك الفضل من الله. وكفى بالله عليما.
لكن هذا المخلوقَ الترابيَّ منه ما لا يتحرك إن سمع بأن الفرسان اشتدت في الطلب في ميدانٍ رهانُه فضلُ الله، وكرامة الله، وولاية الله.علامة خسران التراب الخاسر أن لا تحدثه نفسه ساعة من عمره أن ينهض ليتكفف من ربه عز وجل بالذلة والضراعة والرغبة والإرادة والصحبة والذكر والصبر والطاعة والاستقامة على الكتاب والسنة ميلادا جديدا، ووجودا موهوبا، وقلبا منوّرا، وكرسيا من تلك الكراسي ومنبراً.
قال الإمام عبد القادر قدس الله سره: "قيل لبعض الصالحين. هل رأيت ربَّك؟ فقال لو لم أره لتقطعتُ مكاني! إن قال قائل كيف تراه؟ فأقول: إذا خرج الخلق من قلب العبد، ولم يبق فيه سوى الحق عز وجل، يريه ويقربه كما يشاء. يُريه باطنا كما أرى غيره ظاهرا. يريه كما أرى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم نفسَهُ ليلةَ المعراج.كما يُرِي هذا العبد نفسه. ويقربه ويحدثه مناما. فقد يحدث قلبه يقظة. يغمض عيني وجوده (قلت: ويعطيه الوجود الموهوب).
"ويعطيه معنى آخر فيراه به. يرى قربه. يرى صفاته. يرى كراماته وفضله وإحسانه واللطف به. يرى بره وكَنَفَه.
"من تحققت عبوديته ومعرفته لا يقول أرني ولا تُرني! ولا أعطني ولا تعطني! يصير فانيا مُسْتَغْرَقاً. ولهذا كان يقول بعض من وصل إلى هذا المقام: إيشْ عليَّ مني! ما أحسن ما قال! (معنى قوله): أنا عبده، وليس للعبد مع سيده اختيار ولا إرادة.
"اشترى رجل مملوكا. وكان ذلك المملوك من أهل الدين والصلاح. قال له: يا مملوك إيش تريد أن تأكل؟ فقال: ما تطعمني! فقال له: ما الذي تريد أن تلبس؟ فقال: ما تُلْبسني! فقال له :أين تريد تقعد من داري؟ فقال: موضعَ ما تريد تُقْعِدُني! فقال: ما الذي تحب أن تعمل من الأشغال؟ فقال: ما تامرني! فبكى الرجل وقال: طوبى لي لو كنت مع ربي عز وجل كما أنت معي! فقال له المملوك: يا سيدي! وهل للعبد مع سيده إرادة أو اختيار! فقال له: أنت حر لوجه الله. وأريد أن تقعد عندي حتى أخدمك بنفسي ومالي.
"كل من عرف الله عز وجل لا يبقى له إرادة ولا اختيار، ويقول: إيش عليَّ مني! لا تزاحم القدر في أموره ولا في أمور غيره. آحاد أفراد من عباد الله عز وجل يزهدون في الخلق، ويستأنسون بالخلوات. يستأنسون بتلاوة القرآن، وبقراءة كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. فلا جرم تصير لهم قلوب مستأنسة بالحق، قريبة منه يرون بها نفوسهم ونفوس غيرهم. تصح قلوبهم فلا يخفى عليهم شيء مما أنتم عليه. يتكلمون على خواطركم، ويخبرونكم بما في بيوتكم.
"ويحك! كن عاقلا! لا تزاحم القوم بجهلك! بعدُ ما خرجت من الكُتَّاب صعدت تتكلم على الناس! هذا أمر يحتاج إلى إحكام الظاهر وإحكام الباطن. ثم الغنى عن الكل. ثم يحتاج أن تقع في ضرورتين: الأولى أن لا يبقى في بلدتك غيرُك فتتكلم على الناس ضرورةً، والأخرى أن تُؤْمر بالكلام من حيث قلبُك، فحينئذ ترقى إلى هذا المقام لترد الخلق إلى الخالق.
"ويلك! تدعي أنك صوفي وأنت كَدِر! الصوفي من صفا ظاهره وباطنه بمتابعة كتاب الله عز وجل وسنة رسوله. فكلما ازداد صفاؤه خرج من بحر وجوده، ويترك إرادته واختياره ومشيئته من صفاء قلب. أساس الخير متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله. كلما صفا قلب العبد رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بشيء وينهاه عن شيء. يصير كله قلبا وتنعزل بِنْيته. يصير سرّا بلا جَهر، صفاءً بلا كدر. يتنحى عنه قِشْر ظاهره إلى ناحية، ويبقى لبا بلا قشر. يصير مع النبي صلى الله عليه وسلم من حيث معناه. يتربى قلبه معه وبين يديه. يصير يدُه في يده"[5].
قلت: إن ترك الاختيار والإرادة علامة نزول السكينة على من صفا قلبه. أما قبل أن تعرف ما اسمك في الملكوت الأعلى فما أقعدك عن الطلب وعن الاستماتة فيه، وعن هجر الرقاد والتقزز من الحياة!
أنشد حائر في معرفة ربه عز وجل، قال:
أجيـروني فإني قد وَحَلـتُ وفي نفـي وإثـبـات حصلـتُ
أنزه خالقي عن ذا وعن ذا وأعرفه وليسَ كمن جهلـت

وقال واصل يتملّى قلبُه جمال التجلي الإلهي:
يا قلـب بشـراك أيـام الرضى رجعـت وهـذه الـدار بالأحبـاب قَـد جَـمَـعَـتْ
أما تـرى نفـحـات الحي قـد طـلـعـت أنفـاسُهـا وبـروق القـُـرب قـد لمـعـت
فعـش هنـيّـاً بـوصــلٍ غـيـرِ منفـصـل معْ من تحب وحُجْب الهجر قد رُفِعَـتْ
وانظـر جمـال الذي من أجـل رؤيـتــه قـلـوب عشــاقـه في حبـه انـصـدعـت

وقلت:
يَا قَلــبِ بُشْــرَى فالَّـذِي تَرْجُـوه جَــادَ بِهِ العَطَــاءْ
ذََهَـبَ الظَّــلاَمُ وَنَوَّرَتْ جَنَبَـاتُ أَرْبُعِـنَـا الضِّيــاءْ
وَمَضَـتْ بُــروقُ القُــرْب فَالعِرْفَانُ جا والفَتْحُ جَـاءْ




[1] الفتاوي ج 2 ص 336-337.
[2] الفتاوي ج 5 ص 251.
[3] طريق الهجرتين ص 71.
[4] مكتوبات الإمام الرباني ج 1 ص 300-301.
[5] الفتح الرباني ص 254.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:46 PM
مشاهدة الله عز وجل
بسم الله الرحمن الرحيم. )إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش(. اللهم إني غليظ فليني، وشحيح فسخني، وضعيف فقوني.
رؤيا الله عز وجل في المنام أعظم وأفخم بشارة يتلقاها المومن مع رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي نموذج للرؤية الحقيقية في الآخرة يتنعم المومنون والمومنات بالنظر إلى وجهه الكريم كما جاء في قوله تعالى: )وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ( (سورة القيامة، الآية: 23). وكما جاء في أحاديث صحيحة منها قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخَل أهل الجنة الجنة يقول تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّضْ وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشفُ الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى. ثم تلا هذه الآية: )لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ( (سورة يونس، الآية: 26). أخرجه مسلم والترمذي عن صهيب الرومي.
واختلفت أمُّنا عائشة رضي الله عنها مع سيدنا عبد الله بن عباس في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّه ليلة المعراج. فابن عباس حَبر الأمة وعالِمها، يتبعه في ذلك أكثر علماء السنة، يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه تلك الليلة، وتُنكر ذلك أشدَّ الإنكار أمنا عائشة ويتبعها طائفة من العلماء. وتقول لمسروق بن الأجدع: "من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب". الحديث رواه الشيخان والترمذي.
لأولياء الله في الدنيا رؤية قلبية تسمى مشاهدة، هي عربون معجل ونموذج لرؤيته في الآخرة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عياناً، وأن أحدا لا يراه في الدنيا بعينه. لكن يُرى في المنام، ويحصل للقلوب من المكاشفات والمشاهدات ما يناسب حالها،ومن الناس من تقوى مشاهدةُ قلبه حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه وهو غالط. ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد ومعرفته في صورة مثالية"[1].
خالفَ المعتزلة جمهور العلماء فزعموا أن رؤية الله بالأبصار مستحيلة كما زعم ذلك الجهم بن صفوان وأتباعه المعطِّلَةُ. واستدل المعتزلة على رأيهم المخالف للحديث الصحيح ولإجماع علماء السنة بأدلة منها أن المرئيَّ بالبصر لابد أن يكون جسما وذلك في حق الله مستحيل، وأن قول الله تعالى: )لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ( (سورة الأنعام، الآية: 103) حجة حاسمة، وأن قوله لموسى: ) لَن تَرَانِي( (سورة الأعراف، الآية: 143) نفي يستغرق المستقبل دنيا وأخرى. وأولوا قول الله تعالى: ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ( (سورة القيامة، الآيتان: 21-22) بأنها من الانتظار لا من النظر.
رأي الإمام أحمد وأهل الحديث أن الله عز وجل يرى في الآخرة بالبصر كما جاء بذلك الحديث، وأن الكلام في الموضوع بدعة، وأن الجدل فيه مرفوض.
وندد الأشعري برأي المعتزلة، وأثبت الرؤية محتجا بالنصوص ومستظهرا بالنظر العقلي الذي يثبت أن كل موجود يمكن أن يرى، وجوده هو الشرط لا جسميته، والله عز وجل موجود.
أما المشايخ الصوفية فاتفاقهم على رؤية الله في الآخرة بالأبصار ورؤياه في المنام في الدنيا ومشاهدته القلبية إجماعي.
ويستأنس العارفون بالمأثور عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حين قال لابن الزبير وقد خطب إليه ابنته عند الكعبة: "أتحدثني عن النساء ونحن نتراأى الله في طوافنا!". قال ابن تيمية معلقا على كلمة ابن عمر: "ذلك إنما يتعلق بالمثال العلمي المشهود"[2].
للنظر إلى وجه الله عز وجل في الآخرة ولمشاهدته القلبية في الدنيا لذة هي أعظم النعيم وأفخمه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "كمال النعيم في الدار الآخرة به سبحانه برؤيته، وسماع كلامه، وقربه ورضوانه. لا كما يزعم من يزعم أنه لا لذة في الآخرة إلا بالمخلوق من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح. بل اللذة والنعيم التام في حظهم من الخالق تعالى أعظمُ مما يخطر على البال أو يدور بالخيال. وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم في صحيحيهما: "وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مُضِرَّة ولا فتنة مُضِلة"[3].
لا سبيل للدخول مع العارفين المشاهدين في تجلياتهم لمن لم تصف مرآته. فلا يبقى بيدنا إلا أن نستمتع بمشهد النظر في الآخرة كما رواه الشاهد الصادق صلى الله عليه وسلم، ثم نستمع لشهادة العارفين، فنقيسُ ونسأل الله أن يلحقنا بالصالحين دنيا وأخرى.
روى أبو يعلى باختصار بإسناد رجاله رجال الصحيح، وروى الدارقطني بإسناد رجاله ثقات عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المشهد الجليل، قال صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل عليه السلام وفي كفه مثل المرآة البيضاء يَحملها، فيها كالنُّكتَةِ السوداء. فقلت: ما هذه التي في يدك يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة. قلت وما الجمعة؟ قال: لكم فيها خير. قلت: وما يكون لنا فيها؟ قال: تكون عيدا لك ولقومك من بعدك، وتكون اليهود والنصارى تبعاً لكم. قلت: وما لنا فيها؟ قال: لكم فيها ساعةٌ لا يسأل اللهَ عبدُه فيها شيئا هو له قَسْمٌ إلا أعطاه إياه، وليس له بقَسْمٍ إلا ادُّخِر له في آخرته ما هو أعظمُ منه. قلت: ما هذه النكتة التي فيها؟ قال: هي الساعة، ونحن ندعوه يوم المزيد. قلت: وما ذاك يا جبريل؟ قال: إن ربك أعد في الجنة واديا فيه كُثبانٌ من مسك أبيض. فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين عز وجل على كرسيه، فيحُف الكرسيَّ بكراسيَّ من نور، فيجيء النبيئون حتى يجلسوا على تلك الكراسي، ويحف الكرسيَّ بمنابر من نور ومن ذهب مكلَّلة بالجوهر، ثم يجيء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا على تلك المنابر، ثم ينزل أهل الغُرف من غرفهم حتى يجلسوا على تلك الكثبان.
"ثم يتجلى لهم عز وجل فيقول: أنا الذي صَدَقْتُكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي! وهذا محل كرامتي فسلوني!
"فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، فيفتح لهم في ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وذلك مقدار مُنْصَرَفِكُمْ من الجمعة. ثم يرتفع على كرسيه عز وجل، وترتفع معه النبيئون والصديقون والشهداء. ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم، وهي لؤلؤة بيضاء، وزُمُرُّدَة خضراء، وياقوتة حمراء، غرفها وأبوابُها منها. وأنهارها مطَّرِدَةٌ فيها. وأزواجها وخدّامها. وثمارها متدلياتٌ فيها.
"فليسوا إلى شيء بأحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا منه نظرا إلى ربهم عز وجل ويزدادوا منه كرامة".
هذه بُحبوبة النعيم، يوم يدعى أحباب الله إلى كثبان النظر ومنابره وكراسيه. يومئذ تظهر فضيلة الصديقية والشهادة، جنبا إلى جنب يصطف الصديقون والشهداء مع النبيئين والمرسلين. طوبى لمن قسم الله لهم الحسنى وزيارة! اللهم اجعلنا منهم كرما ومنا.
نعيم لا يوصف قَرَّبَتْهُ لمداركنا الدنيوية تحبيبا وتشويقا ترجمةُ القوى الأمين جبريل عليه السلام في حواره المربي لنا مع عروس ذلك المشهد تاج النبيئين محمد صلى الله عليه وسلم. وللأولياء منذ هذه الدار، كلٌّ بحسب مقامه، ذوق قلبي لذلك النعيم الفخيم.
من الأولياء من يتجلى الله عز وجل لقلبه في الصور الحسية والمثالية المدركة، ومنهم من يتجلى لهم في المعنى الذي لا يدركه الحس ولا الخيال، ومنهم من يشهده به سبحانه لا بنفسه. وهذه هي المرتبة العظمى. مراتب ثلاث: علم اليقين، ثم عين اليقين، ثم حق اليقين.
قال الإمام أحمد السرهندي مجدد الطريقة، ومحيي الملة في ربوع الهند على رأس الألف الهجرية: "التجليات الكائنة في الصور الحسية والمثالية، وكذلك التجليات الكائنة في حجب الأنوار، داخلة في علم اليقين في أيِّ صورة كانت، وأيِّ نور كان. وسواء كان النور مكيفا أو ملونا أو متناهيا أو لا، محيطا كان بالكائنات أو لا.(...)
"وعين اليقين عبارة عن شهود الحق سبحانه بعد أن كان معلوما بالعلم اليقين. وهذا الشهود مستلزِم لفناء السالك. وعند غلبة الشهود يكون تعيُّنه متلاشيا بالكلية، ولا يبقى أثر منه في عين شهوده، ويكون فانيا ومُسْتَهْلَكا في الشهود(...)
"وحق اليقين عبارة عن شهوده سبحانه بعد ارتفاع التعيُّن، واضمحلال المتعيِّن. وشهوده هذا للحق بالحق سبحانه لا به. لا يحمل عطايا الملك إلا مطاياه! وذلك يُتصور في البقاء بالله الذي هو مقام "بي يسمع وبي يبصر" الذي يَهَبُ الحق سبحانه فيه للسالك وجودا من عنده بمحض عنايته بعد تحققه بالفناء المطلق الذي هو الفناء في ذاته وصفاته سبحانه وتعالى. ويُخرجه من السكر والغيبة إلى الصحو والإفاقة. ويقال لهذا الوجود "الوجود الموهوب الحقاني""[4].
قلت مع الإمام الرباني: ما للتراب ورب الأرباب! إلا أن يجودَ على عبده، في سابقة علمه، بالوعد المُنجز أن يكلمه ويجمله ويتقبله مع الذين أنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ذلك الفضل من الله. وكفى بالله عليما.
لكن هذا المخلوقَ الترابيَّ منه ما لا يتحرك إن سمع بأن الفرسان اشتدت في الطلب في ميدانٍ رهانُه فضلُ الله، وكرامة الله، وولاية الله.علامة خسران التراب الخاسر أن لا تحدثه نفسه ساعة من عمره أن ينهض ليتكفف من ربه عز وجل بالذلة والضراعة والرغبة والإرادة والصحبة والذكر والصبر والطاعة والاستقامة على الكتاب والسنة ميلادا جديدا، ووجودا موهوبا، وقلبا منوّرا، وكرسيا من تلك الكراسي ومنبراً.
قال الإمام عبد القادر قدس الله سره: "قيل لبعض الصالحين. هل رأيت ربَّك؟ فقال لو لم أره لتقطعتُ مكاني! إن قال قائل كيف تراه؟ فأقول: إذا خرج الخلق من قلب العبد، ولم يبق فيه سوى الحق عز وجل، يريه ويقربه كما يشاء. يُريه باطنا كما أرى غيره ظاهرا. يريه كما أرى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم نفسَهُ ليلةَ المعراج.كما يُرِي هذا العبد نفسه. ويقربه ويحدثه مناما. فقد يحدث قلبه يقظة. يغمض عيني وجوده (قلت: ويعطيه الوجود الموهوب).
"ويعطيه معنى آخر فيراه به. يرى قربه. يرى صفاته. يرى كراماته وفضله وإحسانه واللطف به. يرى بره وكَنَفَه.
"من تحققت عبوديته ومعرفته لا يقول أرني ولا تُرني! ولا أعطني ولا تعطني! يصير فانيا مُسْتَغْرَقاً. ولهذا كان يقول بعض من وصل إلى هذا المقام: إيشْ عليَّ مني! ما أحسن ما قال! (معنى قوله): أنا عبده، وليس للعبد مع سيده اختيار ولا إرادة.
"اشترى رجل مملوكا. وكان ذلك المملوك من أهل الدين والصلاح. قال له: يا مملوك إيش تريد أن تأكل؟ فقال: ما تطعمني! فقال له: ما الذي تريد أن تلبس؟ فقال: ما تُلْبسني! فقال له :أين تريد تقعد من داري؟ فقال: موضعَ ما تريد تُقْعِدُني! فقال: ما الذي تحب أن تعمل من الأشغال؟ فقال: ما تامرني! فبكى الرجل وقال: طوبى لي لو كنت مع ربي عز وجل كما أنت معي! فقال له المملوك: يا سيدي! وهل للعبد مع سيده إرادة أو اختيار! فقال له: أنت حر لوجه الله. وأريد أن تقعد عندي حتى أخدمك بنفسي ومالي.
"كل من عرف الله عز وجل لا يبقى له إرادة ولا اختيار، ويقول: إيش عليَّ مني! لا تزاحم القدر في أموره ولا في أمور غيره. آحاد أفراد من عباد الله عز وجل يزهدون في الخلق، ويستأنسون بالخلوات. يستأنسون بتلاوة القرآن، وبقراءة كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. فلا جرم تصير لهم قلوب مستأنسة بالحق، قريبة منه يرون بها نفوسهم ونفوس غيرهم. تصح قلوبهم فلا يخفى عليهم شيء مما أنتم عليه. يتكلمون على خواطركم، ويخبرونكم بما في بيوتكم.
"ويحك! كن عاقلا! لا تزاحم القوم بجهلك! بعدُ ما خرجت من الكُتَّاب صعدت تتكلم على الناس! هذا أمر يحتاج إلى إحكام الظاهر وإحكام الباطن. ثم الغنى عن الكل. ثم يحتاج أن تقع في ضرورتين: الأولى أن لا يبقى في بلدتك غيرُك فتتكلم على الناس ضرورةً، والأخرى أن تُؤْمر بالكلام من حيث قلبُك، فحينئذ ترقى إلى هذا المقام لترد الخلق إلى الخالق.
"ويلك! تدعي أنك صوفي وأنت كَدِر! الصوفي من صفا ظاهره وباطنه بمتابعة كتاب الله عز وجل وسنة رسوله. فكلما ازداد صفاؤه خرج من بحر وجوده، ويترك إرادته واختياره ومشيئته من صفاء قلب. أساس الخير متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله. كلما صفا قلب العبد رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بشيء وينهاه عن شيء. يصير كله قلبا وتنعزل بِنْيته. يصير سرّا بلا جَهر، صفاءً بلا كدر. يتنحى عنه قِشْر ظاهره إلى ناحية، ويبقى لبا بلا قشر. يصير مع النبي صلى الله عليه وسلم من حيث معناه. يتربى قلبه معه وبين يديه. يصير يدُه في يده"[5].
قلت: إن ترك الاختيار والإرادة علامة نزول السكينة على من صفا قلبه. أما قبل أن تعرف ما اسمك في الملكوت الأعلى فما أقعدك عن الطلب وعن الاستماتة فيه، وعن هجر الرقاد والتقزز من الحياة!
أنشد حائر في معرفة ربه عز وجل، قال:
أجيـروني فإني قد وَحَلـتُ وفي نفـي وإثـبـات حصلـتُ
أنزه خالقي عن ذا وعن ذا وأعرفه وليسَ كمن جهلـت

وقال واصل يتملّى قلبُه جمال التجلي الإلهي:
يا قلـب بشـراك أيـام الرضى رجعـت وهـذه الـدار بالأحبـاب قَـد جَـمَـعَـتْ
أما تـرى نفـحـات الحي قـد طـلـعـت أنفـاسُهـا وبـروق القـُـرب قـد لمـعـت
فعـش هنـيّـاً بـوصــلٍ غـيـرِ منفـصـل معْ من تحب وحُجْب الهجر قد رُفِعَـتْ
وانظـر جمـال الذي من أجـل رؤيـتــه قـلـوب عشــاقـه في حبـه انـصـدعـت

وقلت:
يَا قَلــبِ بُشْــرَى فالَّـذِي تَرْجُـوه جَــادَ بِهِ العَطَــاءْ
ذََهَـبَ الظَّــلاَمُ وَنَوَّرَتْ جَنَبَـاتُ أَرْبُعِـنَـا الضِّيــاءْ
وَمَضَـتْ بُــروقُ القُــرْب فَالعِرْفَانُ جا والفَتْحُ جَـاءْ




[1] الفتاوي ج 2 ص 336-337.
[2] الفتاوي ج 5 ص 251.
[3] طريق الهجرتين ص 71.
[4] مكتوبات الإمام الرباني ج 1 ص 300-301.
[5] الفتح الرباني ص 254.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:47 PM
شعب الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم. )وسع ربنا كل شيء علما(. أعـوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء. وأعوذ بك من السجن والقيد والسوط.
لما صنفت شعب الإيمان رتبت من الإيمان طلب العلم وبذله، ثم التعلم والتعليم بآدابه الشرعية، ثم تعلم القرآن وتعليمه، ثم تعلم الحديث الشريف واتباع السنة النبوية، ثم التعليم بالخطابة، ثم التعليم بالمواعظ والقصص.
لم أتعرض في تصنيفي على مستوى الإيمان أن العلم ظاهر وباطن، ولا إلى انفتاح عين القلب، ولا إلى وعلوم الأولياء، ولا إلى المعرفة والوصول ومشاهدة الله عز وجل. لم أفعل ذلك لأن هذه العلوم الإحسانية، وإن كانت من الدين، بل هي جوهر الدين وأشرف أركانه، ليست في متناول عامة المومنين الذين يتكون منهم حزب الله وجنده.
فمِنْ مطالع الإحسان أحاوِر هنا الدعاة المعرضين عن التربية الإحسانية، والدعاة الذين لم يسمعوا سمعا مُجْدِيا عن الإحسان.
يا أيها النوابغُ المهتمون بمصير الأمة، المستقبِلون بصدق وحماس وعدَ الله بالنصر الظاهر في آفاق الصحوة الإسلامية، الحاملون أعباء الهم وأعباء التخطيط والتنظير والتنظيم والحركة.
إن مجهوداتكم لَحميدة، وإن جهادكم لمشكور إذ تعلِّمون الناشئة الإسلامية المباركة أن الإنسانية في حاجة إلى الدين الصحيح دين الإسلام، وإذ تخبرونها أن العالم من حولنا عالَمُ توازن القوى وأنه لا سبيل إلى نهضة المسلمين إلا بالوحدة تحت حكم الله، وإذ توضحون أن عمارة الأرض والاستخلاف فيها مطلب شرعي يجب أن تُرْصَدَ لتحقيقه الجهود الخيِّرة حتى يظهر الله هذا الدين على الدين كله ولو كره الكافرون.
لا يستهين عاقل، ولا يستهين مومن بالطاقة التي تجمعونها حولكم، القادرة بإذن الله على تقويض الباطل ودكِّ حصونه.
لكنَّ سؤال الربانيين إياكم يتلخص في بحث الأسباب التي جعلت النداء العقلاني يعلو من منابركم حين يقال: إن الإسلام دين العقل والعلم، ثم يُسكَت عن الغيب سكوتا أخرس، أو سكوت تحريف، أو سكوت إهمال.
مفهوم "العلم" حين يطلق في عصرنا ينصرف إلى العلوم الكونية الرائجة في الأرض، الضرورية للحياة، المهيمنة على مسار البشرية. فتدعو ضرورة أن يتحقق المسلمون بأسباب القوة الناطق الإسلاميَّ إلى التركيز على "المعرفة" و"أسلمتها"، وصياغتها صياغة إسلامية، وضبطها لتخدم الأهداف الإسلامية، ورصدها لتحمل الخير للناس كافة بدل أن تكون سبب الدمار الذي يهدد مستقبل العالم لسوء استعمال المشركين الكافرين إياها. وفي الانشغال بهذا التركيز انشغال عن العلم الإيماني وعن المعرفة الإحسانية. وكأنَّ اكتساب المعارف التكنولوجية هو الغاية التي ما بعدها غاية.
إن من اليقظة وفقه الواقع أن ندرك اتساع الفجوة التي تفصل عالم المستضعفين، ونحن المسلمين في مؤخِّرَة القافلة المقهورة، عن العالم المصنع الخبير بقضايا العلوم والتكنولوجيا. ومن الجهاد أن نوقد في الشباب الإسلامي إرادة التقدم بخطى ثابتة إلى معركة بناء القاعدة العلومية التكنولوجية الكفيلة بإعطائنا القوة المادية التي أمرنا في القرآن المنزل من عند رب العالمين بإعدادها. ومن الرجولة أن نَبُثَّ في نفوس الشباب الإسلامي الثقة بأن هذه الفجوة الهائلة بيننا وبينهم خطوةٌ يمكن قطعها بتوفيق الله في جيلين أو ثلاثة أجيال. ومن الإيمان أن نقاوم الاتجاه الاستسلامي الانهزامي الذي يصوِّر للمسلمين مستقبلهم على أنه خيارٌ بين حلين لا ثالث لهما: إما السير في ركاب اليابان والغرب والشرق في ذيل القافلة وإما الموت.
لكنَّ الوعيَ بالفجوة العلمية التكنولوجية، وإرادة عبورها وتقصيرها، انصرافٌ بالهمة والجهد والفكر شرَّ مُنْصَرَف إن لم يزامنه الشعور بالفجوة الهائلة في ديننا. من المنطلق الإحساني يتساءل المرء: ما هو الإسلام الذي يطمح إلى الجمع في تركيبة فريدة بين العلوم التجريبية وبين العلوم الشرعية الفقهية باعتبار أن الإسلام تشريع الهي سماوي بديل عن التشريع الأرضي البشري! أين إيمان المومن وإحسان المحسن! أين الآخرة من الدنيا! أين الغاية التي خلق الله عز وجل لها الإنسان ودعاه لكرامته!
أخشى أن تكون ريحُ المنافسة مع ساكن الأرض حطت من سمو نظرتنا إلى الدين. إن لم نبدأ بنقد الجاهلية من جهة فقدها للمعنى والغاية نقدا كليا شاملا سقطنا في نقدٍ لها جزئيٍّ لن يلبث أن يُعقِبه تَبَنٍّ تدريجي لذهنيتها. إن الحضارة العالمة الصانعة التقنية آلة صماءُ رغم تَنَصُّتِها على الكواكب والنجوم، بكماءُ رغم ضجيجها المثير، عمياء رغم كواكبها الصناعية التي تترصد كل شيء في الأرض ورغم منظاراتها التي تفحص المجرّاتِ.
)إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ( (سورة الأنفال، الآية: 22).
إن تلهفنا على اللحاق بالركب التكنولوجي مقدمة ضرورية للجهاد. لكن الرحلة الشاقة تكون تدحرجا إلى الهاوية إن لم نستحضر، وإن لم نتمثل في صميم صميمنا كل لحظة، أن هذه العلوم والاختراعات وسائلُ تملَّكَت البشريةَ الهائمة مع "العقل" الهائم، عقل الصم البكم الذين لا يعقلون، واستعبدتْها، فهي تسير بها مُكْرهة مسلسلة في مسلسل الإنتاج والاستهلاك إلى أسفل دركات الدوابِّيَّة.
الإحسان، وهو طلب وجه الله تعالى ومعرفته وعبادته كأننا نراه، هو الركن الأشرف في الدين. ذاك ما جاء سيدنا جبريل عليه السلام يعلمه الأمة حين جلس إلى حبيب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يسأله: أخبرني عن الإسلام، أخبرني عن الإيمان، أخبرني عن الإحسان، أخبرني عن الساعة.
سكوتنا عن الإحسان اقتضابا أو جهلا أو محاباةً لفكر حرفِيٍّ يكرَهُ أولياء الله ويرفضهم تفريطٌ في الدين، وخرق في الدين، وتضييع للدين، وفجوة في الدين. فإن تركنا هذا الانخراق يتسع، ونسينا ذكر الله، وتنكرنا لِحِلَقِ الذكر، واتهمنا من قال أحب الله وأحب رسول الله، وأوّلنا المعجزات، وجهَّلنا من تحدث عن الكرامات، وتغافلنا عن أعظم بشارة وأفخم إشارة وصلتنا من رب العالمين من أنه لا يزال العبد يتقرب إليه حتى يحبه فيكون سمعه وبصره ويده ورجله فإلى أين نجري؟
ديننا ناقص إن تمسكنا بإيمان الأخلاق والعبادة والاستقامة والطاعة والجهاد دون تطلع إحساني.
ديننا قضية محرفة معكوسة إن اعتبرنا الدين نظاما للجماعة يصوغها ويقنن لها ويوحدها ويوجه جهدها ونسينا أن لله عز وجل قصدا في تمييز العبيد بعضهم من بعض، فردٍ عن فرد، في سباق أعلن سبحانه انطلاقه في قوله: "سارعوا" "سابقوا" وخصص جائزته العظمى في قوله "كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به".
ماذا يبقى من القرآن إن ألغينا منه حبَّ الله للمحسنين، وحبَّه للتوابين والمتطهرين، وحبَّه للذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، وحبَّه لقوم أذلة على المومنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم! ماذا بقي من القرآن إن جَمَّدْنا معاني أمراض القلوب وطبها وشفاءها وطمأنينتها وتنوُّرها! ماذا يبقى بعد إسقاط التوبة والإنابة والإرادة والصحبة في الله والصدق والمراقبة والمحاسبة والذكر والتفكر والتقوى والمحبة والتوكل ومخالفة النفس الأمارة والشيطان ومحاربة الهوى!
تبقى الصيغ الآمرة الناهية كأنها إلزام ونَكال إن لم تعلمنا التربية الإحسانية أن الله تعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين. أرسله شخصا منا، من أنفسنا، فردا ألقى عليه محبة منه ليضرب موعدا للصفوة من عباد الله عند كرسي الله يوم النظر إلى وجه الله.
تبقى، بدون العلم الإحساني والسلوك الإحساني، قصص أنبياء الله في القرآن، وقصص الأمم الهالكة وخبر الملائكة والجنة والنار والبعث والنشور حشوا وزيادات هامشية.
إن حِواري مع الدعاة لا يريد أن ننفُض اليدَ من الدنيا ومشاغلها. فذاك نكوص وارتكاس نعوذ بالله. وإن وجود الأمة وبقاءها على وجه الأرض تحمي بقوتها المادية والعددية بيضة الدين لهو الشرط الأول والضروري لحياة المسلم والمومن والمحسن. وإن الصورة الصوفية للسلوك صيغة مصغرة، صغرها الهروب من الساحة العامة، للإحسان الكامل الذي عاشه الصحابة رضي الله عنهم. فينبغي للدعاة أن لا يجفلوا من الإحسان ودعاة الربانية مخافةَ الانطواء كما انطوى الصوفية. ذاك زمان، وتلك ظروف، وهاتيك أعذار. ومستقبل المحسنين مرتبط في غد الخلافة الثانية بمصير الأمة، حظهم من الله مرتبط بقوة الأمة في الأرض، خلافتهم المعنوية مرتبطة بخلافة الأمّة في الأرض، رتبتُهم بين العارفين المحبوبين رهن بما قدموه من جهاد لتكون أمة الإسلام الوارثة في الأرض.
قال الولي الكامل الشيخ عبد القادر: "أولياء الله بالإضافة إلى الخلق صُم بُكم عُمي. إذا قربت قلوبهم من الحق عز وجل لا يسمعون من غيره، ولا يبصرون غيرَه. يُبيحهم القرب، وتغشاهم الهيبة، وتُفيدهم المحبة عند محبوبهم. فهم بين الجلال والجمال. لا يميلون يمينا ولا شمالا. لهم أمام بلا وراء.(...). يخدُمهم الحكم والعِلم، يغذيهم الفضل ويُرويهم الأنس. من طعام فضله يأكلون، ومن شراب أنسه يشربون. عندهم شغل عن سماع كلام الخلق. فهم في واد والخلق في واد. يأمرون الخلق بأمر الله عز وجل، وينهونهم بنهيه نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم. هم الوارثون على الحقيقة. شُغلهم ردُّ الخلق إلى باب الحق عز وجل. يركبون حجته عليهم، يوقعون الأشياء في مواقعها"[1].
وقال رحمه الله: "يا غلام! استدلَّ بصنعة الله عز وجل عليه. تفكر في الصنعة وقد وصلت إلى الصانع. المومن الموفق العارف له عينان ظاهرتان وعينان باطنتان. فيرى بالعينين الظاهرتين ما خلق الله عز وجل في الأرض، ويرى بالعينين الباطنتين ما خلق الله عز وجل في السماوات. ثم يَرفع الحجُبَ عن قلبه فيراه بلا تشبيه ولا تكييف. فيصير مقربا محبوبا. والمحبوب لا يكتم عنه شيء.
"إنما تُرفع الحجب عن قلب تعرّى عن الخلق وعن النفس والطبع والهوى والشيطان. ألقى مفاتيح كنوز الأرض من يده، واستوى عنده الحجَر والمدَر. كن عاقلا! تدبّر ما أقول وتفَهَّمْ! فإني بلُبِّ الكلام أتكلم. بجوهره. بباطنه. بصحيح معانيه"[2].
وقال أكرمه الله: "يا قوم! اعرفوا هذا الخالق وتأدبوا بين يديه! مادامت قلوبكم بعيدة عنه فأنتم سَيِّئُو الأدب عليه، وإذا قربت حسن أدبها. هذيان الغلمان على الباب قبل أن يركب المَلِكُ، فإذا ركب جاء خرَسُهم وحسُن أدبهم لأنهم قريبون منه. كل منهم يهرب إلى زاوية.
"الإقبال على الخلق هو عين الإدبار عن الحق عز وجل. لا فلاح لك حتى تخلع الأرباب، وتقطّع الأسباب، وتترك رؤية الخلق في النفع والضر.أنتم أصحاءُ مرضى! أغنياء فقراء! أحياءٌ موتى! موجودون معدومون!
"إلى متى هذا الإباقُ عن الحق عز وجل والإعراضُ عنه! إلى متى عمارة الدنيا وتخريب الآخرة! إنما لكل واحد منكم قلب واحد، فكيف يحب به الدنيا والآخرة. كيف يكون فيه الخلق والحق؟(…)
"باطنك ظاهر عند الله عز وجل وعند خواصه من عباده. إذا وقع بيدك واحد منهم فتأدب بين يديه، وتب من ذنوبك قبل لقائه. تصاغرْ عنده وتواضع له. إذا تواضعت للصالحين فقد تواضعت لله عز وجل. فتواضع فإن من تواضع رفعه الله عز وجل"[3].
قال محب قلَّ أنيسه بعد فراق الأصحاب يحن إلى تلك الأيام والليالي:
أحِـنُّ إلى نجـد ومـن حلَّ فـي نجـد وماذا الذي يغنـي حنينيَ أو يُجـدي
وقـد أوطـنـوها وادِعـيـن وخـلَّـفـوا محبَّهـم رَهـنَ الصَّـبَـابـة والوَجـد
وضـاقـت علي الأرض حتى كـأنَّهـا وِشـاحٌ بِخَـصْـرٍ أو سـوارٌ على زَنْـد
إلى الله أشكـو ما ألاقـي من الجـوَى وبعضُ الذي لاقيته من جـوًى يُرْدي
فــراق أخــلاء وصــدُّ أحــبــة كأن صـروف الدهـر كانت على وعد
ليـاليَ نجني الأنـس من شجـر المنى ونقطُفُ زهـر الوصل من شجر الصَّـدِّ

وقلت:
مِنَ الأحْبَــابِ يَاتِـينَــا نَسِيمُ القُـرْبِ وَالوَصْــلِ
نُـفَـدِّيهِــمْ بِمُهْجَــتِــنَــا بِتَرْحَــالٍ وَفي حَــلِّ
فَحَــيَّ اللَّهُ مَــوْلاَنَــا فَتَى الإحْسَانِ والعَـدْلِ




[1] الفتح الرباني ص 23.
[2] الفتح الرباني ص 25.
[3] المصدر السابق ص 49

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:47 PM
العمل
أحب الأعمال إلى الله عز وجل
عبودية الجوارح
أفعال العباد
التكسب
تطبيق الشريعة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الدعوة والدولة
الشورى
كلمة تدين لكم بها العرب
العلماء العاملون
شعب الإيمان

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:49 PM
أحب الأعمال إلى الله عز وجل
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين(. اللهم إن ذنوبي لا تضرك، وإن رحمتك إياي لا تنقصُك.
قال الله عز وجل: )بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ. لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً. فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ. فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ( (سورة الغاشية، الآيات الأولى).
الغاشية هي القيامة التي تأتي الناسَ وتنزل عليهم. والعاملة الناصبة هم الكفار المشركون، تعبوا في الدنيا وأنجزوا أعمالا كثيرة، فكانت لهم من أعمالهم النتائج الطبيعية في الدنيا، لكن الله عز وجل أبطلها وأحبطها في الآخرة فلا يكون لها ثَمَّ من نتائج إلا الخسران المبين، فهي لقصور نتائجها على الدنيا الفانية كالهباء المنثور.
أما أعمال المومنين، فإن كانت شبيهة في إعطاء النتائج السببية في الدنيا مع أعمال الكفار، فإن لها بقاء أبديا على صورة ثواب وجزاء ونعيم. أعمال المومنين سعي مَرْضِيٌّ في الدنيا إن حسَّنَه الإتقان،مرضِيٌّ في الآخرة إن زكّاه الإيمان وزكتهُ النية.
لأعمال المومنين معنىً، ولأعمال الخلق أجمعين، لأن الله عز وجل )خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً( (سورة الملك، الآية: 2). إنَّ على أفعال العباد في الدنيا يترتبُ ظهورهم على قوى الكون وأرزاقه التي سخرها الله جل جلاله للعالمين، ويترتب جزاء الآخرة السرمديّ.
بأعمال الخلق يُجازى الخلق هنا وهناك. )إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئا.ً وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ( (سورة يونس، الآية: 44). "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا.(...). يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيرا فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". الحديث القدسي رواه مسلم والترمذي عن أبي ذر رضي الله عنه.
جزاء الله جلت عظمته على الأعمال يُحْصَى فيه روح الأعمال وهي النية، وكتلة الأعمال ومقدارها وزمانها ومكانها واستمرارها، ثم نجاعَتها وفائدتها وصوابُها. فليس سواء من أخطأ وبدد جهوده كمن بلغ الغاية الحسنة من عمله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر". رواه البخاري عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.
شفعَ للعمل الخطإِ في الآخرة إخلاصُ العامل واجتهاده فأصاب هنالك أجرا واحدا، وفاته أجر الدنيا وحسنتُها كما فاته أجر الضِّعف في الآخرة لِما فرَّط ثم لم يبلغ الغاية المرجوة من فاعلية وإتقان وصيانة لحقوق العباد. لا يَتَهِمَنَّ أحد القَدَر بسوء نتائج أعماله هنا وهناك. وإن المسلمين الذين خانهم عملُهم، أو تكاسلوا وقعدوا عن جلائل الأعمال، اكتفاءً بفرائض العين من صلاة وصيام، لَمِنَ الصنف الخاسر في الدنيا إن كان الكفار خاسرين في الآخرة.
إن الذي يقابل خسران الآخرة كما يقابل النقيضُ النقيضَ، ومن ثمَّ يكون هو الفلاحَ المطلوبَ من الأمة المحسنة، هو الإحراز على حسنة الدنيا والآخرة معا، بالعمل الصالح للدنيا بجدواه وصوابه، الصالح في الآخرة بإخلاصه وجدواهُ وصوابه. قال الله جل جلاله يعرض علينا الحالتين المتقابلتين: )فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ. وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ. وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ( (سورة البقرة، الآية: 199).
حسنة الدنيا تنال بالعمل وحسنة الآخرة تنال بنفس العمل لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا. وإن سجلات الامتحان في دار البلاء تكتب، وهناك في دار البقاء تنشر ليعلم الله أينا أحسن عملا. وأحسن العمل ما يحبه الله.
وإن الله تعالى أخبرنا في كتابه المبين أنه يحب أصنافا من الناس، وأنه لا يحب أصنافا آخرين. عيَّن هؤلاء لولايته وأولئك المُبعدين لنقمته، جزاءً بعد المسابقة لما كسبته أيديهم من أعمال. فهو سبحانه يحب المحسنين، والتوابين، والمتطهرين، والمتقين، والصابرين، والمتوكلين، والمقسطين. ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، ويحب القوم الأذلة على المومنين الأعزة على الكافرين.
وهو تبارك اسمه وعز سلطانه لا يحب المعتدين، ولا يحب الفساد، ولا يحب كل كفار أثيم، ولا يحب الظالمين، ولا المختال الفخور، ولا الخوان الأثيم، ولا المفسدين، ولا المسرفين، ولا الخائنين، ولا المستكبرين، ولا الفرحين بالدنيا اللاهين عن الآخرة الكافرين بها.
صفات لعاملين مختلفي النية والوجهة تستغرق كل مجالات الحياة إيجابا وسلبا. تستغرق المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والخلقي والسلوكي. تستغرق تحرك الناس في الآفاق كما تستغرق خلجات القلوب التي في الصدور.
ألا وإن الله عز وجل: "كتب الإحسان على كل شيء". الحديث رواه مسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجة عن شداد بن أوس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كل معاني الإحسان مكتوبة مطلوبة من عمل المومنين ليكون سعيهم مرضيا في الآخرة، وليأتي بحسنة الدنيا والآخرة، وليُدْرِجَ العاملين في صف من يحبهم الله عز وجل، ومن أحبَّه أناله مقامات الإحسان. )هَلْ جَزَاء الْإحْسَانِ إِلاَّ الْإِحْسَانُ( (سورة الرحمن، الآية: 59).
إحسان العبادة من خلال العمل، كل العمل المشروع لاسيما ما كان أحبَّ إلى الله عز وجل.
وإحسان الإتقان، في الفروض العينية وفي الفروض الكفائية.
والإحسان إلى الناس، وهو البر، وهو قِوام المجتمع الأخوي. في رأس قائمة الأعمال الإحسانية المحبوبة عند الله المفضلة، لا أفضل منها، الدعوةُ إلى الله وراثَةً للنبوة وتأدية لوظيفتها. قال الله عز وجل: )وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ( (سورة فصلت، الآية: 33). ثم تتراصُّ الأعمال الأحب إلى الله في صرح السلوك الإحساني.
أولها الحب في الله والبغض في الله. "أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله". حديث نبوي رواه الإمام أحمد وحسنه السيوطي. وهذه خصلة الصحبة والجماعة، جماعة الأشداء على الكفار الرحماء بينهم، أحبة الله الأذلة على المومنين الأعزة على الكافرين.
ثم الذكر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحب الكلام إلى الله تعالى أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر". رواه مسلم وأحمد عن سمرة بن جندب. وقال: "أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله". رواه ابن حبان في صحيحه وغيره عن معاذ ووافقه السيوطي في تصحيح الحديث.
ثم الصدق. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحب الحديث إليَّ أصدقه". رواه البخاري وأحمد عن المسور بن مخرمة.
ثم البذل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي". رواه أبو يعلى وابن حبان وصححه السيوطي. وقال صلى الله عليه وسلم: "أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله". رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود. حصل عمل البر بين الصلاة وهي عماد الدين وبين الجهاد وهو ذِرْوَة سنامه. ومن البذل السماحة وبذل المعروف وحسن الخلق. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب سَمْحَ البيع سمح الشراء سمح القضاء". رواه الترمذي عن أبي هريرة.
ثم العلم والعمل وفي كل هذه الأحاديث علم بالأحب إلى الله ثم عمل به.
ثم السّمت الحسن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي". الحديث رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص. سَمْتُ المومن على نقيض مظهر المختال الفخور المستكبر. وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده". رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بإسناد حسن.
ثم التؤدة والصبر. قال حبيب الله صلى الله عليه وسلم: "أحب الدين ما داوم عليه صاحبُه". أخرجه الشيخان والنسائي عن عائشة أم المومنين رضي الله عنها. ومن التؤدة امتلاك اللسان وهو أخف الجوارح حركة. وكفه برهان على قدرة المومن على امتلاك زِمامِ نفسه فلا يصدر منها عملٌ أهوج. إن الله لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، و"لا يحب الفحش ولا التفحش" من حديث نبوي رواه أبو داود وأحمد عن ابن الحنظلية بإسناد حسن. ومن التؤدة الصبر والرِّفْقُ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب الرفق في الأمر كلّه". وفي رواية: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله". الحديث رواه الشيخان والترمذي عن عائشة رضي الله عنها.
ثم الجهاد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحب الجهاد إلى الله كلمة حق تقال عند سلطان جائر". رواه الإمام أحمد والطبراني عن أبي أمامة وحسنه السيوطي.
وبعد، ففي قراءتنا الإحسانية هذه لشعب الإيمان نجد أن أخص الأعمال وأكثرَها بُطونا في قلب العاملين، وهي أعمال القلب في حب الله ورسوله والتحاب في الله، تسيرُ خطا واحدا في طريق محابّ الله، في طريق الأعمال الأحب إليه سبحانه، في طريق الإحسان بكل معاني الإحسان، إلى أن تنتهي إلى أكثر الأعمال ظهورا، وأوسعها شمولا، وأبلغها أثرا في حياة الأمة، ألا وهي أعمال الجهاد وأعمال إقامة العدل، وهو الأمر الإلهي المكرَّرُ في القرآن، المقرَّرُ بمداد الكرامة وإمداد الولاية في قوله تعالى: )إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ( (سورة المائدة، الآية: 44) وهم الذين إذا حكموا حكموا بالعدل، وحكموا باجتهاد، وحكموا بصواب، وحكموا حكما يكفل لهم ولعامة الناس وخاصتهم، لدنياهم وآخرتهم، حسنة الدنيا وهي الاستخلاف والتمكين، وحسنة الآخرة وهي سكنى دار النعيم والنظر إلى وجه الله الكريم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأدناهم منه مجلسا إمام عادل. وأبغض الناس إلى الله تعالى، وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر". رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري وقال حديث حسن غريب. وللحديث شواهد تقويه.
وقال الإمام عبد القادر قدس الله سره: "التَّعَبَ، التَّعَبَ! ما دمت مريدا قاصداً سائرا. إذا وصلت وانقطعت مسافة سفرك، فصرت في بيت قرب ربك عز وجل زال التكلُّف. فيثبت الأنس به في قلبك، ويزداد حتى يأخذ بجوانبه. تكون أولا صغيرا، ثم تكبر. فإذا كبرت امتلأ القلب بالله عز وجل، فلا يبقى لغيره طريق إليه، ولا زاويةٌ فيه.
"إن أردت الوصول إلى هذا فكن مع امتثال أمره، والانتهاء عن نهيه، والتسليم إليه في الخير والشر، والغنى والفقر، والعز والذل، عند بلوغ الأغراض وعدمه، في أمور الدنيا والآخرة.
"تعمل له، ولا تطالب بذرة من الأجر (قلت: تستحي إن كنت تعبد الله كأنك تراه أن تطلب أجرا وأنت لا ترى إلا فضله وتقصيرك) تعمل ويكون قصدك رضى المستعمل وقربه.فالأجرة تكون رضاه عنك وقربك منه دنيا وآخرة. في الدنيا لقلبك، وفي الآخرة لقالبك.
"اعمل ولا تنافس على ذرة ولا على بَدْرة (صرة مال). لا تنظر إلى عملك، بل تكون جوارحك تتحرك بالعمل وقلبك مع المستعمل. فإذا تم لك هذا صار لقلبك عيونٌ تنظر بها. صار المعنى صورةً، والغائب حاضرا، والخبر معاينة.
"العبد إذا صلح لله عز وجل كان معه في جميع الأحوال. يغيِّره ويبدِّله، وينقله من حال إلى حال. يصير كله معنى، يصير كله إيمانا وإيقانا ومعرفة وقربا ومشاهدة. يصير نهارا بلا ليل، ضياء بلا ظلام، صفاء بلا كدر، قلبا بلا نفْس، سرّا بلا قلب، فناء بلا وجود، غيبة بلا حضور. يصير غائبا عنهم وعنه.
"كل هذا أساسه الأنس بالله عز وجل. لا كلام حتى يتم هذا الأنس بينك وبينه! اخطُ عن الخلق خطوة. لا لهم ضر ولا نفع، فقد جربتُهم. واخط عن النفس خطوة ولا توافقها. وعادها في رضى ربك عز وجل، وقد جربتُها. فالخلق والنفس بحران، ناران، واديان، مُهلكان.
"اعزم وجُزْ هذا الهُلْك وقد وقعت في المُلْكِ. الأول داء، والثاني دواء. اترك الداء والدواء. الأمراض كلها أدوية عنده وبيده. لا يملكها أحد سواه. إذا صبرت على الوحدة جاءك الأنس بالواحد. إذا صبرت على الفقر جاءك الغنى. اترك الدنيا ثم اطلب الآخرة. ثم اطلب القرب من المولى. اترك الخلق ثم ارجع إلى الخالق"[1].
قال طالب للقرب من مولاه، راج للوصول إليه:
وكـان فــؤادي خـاليـا من هـواكـمُ وكـان بذكـر الحـق يـلـهــو ويمـزَحُ
فلمـا دعــا قـلـبـي هــواك أجـابـه فلـسـتُ أراهُ عـن فِـنـائِـك يَـبْــرَح
رمـيتُ ببعـدٍ مـنـك إن كـنـتُ كـاذبا وإن كنـتُ في الدنيـا بغـيـرك أفـرح!
وإن كـان شـيء في البـلاد بأســرهـا إذا غبتَ عـن عيني لعـيـنيَ يَـمـلُـحُ!
فإن شئت واصلني وإن شئتَ لاتَصِـل فلسـت أرى قـلـبـي لغـيـرك يصـلُـحُ

وقال راجع عن الخلق كلهم إلى الحبيب الخالق عز وجل:
يا راحتي عنـدما تشتد بي عللي أنت اقتراحي على الأيام والدُّول
لو كنتَ لي وفقـدت النـاس كلهم والمال من بعدِ فقد الأهل لم أَسَل

وقلت:
اللَّهُ أَكْبَرُ هَذا الصُّبْحُ مَوْعـدُهُم مِنْ بَعْدِهِ لِضِيَاءِ الحَـقِّ إِشْـراقُ
اللَّهُ أَكْبَـرُ وَفُّــوا اللَّهَ مَـوْثِـقَكُـم فَحَـبْـلُنَـا لِجَنَـابِ اللَّهِ مِيثَــاقُ
اللَّهُ أَكْبَرُ قُومُـوا وَاعْمَلُـوا وَثِقُـوا تُفْتَحْ لَكُمْ لِمَـرَاقِي العِـزِّ آفَـاقُ




[1] الفتح الرباني ص 148-149.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:50 PM
عبودية الجوارح
بسم الله الرحمن الرحيم. )إنا إلى ربنا منقلبون(. اللهم إني أسألك خير هذا الشهر (وكل شهر) وفَتحه ونصره وبركته ورزقه ونُوره وظُهوره. وأعوذ بك من شره وشر ما فيه وشر ما بعده.
قرأنا في الفصل الثاني من هذا الكتاب كيف يبدأ الوليد في أسرة مسلمة رحلتَه في هذه الحياة بسماع الشهادتين تؤذن في أذنه لتسمع فطرتُه الوليدةُ أول ما تسمع توحيد الخالق عز وجل والبشارة بالرحمة للعالمين رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. هنا نقرأ عن العناية المحيطة والتكليف الشريف اللذين يحظى بهما جسم المسلم من لدن ميلاده إلى يوم وفاته، جسمه الذي هو عاصمة وجوده، ومستقر شهوده، وآلة سعوده.
يعنى الدين بقوام الجسم وهو غذاؤه المادي أولا، فيأمر بلقمة الحلال، ويوصي بالقناعة وإطعام الطعام، إذ أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي. وينهَى عن السرَفِ لأن الله لا يحب المسرفين. ويبيح المتاع الحلال والطيبات من الرزق. ويُعْنَى الدين بمظاهرالجسم فيوصي بختان الوليد الذكر، ويوصي بالطهارة والنظافة وخصال الفطرة وهي العناية الشرعية بالأظفار والشعر. كما يُعنى باللباس والزينة والتطيّب وحركات العِشرة الاجتماعية وأقوالها. كما يُعنى بأبسط أحوال الجسم، مثل العطاس، فيُنيطُ بكل ذلك آدابا مستحبات.
حتى إذا بلغ الجسم سن التكليف ونضج واكتمل العقل أصبح نظام السلوك الجسمي فرائض ومحرمات وسننا ومندوبات ومكروهات ومباحات مضروبة على الجوارح بالتفصيل والتدقيق الذي أسسه القرآن الكريم، وبسطته السنة، وتخصص الفقهاء رضي الله عنهم في تمحيصه.
من قرأ الإسلام وفِقْهَهُ الدقيق في شؤون الطهارة وحركات الصلاة وأوقات العبادات وطواف الحج وضَبط الصيام وآداب الفطرة ومعه ثقافة وثنية راسبة سائبة عائبة لا يفهم هذا التهمم البالغ بالجسم البشري إلا كما يتصور قيودا بالية على جسم الإنسان.
إن الله الخالق جلت عظمته عرض على قلوب العباد وعقولهم، كما عرض على جسومهم، العبودية له جل جلاله. وفرض على القلوب والعقول وجوارح الجسم، لكلٍّ عبودية خاصة، تتكامل هذه بتلك، ولكل عبودية مراسيمها وشروطها وأركانها.
نقرأ قوله تعالى: )قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ( (سورة المومنون، الآيات الأولى). إلى آخر السياق فنجد أن الفلاح مكافأة لعمل متكامل للقلب فيه مكان الروح من الجسد، لكنه لن يكون أبدا عملا بدون مساهمة الجوارح تلك المساهمة الأساسية.
في هذا الكتاب نتحدث في كل صفحة عن القلب وإرادته،وصدقه، وصفائه، ومرضه، وشفائه، وعَماه، وبصيرته، وحبه، وبغضه، ونقصه، وكماله، وقصوره، ومشاهدته. نعطي للقلب المكانة الأولى لأن بصلاحه يصلح الكل وبفساده يفسد الكل، كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلُحت صلُح الجسد كله. وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". الحديث رواه الشيخان وغيرهما عن النعمان بن بشير.
مثل صلى الله عليه وسلم للقلب المعنوي بالقلب الحسي. القلب المعنوي ملِكُ هذه المملكة الإنسانية في وجود المومن والمومنة من حيث يكون الهوى والشيطان مَلِكَ الوجود الكافر والمُشْرَبِ بكفر. والعقل وزير، والجوارح منفذة. لا حول للقلب ولا طول، بل ولا وجود ممكنا أصلا، إلا بوجود القاعدة الجسمية. ولا عمل للقلب يرفعه ويرقيه لو لم تكن طوعا لتوجيهه هذه الأجهزة التنفيذية التي هي الجوارح.
فرض الله على الجوارح عبودية الطاعة، وأجرى على كل جارحة ما يناسبها من تكاليف. على كل جارحة أن تلزم نطاق التكليف المتكون من فروض وسنن ومستحبات ومحظورات ومباحات. على اللسان عبودية الشهادة بالحق وعبودية تلاوة القرآن، وعبودية الكف عن أذى الناس بالغِيبَة والنميمة، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الدعوة إلى الله، وعبودية ذكر الله، إلى آخر التكاليف. وعلى البصر، والسمع، والذوق، والشم، واليد اللامسة الباطشة الكاسبة، والرجل الماشية الساعية تكاليف فصلها الدين. وعلى جارحتي البطن والفرج تكاليف أشد.
ما يصدر عن أوامر القلب وتدبير العقل وتنفيذ الجوارح من أعمال صالحة يتحول بقدرة الله تعالى القادرة الذي خلقنا وخلق ما نعمل إلى هيآت متخلِّقَةٍ وصور ثابتة روحها إخلاص القلب وجمالُها صواب العقل ومادتها الحركات والكيفيات الجوارحية.
يُعطِي البارىء المصوِّر سبحانه للجوارح والجلود في الدار الآخرة، دار النشأة الثانية العجيبة، القدرةَ والآلة لتنطق وتشهد كما قال تعالى: )يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( (سورة النور، الآية: 24). وكذلك يبعث الأعمال الصادرَةَ عن الجوارح صوراً ناطقة حية فاعلة. وقد جاء في هذا الموضوع خبر حق عن النبي صلى الله عليه وسلم، نورده على طوله ليومن المومنون ويتأكد المحسنون من أن العبد مراقب )مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ( (سورة ق، الآية: 17)، ومن أن أعماله صور مخزونة ليوم الحساب. وقد ضرب الله عز وجل الحكيم العليم لنا مثلا بما نخزن نحن بصور الأفلام من واقع حركات وأعمال ناطقة ملونة.
أنقل عن كتاب "الوابل الصيب"[1]. لابن القيم حديثا وثقه أخرجه الحافظ أبو موسى المديني بإسناد حسن جدا. وكان شيخه ابن تيمية يعظم شأن هذا الحديث ويقول: شواهد الصحة عليه.
فعن سمرة بن جندب قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وكنا في صُفة بالمدينة. فقام علينا فقال: "إني رأيت البارحة عجبا! رأيت رجلا من أمتي أتاه مَلَك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه. ورأيت رجلا من أمتي قد بُسِط عليه عذاب القبر فجاء وضوءه فاستنقذه من ذلك. ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاء ذكر الله عز وجل فطرد الشياطين عنه. ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم.ورأيت رجلا من أمتي يلتهب -وفي رواية يَلْهَثُ- عطشا، كلما دنا من حوض مُنِع وطُرِد، فجاءه صيام شهر رمضان فأسقاه وأرواه.
"ورأيت رجلا من أمتي ورأيت النبيئين جُلوسا حِلَقاً حِلَقاً، كلما دنا إلى حلقة طُرِدَ، فجاءه غُسْلُه من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي. ورأيت رجلا من أمتي بين يديه ظُلْمة ومن تحته ظُلمة وعن يمينه ظُلمة وعن يساره ظُلمة ومن فوقه ظُلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها، فجاءه حجه وعمرتُه فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور. ورأيت رجلا من أمتي يتقي بيده وهَجَ النار وشررها، فجاءته صدقته فصارت سُتْرة بينه وبين النار وظلَّلت على رأسه.
"ورأيت رجلا من أمتي يكلم المومنين ولا يكلمونه، فجاءته صلته لِرَحِمِه فقالت: يا معشر المسلمين! إنه كان وَصولا لِرَحِمِه فكلِّموه! فكلمه المومنون وصافحوه وصافحهم. ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الزبانية، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة. ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب، فجاءه حُسن خُلقه فأخذ بيده وأدْخَلَه على الله عز وجل. ورأيت رجلا من أمتي قد ذهبت صحيفته من قِبَل شِمالِه، فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه. ورأيت رجلا من أمتي خَفَّ ميزانه، فجاءه أفراطُه (من مات من أطفاله) فثقلوا ميزانه.
"ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم، فجاءه رجاؤه في الله عز وجل فاستنقذه من ذلك ومضى. ورأيت رجلا من أمتي قد أهْوى في النار فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله عز وجل فاستنقذته من ذلك. ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يُرْعَدُ كما تُرْعَدُ السَّعَفَةُ (جريدة النخل) في ريح عاصف، فجاءه حسن ظنه بالله عز وجل فسكَّن رعدته ومضى.
"ورأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط، ويحبو أحيانا، ويتعلق أحيانا، فجاءته صلاته عليَّ فأقامته على قدميه وأنقذته. ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة".
قال شيخ الإسلام ابن القيم: هذا الحديث العظيم الشريف القدر ينبغي لكل مسلم أن يحفظه. قلت وهو كذلك ليعلم الناس أن الله عز وجل القائل: )وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ( (سورة الأنبياء، الآية: 47) يأتي بأعمال العبادة، وهي أعظم بما لا يتناهى، في ميزان أهداف الامتحان الذي من أجله خلق الموت والحياة، من خردلة. يأتي بها جل جلاله ولطُف نَوالُه لتشفع للعباد يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وهذه قُلوبٌ سليمة برهنت على سلامتها بصلاح الأعمال. سبحان الله! حتى الدمعة جاءت!
وأحوج الناس لتأمُّل هذا الحديث لمراجعة مواقفهم مَنْ يدخلهم الغرور بأعمالهم، فيعتمدون عليها، ويتسرب إليهم الرياء، فتنجُس قلوبهم ويحبط عملهم. أحوج منهم للذكرى والتوبة والمراجعة من يغترّ بنفسه فينسلخ عن الدين بزعمه أنه وصل، وأن لا تكليف على الواصلين. هؤلاء الواصلون إلى سَقَر أبعد الناس عن رحمة الله، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال لعائشة لما رأت قدميه الشريفتين متورمتين من القيام للصلاة: "أفلا أحبُّ أن أكون عبدا شكورا!" الحديث رواه الشيخان عن عائشة أم المومنين رضي الله عنها.
إنه يستحيل أن يكون من المحسنين من لم يكن أولا وآخرا من العابدين.
قال الإمام عبد القادر قدس الله سره: "يا غلام! نم تحت ميزاب القدر، متوسِّدا بالصبر، متقلدا بالموافقة، عابدا بانتظار الفرج. فإذا كنت هكذا صبّ عليك المقدِّر من فضله ومننه ما لا تحسن تطلبُه وتتمناه.(...). يا غلام! عليك بالتقوى! عليك بحدود الشرع والمخالفة للنفس والهوى والشيطان وأقران السوء. المومن في جهاد هؤلاء لا ينكشف رأسه عن الخَوْذة (غطاء الرأس من الحديد)، لا يَنْغَمد سيفه، لا يَعْرَى ظهرُ فرسه عن قَرَبُوس سرجه. لا ينام. نومُ القوم غلبة، أكلهم فاقة، كلامهم ضرورة، الخرس دأبُهم.
"وإنما قدر ربِّهم ينطِقهم، فِعلُ ربِّهم ينطقهم ويحرك منطقهم في الدنيا كما يُنطق الجوارح غدا يوم القيامة. يُنطقهم الله عز وجل الذي يُنطق كل ناطق. يُنطقهم كما ينطق الجماد. يهيِّئُ لهم أسباب النطق فينطقون(...).
"يا غلام! تحتاج في خلوتك إلى ورع يخرجك من المعاصي والزلات. تحتاج إلى مراقبة تذكرك نظر الحق عز وجل إليك. أنت محتاج مضطر إلى أن يكون هذا معك في خلوتك(...). (الصدّيقون) يدعون الخلق إلى معرفة الله عز وجل. يقولون: يا أيتها القلوب! يا أيتها الأرواح! يا إنسُ !ياجنُّ! يا مريدي الملِكِ! هلمّوا إلى باب الملك! اسعوا إليه بأقدام قلوبكم، بأقدام تقواكم وتوحيدكم ومعرفتِكم وورعكم السامي وزهدكم(...)
"يا غلام! دع عنك النفس والهوى! كن أرضا تحت أقدام هؤلاء القَوْم، ترابا بين أيديهم. الحق عز وجل يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.(...). ويحك! نفسك منافقة! كاذبة! فاجرة! مشركة! كيف تقعد معها! خالِفْها ولا توافقها. قيِّدها ولا تطلقها. اسجنها وأَجْرِ عليها حقها الذي لابد لها منه. اقمعها بالمجاهدات. وأما الهوى فاركَبْه ولا تخله يَرْكَبُكَ. والطبعُ فلا تصحبه فإنه طفل صغير لا عقل له. كيف تتعلم من طفل صغير وتقبل منه! والشيطان فهو عدوك وعدو أبيك آدم عليه السلام"[2].
قال الإمام الشافعي يلتمس مغفرة الزلات من عالم الخفيات سبحانه:
خـف اللـه وارجُــهُ لكـل عظـيمـة ولا تطـع النفـس اللَّـجُـوجَ فـتـنـدمـا
ولمـا قسـا قـلـبي وضـاقـت مـذاهـبي جعلـت الرّجـا مـنِّـي لعفـوك سُـلّمـا
إلـيـك، إلـه الخـلـق، أرفـع رغبـتي وإن كنتُ، يا ذا الجود والمن، مُجرما
تعـاظـمنـي ذنـبـي فلمـا قـرنـتــه بعفـوك، ربي، كـان عـفـوك أعظـمـا
فما زلت ذا عفـو عن الذنب لم تـزَل تجــود وتـعفــو مـنـة وتـكــرّمـا
فلـولاك لـم يصمـد لإبلـيـسَ عـابـد فكـيـف وقـد أغـوى صـفـيَّـك آدمـا
فيـا لـيـت شعـري هـل أصيـر لجنة أُهَـنَّـا، وإمَّـا للـسّـعـيــر فـأنـدمـا
فـللـه دَرُّ الـعــارف الـنَّــدْبِ إنـه تفيض لـفـرط الوَجْـد أجـفـانُـه دمـا
يقـيــم إذا ما الليــل مـدَّ ظَــلامَـه على نفسـه مـن شـدَّة الخـوف مَـأْتَمَـا
فـصـيحـا إذا ما كـان في ذكـر ربه وفيمـا سـواه في الورى كـان أعْـجـمـا
ويذكُـرُ أيـاما مـضـت مـن شـبـابـه ومـا كـان فـيهـا بالجهـالـة أجـرمـا
فصـار قـريـن الهـم طــول نهـاره أخا السُّهد والنجـوى إذا الليل أظلمـا
يقـول: حبيـبي أنت سـؤلي وبغيتي! كفى بـك للـراجـين سـؤلا ومـغـنمـا!
ألسـت الذي غـذَّيـتـنـي وهـدَيـتـني ولا زلـت مـنّــانـا عـلـيَّ ومُـنـعِـمـا
عسـى من له الإحسـانُ يغفـر زلـتي ويسـتــر أوزاري ومـا قـد تـقـدَّمـا

وقلت:
عَلَى قَدَمِ الصِّدْقِ قِـفْ وَاثْـبُــتِ وَفِـي ثُـلُــثِ اللَّـيْــلِ قُـمْ واقْـنُــتِ
لِسانَـكَ فَاحْـفَــظْ وَقُـلْ طَـيِّـبــاً مِنَ القَوْلِ أَوْ فَاحْـتَـشِمْ واسْكُــتِ
وَكُنْ فِي السُّكُونِ وفِي الحَرَكَـات مِثَــالَ الفَـتَــى المُـتَّقِــي المُخْبِــتِ




[1] ص 77.
[2] الفتح الرباني ص 12.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:50 PM
أفعال العباد
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين(. اللهم قني شح نفسي.
في صحيح البخاري "كتاب القدر" نأخذ منه حديثين يخبران أن أفعال العباد سابقة في علم الله مسجلة بقضاء إجماليٍّ وقدر تفصيليّ. الحديث الأول عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث أصحابه قال: "إن أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمَر بأربع: برزقه، وأَجَلِه، وشقيٌّ أو سعيدٌ. ثم يُنفخُ في الروح". الحديث. وفيه أن مصير العبد الفرد مقرر في علم الله جل وعلا، يُعْلِم به المَلَك الموكل في الوقت المناسب، ويأمره بكتبِه.
الحديث الثاني يخبر أن مصيرَ الأمم ووقائع العالم سابقةٌ أيضا مقررةٌ قبل وقوعها، يُطْلِع الله عز وجل عليها من يشاء معجزة لنبي، أو كرامة لولي، أو استدراجا ومكرا بعدو. قال حذيفة رضي الله عنه: "لقد خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره. عَلِمَه مَنْ عَلِمَه وجهِلَه من جهله. إن كنتُ لأرى الشيء نسيتُه فأعرفه كما يعرف الرجلُ الرجلَ إذا غاب عنه فلقيه فعرفه". رواه الشيخان وأبو داود.
إن الإيمان بالقدَر خيرِه وشره ركنٌ من أركان الإيمان، لا إيمان لمن يشك في سابقة علم الله وسابقة قضائه، ولاحقة قدره حين يتنزل في أجلٍ مسمى يجري إليه بتدبير من حكيم حميد.
قال الله عز وجل: )إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ( (سورة القمر، الآية: 49). وقال: )وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ( (سورة الصافات، الآية: 96).
وقال عزت قدرته: )وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ( (سورة الحجر، الآية: 21). وقال عز من قائل: ) صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ( (سورة النمل، الآية: 88).
إن كثيرا من العباد، بل كثيرا من المسلمين، حاشا أهل الذكر والاطمئنان، يأتيهم الشيطان وتأتيهم الشكوك النفسية من قِبَل جهلهم بالقضاء والقدر، أو غفلتهم عن الحكمة الإلهية في خلق الموت والحياة وما بينهما. كثير من العباد ينسوْن أن الله عز وجل حكيم في أفعاله، تدبيره دقيقٌ وتصريفه لطيفٌ. وصنعه متقن. فلعل أحداثا مما قدره سبحانه، أو سنَّة ممّا سنه، مما يخرج عن نطاق الفهم البشري، ولا يدخل في منطق العامة، يصدِم العقول الغافلة الناشئة فتتهم حكمة الله بالخروج عن مقتضى العدل والإخلال بمقتضى النظام. فيظن الظانون الغافلون أن العالم فوضى وصدف وفرص، وأن ما ثَمَّ إلا صَنْعة العباد وتكايُدُهم وحروبهم وقوتهم وتطاحنهم. ويأسف العقل المريض على الفياضانات والكوارث والطفل المريض والعاهات والمصائب وشقاء البشر في الحياة والمجاعات. ففريق يقضي بأن العالَم ملتقى الصدف، وأنه وما فيه عبث. وفريق من المسلمين يخطط ويدبر بإخلاص وصدق لينصر الله، وفي خياله المطموس بالعادة والغفلة أن قوة أعداء الله غَلَبَتْ، وأن ميزان القوى في العالم كِفَّةٌ منه راجحةٌ هي صنعُ الأعداء والكفة المرجوحة من صنع المسلمين، وكأن رب العزة غائب عن المعادلة.
هذا الوهم الناتجُ عن ظهور المخلوق على المسرح وغيبية الخالق عز وجل الذي لا تدركه الأبصار بلاءٌ بالغٌ وامتحان شديد لعقيدة المسلم وعلمه وعمله وسلوكه كله في الدنيا، ومصيرِه فيها وفي الآخرة.
كانت ولا تزال "مسألة أفعال العباد" موضع جدل طويل وعميق منذ تخلى المسلمون عن مذهب السلف الصالح في السكوت عن القدر والإمساك عنه إذا ذكر امتثالا للأمر النبوي القائل: "إذا ذكر القدر فأمسكوا". أخرجه الطبراني بسند حسن عن ابن مسعود رفعه. نقل الحافظ ابن حجر عن أبي المظَفَّر بن السمعاني قال: "سبيل معرفة هذا الباب (باب القدر) التوقيف من الكتاب والسنة دون محْضِ القياس والعقل. فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاءَ العين، ولا ما يطمئن إليه القلب. لأن القدر سر من أسرار الله تعالى، اختص العليم الخبير به، وضرب دونه الأستار، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة".
تدخّل العقل الفضوليُّ وجاء بقياساته ومنطقه منذ ابتلي المسلمون بالوافد الدخيل من فلسفة الشعوب وأديانها المقتحمة المجادلة. كيف يُسايِر فعلُ العبد قدرَ الإله! كيف يكون العبد مسؤولا عن عمله مجزيّاً به في الدنيا والآخرة وكل شيء قُضِيَ فيه بدون حضوره ولا استشارته، ويقع بإرادته وبدون إرادته!
للخروج من إلزامات هذا التناقض الموهوم في نظر العقل الأعور قالت الطائفة الضالة الجبرية، وعلى رأسهم الجهم بن صفوان، إن الإنسان مجبور على عمله، لا اختيار له. وإنما تُنسب الأعمال إليه مجازا كما تنسب إلى الجماد.كما يقال : أثمر الشجر ونزل المطر وأضاءت الشمس. وزعموا أن نسبة شيء من العمل إلى العباد نسبة حقيقية يتصادم مع قول الله تعالى: )اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ( (سورة الزمر، الآية: 62)، وقوله: )وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ( (سورة الصافات، الآية: 96).
يترتب على هذا الفهم الجبري السقيم إبطال التكليف، وعشوائية الثواب والعقاب، وعبثية إرسال الرسل، وعبثية كل شيء. وكأن الإنسان ريشة في مهب الرياح. وقد ترسَّب في ضمير الأمة حثالَةٌ جبرية، ترقد وتثور، وفي كل أحوالها تبرر الكسل، وتخدِّر الحس، وتؤول إلى الهزيمة التاريخية. ولا يزال أعداء الإسلام يسخرون من عقيدة "المكتوب" الجبرية عند المسلمين، يكتبون الكلمة بحروفهم ويدخلونها في لغتهم للدَّلالة على تبلد العقل وخمول الحركة والاستسلام للواقع تستُّراً وراءالقضاء والقدر.
إذن فللخروج من هذا المستنقع يُثبِتُ المعتزلة الجدد، وهم دعاة العقلانية ومن بينهم من يُعد من الدعاة الإسلاميين، أن الإنسان يصنع مستقبله، وأن الدنيا غِلابٌ ويلٌ فيها لمن لا قدرة له ولا إرادة ولا تدبير ولا عقل يفعل في التاريخ ويؤثر.
قال المعتزلة القدامى: إن العبد خلق أفعاله بقدرته وإرادته الحرة. وأنه ليس مجبوراً على شيء. يفعل إن شاء الله، وإن لم يشأ الله لم يفعل. لكنه حر في التصرف على كل حال. لهذا يُثابُ على الطاعة ويعاقَبُ على المعصية. وبهذا سمَّوْا أنفسهم "أهل العدل" يقولون: إن الله تعالى منزه عن ظلم العباد، فلو كان الأمر غير ما يثبتونه للعبد من إرادة حرة وقدرة خالقة، واستقلال كامل لما كان الله عادلا، ولكان عقابُه للمسيء ظلما، وإثابته للمحسن محاباة.
وضل المعتزلة مع جملة المتكلمين الخائضين في لُجج القدَر. وكان من أهل السنة والجماعة الإمام الأشعري الذي ردَّ على الجبرية والقدرية بأن الله عز وجل خالق أفعال العباد وللعباد الكسب. فأفعال العباد مقدورة تقع تحت قدرتين، قدرةِ العبد الفاعلة الضعيفة وقدرة الله تعالى الخالقةِ القوية.
وبنى بعض الأشاعرة على أصل الإمام الأشعري فقالوا: إن قدرة العبد الكَاسِبَةَ المُحْدَثَةَ لا تأثير لها في إحداث الفعل. فثارت ثائرة أهل الحديث، وتضخَّم صدى المعركة في مكتوبات ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، وألزموا الأشاعرة مع تبنيهم لفكرة "كسب غير فاعل" أنهم جبرية. وتأثّل في تراب الجدال أن الأشاعرة يقولون بعقيدة كسب هو فقط "الاقتران العادي بين القدرة المحدثة والفعل" الذي هو من صنع الله. وطال النقاش اللفظي العقيم في مسألة: هل يفعل الله عز وجل أفعاله عند قدرة العبد أو بها.
إن ما آل إليه رأي ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في مسألة « أفعال العباد " هو أن الله جلت عظمته نسب المشيئة والفعل للعباد، فللعباد مشيئة حقيقية وقدرة حقيقية وإرادةٌ حقيقية وفعل حقيقي. ولله عز وجل الخلق، خَلَق العباد وأعمالهم، وخلق لهم الإرادة والقدرة وتركهم يتصرفون. قال ابن تيمية : "من المستقرِّ في فِطَرِ الناس أن من فَعَل العدل فهو عادل، ومن فعل الظلم فهو ظالم، ومن فعل الكذب فهو كاذب. فإذا لم يكن العبد فاعلا لكذبه وظلمه وعدله، بل الله فاعل ذلك، لزم أن يكون الله متصفا بالكذب والظلم"[1].
لا يضطرب عقل المحسن في فهم حكمة القضاء ومواقع القدر، ولا يفقدُ قلبه أمامها طمأنينَته، ولا حركتُه فاعليتَّها ونشاطها واتخاذها للأسباب، يتعبَّد بالمبادرة والعمل الصالح الدؤوب والأسباب تعبدا دون أن يحاول هتك سر القدر الذي استأثر الله عز وجل به وجعله بلاء ببالغ حكمته.
المحسن مع أمر الله الشرعي، يقبل ما جاء به الشرع من تكاليف ويبذل أقصى جهده لتنفيذها.فإذا جاء أمر الله الكونيُّ وقدرُه المحتوم بما لا طاقة للعبد به ولا حيلة في دفعه رضيَ بقضاء الله وقدره، وكان له الرضى قوة لا ضعفا، انتباها لا خمولا، مشاركة مأجورة إيجابية لا معاناة سلبية مهزومة.
وكثيرا ما يستشهد ابن تيمية وتلميذه النجيب بكلمة للشيخ عبد القادر حين يقول: "الناس إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا. وأنا انفتحت لي رَوْزَنة (نافذة)، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق. والعارف من يكون منازعا للقدر لا واقفا مع القدر".
قلت منازعة القدر بالقدر هو المسارعة باتخاذ الأسباب المشروعة المتاحة، لجلب المصالح ودَرْء المفاسد. فإنَّ ما قدره الله يقع بسبب ويرتفع بسبب، فمُسارعتك إلى الفعل واجتهادك فيه قدَر من القدَر، ولن يحصل مُرادك على كل حال إن لم يكن حصوله مقدّرا. احرص على إحراز أفضل النتائج بأفضل الوسائل وحرك سلسلة القَدر ثم لا عليك فيما يخلقه الله جل جلاله.
يحتج العصاة والمنهزمون والفاشلون بالقدَر. ويرد الله عز وجل على الجميع رده على المشركين حيث قال: )سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم( (سورة الأنعام، الآية: 147). فجعل سبحانه التستر بالقدر تكذيبا.
ومن الصدق المقابل لكذب المكذبين صَدْمُ القضاء النازل بالدعاء العارج ومنازعتُه به، والدعاء أقوى الأسباب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد في العمر إلا البر". أخرجه الترمذي والحاكم عن سلمان رضي الله عنه وأشار السيوطي إلى صحته.
وقال الإمام عبد القادر: "يا قوم! يُكَوِّنُ تصاريفَهُ فيكم لينظر كيف تعملون. هل تثبتون أو هل تنهزمون. هل تصدُقون أو تكذِبون. من لا يوافقِ القدر لا يُرافقُ ولا يوافَقُ. من لم يرض بالأقضية لا يُرْضَى عنه. من لم يُعط لا يُعطى. من لمْ يزُرْ لا يُرْكَب. يا جاهل! تريد أن تبدِّل وتغير. ما تريد! (هذا يقال لمن يتأسف لماذا انحط المسلمون وسمحت الأقدار بطغيان الحضارة الغربية). أنت إله ثان! تريد أن الله عز وجل يوافقك! هذا بالعكس -اعكِس تُصِبْ. لولا الأقدار لما عُرِفَت الدعاوي الكاذبة. عند التجارب تتبين الجواهر. أنكِر على نفسك إنكارها على الحق عز وجل. إذا كنت منكرا على نفسك قدرت على الإنكار على غيرك. على قدر قوة إيمانك تُزِيلُ المنكرات. وعلى قدر ضعفه تقعد في بيتك وتتخارس عن إزالتها. أقدام الإيمان هي التي تثْبُت عند لقاء شياطين الإنس والجن. هي التي تثبت عند نزول البلايا والآفات.أقدام إيمانك لا ثبات لها ! فلا تدَّع الإيمان!"[2].
وقال رحمه الله: "يا قليل الدراية! إذا كان القدر لا يمكنك ردُّه ولا تغييره ومحوُه ومخالفتهُ، فلا ترِدْ غير ما يريد. إذا كان لا ياتيك إلاّ بما يريد فلا ترد. إذا كان لا يريد شيئا لا يتم فلا تتعب نفسك وقلبك فيه. سلِّم الكل إلى ربك عز وجل. تعلق بذيل رحمته، بيد توبتك إليه، فإذا متَّ على هذا تزول الدنيا من عين قلبك ورأسك، وتهون عليك مصائبُها وتركُ شهواتِها ولذاتِها، ولا تشكو من قَرصاتِها ولَسَعاتِها.(...) تُسلِّم أمرك إليه، توافِقُه فيك وفي الخلق، فلا تُدَبِّر مع تدبيره، ولا تحكمُ مع حكمه، ولا تختار مع اختياره. من عرف هذا الحال لا يطلب غيرَه"[3].
وقال محب له مسلِّم لقضائه، راض بقدره:
إن كـان سكان الفضـا رَضُوا بقـتـلـي فَـرِضَـا
واللـه مـا كنـتُ لمـا يهوى الحبيب مُبغضا
من لمـريـض لا يـرى إلا الحـبـيب مُـمْـرضا
فـسـلِّــمـوا لـقــادر فـيـمـا أراد وقـضـى

وقال راج لعفوه:
قالـت لي النفـس: أتـاك الـرَّدى وأنت في بحـر الخطـايـا مقـيـم
وما ذَخَرْتَ الزاد.قلت:اقصري! هـل يُحْمَـل الـزاد لدار الكـريم!
واخـجـلـتـي منـه إذا جِـئْـتُـه والعبـد مطـلـوب بدَيْـنٍ قـديـم!
ومـا أرى يـطـلـبـنـي إذ دَرَى أنِّـيَ مـحـتــاج إلـيـه عـديــم
ولست مـحـتـاحا إلـى شـاهـد لأن مـولاي بحـالـي عـلـيـم
وحُكـمُـه المُـقـسِـط لا يقـتـضـي هَـلاكَ مِـدْيـانٍ بمـال الغــريـم

وقلت:
كُـنَّا شُـمُــوساً فِي سَمَــاءِ العُلَى خيــرَ هُــداةٍ أُخْـرِجــوا لِلأَنَــامْ
فَـحِــينَ أَرْخَيْـنَــا حِبَــالَ التُّـقَـى قَالَ لَنَا الدَّهْر: ارْكُدُوا فِي الرُّكامْ
فَـتَـى الإسْــلامِ قُــمْ وَاعْـتَــزِمْ وَجــدِّدِ الوَصْــلَ بِعَهْـدِ الكـِــرَامْ




[1] مجموعة الرسائل والمسائل ص 143.
[2] الفتح الرباني ص 43.
[3] المصدر السابق ص 165.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:50 PM
التكسب
بسم الله الرحمن الرحيم. )لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين(. اللهم إني أسألك إيمانا لا يرتد، ونعيما لا ينفد، ومرافقة نبيك صلى الله عليه وسلم في أعلى درجة الجنة، جنة الخلد.
ننظر في هذه الفقرة إن شاء الله إلى التكسب والاحتراف والمعاملات التجارية والمالية الاقتصادية نظرتين. ننظر أولا إليها من زاوية الاهتمام الصوفي الفقهي في عهود انحسار الدعوة عن المجال العام وانكتامها في خوالج الصدور ومُغْلَقات الخانقاهات والدور. ثم ننظر إليها كيف كان العهد الصحابي الخلافي الراشدي يتعهدها لتنفتحَ لنا رَوْزَنَةُ العالم إلى الخلافة الثانية حين يعود شَمْلُ الدولة والدعوة جميعا.
عاش السادة الصوفية رضي الله عنهم في وسط الفتنة، وسطٍ انتقضت فيه عروة الإسلام العليا وهي عروة الحكم، فاجتهدوا في الحفاظ على نظافة أرزاقهم في خاصة أنفسهم في حين اجتهد فيه الفقهاء الأعلام رضي الله عنهم لفرض شرائع الإسلام في البيوع والعقود والشركات والإجارات على مجتمع مسلم في جملته، عامته المحكومة أقرب إلى الصلاح والخير من خاصَّته من الحكام.
اجتهد الفقهاء رضي الله عنهم في حماية حقوق العباد ورفع المضارّ وفصل الخصومات ودرء المظالم في المعاملات العامة ما استطاعوا، وانصرف السادة الصوفية رضي الله عنهم لرعاية حقوق الله في أنفسهم ومريديهم وأهليهم، لمن كان له أهل وعيال، يبحثون عن اللقمة الحلال في ظل التوكل أو تحت سقف الخانقاهات أو في الاحتراف الشديد الزهد الورِع. وفي كتب القوم من قَصَصِ التحري ووصايا الورع في المكاسب آيات تدل على مقدار ما كان معهم من إحسان. لا أتحدث في هذا الكتاب، إذا أطلقت اسم صوفية، عن المتصوفة المرتزقة المتطفلين على موائد الإحسان.
حافظ الصوفية المحسنون على لب الدين وجوهره، في نطاقهم المحدود، فيما يخص الكسب والسعي في الرزق. حافظوا على طيب اللقمة لأن الله جل شأنه لا يقبل إلا طيِّبا ولا يسمع إلا من طيب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المومنين بما أمر به المرسلين فقال: )يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحا.ً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ( (سورة المومنون، الآية: 52). وقال: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ( (سورة البقرة، الآية: 171). ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعثَ أغبر، يمد يديه إلى السماء. يا ربِّ! يا رب! ومطعمُه حرام، ومشربُه حرام، وملبسُه حرام، وغذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب له!". أخرجه الترمذي، وأخرجه مسلم ولم يذكر الملبس، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وحافظ الصوفية والفقهاء،كل في دائرته،على حِمى الله يدافعون عن حرم الله ويدرؤون عنها الشبهات. الصوفية همُّهم في رعاية حق الله في صلاح قلوبهم، وهمُّ الفقهاء مقاومة الفساد، كانوا صرحا للعلم وملجأ للفتوى، وراية للإسلام.
وإن رعاية حمى الله ومحارمه في المكاسب وفي كل المعاملات والعبادات لهي الشرط المشروط للصلاح القلبي والاجتماعي. قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: "إن الحلال بيِّن وإن الحرام بين. وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس. فمن اتقى الشبهاتِ استبرأ لدينه وعِرضه ومن وقع في الشبُهات وقع في الحرام.كالراعي يرعى حول الحِمى يوشك أن يرتع فيه. ألا وإن لكل ملِكٍ حمىً! ألا وإن حمى الله محارمُه! ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. ألا وهي القلب". أخرجه الشيخان وغيرهما عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.
إذا فتحنا الآن سجلَّ الاكتساب في العهد الراشدي الذي كان الدين فيه في إقبال، وكانت الدعوة والدعاة في مركز القوة، وكانت الدولة والسلطان في يد الأقوياء الأمناء، وجدنا أن الاحتراف والتكسب كان لهما ظهيران قويان يفرضان أن تكون الأرزاق ومصادرُها ومواردُها وفق الشرع. ظهير وازع القرآن المتمثل في ذمة المومنين وأخلاقيتهم وخوفهم من الله عز وجل، متضامنين على ذلك متواصين متآمرين بالمعروف متناهين عن المنكر. ثم ظهير وازع السلطان، وكان السلطان قرآنيا لما يَنِدَّ عن الدين ويرتَعْ في حمى الله ومحارمه، يَفْرِضُ وازعُ السلطان على عامة المسلمين وأعرابِهم، فَرْضَ الإقناع والزجر والترغيب والترهيب، طيب المعاش وصفاء المعاملات وإنصاف الحقوق.
في كتاب البيوع من صحيح البخاري "باب كسب الرجل وعمله بيده" نقرأ أول حديث في الباب فنجده يرفعنا من الأخلاقيات الفردية التي انكمش عليها الصوفية انكماشَ الحريص على كنْزٍ مهدد، ويرفعنا من اجتهادات الفقهاء الفرعية، إلى سلطان الدين، وهيبة الدين، وظهور الدين، وإفصاح الدين عن إسلامه وإيمانه وإحسانه، مجتمعٌ كل أولئك على كلمة الله في نطـق خليفة رسول الله وفعله ونيته.
أول حديث في الباب يرويه الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لما استُخْلِف أبو بكر الصديق قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجزُ عن مَؤُونَة أهلي. وشُغِلْتُ بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، وأحترفُ للمسلمين فيه".
كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحترف البِزَازَةَ، وهي بيع الثياب، وكان بزّازاً ناجحاً. لما استخلفه المسلمون عن شورى ورضىً انبرى ليأخذ بزمام المال العام ويسهر على معايش المسلمين، يعتبر رعيته التي استرعاه الله إياها، وأمانته التي طوقه مسؤوليتها المسلمون، بمثابة أسرته، عليه أن "يحترف" لها ويجتهد، ويَتَكَايَسَ كما كان يفعل لعياله. ويعلم الله ما أكل أبو بكر والخلفاء الراشدون الثلاثة من بعده من مال المسلمين إلا كما يأكل أوساط الناس، ثم تجدهم رضي الله عنهم على فراش الموت يوصون برد ما أكلوه من مالهم الخاص على بيت مال المسلمين.
في الحديث الثاني من باب البخاري أن الصحابة كانوا عُمَّال أنفسهم، لم يكن لهم أُجَراءُ ولا فرصةٌ ليستغل رأس المال القوة العاملة. وفي الحديث الثالث أن خير الطعام ما أكل المرء من عمل يده. وفي الحديث الخامس الحث على الاكتساب ولو أن يحتطب المرء ويبيع ليقي نفسه وعياله ذلَّ المسألة.
هذه الأحاديث مجتمعة تعطينا معيارا إحسانيا لنقد الاقتصاد الجاهلي المسيطر في عصرنا، ولنقدِ اقتصاديات المسلمين المتخلِّفة. من المفكرين المسلمين والدعاة من يعرض اجتهادا يطرح فيه "البديل الإسلامي" في الاقتصاد دون نقدٍ شامل لأساس المعايش الجاهلية ونظامها من حيث الحلِّيَّةُ والحرمةُ. ومن حيثُ كونُ الاقتصاد الجاهلي، كما صنعته التكنولوجيا الحديثة وكما صنعه العقل الكافر في خدمة النفس الكافرة، مبنيٌّ على ظلم طبقة لطبقة وشمال لجنوب وبلاد مصنعة لبلاد متخلفة، مبنيٌّ على التبذير وإفساد البيئة، مبنيٌّ على الدعاية الكاذبة والغاوية وعلى الغش الفني المزوق، مبنيٌّ على الربا والاحتكار وهيمنة رأس المال.
كتاب الله عز وجل ينطق علينا بالأمر الشرعي: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ( (سورة البقرة، الآية: 172). وسوط قَدَرِهِ الحكيم يجلدنا جزاء بما كسبت أيدينا ببلاء التخلف الاقتصادي والضَّعف والذلة والقِلَّة. حتى التماس اللقمة الحلال والورع الفردي والجود والسخاء والإيثار والبر وإغاثة الملهوف على هوامش المجتمع أصبحت محاولة يائسة لعموم الفتنة واتقادها وانصبابها من كل ميازيب الاقتصاد والثقافة والمال والإعلام والفن. يصُب علينا طوفان الفتنة من قنوات محكمة التصويب إلى عقولنا وبُطوننا وجوارحنا وملابسنا ومساكننا وليلنا ونهارنا وأرزاقنا. العالمُ اليوم سوق واحدة، سوق تحتكرها القوى الجاهلية لتروِّج فيها البضاعة الجاهلية وتبيع وتشتري وتتعاقد بمقاييس جاهلية وقوانين جاهلية.
فإن كان اقتراح البديل الإسلامي في الاقتصاد أسلوباً من أساليب الدعوة والتبشير بالإسلام فَنِعِمَّا هُو. وإلا فمجرد العرض لضوابط "الاحتراف" في أموال المسلمين ولتاريخ "احتراف" الراشدين كلام في كلام دون البحث عَن أصل البلاء وهو غياب "المحترف" الراشد وغياب الجماعة الإسلامية القائمة بالحق التي خطبها أبو بكر أول ما خطب قائلا: "إن استقمت فأعينوني وإن انحرفت فقوموني".
قال رجل الاستقامة الإمام الرفاعي رحمه الله: "لا أقول لكم انقطعوا عن الأسباب، عن التجارة، عن الصنعة. ولكن أقول: انقطعوا عن الغفلة والحرام في كل ذلك. لا أقول لكم: أهملوا الأهل ولا تلبسوا الثوب الحسن، ولكن أقول: إياكم والاشتغال بالأهل عن الله، وإياكم والزَّهْوَ بالثوب على الفقراء من خلق الله. وأقول: لا تظهروا الزينة فوق ما يلزم بثيابكم تنكسرْ قلوب الفقراء. وأخاف أن يخالطكم العُجْبُ والغفلة. وأقول نَقُّوا ثيابكم. )قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ( (سورة الأعراف، الآية: 32) وأقول: نقوا قلوبكم وطهروها. فذلك أوْلَى من تنقية الثياب. إن الله لا ينظر إلى ثيابكم ولكن ينظر إلى قلوبكم"[1].
وقال إمام من أهل الاستقامة الشيخ عبد القادر رحمه الله: "يا طالبا الدنيا بنفاقه! افتح يدك فما ترى فيها شيئا. ويلك! زهدت في الكسب وقعدت تأكل أموال الناس بدينك!
"الكسب صنعة الأنبياء جميعهم، ما منهم إلا من كان له صَنعة. وفي الآخرة يدورون مع إرادته فيهم وفعله بهم. ليس لديهم منازعةٌ له فيهم ولا في غيرهم. لا يعترضون عليه في القليل ولا في الكثير، لا في العالي ولا في الداني.
"لا تشتغل عن خدمة الحق عز وجل بخدمة نفسك والحرص على بلوغ أغراضها(...) لو كان لك عقل لانصرفت من خدمتها واشتغلت بخدمة ربها عز وجل. نفسك عدوة لك. الصواب لك السكوتُ عن جوابها. وأن تضربَ بكلامها الحائطَ. اسمع منها كما تسمع من مجنون قد زال عقله. لا تلتفت إلى قولها وطلبها للشهوات واللَّذات والترَّهَات. هلاكك وهلاكها في سماعك منها. وصلاحك وصلاحُها في مخالفتها.
"النفس إذا كانت طائعة لله عز وجل أتاها رزقها رَغَدا من كل مكان. فإذا عصت وتجبرت قَطَعَ عنها الأسباب، وسلَّط عليها الأذايا، فهلَكَت وهي خاسرة للدنيا والآخرة.
"الطائعة القانعة صاحبُها مخدوم، أينما توجه لقَطَ. قَسْمُه من الرضى. به يؤَدّي الفرض الذي عليه مع طيبة القلب، بلا كُلْفة، فارغُ القلب مما سوى الله عز وجل، ساكن الجوارح عن التَّعب في تحصيل الدنيا وفُضولها.
"لا يا مُنْعَماً عليه! اشكر النعم وإلا سُلِبَتْ من يدك. قُصَّ جناح النعم بالشكر وإلا طارت من عندك. الميت من مات عن ربه عز وجل وإن كان حيا في الدنيا. إيش تنفعه حياتُه وهو يصرفها في تحصيل شهواته ولذّاته وتُرَّهاته. فهو ميت معنى لا صورةً. اللهم أحينا بك وأمتنا عن غيرك. يا شيخا في السن صبيّاً في الطبع إلى أين تعدو!"[2].
قال شاكر لأنعُم المولى:
إذا كان شكـري نعمة الله نعمة عليَّ لـه في مثلهـا يجـب الشكـر
فكيـف بلـوغ الشـكـر إلا بفضله وإن طالت الأيـام وانفسـح العمـر
إذا سـرَّ بالنعـمـاء عـم سـرورها وإن مـس بالضـراء أعقبها الأجـر
ومـا مـنهـمـا إلا لـه فـيـه مِـنَّـة تضيق بها الأوهام والبَـرُّ والبحـر

وقال راض بِقِسْمة ربه عز وجل وقضائه:
قـل للروَيجـل من ذوي الأقـدار الفـقـر أفضـل شِـيـمـةِ الأحـرار
يا من شكـا للنـاس فَعْـلَـةَ ربـه هـلا شـكـوت تحـمُّـلَ الأوزار!
إن الذي أُلْبِسْتَ من حلل التـقى لو شاء ربك كـنـت منهـا عـاري

وقال صابر على بلاء ربه سبحانه الحكيم العليم:
يا سائلـي عن توبة كشَفَـتْ لنـا عمـا طـوته صحـائفُ التصـديـق
لا ينقص الذهـب الكـريـم بـلاؤُه بالنـار تحـت وسـائط التحـقـيـق
إن كُنْتُ مُمْـتَحـنا فما أنا بالذي كسَـدَت بضـاعـته بهـذا السـوق
لكـن خطبـت مكـانة صـدِّيـقـةً فـوَرَدْت مورد يـوسـفَ الصـديـق
والحمـد لله الـذي صَـمَـدَت لـه نفـسي فـأوقـفـها على التحقـيـق

وقلت:
عَـرَضــاً قَرِيبــاً يَـبْتَغــي ذَاكَ الرُّوَيْجِــلُ فِي الحَيَــاهْ
هِمَـمٌ تَسَـاقَطُ كَالفَــرَاش أَمَــامَ تَخْــوِيـف العُتــاهْ
وَ الحُرُّ شِيمَتُهُ الشَّجَــاعَة عِنْــدَما تُحْـنــى الجِـبَــاهْ




[1] البرهان المؤيد ص 75.
[2] الفتح الرباني ص 187.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:51 PM
تطبيق الشريعة
بسم الله الرحمن الرحيم. )على الله توكلنا. ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين. ونجنا برحمتك من القوم الكافرين(. اللهم إني أسألك إيمانا لا يَبيد، وقرَّة عين لا تنقَطِع.
من خلال قراءة الكتب، وربما من خلال مشاهدة أفلام الفروسية الإسلامية والفتوحات، وفي صفوف المعارضة للحكم القائم يتغذى الشباب الإسلامي بكراهية شديدة للواقع وشوق عارم لمثالِيَّة الإسلام. وقد يتطرف منهم طوائف يكَفِّرون المجتمع فينزوون ليعيشوا أحلامهم تحت قيادات مراهِقة لا يَألون أنفسهم والناسَ جميعا عطباً ونَصَباً.
وتتأجج الكراهية وعشق المثالية بتغلغل الخيال في تصور البديل الإسلامي للواقع الملعون في قوله تعالى: ) وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ( (سورة المائدة، الآية: 44). الظالمون الفاسقون.
ويسمع المتعاطفون مع الإسلام من عامة الناس هذه الآية المقدسة تُحْمَل شعار قِتالٍ فيعطون ولاءَهم الجزئيَّ لمثاليَّة يتحمس لها الشباب الإسلامي حماسا جامحا لا تخمُدُ نارُه ولا يسكن أُوَارُهُ.
أيُّ مستقبل يهيئه هذا الولاء الصادق لحُلْم سماوي يمثل للناس أن "تطبيق الشريعة" دواء عاجل حاسم، يقع على المكروه الملعون وينقَضُّ عليه ويُبيدُه ضربةَ لازِبٍ بعصاً سحرية! أيُّ خيبات أمل متلاحقة متسلسلة متساوقة تنتظر هذا الحماس المثالي يوم تُلقي الأقدار الإلهية السلطان في الأيدي المتوضئة على نيّة الصلاة في بيت المقدس العشية الثانية أو الثالثة من إعلان الحكم الإسلامي بإمامة فارس هو صورة سيف الإسلام!
إن قراءتنا الانتقائية للسيرة النبوية والحياة الجهادية في كتب السيرة وفي القرآن الكريم تُغَطّي عن عقولنا المتعطشة للسيادة والعدل والقوة جوانب الضعف البشري في النموذج النبوي الصحابي لتُبْرِزَ جوانب الإيجابية والفاعلية، فيترسخ في أذهاننا صورٌ لامعة يكتسي فيها الجهاد الأول كسوة العصمة أو ما يشبهها. هذه القراءة المكبوتة المحروسة في الخيال كما تحرس في الخيالات السعيدة للنموذج الماضي تُخفي تهديدا مباشرا وخطيرا لمستقبل الدعوة والدولة.
إذا فهمنا العبرة من كتاب الله تعالى عندما يعرض علينا سنة الله في الذين خَلَوا من قبلُ، وفهمنا العبرة من سيرة سيد المرسلين والجيل الصالحين فلن يكونَ الدرس المفيد إلا أنَّ السيرةَ العطِرَة، التي عرضها الله عز وجل في كتابه العزيز بعُجرها وبُجرها وروى أصحاب السير منها جوانبها الإيجابية المربِّيَة فقط، نموذجيةٌ في وِرْدها وصَدَرِها، نموذجية في نجاحاتها وإخفاقها، في إصابتها وأخطائها، في تنزُّل توفيق الله عليها وبلائه، في بشريتها وفي جهادها للنفس والشيطان والغير، في انتقاليتها، في تدرُّجها، في تطورها من مرحلة إلى مرحلة، في بناء الجماعة الحاملة للدعوة الركيزة للسلطان، وتربيتها، وتأليفها، ووفاقها، وخلافها، وتمايُز مومنيها المهاجرين والأنصار من مسلميها وهم العامة فيهم الصالح والمنافق والأعرابي الذي لما يدخل الإيمان في قلبه.
إن الولاء والتطلع لدولة الإسلام المثالية الناجزة سباحة في عالم الخيال إن تخطينا الواقع الفتنويَّ المتكدسةَ بلواه على مر القرون، وإن توهمنا أنه مادة طيِّعة يَخْسَأ شرها كما يخسأ الشيطان بتعويذة من سلاح الشعارات.
لابد لبناء الدولة الإسلامية من الاعتماد على جِسم منظم عميق الجذور في المجتمع يكون الركيزة الوسطى للبناء، ثابتةٍ قواعدُه وسطَ اللُّجة الفتنوية. ومن ثبات هذا الجسم، وهو حزب الله وجنده، أن يكون على بصيرة مما هي الفتنة، وما هو الواقع، وما هم الناس، وما هي طبائعُهم الفردية والمتفاعلة، وما هو العالَم، وما هو الاقتصاد، وما هي السياسة، وما هي النفوس البشرية المتَقلِّبة، وما هي الضغوط الهائلة على دعوة مخطِّطة تهدد السلطان القائم، وعلى دولة تدْرُج أول خطاها في عالم متربص متوجِّسٍ. والثبات كلُّ الثبات أن تصمد الجماعة الحاملة، واحدة أو متعاونَةً مع الجماعات العاملة للإسلام، للتيار، وأن تصبر على الغرس حتى يطلع، وأن تستصلح من القوى الاجتماعية كل ما يمكن استصلاحه من أهل الخير، من المسلم الذي سلم المسلمون من لسانه ويده، والمومن الذي يومن بالله ورسوله ويستطيع المساهمة ببعض ماله ونفسه.
لابد من إرساء قواعد الدولة الإسلامية، وهي مشروع التطبيق الكامل للشريعة، في الذمم المتعاهدة لجند الله، ثم بالتفرع والتعاطف والتآلف في ذمم المومنين والمسلمين، فيكون في كل بيت، وفي كل مرفِق من المرافق، وكل مؤسسة، بالتدرج والبناء الصابر، راعٍ يرعى، ومسؤول عن رعيته يجنده لخدمة دين الله عز وجل باعثُ القرآن قبل أن يردعه وازع السلطان.
هكذا حتى يتكامل البناء يشدُّ بعضه بعضا، من الإمارة العليا إلى المرأة الراعية لحقوق أسرتها الحافظة لحدود الله في بيتها. روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته. الأمير الذي على الناس، والرجل على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم". الحديث.
إذا اختلت سلسلة الرعاية ومات ضمير المسؤولية، وهما مختلان ومائتان أشدَّ الاختلال وأفجع الموت في مجتمعات الفتنة، فما يكون إعلان تطبيق الشريعة بين عشية وضحاها إلا مناورة سياسية ولافتة دعائية يرفعها غريق من الزعماء كما قال فرعون لما أدركه الغرق: )آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ( (سورة يونس، الآية: 90).
وإن من التصورات الشائهة المشوَّهة للشريعة، قرحٌ من أشد القروح إيلاما في سُمعة الإسلام، أن تقدَّم الشريعة على أنها قطع الأيدي وجلد الظهور ورجم الزاني، ولا حديث عن الحظيرة المحدودة، والجنة المصونة، والغَرس المحمي، وهو مضمون الإسلام من إيمان بالله واليوم الآخر، ومن عدل وإحسان، وعمل صالح وبِر، وأخوة باذلة، وأمن وصون، واستقرار في الدنيا التي منها زاد المومن للآخرة. لا يتحدث المشوهون إلا عن السياج والأشواك المحيطة والاحتياطات القامعة، وكَأنَّ الإسلام نقمة على العباد، وكأنه نُطع وسيف وسكين قاطع وسجل عقاب.
لا يخطر ببالي لحظة أن نتنازل قيد أُنْمُلَةً لدعوة "حقوق الإنسان" الرائجة في العالم رواجَ آخر نَسْمةٍ حَيَّة في العالم المخنوق، عن حق الله وحدوده. ويلٌ لمن ينظر إلى الخلق وينسى الله! الجلد حق والقطع والرجم وسائر حدود الله عز وجل. لكن التطبيق لابد فيه من التدَرّج. وما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من التدرج سنّة عملية. يقول القائل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفذ الحدود فَوْرَ نزول الوحي بها، فتطبيقُها يبدأ من أول يوم أمسك فيه الزمام. وهكذا يمكن للقائل أن يغلق أبناك الربا ويرجم ثلث الناس ويقطع واحدا من عشرة. وهو الذكي إن سأل نفسه: من يقطع من؟ وأين الجهاز القضائي، وعدل الشهود، وصدق حالف اليمين! من ينصب القضاة، ومن يراقب، ومن يحاسب!
إن الله عز وجل قال: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ( (سورة التغابن، الآية: 16). وإنه عز وجل يقول: )التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ( (سورة التوبة، الآية: 112). انظر الشروط السابقة المشروطة والمَبْنِيَّ عليها أهلية الحفظ لحدود الله. فتطبيقنا للشريعة وحدودها وحلالها وحرامها وفرضها وسنتها يخضع بحكم سنة الله، وبحكم شرع الله، وفي حدود استطاعتنا لتقوى الله، لوجودِ، بل إيجاد، "الحافظين لحدود الله" الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الساهرين من منابر الدعوة ودواوين الدولة على أن يرعى كل راع رعيته.
وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ادْرَؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله. فإن الإمام أن يُخْطِئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة". رواه الترمذي عن عائشة مرفوعا وموقوفا ورواه ابن حزم عن عمر بن الخطاب بإسناد صحيح.
دَرْءُ الحدود ودفعُها والتماس المخرج من الإلزام بها بكل وسيلة: "ما استطعتم". وأيُّ شبهة أغمضُ غموضاً وأدعى للتؤدة ودرء الحدود من غربة الإسلام في بدايته الثانية، وقلة النصير، وتناكر الناس لا يعرف بعضهم بعضا تلك المعرفة الضرورية لتقييد الشهادات بعدل الشاهد، وتقييد القضاء بدين القاضي وعلمه بالله وشرعه لا بشهادة "الحقوق" و"القرار الإداري"؟ أي شبهة أنكد من شبهة الظلم الحكمي والظلم الاجتماعي ونتائجهما المَرَضِيَّة المَوْخومة إذا اعتبرنا سُنَّة أمير المومنين عمر الذي أوقف قطعَ السارق عام الرمادة لشبهة طارئة عابرة، في زمن أوج الخلافة، وهي شبهة قحط وسنَةٍ عجفاء! ما سنةٌ طارئة ببلاءٍ محدود في الأرزاق بجنب تراكم القرون بالبلاء والفتون!
روى الإمام مالك في الموطأ وروى النسائي في السنن بإسناد حسن أن صفوان بن أمية تشفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سارق فقال الحبيب الرؤوف الرحيم: "فهل قبل أن تأتيَني به!" وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب". عقَدَ أبو داود عليه بابا: "باب العفو عن الحدود قبل أن تبلغ السلطان".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهزّال وقد جاء يشكو رجلا بالزنا: "لو سترته بثوبك كان خيرا لك!". رواه مالك وأبو داود وله طرق عديدة.
نعم! يوم تقوم قائمة الإسلام، وبالتدريج، واجبنا إن كنا نومن بالله واليوم الآخر أن نطبق حدود الله لا تأخذنا رأفة في دين الله، ولا نخاف في الله لومة لائم. ذلك فضل الله، والستر والتعافي والتغاضي رخصة الله لنا إن قَصُرَتْ وسائلنا عن أن نتقيه حق تقاته، وما دامت فريضةُ مراحِلِنا أن نتقيه ما استطعنا.
قال الإمام عبد القادر رحمه الله ورحمنا: "يا قوم! اعرفوا الله ولا تجهلوه! وأطيعوا الله ولا تعصوه! ووافقوه ولا تخالفوه! وارضوا بقضائه ولا تنازعوه! واعرفوا الحق عز وجل بصَنعته. هو الخالق الرزاق، الأول والآخر، والظاهر والباطن. هو القديم الأول، الدائم الأبدي، الفعال لما يريد. )لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْأَلُونَ( (سورة الأنبياء، الآية: 23) هو المُغنِي، هو المفقر، هو النافع، المحيي، المميت، المعاقب، المخوفُ، المرجَوّ. خافوه ولا تخافوا غيره. وارجوه ولا ترجوا غيره. دوروا مع قدرته وحكمته إلى أن تغلب القدرة الحكمة.
"تأدبوا مع السواد على البياض (الشريعة المكتوبة)، إلى أن يأتي ما يحول بينكم وبينه، تكونوا محفوظين من خَرق حدود الشرع.
"الذي أشيرُ إليه معنىً لا صورة. لا يصل إلى هذا الأمر إلا آحاد الصالحين. ما لنا حجة خارج دائرة الشرع. ما يعرف هذا الأمر إلا من دخل فيه. فأما بمجرد الصفة فلا تعرفه.
"كونوا في جميع أموركم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشدودي الأوساط، تحت أمره ونهيه واتباعه، إلى أن يدعوَكم الملِكُ إليه. فحينئذ استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وادخلوا عليه.
"إنما سُمي الأبدال أبدالا لأنهم لا يريدون مع إرادة الله عز وجل إرادة، ولا يختارون مع اختياره اختيارا. يحكمون الحكم الظاهر، ويعملون الأعمال الظاهرة، ثم يتفردون إلى أعمال تخصهم. كلما ترقت درجاتهم يزدادون أمرا ونهيا(...) لا يخرِّبون حدود الشرع، لأن ترك العبادات زندقة"[1].
قال الإمام الشافعي:
صبرا قـريبا ما أقرب الفـرجَا من راقـب الله في الأمـور نجا
مـن صـدق الله لم يـنله أذىً ومن رجـاه يكـون حيث رجا

وقال رضي الله عنه:
ولـرب نازلـة يضيـق بهـا الفتى ذرعـا وعنـد الله مـنهـا المـخـرج
ضاقت فلما استحكمت حلقـاتها فُرِجَـتْ، وكنت أظنها لا تُـفْـرَج

وقال تائب واقف بباب ربه عز وجل متضرعا راجيا:
أسـيـرُ الخطـايا عنـد بـابـك واقـف علـى وَجَـلٍ ممـا بـه أنـت عـارف
يخاف ذنوباً لم يغـب عنـك غَيْبُهـا ويـرجـوك فيهـا فهـو راج وخـائـف
ومن ذا الذي يُرجى سـواك ويُـتقَـى ومـا لك في فصـل القـضـاء مخـالـف
فيا سيـدي لا تخـزني في صحيفـتي إذا نُشرتْ يوم الحسـاب الصحائـف
وكـن مـؤنسي في ظلمة القـبر عنـدما يَـصُـد ذوو ودٍّ ويجـفــو المـؤالـفُ
لئن ضاق عني عفـوك الواسـع الذي أُرَجِّـي لإســرافي فـإنّـيَ تـالــف

وقلت:
تَمَاوَتْ فَـبَيْـنَ يَدَيـكَ الكَفَــنْ وَأَنْـتَ غُـثَــاءٌ رَمَــادُ الـزَّمَــنْ
خَفِ المَوْتَ لا تَنْتَهِضْ لِلجِهَـا دِ تَمَكَّنَ مِنْكَ عُضَــالُ الوَهَـنْ
دَعِ الشَّهْــمَ مِنَّــا يُقيـمُ العِمَــا دَ وَيَكْنُسُ مِثْلَكَ وَاهِي الدِّمَنْ

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:51 PM
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
بسم الله الرحمن الرحيم. )رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي. ربنا وتقبل دعاء(. لا إله إلا أنت، وعدُك حق، ولقاؤُك حق، ورسلك حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق.
لكل نظام سياسي قاعدة هي الأحزاب المتعددة أو الحزب الواحد المعتمدة على إديولوجيات توحد وجهة كل منها وعلى رأي عام يحتكر مخاطبتَه الحزبُ الواحد أو تتنافس على التأثير فيه واقتناص أصواته الأحزاب الديموقراطية. وتسمى خلاصة الرأي وتصويت الأغلبية كما يسمى قرار الحزب الوحيد "إرادة الشعب".
في النظام الإسلامي، كما نتصوره في عصرنا وما بعده، تكون قاعدة الشورى والحكم والمراقبة هي المشاركة العامة بمقتضى واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. حيث تكون عضوية الحزب في النظامين الديموقراطي والشيوعي اختيارا ومزيَّة، وحيث يكون التصويت اختياريا، يكون واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في دولة القرآن تجنيدا شرعيا للكافة من المومنين والمسلمين.
المعروف، كما قال الراغب الأصفهاني، "اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنُه، والمنكر ما ينكر بهما". فواجب كل محسن ومومن ومسلم ذكرٍ أو أنثى أن يجتهد لمعرفَة الحسن العقلي والشرعي، ويأمر به، وينهى عن خلافه، ويجاهد بالفكر والقلب واللسان واليد ليُعرَفَ المعروف من الدين ويُفعل ويحترم، ولينكر المنكر في الدين ويُدْحضَ ويُبْطَلَ.
وكما يعرف إسلام المسلم والمسلمة وإيمان المومن والمومنة في خاصة فرديَّةِ كل واحد بصلاح الأعمال والأقوال،كذلك تعرفُ إسلامية المجتمع من عدمها،ودرجة إسلاميَّته، بمقدار يقظته الدينية المتجلية في معرفته للمعروف وأمره به وفرضه في السلوك العام، وفي معرفة ما هو المنكر ونهيه عنه ومحاصرته وملاحقته أنَّى وُجِد.
واجب المسلمين والمومنين فردا فردا في حق الغير أن يرعى كلٌّ رعيته بمسؤولية وأمانة. وواجبهم جماعة، واجبا عينيا يتساءلون عنه ويتراقبون، أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.
نقرأ في القرآن أن خِيَارَ العباد هم "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" ونقرأ أن خير الأمم "أمة تامر بالمعروف وتنهى عن المنكر". قال رب العزة جل شأنه: )كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ( (سورة آل عمران، الآية: 110). وقال عز من قائل: )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ( (سورة آل عمران، الآية: 104). الحافظون لحدود الله الذين عليهم مدار تطبيق الشريعة هم الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر، وهم كافة الأمة. قال تعالى: )التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ( (سورة التوبة، الآية: 112). ونقرأ أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حكمة عُليا يجب أن يربَّى عليها الوليد منذ نشأته. قال الله عز وجل حكاية لنصيحة لقمان لابنه وإقرارا لها : )يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ( (سورة لقمان، الآية: 17). فكما يومر الصبي بالصلاة ويربّى عليها لأنها عماد دينه في نفسه، كذلك يومر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن ذلك عماد دين الأمة، لا يستقيم للأمة دين ولا دنيا ولا آخرة إلا به. ويكفي دلالة على فظاعة ترك هذا الواجب المقدس أن الله تعالى لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم )بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ. كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ. لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ( (سورة المائدة، الآية: 79). فعدَّ سبحانه الإخلال بهذا الواجب العظيم عصيانا له وعُدوانا على خلقه.
وإنما ماتت الأمة موت الخنُوع، وفسد نظامُها، وسقطت من مقام "خير أمة أخرجت للناس" بتركها الواجب العظيم الذي حث عليه الله عز وجل في كتابه، وأكده صلى الله عليه وسلم في مثل قوله: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلُف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يومرون. فمن جاهدهم بيده فهو مومن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مومن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مومن. ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خَردل". رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه.
معرفة ما هو المعروف وما هو المنكر شرط وجوب وشرط صحة سابقٌ على المشاركة في الأمر والنهي. المنكر الأكبر كما عينه هذا الحديث الشريف هو حكم المنافقين الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يومرون. فمَن حَمَل حملاتِ التشهير والتكفير على البدع الجزئية، بدَع العجوز الجاهلةِ والعادات السافلة، مسالما للمنكر الأكبر، مُنْكَرِ الحكم الفاسد قبل قيام الدولة الإسلامية وبعدها، فهو راتِع في دين الأمة، محرِّفٌ لسُلَّم أولوياتها بسبب اختلال علمه وعمله، إذ تصدى لمسؤولية جسيمة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
واجب كل مسلم ومومن أن يتعلم ما هو المعروف وما هو المنكر قبل المشاركة في الفِعْل، كما يتعلم صفة الصلاة وأركانها وشروطها قبل القيام إليها وإقامتها. مصدر التعلم والتلقي، قبل قيام دولة القرآن وبعدَه، هم العلماء العاملون المتجندون في جماعة المسلمين المتصدية للحكم. وقد يختلف تصور العلماء للمعروف والمنكر حسب الاجتهاد أو حسب الانتماء التنظيمي إن كانت "جماعة المسلمين" في قطر ما ومرحلة ما تتكون من جماعات مستقلة الرأي والاجتهاد والكلمة. وعلى كل جماعة في هذه الحالة أن تصرح برأيها واجتهادها وأدلتها لتقنع الناس ولتتحد الكلمة وجوبا قبل الشـروع في العمل ببَنْدٍ من بنود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإلا تَتَّحِد الكلمة تكن فوضى وفتنة ومنكراً أعظم كمن يطفئ النار بالزيت.
إن الهدف الرئيسي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو اجتثات الحكم الفاسد وتقويض دعائمه شرطاً لكل الشروط، وإلا استحال هذا الواجب المقدس لعبة في يد السلطان الجائر وسهما مصوبا إلى من ينافسه ويضايقه. ثم الأهداف بعد ذلك هي المحافظة على سلامة نظام الحكم، وحماية حوزته، وتزويد جَذْوته بِالجُهد الصادق لكيلا يفتر نشاطهُ وتنطفِئ شُعلته. ثم محاصرة بؤر الفساد ومنابع الشر، مؤسسات وأفراداً، لدحض الفساد وإخماد المنكر وتخميله وتنويمه والحدِّ من شره. ثم في حركة موازية مزامنة لإبطال الباطل وهدِّ المنكر، الجهاد الإيجابي لإحقاق الحق، وهو المعروفُ حسنُه بالعقل والشرع، بل بالشرع والعقل. والمعروف هو العدل والبر والمجتمع الأخوي وإنصاف المحرومين وإغاثة الملهوفين ورفع المستضعفين إلى المرتبة الإيمانية المكرَّمة التي يستحقون بها منة الله بالاستخلاف في الأرض والسيادة فيها.
إن المشاركة العامة بالباعث الديني تُعطي الأمة في ظل دولة القرآن طاقةً كبيرة، على جند الله، جماعة واحدة أو جماعات متعاونة على البر والتقوى، أن تستغلها وتُوَجهها التوجيه الحسن كما تستغل أثمن كنز. عليها أن تنسج من المجهودات العفوية الشعبية، الصاعدة قُربانا لله رب العالمين وطاعةً، صعيداً وقاعدةً بجهد الدولة المنظم، ليتلاقى الجهدان، ويتكامل العملان، أمرا ونهيا، أخذا وعطاء، دفاعا وتأسيسا، حفاظا وتنمية.
لا شك أن جهاز الدولة، عندما تتسلمه الأيدي القوية الأمينة، هو الآلة الأقدر على التنفيذ. والدعوة الماسكة بالآلة هي الجهة الأجْدرُ بقيادة المجتمع وتنسيق الجهود. فليكن هدف الدعوة وتنفيذ الدولة قاصداً إلى تحقيق حالةٍ يتقلص فيها ظل الدولة ليتولى الناس عامة شؤونهم، وليتولى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليتولى البر والإحسان، وليتولى رعاية كل راع لمناط مسؤوليته، ما هو حالٌّ حاضر سهلةٌ مراقبتُه من الأعمال.
وليكن الرفق، لا سيما في مراحل التأسيس، رائد جند الله. هناك أشلاء النظام المقضيِّ عليه، من أحزاب ومؤسسات. هنالك الذهنيات الموروثة، والعادات، والأنانيات، والغنائم الحرام، وتربص الأعداء من داخل وخارج. وليس واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشيء الذي تناديه فيلبي النداء فورا ويحضر لتلَقِّي الأوامر. الإيمان بناءٌ وتربية وتوجيه وتسديد. ومن جملة شعب الإيمان الأمر والنهي، والفعل والترك.
يُترك للأحزاب حريَّةُ رفع اللافتة الإسلامية لمن شاء منها أن يستقيم. ويعامل كل منكر من منكرات الأمس على ضوء نية مجدَّدَة معلنة بعد ردِّ المظالم. ثم إن هنالك سَعَةً في سياسة المقاطعة والتبكيت، والحزم اللازم والرفق الملائم، حتى يهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة، وإن الله لسميع عليم.
ارتد رجل زمان حكم أمير المومنين عمر فقتلوه. فأنكر ذلك عمر وقال: "فهلا حبستموه -قالها ثلاثا- وأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتَبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله! اللهم إني لم أحضر، ولم آمر ولم أرض إذ بلغني!" رواه مالك في الموطإ.
كانت شدة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعداء الله بعد أن ثبتتْ أركان دولته في المدينة شدةً بالغةً. فقد غَدَرَ ناسٌ من عُكْل بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وعطشهم حتى ماتوا عطشا. ذلك جزاء وفاقٌ كما قال الله تعالى: )إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ( (سورة المائدة، الآية: 33). وإن لنا في قوله وهو أرحم الراحمين: "أو ينفَوا من الارض" خيار ومندوحة عن البأس الشديد قبل أن نتمكن كما كان لعمر مندوحة في حبس المرتد عن حد الله وأمر رسوله بقتل من غير دينه من زنديق وملحد، لمصلحة رآها الفقيه الراشد عمر أمير المومنين.
قال أمير من أمراء الأولياء وسلاطينهم الشيخ عبد القادر: "قد أخبرك الله عز وجل بجهادين: ظاهر وباطن. فالباطن جهاد النفس والهوى والطبع والشيطان، والتوبة عن المعاصي والزلات، والثبات عليها، وترك الشهوات المحرمات. والظاهر جهاد الكفار المعاندين لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومقاساةُ سيوفهم ورماحهم وسهامهم. "يَقْتُلون ويُقْتلون". فالجهاد الباطن أصعبُ من الجهاد الظاهر، لأنه شيء ملازم متكرر. وكيف لا يكون أصعب من الجهاد الظاهر وهو قطع مألوفات النفس من المحرمات، وهجرانُها وامتثالُ أوامر الشرع، والانتهاء عن نهيه!
"فمن امتثل أمر الله عز وجل في الجهادين حصلت له المجازاة دنيا وآخرة. الجراحات في جسد الشهيد كالفصد في يد أحدكم: لا ألم لها عنده. والموت (المعنوي وهو المعبر عنه بالفناء) في حق المجاهد لنفسه، التائب من ذنوبه، كشرب العطشان للماء البارد.
"يا قوم! ما نكلفكم بشيء إلا ونعطيكم خيرا منه. المراد (من العباد) كلَّ لحظة له أمر ونهيٌ يخصه من حيث قلبُه. بخلاف بقية الخلق، بخلاف المنافقين أعداء الله عز وجل ورسوله. بجهلهم بالحق عز وجل وعداوتهم له يدخلون النار. وكيف لا يدخلون وقد كانوا في الدنيا يخالفون الحق عز وجل ويوافقون نفوسهم وأهويتهم وطباعهم وعاداتهم وشياطينهم، ويؤثرون دنياهم على أخراهم ! كيف لا يدخلون النار وقد سمعوا هذا القرآن ولم يومنوا به، ولم يعملوا بأوامره وينتهوا عن نواهيه!
" يا قوم! آمنوا بهذا القرآن واعملوا به، وأخلصوا في أعمالكم. لا تُراءُوا ولا تنافقوا في أعمالكم. ولا تطلبوا الحمد من الخلق والأعواضَ عليها منهم. آحاد أفرادٍ من الخلق يومنون بهذا القرآن ويعملون به لوجه الله عز وجل. ولهذا قلَّ المخلصون وكثر المنافقون.
"ما أكسلكم في طاعة الله عز وجل وأقواكم في طاعة عدوه وعدوكم الشيطان الرجيم! القوم يتمنون أن لا يخلوا من تكاليف الحق عز وجل"[1].
قال ناصح للمنافقين وأصحاب البدع متمسك بآثار السلف الصالح:
قد أحدث الناس أمـورا فلا تعمـل بها إني امـرؤ ناصح
فما جمـاع الخـير إلا الذي كـان علـيه السلـف الصالح

وقال تائب منيب متعرض لعفو الله ومننه طامعٌ صابرٌ:
رُدِدْنا فلم نيـأس وعُـدْنا فـعُـد لنـا بعفـوك يا مـن عنـده كـرم العـفـو
فـقـمـنـا قـيـام المفـلسـين تـذَلُّـلا ببحـر العطـايا دون حبـل ولا دَلـو
خــواطـرنـا مـغْـبَـرَّة بـذنـوبِـنـا بأضعاف ما تشكو الحواضِـرُ بِالبَدْو
وقد منـعـت دُهـمُ الغمـائم ودْقَهـا وقد نَخِـلَتْ وُرْقُ الحمـائم بالشَّـدو
فـلا نَغْـمَـةٌ تبـدو عشِـيّـاً بـروضـة ولا بِلَّـةٌ تبـدو صبـاحـا على المَـرْوِ
وتلك جنـأيـات الذنـوب، فإنهـا تعـود بتكـديـر على رَوْنَـقِ الصَّفْـو
أينفـع إقـرار اللسـان وفي الحشـا فؤاد على عمَدٍ يُقيـم على السَّهـو!

وقلت:
مَا كُنْتَ تَتْلُو مِنَ كِتَابِ الهُـدَى يَـأْمُـرُ بِالمَعْــرُوفِ خَيْــرَ الأُمـمْ
والـمُنْكَــرَ الكَــرِيــهَ يَـلْعَــنُــهُ فاليَوْمَ دَاسَ النَّــاسُ تِلْكَ الحُــرَمْ
فَيَا حُمَاةَ الشَرْعِ قُومُوا اصْـفَعُوا أُبَّهَـةَ الظُّـلْــمِ وَدُوسُــوا الصَّنَـمْ




[1] الفتح الرباني ص83.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:52 PM
الدعوة والدولة
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا اغفر لي ولوالدي وللمومنين يوم يقوم الحساب(. ربنا أصلح بيننا، واهدنا سبيل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، واصرف عنا الفواحش ما ظهر منها وما بَطَنَ، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قائلين بها، وأتممها علينا.
العلماء العاملون الراسخون في العلم، خاصة الربانيون، هم أمناء الرسل المبلغون عن رب العالمين القادةُ الشرعيون للأمة. أمرت الأمة أن تطيعهم وتتبعهم في قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ( (سورة النساء، الآية: 58). ما لبث حكم الصبيان الذي كان يستعيذ منه أبو هريرة أن دشنه يزيد، فانتقضت عروة الحكم، وابتزَّ الملوك العاضون المشروعية، وزعموا وزعم لهم خدَمُهم من علماء السوء أنهم أولو الأمر الواجب طاعتُهم.
وما لبث العلماء أن انقسموا بعد فتن الحروب الداخلية وفتن الفرقة والخلاف إلى صوفية خرجوا من الميدان،وعلماءَ زهدوا في السلطان وفيما عند السلطان لمّا خاصم السلطان القرآن، وضعفاءُ من المنتسبين للعلم انضوَوْا بدون قيد ولا شرط تحت لواء الحكم المغتصب. وهكذا ازدوج الأمر وتوزع وتبعثر بين دولة جائرة، جائرة لأنها غير شورية، ودعوة غريبة سليبة. وسقط العلماء، بصفة عامة، طوْعا وكرْها، في قبضة السلطان.
في حيِّز المجتمع الإسلامي الشيعي سقط العلماء، بصفة عامة، طوعا وكرها، في قبضة العامة وتحكم "الشارع". يصِفُ الشوكاني حالة العلماء الزيدية في يمن القرن الثاني عشر وسيرهم مع الرعاع في معارضة فتوى له أصدرها في وجوب احترام الصحابة عنوانها: "إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي". قال: "ولكن كان أهل العلم يخافون على أنفسهم، ويحمون أعراضَهم، فيسكتون عن العامة. وكثير منهم كان يصَوِّبهم مداراةً لهم. وهذه الدسيسة هي الموجبة لاضطهاد علماء اليمن، وتسلُّط العامة عليهم، وخمول ذكرهم وسقوط مراتبهم.(...) ولو تكلموا بالصواب أو نصروا من يتكلم به أو عرَّفوا العامة إذا سألوهم الحقَّ وزجروهم عن الاشتغالِ بما ليس من شأنهم لكانوا يدا واحدة على الحق"[1].
كان داء الرفض وبِدْعته المميتة، ولا يزال، ساريا في رعاع الشيعة فقاموا بفتنة ضد فتوى الشوكاني، وخضع العلماء.
إن مسايرة علماء أهل السنة والجماعة للسلطان، ومسايرة علماء الشيعة للعامة الذين منهم أرزاقُهم وعليهم اعتمادُهم، يُفسر سقوط الأمة في "دسيسة" تاريخية خافية وبادية. العالم الشيعي المرجع له أتباع، وعالم القصر له أطماع، ذاك تسلط عليه أتباعه، وهذا أرْدَتْهُ أطماعه.
والحاكم الغاصب والرعاع السائب مناخ ملائم للاستخفاف والتحريف والانحراف. قال الله عز وجل يقص علينا النموذج الأطغَى نموذَج فرعون وملإه ورعاعه: ) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ. فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ. فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ( (سورة الزخرف، الآية: 51).
الدعاية الرسمية، والقمع، وإبادة الصالحين، وثَلْبُ أعراض الدعاة العاملين، والاستجابة الخرساء للعامة المطيعين الخانعين، وقبضةُ العامة الهائجين فيما قبل ثورة إيران وما بعدها. هذا هو الموروث الفتنوي الواجب تغييره بطرد الغاصبين العاضّين بقومة لا تُسفك الدماء أثناءها كما فعلت إيران الثائرة، ولا تُسفَك بعدها كما تفعل.
ثم الواجب بعدئذ إعادة الأمر الواجب طاعة أهله إلى نصابِ الشورى، ونصاب قيادة الدعوة للدولة لا العكس، ونصاب الوَلاية العامة بين المومنين، والخاصة بين جماعات جند الله، إن كان في قطر ما ومرحلة ما تعدُّدٌ، وقد يكون تعدد الجماعات وتعايُشها وتعاونُها على البر والتقوى، وتنافُسها في الخيرات هو الصيغة المثلى النهائية.
إن واجب الوَلاية بين المومنين، ولم يُذكر المسلمون في الآيات الموجِبة، تتويجٌ لِواجب رعاية كل ذي رعية رعيته، وواجبِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الوَلاية قرب وتقارب، نصر وتناصر، حب وتحاب. تحت مظلة هذه الأخوة الناصرة تتألف الدعوة، ويتعاطف الكبير والصغير، ويتبادل خِدمات البر الأبناءُ والآباءُ والأجدادُ، وينعطف الحاضر إلى الماضي مستوحيا أمثلة الرشد، ويشرئب إلى مستقبل الوحدة والخلافة الثانية ليسير نحوه بخطىً وثَّقها عهد الله، وأوجبها أمر الله، وأخبر بها رسول الله.
يمتد ظل الفتنة الماضية على الواقع الحالي للمسلمين، على عقلهم ونفسيتهم وعادتِهم، كما يظلِّم جَنَباتِ هذا الواقع التخلف الماديُّ والاقتصادي والعلومي بالمقارنة مع الحضارة الغربية الغازية. تخلُّفٌ في العلوم التجريبية التي حَذَقَها غيرنا، نلتهم كل ما جاء من هناك بتسليم وتهافت، نحسب أن آية التفوق الصناعي، بل آياته الطائرة في الفضاء الغائصَة في البحار، القاذفة للنار، حجج لا ترد على أن ثقافة الصانعين وتصورَهم للعالم والإنسان هو التصور الصحيح. ونحسب أن ما قاله وكتبه ونص عليه وعلق عليه وشرحه من سبقونا حق لا يتجزأ، ومن جملة هذا الحق أن قمة القوة الإسلامية وقمة الحضارة وبقية المجد تتمثل في "الخلافة" الأموية، و"الخلافة" العباسية، و"الخلافة" العثمانية.
لا كلام، كما يقول الشيخ عبد القادر، حتى نعودَ إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحُكمِه على السلطان الأموي وما بعده بأنه ملك عاض وجبري. ويحك! كيف تسمي خلافةً ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم مُلكا؟ العلماء الكاتبون المُفتون كانوا تحت تسلط الجائرين الظَلمة. وما بالأشخاص من عبرة، فقد كان من الملوك رجالٌ صالحون مصلحون، لكن النظام الوراثي السيفي قَدَرُ إلهي وقع، ويجب أن نقاومه بقدر إلهي، من توفيق الله عز وجل وسعينا، ينادي بالخلافة الثانية التي وعد الله عز وجل بها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتناولها الدعوة القائمة من يد الدولة الهائمة السائِمة لتعيد الأمر إلى نصابه الراشدي.
لا معنى لأن نقول: إن في الفقه الإسلامي ثغْرَةً فيما يرجع للنظام السياسي. الصواب أن نقول: إن هناك صخرة سدت مجارِي المشروعية، وعطلت الشورى، وطحنت العلماء كما طحنت الأمة.
لابد لنا من فقه مجدَّد نابع من الأصول القرآنية النبوية الراشدية لنعرف موْقع أقدامنا في بناء دولة القرآن على نمط يستفيد من تجارب الأمم في تنظيم الدولة الحديثة المتعددة الوظائِف، وينطلق من الدين لا من الموروث المخبوث ولا من فلسفة الغير، وتحتكم تعددية الدعوة إلى أمر الله بالولاية والأخوة بين المومنين كما تحتكم تعددية غيرنا إلى الديموقراطية، ويقيمُ العدل في المجتمع المسلم ثم في الأرض كافة كما لم تستطع الاشتراكية المخذولة في أفغانستان المتراجعة في كل مكان أن تفعل، ويصلُ في طريق الوحدة والخلافة الثانية إلى تحقيق شرط الله عز وجل و"أمره اليومي" وعهده لجنده الوارد في قوله عز من قائل: )الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ( (سورة الحج، الآية: 39). إن وضعية الدعوة بالنسبة للدولة في الحكم الإسلامي المستقيم هو وضعُ السيادة غيرَ منازعة فيها. إمام المسلمين، المختارُ بالشورى، هو قائد الدعوة ورأس الدولة. إماما قطريا، كلما تحرر قطر نصب إماما إلى أن تتوحد الأمة في الحرية لتتوحد في الإمامة بشكل تسمح به المرحلة والوسائل ونضج الأمة.
لكن وضع السيادة لا يعني بوجه أن يشتغل الدعاةُ مباشرة بدواليب الدولة، فتغلبَهم على نفوسهم ووقتهم، فيذوبوا فيها وتصبحَ الدولة والدعوة خليطا واحدا له هدف نفْعي إجرائي يومي. رجال الدعوة في الحكم المستقيم لهم السيادة الشورية، وعليهم مراقبة مجالِس القرار، ومؤسسات القضاء والشرطة والجيش والحسبة والمظالم والاقتصاد والتصنيع والتعليم والإعلام وكلِّ ما هناك. فإن ذابوا في الدولة أفرادا، وذابت الدعوة في هيكل الدولة الحديثة الأخطبوطية ماتت الدعوة وآل الأمر إلى تسلط الدولة على الدعوة.ونعوذ بالله من الحور بعد الكور.
لم تقتل الدولةُ الدعوة على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. لأنهم أولا كانوا رجالا معهم رجال أيُّ رجال، ولأن مهمات الحكم زمانئذ لم يكن له عشر معشار مهمات الدولة الحديثة.
ومع أنه عمر، فقد كان يحبس في المدينة أفاضل الصحابة وخيارَهم مخافةَ أن "يدنّسهم العمل". هذه عبارته نترجمها فنقول: مخافةَ أن تغتال الدولةُ الدعوةَ. وكان الأخيارُ في مجلسه، وهم رجال الدعوة، يشيرون عليه في الشؤون العملية، ويرفعون أكفَّهم للدعاء والتضرع إذا حزب الأمر، ويبكون معه إذا ذكروا الله وتذكروا.
وكان عمال الدولة أعوانا للدعوة قبل كل شيء، فيقول عمر للناس فيما رواه الإمام أحمد عن أبي فراس: "والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم. ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم".
كانت الدولة في خدمة الدعوة لا العكس. لهذا كان عمر يستعمل الفاجرَ القويَّ يفضِّله لعمل الإدارة على التقي الضعيف، ويضَعُه تحت المراقبة الشديدة، ويحمل الجميع محامِلَ الخير حتى إنه عزل عاملا له لا يزور المرضى وأرسل رسولا ليُحرق باب "قصر" سعد بن أبي وقاص، وهو من الصالحين المبشرين بالجنة، مخافَةَ أن يحتجب لحظَةً عن رعيته.
ويقول لعماله: استعملتكم لتقيموا الصلاة، لم أبعثكم جبابرةً، لكن بعثتكم أئمة.
فتوى الفقهاء المستضعفين بعد العصر الراشدي تقول بجواز إمارة الفاجر القوي ووجوب الغزو معه. وهي فتوى الحاصل في القبضة، ذهب "الحصول" بتلك المدارس إلى الإفتاء بشرعية "إمارة الاستيلاء" وهي حكم السيف لا غير، وهي حكم السلطان المطلق الصائل لا الأمير الحاصل في قبضة عمر. رضي الله عن عمر.
قال الإمام عبد القادر الجيلاني رحمه الله: "ويحك! الدنيا في اليد: يجوز! في الجيب. يجوز! ادخارها بسبب لنية صالحة: يجوز! أما في القلب فلا يجوز! وقوفها على الباب: يجوز! (يعني بـ "الدنيا" في هذا النص وفي كثير من كلامه الدولة والحكام الظلمة كما سنقرأ إن شاء الله) أما دخولها إلى ما وراء الباب فلا ولا كرامة!
"إذا فني هذا العبد عنه وعن الخلق صار كأنه مفقود مَمْحولٌ. يتغير باطنُه عند مجيء الآفات. يوجَدُ عند أمر الله عز وجل فيمتثله، وعند مجيء نهيه فينتهي منه. لا يتمنى شيئا (من "الدنيا") ولا يحرص على شيء.(...)
"أين أنتم منهم يا خونةً في العلم والعمل! يا أعداء الله ورسوله! يا قاطعي عباد الله عز وجل! (يخاطب الظلمة وعلماء السوء المنافقين) أنتم في ظلم ظاهر ونفاق ظاهر! هذا النفاق متى يا علماءُ ويا زهاد! كم تنافقون الملوك والسلاطين حتى تأخذوا منهم حطام الدنيا وشهواتها ولذاتها! أنتم وأكثر الملوك في هذا الزمان ظلمة خَونة في مال الله عز وجل وعباده. اللهم اكسر شهوة المنافقين واخذُلهم، أو تب عليهم! واقمع الظلمة وطهر الأرض منهم، أو أصلحهم! آمين!"[2].
وقال: "اللهم ارزق من طلب الدنيا لمعونته على الدين. ومن طلب الآخرة لوجهك فارزقه. ومن طلب الآخرة رياء فلا ترزقه! ومن طلب الدنيا للدنيا فلا ترزقه لأنها حجاب عليه.
"ليته أفلح واحد منكم!(...)
"يا قوم! الإسلام يبكي ويستغيث! يدُه في رأسه من هؤلاء الفجار! من هؤلاء الفُسّاق! من هؤلاء أهل البدع والضلال! من الظلمة! من اللابسين ثياب الزور! من المدّعين ما ليس فيهم!
"انظر إلى من تقدمك وإلى من كان معك آمرا ناهيا آكلا شاربا. كأن لم يكونوا! ما أقسى قلبك! الكلب ينصح صاحبه في صيده وزرعه وماشيته وحراسته، ويُبَصْبِصُ عند رؤيته، وإنما يطعمه عند عشائه لقمة أو لقيمات. وأنت تأكل نعم الله وتشبع منها ولا تعطيه منك مطلوبَه. لا توفيه حقه! تردّ أمره! لا تحافظ على حدوده!"[3].
ويقول الواقف على بابه عز وجل:
تعـدَّت خطايانا إلى الوحـش بالفـلا وعـاد تعـدّيهـا على المـرِّ والحُـلْـوِ
إذا كتبت كـفُّ الحيا صَفْـحَ زهـدنا تصـدّتْ لها كـف الهجيـرَة بالمحْو
فـلا مسـرح إلاّ هشـيـمٌ على الصفـا ولا سـارح إلا هـزيــل على نِـضْـوِ
سـألـنا وألحـفـنـا ســؤالَ ضـرورة تُصـرَّفُ مـا بين الـتضـرع والشـكْـو
وإنـا مـع التـأمـيــل نعـلـم أنّـنـا لأَدْنى، إذا لم تعفُ عنا، من السطو
عـبـيـدك بالبـاب الكـريـم أذِلَّــةٌ قيـام على الأقـدام في كُـرَب الشجْـو
وقـد أخلقـت أعـراضَهُم ووجـوهَهم خطـاياهم فالكـل مـقـتـربُ الخطـو
فلا تجـزنـا عـدلا بما نحـن أهلُـه فتُهلِكَـنـا في حـاجـة المُـزْن بالصحـو
ظمـئـنـا وأشـرفنـا على هُـوَّة الردَّى وأنت الذي تكفي وأنت الذي تُرْوي
نرى العالم السٌّـفْـلِيَّ أقْـوتْ نجـومُه فها نحـن نستسقيك بالعالم العُلـوي

وقلت:
لاَ تُخْدَعُـوا بِتَمَــائِمِ الشَّيْطَــان وَمُزَخْـرَفــاتِ الزُّورِ والبُهْتَــانِ
قَـامَتْ لِنَصْرِ اللَّه أُسْدُ مُحَمَّـد فَتَحَشَّـدَتْ زُمَـرٌ مِنَ الأعْـوَانِ
عَلَوا المَنَابِرَ وانْـبَرَوْا بِفَصَاحَــةِ يَتَمَلَّـقُــونَ مَـوَائِـدَ السُّلْطَــانِ




[1] البدر الطالع ج 1 ص 234.
[2] الفتح الرباني ص 216.
[3] نفس المصدر ص 371.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:52 PM
الشورى
بسم الله الرحمن الرحيم. )سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا(. اللهم إني أسألك بنعمتك السابغة التي أنعمتَ بها، وببلائك الذي ابتليتَني، وبفضلك الذي أفضلت عليَّ، أن تدخلني الجنة. اللهم أدخلني الجنة بفضلك ومنتك ورحمتك.
لا يترك العمل الصالح للمبادرات الفردية دون نظام وترتيب، وإلا كانت فوضى، وهي ما يعبَّر عنه بالفتنة. الوَلايةُ التي أوجبها الله جلت عظمته بين المومنين، ويَنْعَم برحمتها وفي كنفها كل المسلمين وكلُّ الناس أجمعين، تقتضي نظاما لتكون نعمة حقا. الولاية أن تتآلف القلوب على حب الله ورسوله وعلى الإخاء بين المومنين. ثم أن يتآلف الرأي بالشورى، ثم يتآلف العمل بالطاعة لله ورسوله ولأولي الأمر. )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ( (سورة الحجرات، الآية: 10)، ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ( (سورة الشورى، الآية: 38)، ) أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ( (سورة النساء، الآية: 59)، نصوص قطعية في الموضوع.
الشورى تَهدِف إلى إجماع الرأي كما تهدِفُ المحبة والأخوة لجمع القلوب، لتأتي طاعةُ من أجمَعَتْ عليه الآراء وتجمعت حوله القلوب تجمع الشمل كله.
ليست الشورى لباسا نلبسه وحِلْيَةً نتزين بها من خارج، وفي باطن قلوب الأفراد وعقولهم، وفي أخلاق المجتمع وعلاقاته، ومن مخلفات الماضي وأدرانِ الحاضر نتانةٌ وقذارةٌ. الشورى طهارة وتطهر بين يدي العمل الصالح كما أن الفوضى والفتنة والحكم الجائر نجاسة.
ليست الشورى جهازا نُركبه جاهزا إن لم يسبق العملية، ويصحبها، ويتبعها، تطهير القلوب، وتنوير العقول، وتقويم الذهنيات، وكسر البدع والعادات، وتذويب الأنانيات. وكل ذلك لا يتم إلا في سياق قومة مستمرة (لا أستعمل كلمة ثورة لأن مؤداها في تاريخنا، وكانوا يستعملونها استعمالا سلبيا، وفي حاضر العالم لا يتطابق مع المطالب الإسلامية).
وإن لِدَولة الإسلام وشُوراه أعداءً وخصوماً من بني جلدتنا. تطهير هؤلاء وعلاجهم يكون بالشورى نفسِها. نترك كل تجمع سياسي ورثناه، وندخل نحن كلما أمكن في التعدديات الديموقراطية، ليتبارى الإسلام والجاهلية على عين الأمة حتى يهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة. وإنه لا شيء يعدل أن تهزم الخصوم السياسيين الهزيمة المعنوية المشهودة في مجالهم. فإن صَحِبَتْ هزيمتَهم السياسية هزائمُ أخلاقيةٌ وفكريةٌ وتدبيريةٌ فقد كسبنا أشواطا لا تعوَّض في طريق تربية الأمة وانتزاع إمامتها من الأيدي العابثةِ لتعطينا ولاءها عن اقتناع رسَّخته المقارنة بين الأمناء الأقوياء وغيرهم. وهذا لا تعطيه إلا التعددية.
دعه يركضْ في تناقضاته أمام الأمة!
كما يتيح تعدد الجماعات الإسلامية، في إطار الولاية بين المومنين لا خرقا لها، أن تتنوع الآراء والاجتهادات، وأن ينقِّح بعضها بعضا، وأن تُخرج كل جماعة ما عندها تحت ضوء الشمس، فإن كثيرا من الانحرافات والتفاهات ماله سندٌ ولا رصيد إلا غموضه وسرِّيَّته، تزعم أن لديها كنزاً لا تدركه الأبصار.
الشورى إجماع، ومقاربة للإجماع، ومحاولة للإجماع.فرض الله عز وجل الشورى كما فرض الصلاة وسائر التكاليف. وعين للشورى مرتبة في سلسلة شعب الإيمان ودرجات الإحسان في قوله عز وجل: ) وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ. وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ( (سورة الشورى، الآية: 37). جاءت الشورى في المرتبة السابعة من أعمال المومنين القلبية الخلقية العقلية العملية. فإن أفردنا الشورى وحاولنا أن نحقق إجماعا بين قوم إيمانهم ليس موضوع نقاش، ولا توكلهم على ربهم، ولا يجتنبون كبيرة ولا صغيرة من الإثم، ولا صبرَ لهم على الشدائد يغضبون ويعنُفُون، ولم يستجيبوا لربهم ولا أقاموا الصلاة فإنما نعبث بالدين. نعبث بالدين إن لم يكن البرنامج التربوي الدعوي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي المقترح هادفا إلى سَلْكِ الشورى في خيط الإيمان والإحسان لتكون واسطة عقد الدولة كما هي الصحبة في الله واسطة عقد السلوك الإحساني.
جاء بعد ذكر الشورى في هذه الآيات الكريمة ذكر الإنفاق وذكر ردِّ البغي وذكر الانتصار عليه. ذلك أن الشورى وحدها، بتنظيمها العملَ الصالحَ من بر وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، تعطي الأمة القيادة القوية والوحدة العملية الضروريتين لإقامة العدل ولحماية الحوزة.
الشورى واجبة في الشأن العام وهو نصب الإمام. هذا إجماع فقهاء السنة والجماعة إلا الشواذُّ. هذا ضرورة كل عصر وسنة الخلفاء الراشدين عليهم السلام. والشورى ملزِمة وإلا كانت عبثا، خلافا لما زعمه بعض علماء أمس وبعض الجارين مجراهم المنحصرين في تقسيماتهم العتيقة. لكن اتباع الديموقراطية في ترجيحها الرأي على الرأي ببلوغ الواحد والخمسين في المائة من الأصوات دخول في جُحر ضبٍّ خرب. والمطلوب في الدستور الإسلامي أن يحدد عتبةً أرفع من مرجح الصوت الواحد الزائد على الخمسين، نتعارف على أنها شبه إجماع لا يجوز للمستشير أن يخرقه كما لا يجوز له أن يخرق الإجماع.
والشورى نازلة من مقام الإمامة، من وجوبٍ إلى تأكيد إلى ندبٍ، في كل مستوى من مستويات الدولة والدعوة، كلُّ أصحاب رعية ومؤسسة تنتظمهم الشورى إلى أصغر وحدة في القرية النائية والأمر الجزئي.
في الدولة الحديثة شِقَّانِ: تشريعيٌّ وتنفيذيٌّ. الشق الثالث: القضاء هو من قبيل التنفيذ. فيما عدا كون المشرِّعِ الديموقراطي سيد نفسه، أي عبداً لهواه وللرأي العام الذي يعبُدُه وينافقُه، وكونِ المجتهد والمستشار المومن يعبد ربه، فإن تحري المصلحة العامة هدف مشترَك بين دُرَّةِ تاج الحكمة البرجْوازية الغربية (الديموقراطية) وبين حقنا المسلوب المطلوب : الشورى. ومن أمهات المصالح تخصُّص مجلس، أو مجالس، للنظر والاجتهاد والاقتراح والمراقبة، وتخصُّص حكومة للتنفيذ والتدبير.
أهل الشورى، الراجع إليهم أمرُها، المبتدئة منهم مبادراتها، الذين يعْرِضُون على العامة، ويفوِّضُ إليهم العامة، ثلاثة أصناف من الناس: العلماء بالدين، خاصة الربانيون الجامعون بين تقوى القلب وتنور العقل، ثم "أهل الحل والعقد" أي أصحاب التأثير والكلمة والمكانة في المجتمع الذين يَقْتَدي بهم الناس، ثم أهل الخبرة والفن والدراية والإدارة والتنظيم.
فرجال الدعوة وعلماؤها هم مفتاح الموقف مع من فاء إليهم من أهل العلم والتقوى. ثم تدخل طـوائف التائبين من أهل الكفاءة في المضمار يخاطبهم لسانُ الرفق والأخوة: ) لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ. الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ( (سورة يوسف، الآية: 92). ويشارك عامة الشعب في انتخاب الإمام، وعلى كل مستوى، بدَلالَتهم العددية الرقمية ريثما يلمسهم جناحُ التربية وتُنْعِشُهم نسائم الإيمان فيشاركوا في الشورى كما يشاركون في الصلاة، تعبُّداً لله عز وجل وإخلاصا وخدمةً.
وهنا مسألة في غاية الدقة والأهمية، وهي أن الدعوة، سواء استقرت على وحدة أو جبهة أو تعددية متعاونة أو متعاقبة في الحكم، يجب أن لا تكون موضعَ رفعٍ وخفضٍ على إيقاع نجاحات الدولة وفشلاتها: يجب أن لا نربط مصير الدعوة بوعود تُسْقِط الدعوة إن لم تحقق المطالب والوعود كما تسقط الحزب في الانتخابات الديموقراطية.
في الصفحات الماضية من هذا الكتاب أكثرنا من الالتفات إلى النموذج النبوي والسنة التربوية. ذلك لنستقيَ إيمان القلب ونُضيئَهُ بنور الربانية لتنطلِقَ عقولُنا، ونحن البصراء بواقعنا الحاضرِ وتوقعات مستقبلنا ومستقبل العالم، في تعامل موثوق به مع أسئلة العصر والمِصْر. بقلوب كقلوب السلف الصالح صفاءً وبعقول مسلَّحةٍ بفقه من قبلنا من علماء الأمة، مسلَّحَةٍ بحكمة الأمم ودروس التجربة، نجيبُ عن الأسئلة التي تطرحها علينا تحدياتُ العصر ونماذج الديموقراطية والاشتراكية.
مذاهبهم عقلانيةٌ مطبّقةٌ في السياسة، ومذهبنا تحقيق مقاصد الشريعة وقد جعلناها مطلباً، واتخذناها هدفا، وننفذها قربة إلى الله عز وجل. تضاريسُ الواقع، والتوتر ما بين المطلوب والممكن، وتخلف الأمة في كل مضمار عملي، يجعل التحويل الإسلامي عملية لولا التوكل على الله عز وجل القادر الناصرُ لقلنا إنها بعيدة.
بالتوكل على الله القادر المقدِّر المقتدر نباشر بناء الدولة القرآنية، دولة الشورى، لنحرر الأمة من نير الخنوع، وذهنية الرعويّة السلبية، وربقة التبعية للأقوياء في العالم والجبارين. بالتوكل عليه عز وجل ننتقل بالصراع السياسي الموروث عن الفتنة إلى نظام لا تنفخ فيه العصبية الجاهلية، لكن يحدوه واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يؤديه كل في مكانه ومكانته في شورى عامة شاملة.
قال الإمام عبد القادر رحمه الله: "لا تنعزل في صومعتك. إن الاعتزال من الخلق مع الجهل فساد كبير كليٌّ(...). لا ينبغي لك أن تقعد في الصومعة وعلى وجه الأرض أحد تخافه وترجوه. لا يبق لك إلا مخوف واحد ومرجو واحد وهو الله عز وجل.
"ما أعرفُ إلا الله عز وجل والقيام بدينه تقربا إليه. أقم دينه وانصره لوجهه لا لوجه غيره. الصدّيق يسمع صراخ الدين ينادي قلبَه وسرَّه. إذا خرق العوامُّ حدوده، إذا أتوا مناهيَه وتركوا أوامرَه ورفضوه وراء ظهورهم يسمعه كيف يصرخ ويستغيث بالله عز وجل. فيشمِّر ويقف في وجه من يخرِق الحدود. يعينُه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ينصحه ويذبُّ عنه. يفعل ذلك بقوة ربه عز وجل لا بقوة نفسه وهواه وطبعه ورعونته وجهالته ونفاقه.
"العبادة ترك العادة. لا كانت العادة حتى تصيرَ موضع العبادة! أبطلوا التعلق بالدنيا والآخرة والخلق وتعلقوا بالحق عز وجل.
"لا تُبَهْرِجُوا ( لا تدفعوا دراهم مزيفة ) فإن الناقد بصير! لا يأخذ منك! لا يقبل البهرج الذي معكم! ارموا به! لا تعدّوه شيئا! ما يؤخذ منك!(...)
"الأكثرون منكم يدّعون الإخلاص وهم منافقون! لولا الامتحان لكثُرَتْ الدعاوي. من ادعى الحلمَ تمتحنه بالإغضاب. ومن ادعى الكرم تمتحنه بالطلب منه. وكل من ادعى شيئا تمتحنه بضده.
"دعوا عنكم الهوس، والزموا التقوى في جميع أحوالكم، المتقون لهم الرب. اتقوا الشرك في الأصل، والمعاصيَ في الفرع، ثم تعلقوا بِحبلَيْ الكتاب والسنة ولا تُخَلّوهما من أيديكم.
"الحق عز وجل كريم، لا يجمع على عبد خوفين. قد تقدم خوف القوم في الدنيا عند أكلهم وشربهم ولبسهم ونكاحهم وجميع تصرفهم. تركوا الحرام والشبهة وكثيرا من الحلال خوفا من حساب ربهم عز وجل وسوء عذابه. تورَّعوا في مأكولهم ومشروبهم وجميع أحوالهم. تركوا الأشياء زهداً فيها. فلما تمكن الزهد صار معرفة. فلما تمكنت المعرفة جاء العلم بالله عز وجل فصار تاجا على رؤوسهم. فلا جرم انزوى عنهم الحرام والشُّبَهُ والمباح.وبقي عندهم الحلال المطلق الذي هو حلال الصديقين الذي لا يُتَّهمون به ولا يخطر على بالهم غيرُه"[1].
وقال ظامئ إلى رحمة ربه مكتف بـ"الحلال المطلق":
ظمـئـنـا ولا جـاه لدينـا فـنـسـتـقـي وأنّى لمـن يعصـيـك يا رب بالنطـق!
وقمـنـا ببـاب الجـود نلتـمس الرضـى على هَـنَـةٍ مـنـا وبُـعْـد عـن الصـدق
مـددنـا أكـفّــا دنَّستـهـا ذنــوبُـنـا ولا عمـل يبـقـى ولا تـوبـة تُـنْقـي
وقـد فـاز أهـل الجـد بالسّبـق دونَـنـا لديك ولم نملك سـوى حَسـرة السَبـق
فلا زهــرة في الأرض تـبـدي تبـسـمـا ولا رَنَّـةٌ في نـفـحـة الفـجــر للـوُرْقِ
جنينا بما نجني على الوحش في الفـلا فأضحـت ظِمـاءً تشتكي أوعـر الطـرق

وقلت:
لاَ ضَـيْــرَ إِنْ عَــاثَ المَــلاَ يَـوْماً مِنَ الزَّمَــنِ الـخَـلِـيّْ
فَغَداً يَمُـوتُ الظُّلْـمُ، يَكْــ ـشِفُ وَجْهَهُ النُّورُ الجَلِـيّْ
وَتَكُــونُ شُــورَى بَـيْـنَـنَــا فَالحُــكْــمُ لِلَّهِ الـعَــلِــيّْ




[1] الفتح الرباني ص 291

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:53 PM
كلمة تدين لكم بها العرب
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا(. اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفهما.
قال نوح عليه السلام لقومه وهو يدعوهم للإسلام ويرغبهم فيه: )اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً( (سورة نوح، الآية: 10). فوعد بجزاء أرضي دنيوي على الاستجابة والاستغفار. وقال الله عز وجل مخاطبا هذه الأمة المحمدية: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ. وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ( (سورة الصف، الآيات: 10-13). وجعل سبحانه من الأصناف الثمانية الذين يجوز أن تُعطاهم الزكاة المؤلفة قلوبُهم الحديثي عهد بالإسلام، يُعطاهم من متاع الدنيا ليثبتوا على الدين.
هذه أدلة على أن الدعوة إلى الإسلام من أصولها تبشيرُ المومنين "بالأخرى" التي يحبونها، وإعطاء المسلمين الجدُد ليثبتوا، ومخاطبةُ الخارجين عن الدائرة من الجهة الحسَّاسة في حياتهم، جهة الأرزاق.
فهل معنى هذا أن للدعاة أن يُطلقوا الوعود بالرخاء والوفرة وحلِّ المشاكل الاجتماعية كما تطلَقُ الوعود الانتخابية ؟ هذا ما سنرجع إليه قريبا إن شاء الله لنتبين فيه وجه الصواب، لأنه من الدين ولأن الخطأ في فهمه قد يجرُّ علينا زلة الأقدام. نعوذ بالله.
كان أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم على فراش الموت فجاء رهط من قريش يَعودونه ويشكون إليه ابن أخيه محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، يردِّدُ أبو جهل مع قومه: "يا أبا طالب! ابن أخيك يَشتُم آلهتنا، يقول ويقول ويفعل ويفعل!" فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بجوار فراش أبي طالب مكان فارغ، فوثب أبو جهل فقعد فيه مخافة أن يجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرِقَّ له أبو طالب. فلم يجد رسول الله صلى الله عليه مجلسا إلا عند الباب، ففرَّقوا بينه وبين عمه مناورة سياسية وحربا نفسية. فلما كلَّمه أبو طالب أجاب صلى الله عليه وسلم: "يا عم! إنما أريدُهم على كلمة واحدة تَدينُ لهم بها العرب، وتُؤَدي إليهم بها العجم الجزية". الحديث رواه أحمد عن ابن عباس.
هذا ملأ قريش في حَشدهم، خاطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خطابا عاما "جماهيريا سياسيا"، لم يذكر فيه جزاء الآخرة ولا تكاليف الدين. عصبيَّة مجسَّدة وموقِفُ مواجهةٍ مباشرةٍ. لم يستجيبوا كما لم يستجب الملأ من قوم نوح عليه السلام لأنهم سمعوا الشرط الذي بالوفاء به "تدين لهم العرب وتؤدي لهم العجم الجزية"، وهو توحيد الله عز وجل بالعبودية، ومعنى ذلك تجريدهم هُمْ من كل ما يُكَوِّنُ سيادتهم وشرفهم على العرب. يعني ذلك تحطيم أنانيتهِم، وكسرَ أصنامهم التي كانت شبكة صيدهم ومناط حج القبائل إليهم.
وبعدُ فإن ربط الدعوة بالبشارة والإشارة إلى الجانب الاقتصادي، وهموم المستضعفين، وقوام الحياة اليومية من خبز للجائع، وسكن للضاحي، وصحة للسقيم، وعمل للعاطل، ومدرسة للطفل، وعدل للجميع، ورخاء، وخصب، وراحة من المشاكل قناةٌ مشروعة لتبليغ الدعوة وتحبيبها للعامة. وإن الطرح الفكري للتصور الإسلامي في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والتعليم والتنمية والتصنيع والعلاقات الخارجية ومشروع المجتمع المنشود لَمِنَ المؤيدات القوية للدعوة.
كثير من المسلمين البائسين المرزوئين تحت وطأة الحكم العاض والجبري ينتظرون كلمة الإسلام في المواضيع الحيوية ليطمئنوا على أن ما عندهم من رصيد ديني، محروز في الصدور محترمٍ في الصميم مهما كان السلوك الفعلي، لا يصطدم مع الواقع المعاشي ولا يُنكره ولا يُبعده، بل يتجاوب الدين مع الهم اليومي ويؤيد مطالب المحرومين. كثير من المبؤوسين تلعب بهم نقابات المساومة وأحزاب التضليل، فإن سمعوا كلمة الإسلام في شؤون الدنيا صادقة موصولة بما عندهم من اعتزاز بدينهم ومن بقايا تمسكهم الفعلي أو العاطفي المشتاق كادوا يكونون أشدَّ الناس حرصا على الإسلام الغالي الذي لا يقتصر على الوعظ الزاجر كما يقتصر إسلام "الدعاة" الذين قفزوا من الكتب العتيقة إلى المنبر، لم يحوموا حومة حول الواقع، ولم ينظروا إليه نظرة.
يكاد المبؤوسون، عند سماع النداء المبارك من جانب هموم البطن والسقف والجيب، يكونون القاعدة الصلبة للدعوة يعقدون عليها الأنامل ويحملونها بالأذرع ويحمونها بالنفس والنفيس بعد أن يكتشفوا زَيْفَ الإسلام الرسمي وَزَيْفَ إسلام الأحزاب الدنيوية السياسية، إسلام الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يومرون.
وكثير من المثقفين والمتعلمين لا اطلاع لهم على الدين، ما تعلموا عن الدين إلا ما بثَّتْه فيهم المدارس اللاييكية، وما كرهوا التدين إلا لما يرون من نفاق المنافقين. هؤلاء يكادون يدخلون إلى الدين من نوافذ الدنيا، ويكاد التعليم البصيرُ المعروضُ في أسلوب يألفونه ويفهمونه يجلبهم إلينا حين يقرأون تحليلنا للواقع، ونظرتنا إلى العالم، وعرضَنا للرأسماليةِ والطبقيةِ على كتاب الله وسنة رسوله نُفَنِّدُها ونستقبحُ الاستكبار والظلم، واقتراحنا للعدل الإسلامي وبره وإحسانه وأخوته نسوِّدُ باقتراحنا ومشروعِنا المعروضِ وجهَ الصراعية الماركسية اللينينية، ووسائلَنا، وهم الآن يقدرونها كل التقدير خاصة منذ ثورة إيران وانتصار جند الله في أفغانستان، لتعبئة الأمة وحيازة ثقتها وقيادة جماهيرها إلى التحرر والعزة والنصر.
أصبح جمهور الأمة ساخطا على خطاب الطبقات المتوسطة المتعلمة التي تجيد صياغة الشعارات الرنانة الثورية لا تجيد شيئا غيرها إن لم يكن إجادتها لصنع الهزائم كما صنع عبد الناصر. وقَرِفَ المتعلمون من الإديولوجيات اليمينية واليسارية، أو يكادون، منذ أصبحت الدولة العظمى روسيا ترجع القهقرى، جهارا نهارا، من مثاليتها الثورية إلى واقعية تلهَث وراء الاقتباس السريع المباشر المنزوع الحياء من ليبرالية كانت بالأمس فقط هي عين الشيطان. قرفوا وملّوا منذ أصبحت الليبرالية تبصبص بذنبها فرحا لعودة غرباتشيف بالركب الضائع من قطار الغرب إلى محطته.
هؤلائك المبؤوسون وهؤلاء المتعلمون يكاد ينفعهم وينفعنا أن نكلمهم، كلمة صدق، كلمةً نومن بها، عن الشرط الإلهي لنهضة من الكبوة، وكفاية من العوز، وعزة من الذل، وحياة من الموت.
لكن فرق ما بين أن تبشر بصلاح دنيا المستغفرين وبين أن نقدم الإسلام على أنه "دليل للعمل الثوري" و"إديولوجية للتغيير الاجتماعي" و"تعبئة من أجل النماء والتنمية". كالفرق بين العلم الراسخ والتزوير الماسخ.
أما بعد فلا بد، بالإسلام وحدَه، بالإسلام كلِّه، من نهضة شاملة تتوزع فيها كل فئات الأمة التضحياتِ والفوائدَ والمسؤولياتِ، بعدل شامل ونيات أخوية صادقة. لنقُلْها صريحة صارخة أن الإسلام لا يضمن المصلحة العامة بإبقاء الغنيِّ على غناه والفقير على فقره. ولا يضمن مصالح الدنيا ولا مصالح الآخرة إن لم يحرر المستضعفين من تسلط المحتكرين المحليين ومن استطالة المستكبرين العالميين. لا يعني تسويدُ الإسلام وجهَ الصراعية العنيفة أن تقبل الدعوة الفوارق الصارخة بينَ ملاّك يحتوش الأرض، ورأسمالي يسخر القوة العاملة، وبين الفقراء المبؤوسين. ولا مناصَ للدولة الإسلامية، وهي في طريقها إلى المجتمع الأخوي، من كسر الحواجز وإعادَة القسمة وفرض الإنصاف. ما الرفق في ذلك حتى لا نكسر الآلة الاقتصادية فيستفْحِلَ البلاء؟
لابد من أن تقود الدولة الإسلامية، بمراقبة الدعوة وشورى الكافة، عملية التنمية. التنمية في إطار نهضة شاملة هي بيت القصيد في أرجوزة السياسة. هي المثل السائر في نثر الاقتصاد. هي الكلمة المفتاح في حياة المجتمع.
لابد في البداية من تربية الإنسان، إعادة تربيته، بعد انتشاله من وَهْدة التحقير والإهمال والاستغلال والتجهيل والتضليل الإعلامي والتسيُّب الأخلاقي. برنامجُنا للتنمية والتصنيع ينبغي أن يستهدف خدمة الإنسان، خدمة المومن السالك إلى ربه يحتاج في رحلته لزاد وراحلة. ثم إن لكافة الخلق من مائدة الرخاء الإسلامي نصيباً.
مثل هذا الاقتصاد الهادف لا يمكن استيراد فلسفته، إن أمكن استيراد وسائله وآلته، ولا استلهام بِنيته وَجِرايَتِه من عندهم. بل يخرج من أحشاء الأمة، من عقول مفتوحة لها أبواب التعلم من تجارب الأمم، مفتوحة لها أبواب السماء وبركاتها.
عند غيرنا تراكُمٌ مُذهل للخبرة، عندهم تفوق هائل في التكنولوجيا، عندهم رأس المال يحجبون عنا كل ذلك إلا بمقدار: فهُمْ قبل التحرير الإسلامي يمِدّون صنائعهم وأذنابهم من الحكام علينا الإمداد المشروط. وفي غد الإسلام هم حاجبو ذلك عنا عداءً أصيلا إلا أن نعرف كيف نتعامل بحكمةٍ وطمأنينة مع السوق العالمية ومع مصالحهم القومية التي نجد في تعارضها الطارئ أو القارِّ فجوةً لنستخلص بغيتنا من بين فرث ودم، توكلا على الله عز وجل.
قال الشيخ الإمام عبد القادر رحمه الله: "يا غلام! قد تقيدت بالعادة(...) إياك والوقوف مع السبب ونسيان المسبب والتوكل عليه. عليك باستئناف العمل والإخلاص فيه. قال الله عز وجل: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ( (سورة الذاريات، الآية: 56). ما خلقهم للهَوس، ما خلقهم للعب، ما خلقهم للأكل والشرب والنكاح. تنبَّهوا يا غُفَّل من غفلاتكم!
"يخطو قلبك إليه، ويخطو حُبُّه إليك خطوات. هو إلى لقاء المحبين أشوقُ منهم إلى لقائه. "يرزق من يشاء بغير حساب".
"إذا أراد عبداً (قلت: أو أمة وجيلا) لأمر هيأه له. هذا شيء يتعلق بالمعاني لا بالصور. إذا تم لعبد ما ذكرتُ صح زهده في الدنيا والآخرة وما سوى المولى. تجيئه الصحة، يجيئه المُلك والسلطنة. والإمارة تجيئه! تصير ذرته جبلا، قطرته بحراً، كوكبه قمرا، قمره شمسا، قليلهُ كثيرا، محوه وجودا، فناؤه بقاء، تحركه ثباتا. تعلو شجرته وتشمخ إلى العرش وأصلها إلى الثرى، وتظلِّلُه أغصانه في الدنيا والآخرة.
"ما هذه الأغصان؟: الحكم والعلم. تصير الدنيا عنده كحلقه خاتم. لا دنيا تملكه، ولا أخرى تقيده. لا يملكه ملِك ولا مملوك. لا يحجبهُ حاجب، لا يأخذه أحد. لا يكدِّرُه كَدَر.
"فإذا تم هذا صلُح هذا العبد للوقوف مع الخلق، والأخذ بأيديهم، وتخليصهم من بحر الدنيا. فإذا أراد الحق بالعبد خيرا (قلت وبالخلق أيضا) جعله دليلهم وطبيبَهم ومؤدِّبهـم ومدرِّبهم وترجمانهم وسانِحهم ومِنْحَتَهم وسراجهم وشمسهم.
"فإن أراد منه ذلك كان، وإلا حجبه عنده وغيبه عن غيره. آحاد أفراد من هذا الجنس يردهم إلى الخَلْق مع الحفظ الكلي والسلامة الكلية. يوفقهم لمصالح الخلق وهدايتهم.
"الزاهد في الدنيا يُبتلى بالآخرة، والزاهد في الدنيا والآخرة يبتلى برب الدنيا والآخرة.
"قد غفلتم! كأنكم لا تموتون! وكأنكم يوم القيامة لا تحشرون! وبين يدي الحق لا تحاسبون! وعلى الصراط لا تجوزون! هذه صفاتكم وأنتم تدعون الإسلام والإيمان! هذا القرآن والسنة حجة عليكم إن لم تعملوا بهما"[1].
قال ذاكر لله، راج رحمة الله، ضعيف أمام قوة الله:
وإنا لنـرجـو مـنـك يا رب رحمـة على عادة الإحسـان عنـدك والرفـق
أسـأنـا على عـلـم بأنّـك محـسـن وهل خاب عبدٌ لاذَ بالمُحْسن الحق!
ضعـافٌ أطـافـوا بالـقـويِّ تـذلُّـلا وقـد بخلـت دُهـم الغمـائـم بالوَدْق
فـلا منطـق للرعـد يشفِـي سمـاعُـه ولا لمحةٌ تكفـي الجفـونَ من البـرق
عبيـد أُصـيـبوا فاستـغـاثـوا بسـيِّـد وقد يعطف المولى على العبـد في الرِّقِّ
إذا الخـالـق الـرزاق أغـلـق بـابـه فمن ذا الذي تدعـوه ألسنة الخلـقِ!

وقلت:
كمــينٌ هَـمَّ بالسَّطْــو يُخَـوِّفُنَــا مِن المَحْــوِ
يُهَـدِّدُ تارةً أو يســ ــتفز المُــرَّ بالحُـلْــوِ
فشُـدَّ قلـوبَنــا ربّ لنمضِيَ ثابتِي الخَطْــو




[1] الفتح الرباني ص 35

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:53 PM
العلماء العاملون
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذن شططا(. اللهم ربّ السماوات وما أظلت، ورب الشياطين وما أضلت، ورب الرياح وما أذَرَّتْ، أسألك خير هذه السوق وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها.
من سمات الربانية الجمع بين العلم والعمل. أما العمل الضروري فهو الذكر والعبادة يستوي فيهما الصوفية والعلماء العاملون. وتفردت كل طائفة بعمل خاص، يربي الصوفية القلوب ويهذبونها بينما يوجه العلماء العاملون العقولَ وينفون عنها الجهل. وكلا العملين جليلٌ، ولكل طائفة مشاركة: لا يخلو الصوفية من مجالس علمية، وللعلماء العاملين تأثير ضمني على النفوس والقلوب والأخلاق.
وأما العلم فأعلاه معرفة الله تعالى، للصوفية الكاملين منها الحظ الوافر،وللعلماء العاملين النفحات والنسمات. قد يكون العارف الصوفي أمِّيا فيعلمه الله ويجعل له لتقواه فرقانا، )إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً( (سورة الأنفال، الآية: 29)، وقد يسلك طالب الحق الطريقَ بعد تحصيل العلوم العقلية والنقلية ثم يفتح الله قلبه فيجمع له بين العلم المكسوب والعلم اللدني الموهوب. وسعيا لهذا الجمع، وهو كمال الكمال، رأينا في الفصل الأول من هذا الكتاب علماء الدين وفقهاء الشريعة يتطارحون على أبواب أئمة التربية ويتتلمذون لهم ويرغبون في سلوك طريق الوصول والعرفان على أيديهم كما فعل الغزالي وعز الدين بن عبد السلام والسبكي والسيوطي وما لا يحصى عدا ولا تتطاول إليه الأعين شموخا من الرجال.
إن حاجة الأمة الدائمة، وحاجة جند الله الناهضين لإعلاء كلمة الله في الأرض أشد ما تكون إلحاحا إلى مربين ومعلمين ربانيين. وقد آن الأوان أن تنتهي الخصومة الناتجة عن الجهل والتعصب التي يؤججها بعض الوراقين في عقول الناشئة وأنفسهم إذ يفرقون بين أهل العلم العاملين والصوفية الصادقين.
الوراقون لَقِفوا أوراقا جدلية هي من آثار معاركَ مضت لم يحضروها ولا هُم من العلم والاستقامة بحيث يدركون مداخلها ومخارجها ومنشأها وأسبابها. ولقفوا، والتهموا كما يلتهم الحوتُ الأعمى في دياجِيرِ البحر وقاعِه، كلَّ ما هب ودبّ من آراءٍ استشراقية وأحكام جائرة وتعميمات تلتفُّ في وشاح الأمانة العلمية والغيرة على الكتاب والسنة وعقيدة السلف.
التقطوا المُرَّ من مخلّفات الجدل ومظلمات العِلل ومُرديات الجهل والخطل. والمطلوب من الصادقين العقلاء أن يراجعوا الموقف المخبول وأن يجتنوا العسل الحلو بدل الجدل المر. أن يجتنوه من شهادات الرجال الصادقين، يلتمسون عندهم عصارة التجربة وخُلاصة الحكمة بدلَ أن يرفعوا شعارَ حرب مستمرة، فتوى كتبَها عالم مضى في فترة من عمره وسلوكه وفهمِه ثم تجاوزها. وبقوا هم يجترون الخطأ ويُجَرِّعونه الأجيال مرارة بعد مرارة.
قرأنا في الفصل الأول من هذا الكتاب توبة الإمام الشوكاني مروِيَّة مكتوبة بقلمه عن تكفير من كفرهم من الصوفية في عنفوان شبابه. جاءته السن والتجربة واتساع الأفق العلمي والرقي في معارج التقوى بالتؤدة والرفق والاعتراف، ولو متأخرا، بالخطأ.
وخصص كتابه "قطر الولي على حديث الولي" للحديث عن حب الله، وعن التقرب من الله، وعن معرفة الله. كَتَبَه لا شك بعد أن تعَسَّل.
يقول في كتابه هذا: "ومن جملة أولياء الله سبحانه الداخلين تحت قوله: "من عادى لي وليا" العلماء العاملون. فهم، كما قال بعض السلف، إن لم لم يكونوا أولياءَ الله سبحانه فما لله من ولي. فإذا فتح عليهم بالمعارف العلمية، ثم منَحهم العمل بها ونَشْرها في الناس، وإرشادَ العباد إلى ما شرعه الله لأمته، والقيامَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر، فهذه رتبة عظيمة ومنزلة شريفة. ولهذا ورد أنهم ورثة الأنبياء"[1].
كان الرجل مرّا في فترة شبابه فتداركه الله بِمِنْحَةِ الحكمة والفهم عن الله كما نرجوه تعالى أن يتدارك بها المراهقين الخائضين فيما لا يعلمون. ذلك إن أراد بهم سبحانه خيرا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بعبد خيرا عسَّله. قيل: وما عسَّلَه؟ قال: يفْتح له عملا صالحا بين يديْ موته، ثم يقبضه عليه". رواه الإمام أحمد والطبراني عن أبي عنبة رجل من الصحابة، وأشار السيوطي في جامعه الصغير إلى حسنه.
نرجو للمراهِقين من العمل الصالح أن يكفّوا عن خوض غمار الحرب على من خالفهم، بل على من خالفوه، فهم الطارئون. فإن تداركهم الله سبحانه بتوبة كاملة فتح لهم أبواب الصدق والرفق. ولعلهم حينئذ يستفيدون من درس "التعسيلة" التيمية، يجتنون من شهد روحانيته العالية وربانيته الأصيلة.
هذا الرجل المظلوم حيا وميتا منحه الله عز وجل في آخر عمره، بين يدي موته، فقد مات في السجن، فتحا مبينا ومعارف كملت له مطلبَه من ربه عز وجل، مطلباً فوق كرامة القراءة في اللوح المحفوظ التي كان يُنكرها قبل أن يُدرك مرتبتها كما قرأنا في الفصل قبل هذا.
من السجن كتب ابن تيمية رسائل تفيض رقة وفرحا بالله عز وجل وحلاوة وعَسَلِيَّةً. كتبها نفس القلم الذي كان أرْقَماً على الخصوم، وأملاها نفس الفكر الذي كان عليهم عَلْقَما. تعسل هذا وذاك في رحمة الله الكريم الوهاب. داخل السجن، وسط الفتنة والمحنة.
قال رحمه الله في رسالة لأصحابه من السجن: "وأما بنعمة ربك فحدث. والذي أعرِّفُ به الجماعة أحسن الله إليهم في الدنيا والآخرة وأتم عليهم نعمته الظاهرة والباطنة: فإني، والله العظيم الذي لا إله إلا هو، في نعم من الله ما رأيت مثلها في عُمْري كله. وقد فتح الله سبحانه وتعالى من أبواب فضله ونعمته وخزائن جوده ورحمته ما لم يكن بالبال، ولا يدور في الخيال، وما يصل الطَّرْف إليها. ييسرها الله تعالى حتى صارت مقاعدَ (قلت الصوفية يقولون: مقامات). وهذا يعرف بعضها بالذوق من له نصيب من معرفة الله وتوحيده وحقائق الإيمان وما هو مطلوب الأولين والآخرين مع العلم والإيمان.
"فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبيرُ عنه إنما هو في معرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيدِه والإيمان به، وانفتاح المعارف الإيمانية والحقائق القرآنية. كما قال بعض الشيوخ (الصوفية): لقد كنت في حال أقول فيها: إن كان أهل الجنة في هذه الحال إنهم لفي عيش طيب! وقال آخر: تمر على القلب أوقات يرقُص فيها طرباً، وليس في الدنيا نعيم يُشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان والمعرفة. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أرِحنا بالصلاة يا بلال". ولا يقول أرحنا منها"[2].
قلت ويحك! الرجل تغمَّده الله برضوانه، وفتح له في رحمته في آخر أيام حياته حتى أدرك بفضله سبحانه ما تدركه الشيوخ، وحتى ذاق ما لا تفهمه ولا تطلبه كما يطلبه الأولون والآخرون، وأنت قاعد مع فتوى جدلية تتهجاها! ما اسمك يا صاحِ في الملكوت!
وكتب من السجن أيضا يوصي جماعته بطلب معرفة الله عز وجل، معناه بلغة تفهمها يا صاحِ! أنه يوصيهم بأن يتصوَّفوا أي أن يتحابّوا في الله وأن يذكروا الله، وأن يقفوا بالإرادة والهمة والخضوع بباب الله. قال: "وفي الجملة، ما يُبين نعم الله عليَّ وأنا في هذا المكان أعظمُ قدرا وأكثر عددا، ما لا يمكن حصرُه وأكثر ما ينقُص الجماعة. فأنا أحب لهم أن ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقِرُّ به أعينُهم، وأن يُفتَح لهم من معرفة الله وطاعته والجهاد في سبيله ما يصلون به إلى أعلى الدرجات. وأعرِّف أكثر الناس قدر ذلك: فإنه لا يعرف إلا بالذوق والوجد. لكن ما من مومن إلا له نصيب من ذلك، ويستدل منه بالقليل على الكثير وإن كان لا يقدُرُ قدْرَه الكبيرَ. وأنا أعرف أحوال الناس والأجناس واللذات، وأين الدُّرُّ من البَعْر! وأين الفالوذَجْ من الدِّبْس! وأين الملائكة من البهيمة أو البهائم!"[3].
الله أكبر! الذوق والوجد والمعرفة ولغة التبكيت والاستنهاض التي نقرأها عند الشيخ عبد القادر. لَطالما وَسَمَكَ عبد القادر بأنك "قفص بلا طائر"، وهذا ابن تيمية يشبه إيمانك بجنب أهل المعرفة والكمال ببَعْرَةٍ إزاء دُرَّة، وبهائمَ إزاء ملائكة. وأنت لا تتحرك! ولا تغضب! ولا تنبعث! وتُمضي العمر في مضغ الكلام وطلب النصوص الخطإ لتزداد تردِّيا في حَمْأَتِكَ! ويلك!
قال رحمه الله في رسالة أخرى: "المقصود إخبار الجماعة بأن نعم الله علينا فوق ما كانت بكثير. ونحن بحمد الله في زيادة"[4].
ما أدخلتَ يا صاح في حسابك أن الصادقين من العلماء العاملين، وابن تيمية رحمه الله منهم، يترقون "بكثير كثير" وترفعهم العناية الإلهية في آخر عمرهم إلى "تعسيلة" يزدادون فيها علما "بكثير كثير". وأنت قاعد مع مَرْحَلَة من اجتهادهم وخطإهم تحرِّفُه لا تشرِّفه!
وكتب من السجن إلى أمه يقول: "فقد فتح الله من أبواب الخير والرحمة والهداية والبركة ما لم يكن يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال"[5].
في رسائله الأخيرة، وهي آخر كتاباته، نَفَسٌ جديد، ورحمة جديدة. كانت كلمة الساعة عنده الحديث إلى الخاصِّ والعام عن فرحته بالله سبحانه، وفرحته بالفَتْح، وفرحته بالبركة والزيادة والهداية. انطوت صفحات الجدل والشدة على الخصوم، ونُسخ في عقله وقلبه ذلك الماضي الذي اتخذه من بعده بعضهم صنما ثابتا ومرجعا مطلقا. يا لِلَّهِ من فرحة الصادق حين يفتح الله له الأبواب! وكأنه في سذاجة سروره طفلٌ يدلِّلُونه "بما لا يخطر على البال ولا يدور في الخيال". ويا خيبة من أعرض عن ذكر ربه وصدَّ عن سبيله!
قال الإمام الرفاعي رحمه الله عن مراتب العلماء: "الدرجة الأولى درجة رجل طلب العلم للمُمَارَاة والجدل والتفاخر وجمع المال وكثرة القيل والقال. والدرجة الثانية درجة رجل طلب العلم للمناظرة، لا للرياسة لكن ليُحسبَ في عداد العلماء فيُمدح بين أهله وعشيرته(...). والدرجة الثالثة درجة رجل حل عويص المشكلات، وكشف دقائق المنقولات والمعقولات، وغاص في بحور الجدل مُضْمراً نُصرةَ الشرع في أحواله، إلا أنه أخذته عزة العلم(...) واختطفته نُصرة نفسه فأفرط وأقام الحجة على خصمه، وشنَّع عليه، وربما كفّره، وطعن فيه(...). والدرجة الرابعة درجة رجل علمه الله، فنصب نفسه لتنبيه الغافل، وإرشاد الجاهل، وردِّ الشارد، ونشر الفوائد"[6].
يا من يكفرون الناس تحت لواء التيمية ! ابن تيمية رقاه الله من درجة لدرجة، وصفاه وعلمه لصدقه. وأنتم، في أحسن الحالات، لأن منكم أميين، في "درجة المماراة وجمع المال وكثرة القيل والقال". تحرفون كلام ابن تيمية الصاعد المتحرك المخطئ المصيب السالك المستزيد المتعلِّم. فأَنَّى توفكون! وأنّى لكم أن تقرأوا بحُزن على أنفسكم سرور ابن تيمية في آخر عمره!
قال الإمام الرفاعي، وهو العالم العامل الصوفي الكامل، يعترف بفضل العلماء العاملين: "أي سادة! إن نهاية طريق الصوفية نهايةُ طريق الفقهاء. ونهاية طريق الفقهاء نهاية طريق الصوفية. وعقبات القطع التي ابتُلي بها الفقهاء في الطلب هي العقبات التي ابتلي بها الصوفية في السلوك. والطريقة هي الشريعة، والشريعة هي الطريقة. والفرق بينهما لفظيٌّ. والمادة والمعنى والنتيجة واحدة.
"وما أرى الصوفي إذا أنكر حال الفقيه إلا ممكورا. ولا الفقيه إذا أنكر حال الصوفي إلا مبعودا. إلا إذا كان الفقيه آمرا بلسانه لا بلسان الشرع، والصوفي سالكاً بنفسه لا بسلوك الشرع، فلا جناح عليهما (قلت: لأنه لا يُعبأُ بمثلهما من المنافقين).
"والشرط هنا الصوفيُّ الكامل والفقيه العارف كما ذكرنا. كيف يعمل الصوفي الكامل إذا قال له الفقيه العارف: أأنت تقول لتلامذتك: لا تصلوا! لا تصوموا! لا تقفوا عند حدود الله! باللَّهِ عليكم هل يقدر أن ينطق إلا بحاش لله! كيف يعمل الفقيه العارف إذا قال له الصوفي الكامل: أأنت تقول لتلامذتك: لا تكثروا من ذكر الله! لا تحاربوا النفس بالمجاهدات! لا تعملوا بصحة الإخلاص لله! بالله عليكم هل يقدر ينطق إلا بحاش لله! فحينئذ اتحدت المادة والمعنى والنتيجة واختلفت اللفظة لا غير. ومن حجبه من الفقهاء حجاب اللفظة عن أخذ ثمرة المادة والمعنى والنتيجة فهو جاهل. ومن حجبه من الفقهاء حجاب اللفظة عن أخذ ثمرة ما ذكرنا فهو محروم"[7].
قال موفق شمر عن ساق الجد للرحلة الميمونة إلى الله عز وجل:
دعْ عنك تِذكـارِ الخليط الـمُنْجِـدِ والسعيَ نحْـوَ الغـانيـات الخُـرَّدِ
واستَغْنِ عن سُعْـدى وسَلْمَى إِنَّما سعدى وسلمى شغل من لم يَسْعَد
وإذا سَكِـرْتَ فنـادهم متـقَـهْـقِـرا يا غافلين عن النعيم السَّـرْمَدي!
أخطـأتم وجـهَ الطـريـق فكلُّـكـم حيـران عن مقصـوده لا يهتـدي
وسهـوتـمُ عـن مـنَّـةٍ مَخـبـوءة يَلْقـى مكـارمَهـا المـوفـقُ بالغـد
كم بين لـذة سـاعـة مخصـوصـة ونعـيــم دارٍ لا يبيـدُ مـؤبَّـدِ!
فاشـدُدْ لدار الخلـد حُلَّـةَ حـازم تظفر بها، والويل إن لم تَشْـدُدِ!
بالرُّشـد والتوفيـق ينتَهِضُ الفتى لا ينقـذ الأعمـى كأخـذ بالـيـد

وقلت:
لا ينقذ الأعمــى كأخــذ باليــد فارحل أقَاصِيَها لصحبة سيِّــد

* * * * *
يقـول اللـئيــم: عليــك الهُــوَينــى ومــا لك بالسـفــر القــاصــد
تمهــل فــذلك حــزم وعُــدَّ خُـطــاك وَأَتْـهِــمْ وَلاَ تُـنْـجِــدِ
فقلت: اقتحامُ الصعــاب طـريـق الرجــالِ ودربُ الفـتــى الأيِّــدِ




[1] ولاية الله ص 290-291.
[2] الفتاوي ج 28 ص 30.
[3] المصدر السابق ص 41.
[4] المصدر السابق ص 44.
[5] المصدر السابق ص 49.
[6] البرهان المؤيد ص 164-165.
[7] المصدر السابق ص 105-106

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:54 PM
شعب الإيمان
بسم اله الرحمن الرحيم. )ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى(. اللهم قد نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت حي قيوم. اللهم طلبي للجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف. اللهم اجعل لي عندك عهدا لا ترده يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد.
جمعت بحول الله في خصلة "العمل" سبع شعب من شعب الإيمان هي: التكسب، وطلب الحلال، والعدل، وإماطة الأذى عن الطريق، والتواصي بالحق والصبر، وتأييد الله عز وجل عبادَه المجاهدين بالغيب، وجعلُه سبحانه البركة في أرزاقهم.
فمن جُهد العبد وكسبه وتكسبه إلى تأييد الرب جل وعلا ومباركته تمتدُّ أكف الأسباب مستمطرة صالح النتائج لصالح الأعمال. من آكد الأسباب المنيلة لتأييد الله جل جلاله جُهْدُ العباد وجهادهم، وصَوابُ العمل وإخلاصُه وإتقان أركانه الشرعية والتِّقنيَّة، واستمرار العباد في الدعاء الخاشع والتضرع، واستهداف الخير لعامة الخلق -خاصة المسلمين- بإقامة العدل وبالبر وبإماطة الأذى عن طريقهم. وهذه هي المعاني الثلاثة للإحسان.
فإن كان في علم العاملين من المومنين، وفي العلماء المرشدين الموجِّهين للعمل، نقيصة في معنىً من هذه المعاني الثلاثة كان نقصهم الذاتيُّ القلبيُّ والعقلي والخلقي آفةً عليهم في خاصة أنفسهم في الآخرة، وكان ما يترتب على ذلك النقص الذاتي من قصور في الأعمال وفساد لنتائجها آفة تهدد دنيا الأمة وتُؤْذِنُ بخرابها.
لذا تكون ربانية العلماء أهل الشورى والدعوة، وتقنيةُ أهل الخبرة وإخلاصُهم، وهدف البِر وخدمةِ المسلمين شروطا أساسية لصلاح العمل الإسلامي. وضمان هذا الصلاح ومفتاحُه ربانيةُ المشرفين على العمل من مربين وعلماء عاملين.
وقد رأينا في الفقرة الأخيرة كيف أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الثغرة التي استبانها من سجنه، بعد فتحه وتعسُّله، في تربية أصحابه لما كتب لهم بأن "أكثر ما ينقُص الجماعة(...) أن يُفتح لهم من معرفة الله وطاعته والجهاد في سبيله ما يصلون به إلى أعلى الدرجات". كانوا، كما يراهم شيخهم الجليل، في درجة لا يرضاها لهم حتى يترقَّوْا بمعرفة الله تعالى وتقدَّس إلى أعلى الدرجات. ونحتفظ بذكره الجهاد إلى فصل مقبل إن شاء الله.
كان ابن تيمية رحمه الله، حتى قبل فتحه الأكبر في السجن آخر حياته، مثالا حيّا شامخا في سماء الفضائل، مثالا للعالم الربّاني العامل الموصولِ بالأمة في قواعدها. كان آية في العلم، آية في التقوى، آية في التعبد، آية في التواضع، آية في الزهد والعزوف عن الدنيا، قويا شجاعا في الحق.
فإن أضفنا إلى مزاياه الزكيَّة هذه المزية التي حباه بها رب النعم ذو الطول سبحانه في "تعسيلته" آخر عمره كان حقا النموذج المطلوبَ أمثالُه لقيادة الجهاد في عصور الفتنة. نتأمله مليّاً ثم نتخطاه باحترام لنلتصق قلبا وعقلا وعلما وعملا واستِلْهاما بالنموذج النبوي الراشدي نتأمله لننصف الحقَّ في رجل يمتد ظله في هذه السنوات، لوفرة كتبه وعنادِ أنصارِه المخدوعين بلعبة السلطان الجائر العاض الذي جنَّد المال والرجال ليشغل المسلمين، بواسطة الجدل التيمي، بالحرب المذهبية المفتعلة عن مواجهة الباطل وأهله، وهم السلاطين المتسلطون أزلام الجاهلية بين ظهرانَيْنَا. والرجل الكبير رضي الله عنه مظلومٌ مرتين : مات في سجن السلطان، وها هو السلطان في عصرنا يقتل علمَه وعمَله بالتشويه إذ يُقدِّمه، بواسطة علماء المِراءِ وجمع المال والقيل والقال، على أنه عدوٌّ للتصوف، ناصرٌ للسنة، قامع للبدعة، ما قاله هو الحق، كلمته الفصل في تكفير الشيعة، في عصر الثورة الشيعية التي جاءت أول بشير بقرب تهاوي العروش الكسروية القيصرية الأمريكية بين ظهرانَيْنا.
الحق أبلج، الحق أن شيخ الإسلام كان قمَّةً في الخير، له حدودُه وحجمُه، وله أخطاؤه، وله نقص في نفسه وأصحابه، يشرِّفه أن يكون كتبَ إلى أصحابه آخرَ عمره يوصي بتلافي النقص. ويشرِّفه أن يكون ترك وراءه رجلا جَبَلا هو ابن القيم الذي تقرأ في كتبه التربوية، مثل "طريق الهجرتين" و"مدارج السالكين"، ما يقرُّ العين ويُثلجُ الصدرَ ويرأبُ الصدعَ من الكلام المعسول المتلطف المعترف بفضل الصوفية، وعُلُوِّ شأن العارفين بالله، وشموخ مقامهم رضي الله عنهم.
من يقرأ ما كتبه عن الصوفية الشيخ عبد الرحمن بن الجوزي رحمه الله، يتخذُه مرجعا للحكم، يضع يده على رأسه حسرةً على أن يكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ناس يُسَمَّوْنَ صوفية. ومن يقرأ ما كتبه ابن القيم يحمد الله على أن عاش ليقرأ عن أخبار وأخلاق قوم يسَمَّوْن صوفية. ابن تيمية وسط هذا المسلسل الحنبلي بلغ الجَهْد، في مراحل سلوكه قبل الفتح الأخير، فمدح وقدح، وما قدح إلا في مطاعن حقيقية، إن استثنينا تكفيره غفر الله له لبعض الصالحين.
والرجلُ كان يغلبه الحال.كان يغيب عن الحاضرين وهو جالس للتدريس. فمن حاله الغالِب وقصوره في السلوك جاءت حُمَمُه. ومن استواء ابن القيم واستفادته من حادثة فَتْح شيخه الأخيرِ ووصيتِه جاءت التُؤَدةُ والرقَّةُ من الله سبحانه اللطيف بعباده.
قال الحافظ عمر البزَّار في كتابه "الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية " وهو من أصحاب ابن تيمية العلماء: "وهو (ابن تيمية في دروسه) يجري كما يجري السيلُ، ويفيض كما يفيض البحر، ويصير منذ يتكلم إلى أن يفرُغ كالغائب عن الحاضرين مغمضا عينيه"[1].
ما زال المشايخ الصوفية رضي الله عنهم يعتبرون التعلق القلبي بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم والإكثار من الصلاة والسلام عليه، وتعظيم سنته والعمل بها عِوَضاً عن صحبة الشيخ الحي. وكان ابن تيمية رحمه الله يكاد، بشهادة المنصفين من معاصريه، يبلُغُ الكمال في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم واتباع سنته إذا استثنينا هفوته التي ردها عليه جمهور العلماء في "مسألة شد الرحال".
كان أعداء ابن تيمية من أهل الدنيا، وهم الحكام ثم المرتزقة من العلماء. فيا لَلْعَجَب كيف انقلبت الآية في عصرنا فتسلط المتسلطون في الدنيا على رَمْزِيَّةِ عالم فذٍّ من علماء الآخرة. قال الحافظ البزار: "من رأينا مع العلماء قَنَع بمثل ما قنع هو منها أو رَضِيَ بمثل حالته التي كان عليها؟(…) فأين حاله هذه من أحوال بعض المنتسبين إلى العلم وليسوا من أهله، مِمَّن أغراهم الشيطان بالوقيعة فيه، بقوله وفعله؟ أترى ما نظروا ببصائرهم إلى صفاتهم وصفاته، وسماتهم وسماته، وتحاسدهم في طلب الدنيا وفراغه منها، وتحاشُدهم في الاستكثار منها ومبالغته في الهرب منها، وخدمتهم الأمراء واختلافهم إلى أبوابهم؟"[2].
كان ابن تيمية رحمه الله مثلا لامعا للعالم الرباني الخافض الجناح لعامة المسلمين. وتلك سمة من سمات الصلاح اشتهر بها المشايخُ الصوفية الصادقون الذين كان همهم الأكبرُ وشرفهم الأزهر أن يخدموا الفقراء. قال البزار: "وكان لا يسأم ممن يستفتيه أو يسأله، يُقبل عليه ببشاشة وجه، ولين عريكة. ويقف معه حتى يكون هو الذي يفارقه، كبيرا كان أو صغيرا، رجلا أو امرأة، حرّا أو عبدا، عالما أو عامِّيّاً، حاضرا أو باديا. ولا يجْبَهُه ولا يُحرجُه ولا ينفره بكلام يُوحِشُهُ. بل يجيبه ويفهِّمه ويعرفُّه الخطأ من الصواب بلُطف وانبساط"[3].
وقال: "وكان مجلِسه عاما للكبير والصغير، والجليل والحقير، والحر والعبد، والذكر والأنثى. وقد وسع على كلِّ من يردُ من الناس. يرى كل واحد منهم في نفسه أنه لم يُكْرِمْ أحدا بقدْره".
آه! ثم آه! من لنا بملء مسجد من أمثاله من العلماء الربانيين يطلِّقون الدنيا ليسلكوا سبيل الله وسط الشعب، في خدمته وتعليمه والوفاء لله بالوفاء له! انعزل علماء القصور عن الأمة بانحيازهم للظلمة، وانعزل المتمشْيخون المتصوفون في أبراجهم المذهَّبَة، استَحْلَوْا تقبيل الأيدي والتجارة في البركات... آه!
قال البزار: "حدثني من أثق به أن الشيخ (ابن تيمية ) رضي الله عنه كان مارّاً يوما في بعض الأزقة، فدعا له بعضُ الفقراء. وعرف الشيخ حاجته، ولم يكن مع الشيخ ما يعطيه. فنزع ثوبا على جلده ودفعه له. وقال: بعه بما تيسر. واعتذر إليه من كونه لم يحضُر عنده شيء من النفقة"[4].
الله أكبر! هذه أخلاق السلف الصالح! وسيما الصالحين!
وكان إلى هذه الذلة على المومنين عزيزا على أهل السلطان وعلى الكافرين. لا جرَمَ أحبه الله تبارك وتعالى وفتح له فتحه لأوليائه.
قال البزار: "كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهاد، يكون بينهم واقِيَتَهُم وقُطبَ ثباتِهم. إن رأى من بعضهم هَلَعاً أو رِقَّةً أو جَبَانَةً شجَّعه وثبَّته وبشَّره بالنصر والظَّفَر والغنيمة"[5].
نَجْدَتُه رحمه الله في خِفَّتِه إلى مواساة الفقير بثَوْب يَنْزِعُه من على جلده كنجدته في ميدان القتال. لا كبعضهم نعاماتٌ أمام الحكام، طُفَيْلياتٌ على موائد الظلام، بأسهم شديدٌ على الأمة.
ولا يذهب الظنُّ إلى أن ابن تيمية بجليل مناقبه كان وحيدَ عصره فتَحْسِبَ أن أعداءَه وخصومه كانوا كلُّهم من الأرذال. كان في سِرْب الحنابلة غوغاءُ، وكان في حزب المعاصرين لابن تيمية رعاع هم أذناب السلطان. لكن كان من معارضيه المفنِّدين لآرائه واجتهاداته الشاذة علماء عاملون من أكابر الأمة، ناهيك بالإمام التقي السبكي. على فرق ما بين الرجلين: التقيُّ ابن تيمية كان رجلا شعْبيا بينما كان التقي السُّبْكيُّ رئيس قضاة الشام. أما الإمام ابن عطاء الله الشيخ المربي الحكيم فقد كان ينظر إلى ابن تيمية أيام مُشاغباته كما ينظر الأستاذ إلى تلميذ مُشاكِس يتباطأُ عن النُّضج. لم يتهذب ابن تيمية بشيخ تربية، بينما كان ابن عطاء الله هو شيخ الوقت، تربى على يد الإمام أبي عباس المُرسي تلميذ شيخ مشايخنا أبي الحسن الشاذلي عليه وعليهم جميعا رضوان الله.
قال قدوةُ عصره عبد القادر رحمه الله: "وا أسفا عليكم خلقَ الله! ما تعرفون خالقكم حقَّ معرفته.إن كان لي يوم القيامة شيء (من الشفاعة) عند الله عز وجل لأَحْمِلَنَّ أثقالكم من أولكم إلى آخركم. يا مقرِئ! اقرأ عليَّ وحدي من دون أهل السماوات والأرض!
"كل من يعمل بعِلْمه صار بينه وبين الله عز وجل بابٌ يدخل قلبه منه عليه. وأما أنت يا عالم فمشتغل بالقال والقيل وجمع المال عن العمل بعلمك. فلا جرَمَ يَقعُ بيدك من الصورة دونَ المعنى. إذا أراد الله تعالى بعبد من عبيده خيرا علمه ثم ألهمه العمل والإخلاص. ومنه أدناه! وإليه قربه! وعرَّفه! وعلّمه علم القلوب، والأسرارُ مختارة له دون غيره. يجتبيه كما اجتبى موسى عليه السلام وقال له: )وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي( (سورة طه، الآية: 41).
"لا لغيري! لا للشهوات واللذات والتُّرَّهاتِ! لا للأرض ولا للسماء! لا للجنة ولا للنار! لا للمُلْك ولا للهُلْك! لا يقيِّدْك شيء مني! ولا يشغلك شاغل عني! ولا تقيِّدْك عني صورة! ولا تحجبك خليقة! ولا تُغْنِكَ عني شهوة!
"يا غلام! لا تيأس من رحمة الله عز وجل بمعصيةٍ ارتكبتها. بل اغسل نجاسة ثوب دينك بماء التوبة، والثبات عليها، والإخلاصِ فيها، وطيِّبه وبخِّره بطيب المعرفة. احذر من هذا المنزل الذي أنت فيه، فإنك كيفما التفَتَّ فالسياجُ حولك والأذايا تقصدُك. تحوَّلْ عنه وارجع إلى الحق عز وجل بقلبك"[6].
قال تائب راغب لا يلهيه عن ربه عز وجل مُلك ولا هُلْكٌ:
هم القـوم لا تلهيهـم عـن مليكهـم تعــاليـل دنـيـا بالـغــرور تـدُور
يضيء ظلامَ الليل حسـنُ وجوههم فهم في اللـيـالي المظـلـمـات بـدور

وقال مشغوف بحب مولاه والِهٌ مُوَلَّهٌ في الجمال والجلال:
أيُّ النسـيم جـرى بأرض خِيـام مُـتَـوَشِّـحـا بِذوائـب الأعـلام!
وافى، وقد عَبَقَتْ بِنشْـر أحبتي نفـحــاتُـه لِـعَــرارِه وثُـمــامِ
فطـربتُ، لا أدري بأيِّ لطـيـفـة وثـمِـلْـتُ لا أدري بـأيِّ مُــدَامِ
وَلِـعـتْ بقـلبي صَـبْـوةٌ شـامِـيَّةٌ وَلَـعَ النـسـيـم بيـانِـعٍ بَـسَّــام
فغـدوت مشغـوفاً بـه وبأهـلـه طَرِبَ الشمـائلِ للوميـض الشامي
لـولا هـوىً للـروح بين خِـيـامـه مـا بـتُّ حـنّـانـا لِـكُـلِّ خِيـامِ
ومُحجَّـبٍ مـا حـظُّـنا من وصـله إلا المُـنَـى ومـواهـبِ الأحــلام
تهـفـو له ألـبـابُنـا فـيـصـدُّها سَـطْـوُ الجـلال وهـيبة الإِعْظـام

وقلت:
أَيُّ الرجال تُراكَ يا خِلَّ الصَّفـا أعليـك معتـمَـدٌ ليــومِ نِــزالِ؟
يومَ الكــريهة إذْ يرفـرف فوقنــا نصـر الإله ومُحْكَــم الآجــال
نبغي الشهــادة إذْ تراق دمـاؤنا أو نَسْتعيــدَ كــرامـة الأجيــال





[1] ص 29.
[2] المصدر السابق ص 48.
[3] الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية ص 52.
[4] المصدر السابق ص 67.
[5] المصدر السابق ص 69.
[6] الفتح الرباني ص 64.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:54 PM
السمت الحسن
أولياء الله
الشيخ عبد القادر
أولياء الله وأولياء الطَّاغوت
الدخيل
قُبَّةُ البَشَرية
أسرار الله في العبد
استقامة السر
الحال والمقام
الفناء والبقاء
وحدة الوجود والحلول والاتحاد
شعب الإيمان

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:55 PM
أولياء الله
بسم الله الرحمن الرحيم. )أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة(. اللهم أحمدك وأستعينك على هذا الأمر أن يقيم الناس دينك.
السمت كما قال ابن منظور هو "حسن النحو في مذهب الدين". وروى الضِّياء المقدسي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السمت الحسن جزء من خمسة (قال عياض: الصواب خمس) وسبعين جزءا من النبوة". وأشار السيوطي إلى الحديث بالصحة.
بأي شيء يتميز الأولياء عن كافة المومنين؟ في هذا الفصل ننوي إن شاء الله أن نلخص ونرتب ما سبق من معلومات ونكملها لتتجلى لنا صورة الولي العارف بالله أكثر.
قرأنا كيف قارن ابن تيمية العارف بالله بجنب عامة أهل الإيمان بالدُّرَّة في جنب البعْرة والملائكة في جنب البهيمة. كتب ذلك لأصحابه من السجن ليدلهم على أعلى الدرجات التي لا تنال إلا بمعرفة الله عز وجل و"الذوق والوجد". وقد أخذ نفس المقارنة الإمام الشوكاني، ونعيد كتابة نصه، قال: "والحاصل أن الخواطر الكائنة من أهل الولاية إذا لم تخالف الشرع فينبغي أن تكون مُسَلَّمَة لهم لكونهم أحباء الله وأولياءه وأهل طاعته وصفوة عباده. وليس لمن كان بالنسبة إليهم كالبهيمة بالنسبة للإنسان أو كالإنسان بالنسبة إلى الملائكة أن ينكر عليهم شيئا لا يخالف الشريعة"[1].
ونعيد نَصَّين لابن القيم تقرأ وراء كلماتهما الحدَبَ الشديد على تبليغ معنى لا تكفي العبارة لحمله، فيستدعى المجاز، ويستعان بالكناية، ويحسب الشاكُّ والمشكِّك أنها مبالغات فادحة، وما هي والله إلا الحقيقة نطقوا بها تحقيقا وكتبوها تصديقا. قال في مدارج السالكين: "ومن لم يعلم معنى وجود الله والفوز به فَلْيَحْثُ على رأسه الرماد، وليبك على نفسه"[2]. وقال: "وهذا أمر لا يصدق به إلا من ذاقه. فإنما يصدقك من أشرق فيه ما أشرق فيك. ولله در القائل:
أيا صاحبي! ما ترى نارهم؟ فقـال: تـرينـي مـا لا لأرى!
سقـاك الغـرام ولم يسقـنـي فأبصرت ما لم أكن مبصـرا"

الحنبليان المتشددان، ابن تيمية وتلميذه، هما أرفع الناس صوتا في الإخبار عن الولاية وذوقها ووجدها وعلومها القلبية وفتحها ونقص القاصرين في السلوك إليها. لم يجدا للإِدْلاَءِ بشهادتهما في الموضوع إلا أسلوب الشيخ عبد القادر، المنتسب إلى المذهب الحنبلي، عندما يستحثُّ الهمة الراقدة بقوله فيما يشبه التقريع: يا غلام! يا قفصا بلا طائر! وما بالقوم، ولا بالشوكاني من بعدهم، قصد إلى تبكيت أحد من خلق الله، إنما قصدهم أن يصيحوا بالبشارة والدلالة على باب خرجت منه إليهم عطايا "لا تخطر بالبال ولا تدور في الخيال". فأي لغة تسمو إلى العبارة عن الميزة العظمى التي لا يحلم بها أمل الحالمين غير المجاز والتقريع!
أما من أدخلوه الباب، بعد أن خرجت إليه التَّقْدِمات وهدايا الاستقبال، وأجلسوه على كرسي الكرامة فهو إما أخرسُ ألْجَمَه الفضل، أو كاتِمٌ قَيَّد لسانه العقل، أو سكران يهذي بما لا تفهمه العقول. ومن هذه الذريعة يدخل الزنديق ليبهرج في سوق العبارات المُعمّاة ليُروِّج لكفره. حَفظنا الله وحفظ بنا آمين.
وللمشككين المتذرعين بالحيطة المُتَسَرْبِلين بالريبة المتسلِّحين بالتهمة من مأدبة القوم رضي الله عنهم نصيب الحرمان. قال الشوكاني، لم يجد إلا لغة الشعر ليذُبَّ عن عقلك مقالات الشاكين: "فما أبعد ما جاء به المشككون في هذا الأمر (أمر الولاية) الذي لا يقبل التشكيك لا شرعا ولا عقلا بَلْ ولا عادة.(...). والمحروم من حرم ذلك:
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها سـواها ومـا طهّـرْتَها بالمدامـع!
وتلتذ منها بالحديث وقد جـرى حديث سواها في خروت المسامع
أُجِلُّك يا ليلـى عـن العـين إنمـا أراك بقلب خاشع لكِ خاضع"

قلت: ليس ظهور الكرامة شرطا في الولاية، وليس الولي محترفا للولاية لا تُعْرَفُ ولايته حتى يتقدم إلينا أشعثَ أغبر أو في لباسٍ ناصع البياض. الولي المفتوح له يعرف خصوصيَّة نفسه، وقبل ذلك وبعده فهو في موقعه من المجتمع: عالما واعظا، أو نجارا، أو تاجرا، أو عاطلا، أو غير ذلك. يصطفي الله عز وجل من عباده لولايته من يشاء، فيخرجه من الظلمات إلى النور، ويقربه حتى يكون سمعه وبصره ويده ورجله كما جاء في الحديث القدسي، وما يعلم تأويل ذلك إلا الله. العبرة أن يستيقظ فيك عامل الرجاء، أو عامل المنافسة، أو يستثيرك نداءٌ. العبرة أن تحدِّث نفسك بأن تكون لله وليا مثلما كانوا.
سأل إبراهيم بن أدهم رَضي الله عنه رجلا: أتحب أن تكون لله وليا؟ قال: نعم! فقال: "لا ترغب في شيء من الدنيا والآخرة. وفَرِّغْ نفسك لله تعالى. وأقْبِلْ بوجهك عليه ليُقْبِل عليك ويواليك".
وقال أبو يزيد البسطامي رحمه الله: "أولياء الله عرائس الله تعالى. ولا يرى العرائسَ المُجْرِمُون. فهم مُخَدَّرُون (أي محجوبون في الخِدْر) عنده في حجاب الأنس، لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة".
قلت: لا يراهم على حقيقتهم النورانية الروحانية إلا من كان مثلهم، فلا يعرفهم على حقيقتهم العاميُّ المحجوب دنيا ولا آخرة.
سئل الواسطي رحمه الله: كيف يغذَّى الولي في ولايته؟ فقال: "في بدايته بعبادته، وفي كهولته بسترته، وفي شيخوخته بلطافته. ثم يجذبه إلى ما سبق له من نعوته وصفاته، ثم يذيقه طَعْم قيامه به في أوقاته".
وقال أبو سعيد الخراز رضي الله عنه: "إذا أراد الله تعالى أن يُواليَ عبدا من عبيده فتح له باب ذكره. فإذا استلذَّ الذكر فتح له باب القرب.ثم رفعه إلى مجالس الأنس به. ثم أجلسه على كرسي التوحيد. ثم رفع عنه الحجب، وأدخله دار الفَردانيَّة، وكشف له عن الجلال والعظمة. فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هوىً. فحينئذ صار العبد زَمِناً فانياً، فوقع في حظه سبحانه، وبرِئَ من دعاوِي نفسه".
كلمات نقلتها من رسالة الأستاذ القشيري رحمه الله يتحدث فيها أوائل الصوفية الأولياءُ عن الولاية وشروطها وذوقهم لطريقها. نستأنس بهذه المقالات ثم نمر إلى مجلس المجد المنيف، مجلس سيد الأنبياء والأصفياء والأولياء سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسمعه يخبر خبر اليقين عن حقيقة وجود الأولياء. ثم لنا رجعة للشيخين الرفاعي والجيلاني لنسمع التفصيل.
روى الإمام أحمد من ثلاثة طرق، عن علي بن أبي طالب وعن أم سلمة وعن عبادة بن الصامت، حديث الأبدال. والأبدالُ صنْف من الأولياء لهم بينهم مرتبة خاصَّة. وللناس جدل دائم في حقيقة وجود أولياءَ يسمون أبدالا وأقطابا وغير ذلك. ما لي ولك ولِلْجَدل! إنما يَرُدُّ علوم الأولياء إذا لم تكن صادِمة للشرع كما قال الشوكاني. وخبر الأبدال من نُطق النبوءة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "الأبدال يكونون بالشام، وهم أربعون رجلا. كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا. يُسْقَى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويُصْرَف عن أهل الشام بهم العذاب".
ويخبر أهل المكاشفة من كبار الأولياء عن مراتب الولاية فيصدقهم من يرى مثلما يرون، ويُحسن الظنَّ من لم يكن حظه الحرمان، ويقول: "هذا كلام فارغ"، كما قالها قبله بعض علماء الأوراق، مِمَّن لا ينفتح قلبه لغير القال والقيل.
كأني بشاكٍّ مشكك جاهل بأقدار الأكابر يقول: هل نُقِل هذا عن ثقة مثل ابن تيمية ؟ لقد كفاك الثقة الصادق مؤونة اللف والدوران حين أجمل لك، من عتبَة الموت، ما يُفصِّله لك أمثالُ الإمام الرفاعي، وحين شبه الدون والأعلى بالبهيمة والملائكة. وهذا إمام آخر، ستقرأ في الفقرة التالية إن شاء الله رأي ابن تيمية فيه، يؤكد حقائق مراتب الأولياء فيقول: "المومن لا يأكل لنفسه وبنفسه، ولا يلبس لها، ولا يتمتع، بل يتقوَّت ليَتَقَوَّى على طاعة الله عز وجل. يأكل ما يثبت أقدام ظاهره بين يديه. يأكل بالشرع لا بالهوى. والولي يأكل بأمر الله عز وجل.
"والبدل الذي هو وزير القُطْب يأكل بفعل الله عز وجل، والقطب أكله وتصرُّفه كأكل النبي صلى الله عليه وسلم وتصرفه. كيف لا يكون كذلك وهو غلامه ونائبه وخليفته في أمته ! هو خليفة الرسول، خليفة الله عز وجل. هذا خليفةٌ باطنٌ وإمام المسلمين المتقدم عليهم خليفةٌ ظاهرٌ".[5].
وقال رحمه الله وقدس سره العزيز: "ومن صحَّتْ تبعيته للرسول صلى الله عليه وسلم ألبسه دِرْعا وخَوْذَة، وقلده بسيفه، ونحله من أدبه وشمائله وأخلاقه، وخلع عليه من خِلَعه، واشتد فرحُهُ به كيف هو من أمته، ويشكر ربه عز وجل على ذلك. ثم يجعله نائبا له في أمته، ودليلا وداعيا لهم إلى باب الحق عز وجل.
"كان هو الداعي والدليل، ولمَّا قبضه الحق عز وجل أقام له من أمته من يَخْلُفُه فيهم. وهم آحاد أفراد: من كل ألف ألف إلى أن ينقطع النفس واحدٌ. يدلون الخلق، ويصبرون على أذاهم مع دوام النصح لهم. يتبسمون في وجوه المنافقين والفُسَّاق، ويحتالون عليهم بكل حيلة حتى يُخَلِّصوهم مما هم فيه، ويحملوهم إلى باب ربهم عز وجل. ولهذا قال بعضهم رحمة الله عليه: لا يضحك في وجه الفاسق إلا العارف. يضحك في وجهه ويريه أنه ما يعرفه. وهو يعلم بخراب بيت دينه، وسواد وجه قلبه، وكثرة غِلِّهِ وكَدَره.(...)
"ويلكم! تظنون أنكم تَخْفَوْن على الصِّدِّيقين العارفين العالمين! إلى أيِّ وقت تضيعون عمركم في لا شيء! اطلبوا من يدلكم على طريق الآخرة! يا ضُلاَّلا عنها! الله أكبر عليكم! يا موتى القلوب! يا مشركين بالأسباب! يا عابدين أصنام حولهم وقُوَاهُم ومعايشهم ورؤوس أموالهم وسلاطين بلادهم وجهاتهم التي ينتمون إليها!
"إنهم محجوبون عن الله عز وجل"[6].
وقال الإمام الرفاعي ينادي الغافل: "أيها البعيدُ عنَّا! الممقوت منا! ما هذا منك يا مسكين! لوكان لنا فيك مقصد يشهد بحسن استعدادك، وخالص حبِّك إلى الله وأهله اجتذبناك إلينا، وحسبناك علينا، شئت وإن لا. لكن الحق يقال: حظُّك منعك، وعدم استعدادك قطعك. لو حسبناك منا ما تباعدت عنا. خذ مني يا أخي علم القلب! خذ مني علم الذوق! خذ مني علم الشوق! أين أنت مني يا أخا الحجاب! كُشف لي عن قلبك!"[7].
قلت: لا إله إلا الله! الله أكبر عليكم يا من قطعهم الشك وأردتهم التُّهمة!
وقال مشمِّر بباب الجود والشاكّون نيامٌ:
وذي خِـرَقٍ أخفى مضيـض اكتئـابه فَـنَــمَّ علـيـه دمعــه بانسـكـابـه
بكـت عينـه لمـا بكـت عيـن قـلبـه ولـولا بكـاء العـيـن لم يُــدْرَ ما به
أذاب بخـوف اللـه صحَّـة جسـمه وأبـلـى بتـقــواه رداء شـبــابـه
ولم يُـبْـقِ حـبُّ الله مـن جسمــه سوى خيال تُقِلُّ الأرضُ تحت ثيابه
تَـفَــرَّد بالمـولـى وفَــرَّ بنـفـسـه إلى جبـل يـأوى لـبـعـض شعـابـه
تــراه من الخـوف المبـرِّح والأسى كمَـيْـتٍ دعــاه ربُّـه لحـســابـه
يمر فلا يـدري من الخوف والـرَّجـا بـأي يـديــه أَخْــذُهُ لـكـتــابـه
إذا انصرف المحبـوب من عند ربه تبــادرت الأمـلاكُ أخـذَ ركــابـه
إلـى جنـة فيهـا حـريـر لـبـاسـه ودُرٌّ ومـرجــان ســروج دوابِّــه
وحـور كأمثـال البـدور نـواهِــد يلاعِـبْـنَـه في الخلـد جَـوْفَ قـبـابـه
إذا ما بـدت حـوراء منها بـوجههـا حكت بَـدْرَ تِـمٍّ قد بدا من سحـابـه
فـوجه حـكى التفـاح حمـرة خـدِّه ونهدٌ حكى الرمـان حسـن انتصـابه
فـرمـان هذا قـطـفـه في الـتــذاذه وتـفــاح هـذا نَـقْـلُـه فـي شــرابـه
بـنـفـسـي وليٌّ للإلـه مـشــمِّــر إذا رقـد الـنُّــوَامُ قـام بـبــابـه

وقلت:
الرَّكْبُ فَاتْ! الرَّكْبُ فَاتْ!
وطـفِـقْـتُ أسْكُــبُ من دموعــي السَّائحَــاتْ
الركب فاتْ! الركْب فاتْ!
نَمْ هَــانِـئــا مُـتـلَــذِّذاً طَــعْــمَ السُّـبــاتْ
الركب فاتْ! الركب فاتْ!
يَا حَسْرتي سَبَقَ الرِّجالُ وتِهْتُ في هَذي الحَيـاةْ




[1] قطر الولي ص 430.
[2] مدارج السالكين ج 2 ص 452.
[3] المصدر السابق ج 3 ص 163.
[4] ولاية الله ص 465.
[5] الشيخ عبد القادر في "الفتح الرباني" ص 196.
[6] المصدر السابق ص 107.
[7] البرهان المؤيد ص 42.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:55 PM
أولياء الله
بسم الله الرحمن الرحيم. )أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة(. اللهم أحمدك وأستعينك على هذا الأمر أن يقيم الناس دينك.
السمت كما قال ابن منظور هو "حسن النحو في مذهب الدين". وروى الضِّياء المقدسي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السمت الحسن جزء من خمسة (قال عياض: الصواب خمس) وسبعين جزءا من النبوة". وأشار السيوطي إلى الحديث بالصحة.
بأي شيء يتميز الأولياء عن كافة المومنين؟ في هذا الفصل ننوي إن شاء الله أن نلخص ونرتب ما سبق من معلومات ونكملها لتتجلى لنا صورة الولي العارف بالله أكثر.
قرأنا كيف قارن ابن تيمية العارف بالله بجنب عامة أهل الإيمان بالدُّرَّة في جنب البعْرة والملائكة في جنب البهيمة. كتب ذلك لأصحابه من السجن ليدلهم على أعلى الدرجات التي لا تنال إلا بمعرفة الله عز وجل و"الذوق والوجد". وقد أخذ نفس المقارنة الإمام الشوكاني، ونعيد كتابة نصه، قال: "والحاصل أن الخواطر الكائنة من أهل الولاية إذا لم تخالف الشرع فينبغي أن تكون مُسَلَّمَة لهم لكونهم أحباء الله وأولياءه وأهل طاعته وصفوة عباده. وليس لمن كان بالنسبة إليهم كالبهيمة بالنسبة للإنسان أو كالإنسان بالنسبة إلى الملائكة أن ينكر عليهم شيئا لا يخالف الشريعة"[1].
ونعيد نَصَّين لابن القيم تقرأ وراء كلماتهما الحدَبَ الشديد على تبليغ معنى لا تكفي العبارة لحمله، فيستدعى المجاز، ويستعان بالكناية، ويحسب الشاكُّ والمشكِّك أنها مبالغات فادحة، وما هي والله إلا الحقيقة نطقوا بها تحقيقا وكتبوها تصديقا. قال في مدارج السالكين: "ومن لم يعلم معنى وجود الله والفوز به فَلْيَحْثُ على رأسه الرماد، وليبك على نفسه"[2]. وقال: "وهذا أمر لا يصدق به إلا من ذاقه. فإنما يصدقك من أشرق فيه ما أشرق فيك. ولله در القائل:
أيا صاحبي! ما ترى نارهم؟ فقـال: تـرينـي مـا لا لأرى!
سقـاك الغـرام ولم يسقـنـي فأبصرت ما لم أكن مبصـرا"

الحنبليان المتشددان، ابن تيمية وتلميذه، هما أرفع الناس صوتا في الإخبار عن الولاية وذوقها ووجدها وعلومها القلبية وفتحها ونقص القاصرين في السلوك إليها. لم يجدا للإِدْلاَءِ بشهادتهما في الموضوع إلا أسلوب الشيخ عبد القادر، المنتسب إلى المذهب الحنبلي، عندما يستحثُّ الهمة الراقدة بقوله فيما يشبه التقريع: يا غلام! يا قفصا بلا طائر! وما بالقوم، ولا بالشوكاني من بعدهم، قصد إلى تبكيت أحد من خلق الله، إنما قصدهم أن يصيحوا بالبشارة والدلالة على باب خرجت منه إليهم عطايا "لا تخطر بالبال ولا تدور في الخيال". فأي لغة تسمو إلى العبارة عن الميزة العظمى التي لا يحلم بها أمل الحالمين غير المجاز والتقريع!
أما من أدخلوه الباب، بعد أن خرجت إليه التَّقْدِمات وهدايا الاستقبال، وأجلسوه على كرسي الكرامة فهو إما أخرسُ ألْجَمَه الفضل، أو كاتِمٌ قَيَّد لسانه العقل، أو سكران يهذي بما لا تفهمه العقول. ومن هذه الذريعة يدخل الزنديق ليبهرج في سوق العبارات المُعمّاة ليُروِّج لكفره. حَفظنا الله وحفظ بنا آمين.
وللمشككين المتذرعين بالحيطة المُتَسَرْبِلين بالريبة المتسلِّحين بالتهمة من مأدبة القوم رضي الله عنهم نصيب الحرمان. قال الشوكاني، لم يجد إلا لغة الشعر ليذُبَّ عن عقلك مقالات الشاكين: "فما أبعد ما جاء به المشككون في هذا الأمر (أمر الولاية) الذي لا يقبل التشكيك لا شرعا ولا عقلا بَلْ ولا عادة.(...). والمحروم من حرم ذلك:
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها سـواها ومـا طهّـرْتَها بالمدامـع!
وتلتذ منها بالحديث وقد جـرى حديث سواها في خروت المسامع
أُجِلُّك يا ليلـى عـن العـين إنمـا أراك بقلب خاشع لكِ خاضع"

قلت: ليس ظهور الكرامة شرطا في الولاية، وليس الولي محترفا للولاية لا تُعْرَفُ ولايته حتى يتقدم إلينا أشعثَ أغبر أو في لباسٍ ناصع البياض. الولي المفتوح له يعرف خصوصيَّة نفسه، وقبل ذلك وبعده فهو في موقعه من المجتمع: عالما واعظا، أو نجارا، أو تاجرا، أو عاطلا، أو غير ذلك. يصطفي الله عز وجل من عباده لولايته من يشاء، فيخرجه من الظلمات إلى النور، ويقربه حتى يكون سمعه وبصره ويده ورجله كما جاء في الحديث القدسي، وما يعلم تأويل ذلك إلا الله. العبرة أن يستيقظ فيك عامل الرجاء، أو عامل المنافسة، أو يستثيرك نداءٌ. العبرة أن تحدِّث نفسك بأن تكون لله وليا مثلما كانوا.
سأل إبراهيم بن أدهم رَضي الله عنه رجلا: أتحب أن تكون لله وليا؟ قال: نعم! فقال: "لا ترغب في شيء من الدنيا والآخرة. وفَرِّغْ نفسك لله تعالى. وأقْبِلْ بوجهك عليه ليُقْبِل عليك ويواليك".
وقال أبو يزيد البسطامي رحمه الله: "أولياء الله عرائس الله تعالى. ولا يرى العرائسَ المُجْرِمُون. فهم مُخَدَّرُون (أي محجوبون في الخِدْر) عنده في حجاب الأنس، لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة".
قلت: لا يراهم على حقيقتهم النورانية الروحانية إلا من كان مثلهم، فلا يعرفهم على حقيقتهم العاميُّ المحجوب دنيا ولا آخرة.
سئل الواسطي رحمه الله: كيف يغذَّى الولي في ولايته؟ فقال: "في بدايته بعبادته، وفي كهولته بسترته، وفي شيخوخته بلطافته. ثم يجذبه إلى ما سبق له من نعوته وصفاته، ثم يذيقه طَعْم قيامه به في أوقاته".
وقال أبو سعيد الخراز رضي الله عنه: "إذا أراد الله تعالى أن يُواليَ عبدا من عبيده فتح له باب ذكره. فإذا استلذَّ الذكر فتح له باب القرب.ثم رفعه إلى مجالس الأنس به. ثم أجلسه على كرسي التوحيد. ثم رفع عنه الحجب، وأدخله دار الفَردانيَّة، وكشف له عن الجلال والعظمة. فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هوىً. فحينئذ صار العبد زَمِناً فانياً، فوقع في حظه سبحانه، وبرِئَ من دعاوِي نفسه".
كلمات نقلتها من رسالة الأستاذ القشيري رحمه الله يتحدث فيها أوائل الصوفية الأولياءُ عن الولاية وشروطها وذوقهم لطريقها. نستأنس بهذه المقالات ثم نمر إلى مجلس المجد المنيف، مجلس سيد الأنبياء والأصفياء والأولياء سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسمعه يخبر خبر اليقين عن حقيقة وجود الأولياء. ثم لنا رجعة للشيخين الرفاعي والجيلاني لنسمع التفصيل.
روى الإمام أحمد من ثلاثة طرق، عن علي بن أبي طالب وعن أم سلمة وعن عبادة بن الصامت، حديث الأبدال. والأبدالُ صنْف من الأولياء لهم بينهم مرتبة خاصَّة. وللناس جدل دائم في حقيقة وجود أولياءَ يسمون أبدالا وأقطابا وغير ذلك. ما لي ولك ولِلْجَدل! إنما يَرُدُّ علوم الأولياء إذا لم تكن صادِمة للشرع كما قال الشوكاني. وخبر الأبدال من نُطق النبوءة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "الأبدال يكونون بالشام، وهم أربعون رجلا. كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا. يُسْقَى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويُصْرَف عن أهل الشام بهم العذاب".
ويخبر أهل المكاشفة من كبار الأولياء عن مراتب الولاية فيصدقهم من يرى مثلما يرون، ويُحسن الظنَّ من لم يكن حظه الحرمان، ويقول: "هذا كلام فارغ"، كما قالها قبله بعض علماء الأوراق، مِمَّن لا ينفتح قلبه لغير القال والقيل.
كأني بشاكٍّ مشكك جاهل بأقدار الأكابر يقول: هل نُقِل هذا عن ثقة مثل ابن تيمية ؟ لقد كفاك الثقة الصادق مؤونة اللف والدوران حين أجمل لك، من عتبَة الموت، ما يُفصِّله لك أمثالُ الإمام الرفاعي، وحين شبه الدون والأعلى بالبهيمة والملائكة. وهذا إمام آخر، ستقرأ في الفقرة التالية إن شاء الله رأي ابن تيمية فيه، يؤكد حقائق مراتب الأولياء فيقول: "المومن لا يأكل لنفسه وبنفسه، ولا يلبس لها، ولا يتمتع، بل يتقوَّت ليَتَقَوَّى على طاعة الله عز وجل. يأكل ما يثبت أقدام ظاهره بين يديه. يأكل بالشرع لا بالهوى. والولي يأكل بأمر الله عز وجل.
"والبدل الذي هو وزير القُطْب يأكل بفعل الله عز وجل، والقطب أكله وتصرُّفه كأكل النبي صلى الله عليه وسلم وتصرفه. كيف لا يكون كذلك وهو غلامه ونائبه وخليفته في أمته ! هو خليفة الرسول، خليفة الله عز وجل. هذا خليفةٌ باطنٌ وإمام المسلمين المتقدم عليهم خليفةٌ ظاهرٌ".[5].
وقال رحمه الله وقدس سره العزيز: "ومن صحَّتْ تبعيته للرسول صلى الله عليه وسلم ألبسه دِرْعا وخَوْذَة، وقلده بسيفه، ونحله من أدبه وشمائله وأخلاقه، وخلع عليه من خِلَعه، واشتد فرحُهُ به كيف هو من أمته، ويشكر ربه عز وجل على ذلك. ثم يجعله نائبا له في أمته، ودليلا وداعيا لهم إلى باب الحق عز وجل.
"كان هو الداعي والدليل، ولمَّا قبضه الحق عز وجل أقام له من أمته من يَخْلُفُه فيهم. وهم آحاد أفراد: من كل ألف ألف إلى أن ينقطع النفس واحدٌ. يدلون الخلق، ويصبرون على أذاهم مع دوام النصح لهم. يتبسمون في وجوه المنافقين والفُسَّاق، ويحتالون عليهم بكل حيلة حتى يُخَلِّصوهم مما هم فيه، ويحملوهم إلى باب ربهم عز وجل. ولهذا قال بعضهم رحمة الله عليه: لا يضحك في وجه الفاسق إلا العارف. يضحك في وجهه ويريه أنه ما يعرفه. وهو يعلم بخراب بيت دينه، وسواد وجه قلبه، وكثرة غِلِّهِ وكَدَره.(...)
"ويلكم! تظنون أنكم تَخْفَوْن على الصِّدِّيقين العارفين العالمين! إلى أيِّ وقت تضيعون عمركم في لا شيء! اطلبوا من يدلكم على طريق الآخرة! يا ضُلاَّلا عنها! الله أكبر عليكم! يا موتى القلوب! يا مشركين بالأسباب! يا عابدين أصنام حولهم وقُوَاهُم ومعايشهم ورؤوس أموالهم وسلاطين بلادهم وجهاتهم التي ينتمون إليها!
"إنهم محجوبون عن الله عز وجل"[6].
وقال الإمام الرفاعي ينادي الغافل: "أيها البعيدُ عنَّا! الممقوت منا! ما هذا منك يا مسكين! لوكان لنا فيك مقصد يشهد بحسن استعدادك، وخالص حبِّك إلى الله وأهله اجتذبناك إلينا، وحسبناك علينا، شئت وإن لا. لكن الحق يقال: حظُّك منعك، وعدم استعدادك قطعك. لو حسبناك منا ما تباعدت عنا. خذ مني يا أخي علم القلب! خذ مني علم الذوق! خذ مني علم الشوق! أين أنت مني يا أخا الحجاب! كُشف لي عن قلبك!"[7].
قلت: لا إله إلا الله! الله أكبر عليكم يا من قطعهم الشك وأردتهم التُّهمة!
وقال مشمِّر بباب الجود والشاكّون نيامٌ:
وذي خِـرَقٍ أخفى مضيـض اكتئـابه فَـنَــمَّ علـيـه دمعــه بانسـكـابـه
بكـت عينـه لمـا بكـت عيـن قـلبـه ولـولا بكـاء العـيـن لم يُــدْرَ ما به
أذاب بخـوف اللـه صحَّـة جسـمه وأبـلـى بتـقــواه رداء شـبــابـه
ولم يُـبْـقِ حـبُّ الله مـن جسمــه سوى خيال تُقِلُّ الأرضُ تحت ثيابه
تَـفَــرَّد بالمـولـى وفَــرَّ بنـفـسـه إلى جبـل يـأوى لـبـعـض شعـابـه
تــراه من الخـوف المبـرِّح والأسى كمَـيْـتٍ دعــاه ربُّـه لحـســابـه
يمر فلا يـدري من الخوف والـرَّجـا بـأي يـديــه أَخْــذُهُ لـكـتــابـه
إذا انصرف المحبـوب من عند ربه تبــادرت الأمـلاكُ أخـذَ ركــابـه
إلـى جنـة فيهـا حـريـر لـبـاسـه ودُرٌّ ومـرجــان ســروج دوابِّــه
وحـور كأمثـال البـدور نـواهِــد يلاعِـبْـنَـه في الخلـد جَـوْفَ قـبـابـه
إذا ما بـدت حـوراء منها بـوجههـا حكت بَـدْرَ تِـمٍّ قد بدا من سحـابـه
فـوجه حـكى التفـاح حمـرة خـدِّه ونهدٌ حكى الرمـان حسـن انتصـابه
فـرمـان هذا قـطـفـه في الـتــذاذه وتـفــاح هـذا نَـقْـلُـه فـي شــرابـه
بـنـفـسـي وليٌّ للإلـه مـشــمِّــر إذا رقـد الـنُّــوَامُ قـام بـبــابـه

وقلت:
الرَّكْبُ فَاتْ! الرَّكْبُ فَاتْ!
وطـفِـقْـتُ أسْكُــبُ من دموعــي السَّائحَــاتْ
الركب فاتْ! الركْب فاتْ!
نَمْ هَــانِـئــا مُـتـلَــذِّذاً طَــعْــمَ السُّـبــاتْ
الركب فاتْ! الركب فاتْ!
يَا حَسْرتي سَبَقَ الرِّجالُ وتِهْتُ في هَذي الحَيـاةْ




[1] قطر الولي ص 430.
[2] مدارج السالكين ج 2 ص 452.
[3] المصدر السابق ج 3 ص 163.
[4] ولاية الله ص 465.
[5] الشيخ عبد القادر في "الفتح الرباني" ص 196.
[6] المصدر السابق ص 107.
[7] البرهان المؤيد ص 42.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 07:55 PM
الشيخ عبد القادر
بسم الله الرحمن الرحيم. )ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى(. اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة.
سأل الشيخ العارف علي بن إدريس الإمام عبد القادر: "يا سيدي، هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ فأجاب: ما كان ولا يكون!"[1].
مثل هذه الشهادة الصادقة جعلت من الشيخ عبد القادر حلقة وصل مهمة بين الصوفية والمحدثين الحنابلة، حلقة متواصلة من شيخ الإسلام الهِرَوي الحنبلي إلى الشيخ عبد القادر المنسوب للحنبلية إلى المحدثين الحنابلة في القرن السابع والثامن ابن تيمية وتلامذته.
عن يقين يكتب الشيخ عبد القادر ما يُثلج صدور الحنابلة في كل عصر، وهم الشديدو الحساسية في أمور العقيدة منذ وقوف الإمام أحمد الصامد في وجه القدرية والمعطلة الجهمية وفي بدعة القول بخلق القرآن.
كتب الشيخ عبد القادر في الغنية: "اعلم أنَّ لأهل البدع علامات يُعرفون بها. فعلامة أهل البدعة الوقيعة في أهل الأثَرِ، وعلامة الزنادقة تسميَتُهم أهل الأثر بالحشوية، ويريدون إبطال الآثار. وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر مُجْبِرةً وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مُشَبِّهَةً. وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة ناصبَةً. وكل ذلك عصبية وَغِياظٌ لأهل السنة، ولا اسم لهم إلا اسم واحد، وهو: أصحاب الحديث. ولا يلتصق بهم ما لقبهم به أهل البدع كما لم تلتصق بالنبي صلى الله عليه وسلم تسمية كفار مكة ساحرا وشاعرا ومجنونا ومفتونا وكاهنا"[2].
هذا الدفاع المبين عن حوزة السنة والجماعة وأهل الحديث جعل من الشيخ عبد القادر رضي الله عنه قُرَّة عين الحنابلة جيلا بعد جيل من بين سائر الأولياء والصوفية. قال ابن العماد الحنبَلي في ترجمته للشيخ: "سارت بفضله الركبان، ولُقِّبَ بمجمع الفريقين (أي الصوفية والفقهاء المحدثين)، وموضِّح الطريقين، وكريم الحدَّين، ومعلم العراقين. وتَلْمَذ له أكثر الفقهاء في زمنه. ولبس منه الخرقة المشايخ الكبار. صار قطبَ الوجود(...). وكراماته تخرج عن الحد، وتفوت الحصر والعد(...). وتاب على يده معظم أهل بغداد. وأسلم مُعظمُ اليهود والنصارى على يديه"[3].
ثم ينْقل كلاما للفقيه الحنبلي الكبير، أحد أساطين المذهب، موفَّق الدين ابن قدامة فيقول: "قال الشيخ موفق الدين وقد سئل عن الشيخ عبد القادر: أدركناه في آخر عمره، فأسكَنَنَا مدرسته. إلى أن قال: ولم أسمع عن أحد يُحْكَى عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عنه، ولا رأيت أحدا يعظمه الناس من أهل الدين أكثر منه".
وينقل بعد ذلك شهادة سلطان العلماء الشافعي العز بن عبد السلام، مما يدل على إجماع الأمة على فضل الإمام، فيقول: "وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام. ما نقلت إلينا كرامات أحد بالتَّواتُرِ إلا الشيخ عبد القادر".
ثم يُعْقِبُ بشهادة ابن رجب الحنبلي الذي قال: "ظهر الشيخ عبد القادر للناس، وجلس للوعظ بعد العشرين وخمسمائة. وحصل له القبول التام من الناس. واعتقدوا ديانته وصلاحه. وانتفعوا بكلامه. وانتصر أهل السنة بظهوره. واشتهرت أحوالُه وأَقوالُه وكراماتُه ومكاشفاتُه. وهابه الملوك فمن دونهم".
ننتقل الآن قرنا ونصفا بعد وفاة الإمام عبد القادر ناصر السنة لنجد المعارك بين المذاهب والطوائف أشد ما كانت، ولنجدَ ابن تيمية وتلامذته الحنابلة وسط المعركة.وفي مكتوبات الجدل التيمي نجد للشيخ عبد القادر مكانة خاصَّةً، وتقديرا متميزا لا يعطيه أحدا من أهل الطريق قبله ولا بعده. بل إنك لا تجد ابن تيمية يترضى بلفظ "رضي الله عنه" على أحد بعد الصحابة إلا على عبد القادر.
لا حول ولا قوة إلا بالله! كيف دار الزمان حتى أصبح يُدْلَى عند ذكر الإمام عبد القادر بشهادة ابن تيمية ومدرسته، وكأن الدليل على الشمس وتزكية قدرها يُسمَعُ فيهما لشهادة الكواكب والأقمار. سبحان الله كيف انحجب عن البصائر نور الولاية بتراكم المعقول على المنقول حتى يحتاج تثبيت الحق إلى مرافعات مشتبكات! الإمام عبد القادر هو الإمام عبد القادر، شمس في أعالي سماء الولاية. والعلماء المجتهدون لا يدورون في ذلك الفلك. فسبحان من جعل بعض المسلمين لبعضهم فتنة. "أتصبرون. وكان ربك بصيرا".
وبعد فلشيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله وَلوع بالشيخ عبد القادر، وتسليم له، وشغفٌ بكلامه وإفاداته. يستشهد بها ويشرحها في خضوع تامٍّ واستحسان. لا كما يفعل مع غيره من الصوفية وغيرهم. وكأن توفيق الله عز وجل وسابقة ابن تيمية وصدقه عصمه من الاعتراض على هذا المقام الجليل. وإن كان في كتب الإمام عبد القادر، خاصة الغنية، من الأحاديث ما لا يعترف بصحته المحدثون المحققون كابن تيمية . وفي الغُنية ما فيها.
ولعل الله تعالى يَذْخَر للشيخ عبد القادر في مستقبل الدعوة أن يكون حَلَقَةَ وصل، وحلَقَةَ صُلْح بين الحق وبين التحامُلِ على الصوفية، هذا التحامل الذي يحترفه أتباع حَرفيُّون ينتسبون لابن تيمية . ابن تيمية يرفع الشيخ عبد القادر على الرأس والشيخ عبد القادر واسطة من وسائط عقد الولاية والسلوك. وأهل السلوك والولاية كانوا هم الصوفية.
وما من همٍّ لنا في هذه المرافعات الطويلة إلا أن نُصَوِّبَ الحكم على ماضينا وحاضرنا لنتجاوز فتن الطائفية والمذهبية باطمئنان، مرتفعين إلى أفق السلوك الجهادي على المنهاج النبوي الكامل المكتمل. ذلك السلوك الذي حَافظ الصوفية على جوهره، وحافظ المحدثون على خبره وأثره، واشتق منه الفقهاء اشتقاقا، وعانده حُكَّام الجور شقاقا ونفاقا.
ليس همنا ولا طلبنا من الله الملك الوهاب أن نقبل هروبَ الصوفية من قدر الله الجهادي إلى قدر الله في ظل البيوت وهاجرةِ الصحارِي، ولا أن نقتدي بأهل الجدل، ولا أن نُهادن السلطان المخاصمَ للقرآن بوجه.
من شروح ابن تيمية لكلام الشيخ عبد القادر قوله: "قال الشيخ أبو محمد عبد القادر في كتاب "فتوح الغيب". لابد لكل مومن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء: أمر يمتثله، ونهيٍ يجتنبه، وقَدَرٍ يرضى به(...). هذا كلام شريف جامع، يحتاج إليه كل واحد"[4].
قلت: إذا علمت أن كتاب "فتوح الغيب"، وهو كتاب نفيس، مليء. بالغامضات من كلام القوم ومصطلحاتهم، قدَّرت "تنازل" ابن تيمية وسكوته واستحسانه لكلام الشيخ الشريف حقا حقا. ومن توفيق الله عز وجل لابن تيمية وأمثاله أن يتلقَّوا كلام الشيخ عبد القادر وأمثاله بالتَّسليم والتلمذة. عاصر ابن الجوزي في صدر شبابه، في بغداد، الشيخ عبد القادر، فلم يستفد منه ولم يسْعَ إليه. وطفق يكتب أن المكاشفة كلام فارغ.
من عناية ابن تيمية بمقام عبد القادر أنه اهتم برواية رؤيا كتبها كما تكتب الأحداث المهمة، ودوَّنها كما تُدَوَّنُ الوثائق الموثوقة. قال: "حدثني أبي عن محيي الدين بن النحاس، وأظننِي سمعتها منه، أنه رأى الشيخ عبد القادر في منامه وهو يقول إخبارا عن الحق تعالى: "من جاءنا تلقيناه من البعيد. ومن تصرَّف بحولنا ألَنَّا له الحديد. ومن اتبع مرادَنا أردنا ما يريد. ومن ترك من أجلنا أعطيناه فوق المزيد"[5]. قال ابن تيمية : قلت: "هذا من جهة الربِّ تبارك وتعالى"، وجعل يشرح معاني الرؤيا شرحا طويلا. وإنما مقصوده رحمه الله أن يَنْسُبَ الكلام الوارد على لسان الشيخ إلى الحضرة الإلهية، وهي وحدها الخليقة بذلك، لينبه، من طرفٍ خَفِيٍّ لطيف، إلى شرك العامة الذين يرون وليا ينطق بمثل هذا الكلام فيَؤول بهم الجهل والجهالة إلى عبادة القبور نعوذ بالله.
ويأتي ابن تيمية بنص طويل للشيخ الإمام يتابعه بالشرح والموافقة والاستحسان. يبدأه بالترحم على الروح الطاهرة قائلا: "قال الشيخ عبد القادر قدس الله روحه: "افْنَ عن الخلق بحكم الله، وعن هواك بأمره، وعن إرادتك بفعله. فحينئذ تصلح أن تكون وعاء لعلم الله(...). قال الشيخ رضي الله عنه: وعلامة فناء إرادتك بفعل الله أنك لا تريد مُراداً قط، فلا يكون لك غرض، ولا تقف لك حاجة ولا مَرامٌ، لأنك لا تريد مع إرادة الله سواها"[6].
ويلخص شيخ الإسلام من كلام الإمام ليستفيض كعادته في تفصيل موضوع الإرادة واختلاف الصوفية، منذ عهد الجُنيد قدس الله روحه، في مدلولها. ويُبْرِزُ شيخ الإسلام ما عنده من اطلاع واسع، وقدرة على الاحتجاج والتوليد والتفريع.
نعود من سياق الشهادات الخارجية لنسمع كلام الإمام عبد القادر وهو يشهد على نفسه بنِعَمِ ربه جل وعلا. وشهادة العدول أمثاله على أنفسهم أوثق، كقول سيدنا عيسى عليه السلام: )وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ( (سورة مريم، الآية: 31).
قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: "ويحك! تخفي أمرك علي وهو لا يَخْفى! تظهر لي أنك طالب الآخرة وأنت طالب الدنيا! هذا الهوس الذي في قلبك مكتوب على جبينك. سرُّك في علانيتك. الدينار الذي في يدك بَهْرَجٌ فيه دانق من ذهب والباقي فضة. لا تُبَهْرِج علي فإني رأيت كثيرا مثله؟ سلِّمه إلي ومكنِّي منه حتى أسْبِكه وأخلِّص ما فيه من ذهب وأرمي الباقي. جيِّد قليل خير من رديءٍ كثير. مكِنِّي من دينارك فأنا ضرَّاب وعندي آلة ذلك!"[7]. يقصد الشيخ بالدينار الزائف قلب المريد، وهو رضي الله عنه طبيب القلوب وسبّاكها، عنده آلة ذلك عطاء من المولى الكريم.
وقال: "يا من اعتزل بزُهده مع جهله! تقدم واسمع ما أقول. يا زُهاد الأرض! تقدموا خرِّبوا صوامعكم واقربوا مني! قد قعدتم في خلواتكم من غير أصل. ما وقعتم بشيء. تقدموا والقطوا ثمار الحكم رحمكم الله. ما أريد مجيئكم لي، بل أريده لكم"[8].
وقال: "يا قوم!(...). اطلبوا مني كِسْوةً لأديانكم! اتبعوني فإني على جادَّة الرسول صلى الله عليه وسلم. أنا تابع له في أكله وشربه ونكاحه وأحواله وما كان يشير إليه. لا أزال كذلك حتى أقع بمراد الله عز وجل منى"[9].
وقال: "يا خلق الله! إني أطلب صلاحكم ومنفعتكم في الجملة. أتمنى غلق أبواب النار وعدمها بالكلِّية، وأن لا يدخلها أحد من خلق الله عز وجل، وفتح أبواب الجنة وأن لا يمنع من دخولها أحد من خلق الله عز وجل. وإنما تمنَّيت هذه الأمنية لاطلاعي على رحمة الله عز وجل وشفقته على خلقه. قعودي لمصالح قلوبكم وتهذيبها لا لتعبير الكلام وتهذيبه. لا تهربوا من خشونة كلامي، فما رباني إلا الخشن في دين الله عز وجل. كلامي خشن وطعامي خشن، فمن هرب مني ومن أمثالي لا يفلح"[10].
وقال: "اسمعوا مني واعقلوا ما أقول، فإني غلام من تقدم. أقف بين أيديهم، وأنشر أمتعتهم، وأنادي عليها، ولا أخونهم فيها، ولا أدَّعيها ملكا أبداً. كلامي بكلامهم، وإني من عندهم، والبركة من الله عز وجل.
"أهلني الله عز وجل ببركات متابعتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبِرِّي بوالدي ووالدتي رحمهما الله عز وجل. وافقته على ذلك ورضيت بفعله. كانا من أهل الصلاح والديانة والشفقة على الخلق. وما علي منهما (أي يرجع إليهما الفضل فيه).
"أتيت إلى الرسول والمرسل (سبحانه). بهما أنجح. كل خيري ونعمتي معهما وعندهما. ما أريد من الخلق سوى محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الأرباب غير ربي عز وجل.
"يا عالمُ! كلامك من لسانك لا من قلبك! من صورتك لا من معناك! القلب الصحيح يهرب من الكلام الذي يخرج من اللسان دون القلب فيصير عند سماعه كالطير في القفص والمنافق في المسجد"[11].
وقال محب شفَّه الشوق فهو في حجابه كالطير في قفصه:
والذي بالـبُـعـد والبَـيْـنِ رمـاني ما تذكـرت الحمـى إلا شَجـاني
حبـذا أهـل الحِمـى من سـاكـن شـفـني الشـوق إليهـم وبـراني
كـلمـا رمـت سُـلُــوّاً عـنـهــم جـذب الـشـوق إليهم بعـنـاني
أحسـد الطـيـر إذا طـارت إلى أرضهـم أو أقـلـعـت للطـيــران
أتـمـنــى أنَّـنـي أصـحـبـهــا نحوكم لو أنـني أُعْـطى الأمـاني
لا تـزيـدونـي غـراما بـعـدكـم حـل بي من بُعدِكم ما قد كفـاني
ذهـب العـمـر ولم أحـظ بكـم وتَـقَـضَّـى في تَـمَـنِّـيـكم زمـاني
يا خليلـيّ احفـظـا العهـد الذي كنتـما قبل النَّـوى عـاهـدتمـاني
واذكـراني مثـل ذكـري لكـمـا فمن الانصـاف أن لا تَـنْـسَـيَـاني
واسـألا مـن أنـا أهـواه علـى أيِّ جُـرْمٍ صـدَّ عـني وجـفـاني؟

وقلت:
والذي أعبُـدُه ما لذَّ لي الْــ عَيْـشُ بَعيــداً عَنْ حِمـاكُـمْ
لاَ، وَلا قَــرَّ قَــراري لَـحْــ ظَـةً حَتَّـى أوَافِــي فأراكُــمْ
انْـفَحُــونــا نَفْحَــةً تُحيــي رُفاتي والحظونا منْ ذُراكــمْ




[1] شذرات الذهب ج 4 ص 201.
[2] ج 1 ص80 .
[3] الشذرات ج 4 ص 199.
[4]. الفتاوي ج 10 ص 455-456.
[5] الفتاوي ج 10 ص 549.
[6] المصدر السابق ص 490 وما بعدها.
[7] الفتح الرباني ص 56.
[8] الفتح الرباني ص 95.
[9] المصدر السابق ص 161.
[10] المصدر السابق ص 206.
[11] المصدر السابق ص 278.

عمرسعيدالحسني
08-21-2011, 08:07 PM
أولياء الله وأولياء الطَّاغوت
بسم الله الرحمن الرحيم. )إنّا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا(. اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ومحمد نعوذ بك من النار.
قال الله عزوجل: )اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ( (سورة البقرة، الآية: 256). الطاغوت كما قال الراغب رحمه الله: "عبارة عن كل مُتَعَدٍّ وكل معبود من دون الله".
وقال عز من قائل: )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ( (سورة النساء، الآية: 60). قال ابن كثير رحمه الله: إن معنى التحاكم إلى الطاغوت هو التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وقيل إن الآية نزلت في جماعة من المنافقين أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية.
ما زال الخصام والقتال بين الإسلام والجاهلية قائما منذ بعث الله الأنبياء عليهم السلام. وقد حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاغوت الجاهلي بشقيه: التعدي في الحكم وعبادة الأوثان. واستمر القتال بين بقايا الجاهلية ورواسبها وكرَّاتها على المسلمين وبين علماء الأمة العاملين أولياء الله منذئذ. بيد أن الاعتداء الأموي، ثم سائر الحكم بعده، على المشروعية الإسلامية في الحكم قلص تدريجيا مجال المواجهة بين العلماء والمصلحين وبين الطاغوتية، حتى آل الأمر إلى مهادنة بين أولياء الله وأولياء طاغوت الاعتداء، وانصرف أولياء الله لحرب طاغوتية البدع والشرك. تارة تكون مصلحةُ الحاكم أن يترك العلماء لـمُهمتهم في النهي عن المنكر، وتارة يكون المنكر هوسند الحاكم وقاعدته فيتحالف الطاغوتان. يتراوح الأمر بين حالة الحاكم الصالح يكون في طليعة أولياء الله كما كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وبين حالة دولة طاغوتية في مبادئها ومبانيها كالدولة العبيدية، وبين انحراف جاهلي محض كانحراف الطاغوت المغولي أكبر. وهذه أمثلة لا نقصد بها حصر الأنواع ولا حصر الأحداث.
في القرن الخامس صال السيف السلجوقي المغتصب صولته في ظلِّ الرمزية العباسية. وصالت الفتن الباطنية صولتها في خضم الطائفية والمذهبية والفلسفة والزندقة. فآثر ولي من أولياء الله، هو الإمام الغزالي، أن يحارب طاغوتية العقيدة وأن يحتفظ على سلامة الدين ووحدة الأمة بالوقوف إلى جنب المستظهر بالله العباسي يشيد بمقامه في كتابة "الرد على الباطنية"، وآثر الانضمام إلى نظام الملك وزير السلاجقة في صدر حياته. فلما سلك الطريق وأصبح من العارفين بالله احتفظ بخصوصيته واستقلاله في زاويته مع مريديه. لكنه لم يخاصم السلطان، بل انتظر من سيف السلطان أن يتدخل ليبيد طاغوت العقيدة.
قال في رسائله عن المتصوفة الضَّالِّين المضلين: "وفي الحقيقة أنهم أسوأ الخلق وأرْدأ الأمة. وعلاجهم البأسُ ولا تفيدهم المناظرة ولا النصيحة. فمن الواجب استئصالهم وقمعهم وإراقة دمائهم. ولا طريق سوى هذا في إصلاحهم"[1].
وجاء بعد الغزالي من استَعْدى سيف الطاغوتية السلطانية على الطاغوتية الشيطانية. من أولياء الله الذين فعلوا ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية . وإن موقفه لمحيرٌ متناقض، لا يفهم إلا بالدراسة العميقة لحالة مصر والشام في زمانه تحت السيف المملوكي الذي كان درعا للإسلام وشوكة له ضد الغزو المغولي، ومن ثم اكتسب هيبة ومشروعية واقعية رغم فساده الفظيع.
قال ابن تيمية في فتاويه يحكي واقعته في بلاط الناصر قلاوون ومرافعته ضد البطايحية، وهم طائفة من المتصوفة الضالين: "فقال (السلطان): فبأي شيء تبطل هذه الأحوال (الشيطانية)؟ فقلت: بهذه السياط الشرعية! فأُعجب الأمير وضحك وقال: إي والله! بالسياط الشرعية نبطل هذه الأحوال الشيطانية! كما قد جرى مثل ذلك لغير واحد. ومن لم يُجِبْ إلى الدين بالسياط الشرعية فبالسيوف المحمدية"[2]. قال شيخ الإسلام: "وأمسكت سيف الأمير وقلت: هذا نائب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلامه، وهذا السيف سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن خرج عن كتاب الله وسنة رسوله ضربناه بسيف الله".
كيف ارتكب علماؤنا أخفَّ الضررين، حسب القاعـدة الأصولية، وكيف سكتوا عن طاغوتية الاعتداء واستظهروا بها على طاغوتية الشرك والبدعة والضلالة؟ هذا ما بسطناه في كتاب غير هذا[3]. وفَهْمُه مفتاح ضروري لدخول المستقبل الجهادي، مستقبل الخلافة الثانية التي يكون فيها سيف الأمير سيف الشرع حقا، ويكون الأمير غُلاَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقا.
من شيخ الإسلام ننتقل إلى ولي لله من العلماء العاملين في ظروف أخرى تجاه طاغوتية مزدوجة، بل مثلثة مربعة. ذاك هو الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الذي بارز الشرك في زمن ومكان عادت فيهما الجاهلية الجهلاء كرتها بين أعراب نجد.
محمد بن عبد الوهاب حلقة وسطية ومرحلة لا محيد عن وعي أهميتها في تطور الفكر السلفي الذي تحول إلى شعار لرفض التصوف ورجاله. انحطَّ المتصوفة في عصر ابن عبد الوهاب انحطاطا أفظع مما عرفه عصر ابن تيمية . شاع الاحتراف والتدجيل، وأصبحت الآستانة، عاصمة السيف العثماني، معرضا للأزياء "الصوفية" والألوان والبَيَارِق والمواسم والشَّطَحَات. وفي صفوف الشعب وفي حواشي بلاد الإسلام استبدت الشعوذة بالناس، وفشت عبادة الأشجار والأحجار والقبور. كان لأهل "منفوحة" باليمامة نخلة يعتقدون أن من جاءها من العوانس تزوجت. وكان في بلدة ابن عبد الوهاب "الدرعية" غارٌ يحج إليه الناس، وكان، ولا يزال، في كل بقعة وثنيةٌ وفساد كبير. كان من أكثر الطوائف المنتسبة للتصوف زوراً وكُفُوراً طائفة البكتاشية الذين كانت تقصدهم نساء العامة فيحبُلْنَ في الساعة "ببركة" الفسقة الفجرة في حفلات للفجور تحميها الدولة كما تحمي سائر مظاهر الدروشة والشعوذة.
استعان محمد بن عبد الوهاب الحنبلي المتضلع من فقه ابن تيمية وعلومه بسيف القبليَّة وقيادة عشيرة آل سعود، وجنَّد "الاخوان" الموحدين، وخاض حملات على معاقل الشرك حتى أخاف الدولة العثمانية. فجهزت له جيوشا حتى كسرت شوكة دعوته بحَدِّ السيف. وشنَّت عليه حربا دعائية رمته فيها بأنه وأتباعه يفسرون القرآن برأيهم، وبأنهم خالفوا علماء المسلمين، وبأنهم يقللون من شأن النبوة.
وكان لِهَدْم "الإخوان" قباب الأضرحة، دمَّروا كل مشاهد الشيعة في كربلاء حيث امتد نفوذهم إلى العراق، ورفعهم بعض الحُلِيِّ والزينة من قبر الرسول صلى الله عليه وسلم الأثرُ السيِّئ على الرأي العام الذي كانت تَغْزوه الخرافية الشكليَّة ويستغل الحاكم العثماني سذاجته.
أما العلماء فتعاطفوا، كثير منهم إلى عصر الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، مع الفكر الوهابي. يقول معاصر محمد بن عبد الوهاب الشيخ محمد بن اسماعيل الأمير الفقيه المحدث اليمني عن إمام "الإخوان":
"وقـد جـاءت الأخبـار عنـه بأنـه يعيـد لنا الشـرع الشـريف بما يبدي
وينشـر جهـراً ما طـوى كل جاهـل ومـبـتـدع منه، فـوافـق مـا عـنـدي
ويعمُـرُ أركـان الشـريعـة هـادمـا مشاهد ضل الناس فيها عن الرشـد"

هذا الانعطاف إلى الصفاء السُّني رصيد سُمْعَةٍ لا تزال تتمتع به الحركة السلفية منذ عهد ابن عبد الوهاب، رغم أن سيف العشائرية طوى الدعوة منذ زمان، ورغم أن الحرب المعلنة على طاغوتية البدع والشرك والقبور لم تعد إلا مَلْهاة تمولها وتخرج مسرحيتها اليد الماكرة، يد الطاغوت السلطاني، لتحظى الدولة العشائرية في عين العامة بالذكر الطيب، يحمل مباخر السلطان زعماء السلفية السائرون في الركاب الشديد البطش والبأس على العباد.
كان في الهند، قبل محمد بن عبد الوهاب، وليٌّ من أكابر الأمة هو الشيخ الإمام أحمد السرهندي. قام في وجه الطاغوت السلطاني كما قام لحرب الطاغوت الشيطاني. أحيى الله به السنة وأمات به البدعة. قاوم الملك المغوليَّ أكبر الذي ادعى النبوة وفرض على المملكة دينا من عنده. ودخل سجنه، واستمرت دعوته حتى ربَّى رجالا كان لهم بعد موت الطاغية الفضل في بقاء الإسلام وبقاء السنة في تلك الربوع. يزعم بعض الباحثين أن الشيخ السِّرهندي تأثر بالفكر التيمي السلفي كما تأثر به من بعده ولي الله الدهلوي والمجاهد الشيخ أحمد بن عرفان. والحق أن مجدد الألف الثانية أحمد السرهندي كما يلقبه علماء الهند، مُرَبٍّ أصيلٌ، شيخ سلك على الطريقة النقشبندية، لا ينتظر مثله أن يسمع خبر السنة من أمثال ابن تيمية، ولا يصح بوجه أن يقارن اسمه في ذكر أكابر الأمة باسم ابن عبد الوهاب، وإن كان في كل خير. الشيخ السرهندي رحمه الله قمة شامخة في سماء الولاية.
وحمل لواء السنة على واجهتَي الطاغوت وليٌّ آخر في صحراء ليبيا وتخوم إفريقيا السوداء هو الإمام محمد السنوسي. زعموا غَمْطاً لحقه أنه تأثر بفكر ابن عبد الوهاب. وهو كان صوفيا عالما جامعا: أي أنه كا سُنِّيّاً كاملا، جمع إلى علمه الواسع وربانيته المربية النهوض بواجب جهاد الدعوة حتى غزته الجنود العثمانية فجاهدها بالسيف. ذلك السيف الخالص من كل طاغوتية، الذي حارب به فيما بعد عمر المختار الاستعمار الإيطاليَّ.
من بعد هؤلاء برز في الجزائر العالم المجاهد الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي تغذَّى بفكر الشيخ رشيد رضا، فكان يلقبه "حجة الإسلام". اضطر هذا الجَهْبَذ من جهابذة العلماء إلى مصانعة الاستعمار الفرنسي الحاطِّ بكَلْكَلِه على البلاد. واضطُر، وهو في جهوده التأسيسية لتأليف جماعته، أن يدخل في صراع متواصل مع الطرقيَّة المتصوفة الذين كان طائفة منهم يحاربونه من أجل إنكاره عليهم، وطائفة ما هم إلا "خفراء الظلمة" كما يعبر ابن تيمية، مع الحاكم، مع الواقع، بدون قيد ولا شرط، يحسبون أن القدر النازل لا يريد من العباد إلا الرضوخ، لم يترقَّوا إلى منزلة مقاومة القدر بالقدر، تلك المنزلة الشامخة التي منها نطق الشيخ عبد القادر بكلمته المدوية في كتب ابن تيمية .
قال الإمام عبد القادر: "غاية همة المومن العارف العالم باب قربه من الحق عز وجل، وأن يصل قلبه إليه في الدنيا قبل الآخرة. القرب من الحق عز وجل غاية خطوات القلب، ومسارة السر.
"إني أراك في قيام وقعود، وركوع وسجود، وسهر وتعب، وقلبك لا يبرح من مكانه، ولا يخرج من بيت وجوده، ولا يتحول عن عادته. اصدق في طلب مولاك عز وجل وقد أغناك صدقك عن كثير من التعب. انقر بيضة وجودك بمنقار صدقك، وانقض حيطان رؤيتك للخلق والتقيُّد بهم بمعاول الإخلاص وتوحيدك. اكسر قفص طلبك للأشياء بيد زُهْدِكَ فيها. وطر ب